الصور النشاطات السيرة  
الصور النشاطات السيرة  
الصوتيات المرئيات الکتب  
الصوتيات المرئيات الکتب  
الإتصال بنا القائمة العامة الإستفتائات  
الإتصال بنا القائمة العامة الإستفتائات  
       
 
   علوی.نت . العربیة . مکتبة الکتب . رسالات الإسلامیة . المجلد الثامن - 8 . القصاص علی ضوء القرآن و السنة - 1 . 22 .  

بعد  فهرست  قبل 

القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 337
الشرط الثالث أن لا يكون القاتل أبا للمقتول‏
لا يقتل الوالد بولده (1)، دون العكس فإنه يقتل الولد بوالده، و قبل الورود الجواهر ج 42 ص 169 الشرط الثالث: (ان لا يكون القاتل أبا فلو قتل) والد (ولده لم يقتل به) بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى النصوص من الطرفين .. و راجع من كتب السنة الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 313 و كتاب المغني ج 9 ص 359.
و لا يقتل والد بولده و ان سفل: و جملته أن الأب لا يقتل بولده و الجد لا يقتل بولده و ان نزلت درجته و سواء في ذلك ولد البنين أو ولد البنات و ممن نقل عنه ان الوالد لا يقتل بولده عمر بن الخطاب و به قال ربيعة و الثوري و الأوزاعي و الشافعي و إسحاق و أصحاب الرأي. و قال ابن نافع و ابن عبد الحكم و ابن المنذر يقتل به لظاهر آي الكتاب و الاخبار الموجبة للقصاص و لأنهما حران مسلمان من أهل القصاص فوجب ان يقتل كل واحد منهما بصاحبه كالأجنبيين. و قال ابن المنذر قد رووا في هذا اخبارا. و قال مالك ان قتله حذفا بالسيف و نحوه لم يقتل به و ان ذبحه أو قتله قتلا لا يشك في أنه عمد الى قتله دون تأديبه أقيد به.
و في ص 365 و يقتل الولد بكل واحد منهما- الأب و الام- هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك و الشافعي و إسحاق و أصحاب الرأي و حكي أصحابنا عن أحمد رواية ثانية ان الابن لا يقتل بأبيه لأنه ممن لا تقبل شهادته له بحق النسب فلا يقتل به كالأب مع ابنه.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 338
و المذهب انه يقتل به للآيات و الاخبار و موافقة القياس و لأن الأب أعظم حرمة و حقا من الأجنبي فإذا قتل بالأجنبي فبالأب اولى و لأنه يحد بقذفه فيقتل به كالأجنبي و لا يصح قياس الابن على الأب لأن حرمة الوالد على الولد آكد و الابن مضاف إلى أبيه بلام التمليك بخلاف الوالد مع الولد ..
و في قواعد العلامة في الفصل الثالث من كتاب الجنايات انه يشترط انتفاء الأبوة عن القاتل فلا يقتل الأب إجماعا و بالنصوص و ان علا كما في الخلاف و المبسوط و الوسيلة و الشرائع بناء على عموم لفظ الأب و الوالد و جاء في مفتاح الكرامة و في كشف الرموز: ان إطلاق الأب على الجد هو الظاهر من كلام اللّه جل شأنه و كلام الفصحاء و يرشد اليه قولهم في باب القذف ان الجد أب و يستندون في ذلك الى العرف و راجع الخلاف كتاب الجنايات مسألة 9 و في تكملة المنهاج ج 2 ص 72 الشرط الثالث: ان لا يكون القاتل أبا للمقتول فإنه لا يقتل بقتل ابنه.
و جاء في كتاب السرائر ج 3 ص 324 عند ذكر شرائط القصاص: و منها ان لا يكون القاتل والد المقتول لقوله عليه السلام لا يقتل والد بولده إلا في موضع واحد و هو الموضع الذي يتحتم القتل عليه لأجل المحاربة فيقتل بقتل ولده لأجل المحاربة الحتم، لا لأجل الاستقادة، بدليل ان ولي من قتله المحارب لو عفا لوجب على السلطان قتله حدّا للمحاربة- بلا خلاف بين الأصحاب و تدل عليه عدة نصوص .. و عليه الدية- تدل على ذلك مضافا الى ان دم المسلم لا يذهب هدرا صحيحة ظريف- و يعزّر- لما تقدم من ثبوت التعزير لكل معصية كبيرة حسب ما يراه الحاكم الشرعي و تؤيد ذلك رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام في رجل يقتل ابنه أو عبده؟ (قال: لا يقتل به و لكن يضرب ضربا شديدا و ينفى عن مسقط رأسه). و هل يشمل الحكم أب الأب أم لا؟ وجهان، لا يبعد الشمول على المشهور شهرة عظيمة و يدل على ذلك إطلاق صحيحة حمران و معتبرة
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 339
في بيان ذلك و بيان الأدلة لا بأس بذكر
مقدمات:
الاولى: معروف ان الآباء خمسة
كما جاء ذلك في لسان الآيات و الروايات و في المحاورات العرفية. و هم: أب ولدك و أب ارضعك و أب زوّجك و أب علّمك و أب أدّبك (و العم يكون بمنزلة الأب) (1).
و كلامنا في الأب الأول و هو الأب النسبي دون الباقية فإن قاتله يقتل فيها، و بعض العامة ألحق الأب الثاني و هو الأب الرضاعي بالنسبي فإنه لا يقتل بقتل ولده الرضاعي.
الثانية: كان في زمن الجاهلية الاولى أب بالتبنّي،
اي شخص يتبنى له ولدا فيرث و يحرم عليه محارم الرجل، و لما بزغت شمس الإسلام في أفق الجزيرة العربية نفى ذلك و ألحق الولد المتبنى بأبيه النسبي و هذه العادة السيئة كانت في زمن الطاغوت البهلوي الجائر أيضا و بعد سقوطه سقطت هذه الجاهلية أيضا، فإن الوالد بالتبني يقتل بقتل ولده المتبنّى.
الثالثة: عدم قتل الوالد النسبي بولده النسبي من القواعد المسلمة
عند الشيعة، و اما السنة فهم على أقوال ثلاثة: فعند الشافعي و الاوضاعي و غيرهما لا يقتل الوالد بولده، و ذهب أبو منذر من مشاهيرهم انه يقتل الوالد بولده إسحاق بن عمار و صحيحة ظريف فان الظاهر شمول كلمة الوالد لأب الأب أيضا، كما ان لفظ الابن يشمل ابن الابن. هذا المعنى لم يذكره سيدنا الأستاذ و لكن ورد في رواياتنا الخاصة. كما في استغفار إبراهيم الخليل لأبيه آزر فعند المفسرين ان المقصود عمّه و الا فإن الأنبياء مطهّرون في الأصلاب و الأرحام.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 340
للعمومات، و هو مردود لوجود المخصصات، و ما من عام الا و قد خص. و قال مالك ابن أنس امام المالكية بالتفصيل بين ما لو كان الأب قاصدا للقتل و مع آلة قتّالة فإنه يقتل الوالد بولده، و اما إذا لم يكن قاصدا و لم تكن آلة قتالة عادة فإنه لا يقتل، و هذا ليس من التفصيل في المقام بل من مصاديق قتل العمد و الخطأ (1). راجع من كتب الزيدية (سبل السلام ج 3 ص 478 عن عمر بن الخطاب سمعت رسول اللّه يقول (لا يقاد الوالد بالولد) رواه احمد و الترمذي و ابن ماجه و صححه ابن الجارود و البيهقي و قال الترمذي انه مضطرب ..
(البحر الزخّار ج 5 ص 324: عن علي عليه السلام لا يقتل والد ما علا بولده: لا يقاد والد بولده .. و راجع من كتب أبناء العامة الأم للشافعي ج 8 ص 343. قال الشافعي: و لا يقتل والد بولد لأنه إجماع و لا جد من قبل الأم و لا أب بولد ولد و ان بعد لأنه والد .. و كتاب المبسوط للسرخسي ج 26 ص 90 و لا قصاص على الأبوين و الأجداد و الجدّات من قبل الآباء و الأمهات عندنا و قال مالك ان رمى الأب ولده بالسيف أو سكين فقتله فلا قصاص عليه و ان أخذه فذبحه فعليه القصاص .. و كتاب السنن الكبرى ج 8 ص 38 باب الرجل يقتل ابنه و كتاب الانصاف ج 9 ص 473.
الرابع: ان لا يكون أبا للمقتول فلا يقتل الوالد و ان علا بولده و ان سفل و الأب و الأم في ذلك سواء و هذا المذهب و عليه الأصحاب .. و يقتل الولد بكل واحد منهما في أظهر الروايتين و هو المذهب مطلقا و عليه جماهير الأصحاب .. و راجع أسنى المطالب ج 4 ص 14 و لا يقتل أصل بفرع و ان نزل لخبر الحاكم و البيهقي و صححاه لا يقاد للابن من أبيه و لرعاية حرمته و لأنه كان سببا في وجوده فلا يكون هو سببا في عدمه .. و راجع بداية المجتهد ج 2 ص 400 و اختلفوا في هذا الباب في الأب و الأب فقال مالك: لا يقاد الأب بالابن إلّا ان يضجعه فيذبحه فاما ان حذفه بسيف أو عصا فقتله لم يقتل و كذلك‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 341
هذا و عند أصحابنا الإمامية من القواعد المسلمة ان لا يقتل الوالد بولده، و أدلة ذلك وجوه:
الأول: دعوى الشهرة، و مختارنا ان الشهرة الفتوائية ليست من الظنون الخاصة حتى يكون حجة في المقام بل نقول بحجية الشهرة الروائية لما جاء في الاخبار العلاجية (خذ ما اشتهر بين أصحابك) فحينئذ لا بد من تطبيق الشهرة الفتوائية مع الشرع المقدس و أدلّته الخاصة، فلو طابقت الشرعيات فتكون مؤيدة و الا فلا، و قد ذكرنا فيما سبق انه حتى زمان شريف العلماء كان الفقهاء يقولون بحجية الظنون المطلقة إلا ما خرج بالدليل كالقياس، و لكن من يوم شريف العلماء (1) و لا سيما عند تلميذه شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري و حتى يومنا هذا، فإن الأصل عدم حجية الظن المطلق كما تدل عليه الأدلة الأربعة من الجد عنده مع حفيده و قال أبو حنيفة و الشافعي و الثوري: لا يقاد الوالد بولده و لا الجد بحفيده، إذا قتله بأي وجه كان من أوجه العمد و به قال جمهور العلماء و عمدتهم حديث ابن عباس ان النبي قال لا تقام الحدود في المساجد و لا يقاد بالولد الوالد، و عمدة مالك عموم القصاص بين المسلمين .. هو الشيخ شريف و يقال محمد شريف ابن ملا حسن على البيقسي المازندراني أصلا الحائري مسكنا و مدفنا المعروف بشريف العلماء توفي في طاعون 1246 أو 45 بكربلاء و دفن في داره كما ولد في كربلاء و كان وفاته عن عمر بين الثلاثين و الأربعين عاما و هو شيخ الشيوخ العالم المحقق المؤسس المتفنن المتبحر صاحب التحقيقات التي لم يسبق إليها، مقنن القوانين الأصولية و مشيد المباني الفرعية مربي العلماء الإمامية و كان يحضر مجلس درسه أكثر من ألف طالب علم و مجتهد .. راجع في حياته أعيان الشيعة ج 7 ص 338 و كتاب قصص العلماء.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 342
الكتاب و السنة و الإجماع و العقل الا ما خرج بالدليل كخبر الثقة. فالشهرة الفتوائية تدخل تحت الظن المطلق الذي لا يغني من الحق شيئا و لا تقف ما ليس لك به علم.
الثاني: دعوى الإجماع، و قد ذكرنا في البداية ان الإجماع المصطلح الذي يكشف عن قول المعصوم عليه السلام نادر، و النادر كالمعدوم، و اما الإجماع المنقول فإنه يدخل تحت الظن المطلق فليس بحجة، لا سيما كثير من الإجماعات انما هو من الإجماع المدركي بمعنى اتفاق الفقهاء لمدرك شرعي و ليس من الإجماع التعبّدي، فحينئذ نرجع الى المدارك الشرعية و يكون الإجماع مؤيدا لا دليلا قائما بنفسه.
الثالث: النصوص، فان لنا نصوص خاصة في المقام تدل على ذلك و هي صحيحة السند واضحة الدلالة جامعة الشرائط للعمل بها و لم يعرض عنها الأصحاب فمنها: صحيحة حمران و صحيحة الحلبي و رواية علا بن الفضيل و غيرها (1). الوسائل ج 19 ص 56 باب 32 من أبواب القصاص في النفس الحديث:
1- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد و عن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب الخزار عن حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يقاد والد بولده و يقتل الولد إذا قتل والده عمدا.
2- و عن علي عن أبيه عن ابن ابي عمير عن حمّاد عن الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه، أ يقتل به؟ قال: لا. و رواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم و الذي قبله بإسناده عن الحسن بن محبوب مثله.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 343
و رواية البحار (1) و غوالي اللئالي (لا يقتل والد بولده) و النكرة في سياق النفي تفيد العموم فيشمل الوالد الوضيع و الولد الرفيع فإنه لا يقتل كذلك.
ثمَّ ذكر بعض الفقهاء مؤيدات لهذه القاعدة (لا يقتل الوالد بولده) كقول 3- و عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن بعض أصحابنا عن حماد بن عثمان عن فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، و يقتل الولد بوالده إذا قتل والده. و رواه الشيخ في المواريث.
4- و عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن محمد بن سنان عن العلاء بن الفضيل قال قال أبو عبد اللّه عليه السلام: لا يقتل الوالد بولده و يقتل الولد بوالده و لا يرث الرجل الرجل إذا قتله و ان كان خطأ.
و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام: لا يقتل الأب بابنه إذا قتله و يقتل الابن بأبيه إذا قتل أباه. و رواها الشيخ بإسناده عن ابن محبوب، و أيضا رواية الشيخ بإسناده عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقتل ابنه أ يقتل به؟ قال: لا.
و لا يرث أحدهما الآخر إذا قتله. و روايات أربعة أخرى في الباب كرواية إسحاق بن عمار و ظريف و جابر و أنس بن محمد فراجع. مستدرك الوسائل ج 18 ص 238 باب 29 من أبواب القصاص و فيه 6 أحاديث: الأول عن دعائم الإسلام و الثاني عن فقه الرضا و الثالث عن البحار عن العلل لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في ان لا يقتل والد بولده ان الولد مملوك للأب لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: أنت و مالك لأبيك.
و الرابع عن الصدوق في المقنع و الخامس عن كتاب ظريف بن ناصح و السادس عن الغوالي عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: لا تقام الحدود في المساجد و لا يقتل الوالد بالولد.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 344
الرسول الأكرم صلى اللّه عليه و آله عند ما اشتكى اليه شاب من والده فقال: أنت و مالك لأبيك.
(و مالك) اما ان يكون المال مضاف الى كاف الخطاب أو يكون (ما) نكرة أو موصول و (لك) جار و مجرور فيعم الحقوق أيضا، و اما المال فهو بمعنى ما يبذل في مقابله شي‏ء في الأسواق.
و لا بأس بمثل هذا المؤيد، فإن الإمام عليه السلام في رواية الغوالي في آخر كلامه يستشهد للقاعدة بمقولة الرسول الأكرم هذه.
ثمَّ ذكروا من المؤيدات وجوها استحسانية كقولهم (1): ان الأب هو العلة الفاعلية و السبب في وجود الولد فلو كان عليه القود بقتل ولده، فإنه يلزم ازالة السبب بالمسبب، و لكن ليس هذا الا من القياس و الاستحسانات العقلية التي لا مجال لها في التعبّديات و الشريعة الإسلامية، و لمثل هذا نهينا عن القياس و المصالح المرسلة و الاستحسانات. لقد تعرّض الى هذا المعنى صاحب كتاب جامع المقاصد ج 10 ص 25 في إلحاق الجدّ بالأب فقال: و لعلّ دليلهم في المقام بعد الشهرة المعلومة و ما يظهر من الإجماع تنقيح المناط و المنقح له العقل فان الجد سبب لوجود السبب فاذا كان الأب لا يقتل بالابن لأنه سبب لوجوده كما فهموه جميعا من الخبر كان المناط منقحا قطعا مع موافقة الاعتبار حيث ان ولايته على ابن ابنه المقتول راجحة على ولايته و لهذا قدّم عقده مع الاقتران .. و كذلك جاء هذا المعنى في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 311 قال المصنف: و لا يقتل الرجل بابنه، لقوله صلوات اللّه و سلامه عليه: (لا يقاد الوالد بولده) و هو معلوم بكونه سببا لاحيائه فمن المحال ان يتسبب لفنائه.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 345
و قيل انه في الحدود في باب القذف، لو قذف الوالد ولده فلا يحدّ فكذلك القصاص بالأولويّة، و لكن مع وجود الروايات الخاصة لا معنى للتمسك بمثل هذه الأولويّات. فتأمل.
و هنا تنبيهات:
الأول: لا فرق بين الولد الصغير و الكبير و لا بين الذكور و الإناث و لا بين العاقل و المجنون‏
فإنه لا يقتل الأب بالولد مطلقا. و لا يقال ان أكثر الروايات تقول بالابن و هذا لا يشمل البنت، و في بعضها (الولد) و هو ينصرف الى الذكور، فإنه يقال انما نقول بعدم الفرق لاتفاق الأصحاب و تنقيح المناط فإن دية البنت نصف دية الولد، فكيف يقتل الوالد ببنته.
الثاني: في باب النفقات ذكر الفقهاء ان نفقة الولد ما لم يبلغ على والده‏
كما ان نفقة الوالد الشيخ الكبير العاجز على الولد، فهل نجعل فرقا في جناية الوالد بين المعسر و الموسر كما عند بعض العامة؟ الحق انه لا فرق في ذلك فلا يقتل الوالد بولده مطلقا للإطلاقات.
الثالث: لو قتل الوالد ولده من أجل ارتكاب معصية توجب القتل، فإنه لا شي‏ء عليه،
الا ان عليه ان يستأذن الحاكم الشرعي لو قلنا بذلك، فاذا لم يستأذن فإنه قد أثم و لا ضمان عليه لعدم التلازم كما مر.
الرابع: لو كان للولد المقتول أموالا فإن الوالد القاتل لا يرثه،
فان من موانع الإرث القتل- كما هو ثابت في محله للنصوص «1» و الإجماعات- و لا فرق بين ان‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 346
يكون المال موجودا أو يكون عبارة عن الدية التي تؤخذ من الأب.
الخامس: أخبار القاعدة على طوائف خمسة:
فمنها: تذكر الكفّارة، و اخرى:
الدية، و ثالثة: الدية مع الكفارة، و رابعة: يضرب ضربا شديدا و ينفى من البلد، و خامسة: تذكر القاعدة من دون شي‏ء آخر، و خلاصة الكلام ان الروايات تذكر أحكاما سبعة، أولا: لا يقتل الوالد بولده، و الستة الأخرى: ثلاثة منها عقوبات مالية (الدية و عتق الرقبة و إطعام ستين مسكينا) و ثلاثة غير مالية (صيام شهرين متتابعين- من افراد خصال الكفارة- و ضرب شديد و نفيه من البلد) فهل نقول بالجمع بين الروايات أو نقول ببعض الاحكام؟
المختار عدم الضرب الشديد و نفي البلد لضعف السند في روايته فإنها عن جابر الا أنّ في سندها عمرو بن شمر (1) و هو كما قال النجاشي كذّاب وضّاع. الوسائل ج 19 ص 58 باب 32 الحديث 8- و عنه- عن الشيخ الطوسي- عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يقتل ابنه أو عبده قال: لا يقتل به و لكن يضرب ضربا شديدا و ينفى عن مسقط رأسه.
و رواه الصدوق بإسناده عن عمرو بن شمر مثله.
أقول: عمرو بن شمر أبو عبد اللّه الجعفي عربي روى عن أبي عبد اللّه عليه السلام ضعيف جدا، زيد أحاديث في كتب جابر الجعفي ينسب بعضها اليه هذا ما قاله النجاشي.
و قال سيدنا الخوئي قدس سره في كتابه الشريف معجم رجال الحديث ج 13 ص 107: الرجل لم يثبت وثاقته فان توثيق ابن قولويه إياه معارض بتضعيف النجاشي‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 347
و تبقى العقوبات الأربعة الأخرى- أي الدية و الصيام و العتق و الإطعام- أما كفارة الجمع فلعموم أدلّتها، الا ان إخبارها على قسمين: فتارة يذكر فيها الدية أيضا و اخرى من دونها، فجماعة قالوا بالأولى في ما نحن فيه أيضا فقالوا بالأحكام الأربعة، و لكن لا علاقة لروايات الكفارة بالوالد، بل متنها تعمّ فالرجل مجهول الحال. هذا و قد وثقه المحدّث النوري في المستدرك الجزء 3 الفائدة الخامسة و اعتمد في ذلك على رواية الأجلاء و خمسة من أصحاب الإجماع عنه و على اعتماد الشيخ المفيد عليه و الجواب عن ذلك قد تقدم غير مرة و قلنا ان رواية الأجلاء أو أصحاب الإجماع عن شخص و كذلك اعتماد القدماء عليه لا تدل على وثاقته. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.
و اما رواية الدية: فالمصدر نفسه الحديث 10- و بإسناده الى كتاب ظريف عن أمير المؤمن عليه السلام قال: و قضى أنه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع و غيره و يكون له الدية و لا يقاد. و رواه الشيخ و الصدوق.
و لا يخفى ان من الأصول الأربعمائة كتاب الديات لظريف بن ناصح و أكثر رواياته عن أمير المؤمنين عليه السلام و هو من أهم مدارك الشيعة في كتاب الدّيات. ثمَّ جمع المحامد الثلاثة الأول- ثقة الإسلام الكليني و الشيخ الصدوق و الشيخ الطوسي- الأصول الأربعمائة في كتبهم الأربعة، فتهذيب الاخبار للشيخ الطوسي كلّه في الفقه و هو أكبر الكتب الأربعة ثمَّ خلاصته في الاستبصار موضوع للجمع بين الاخبار المتعارضة، و التهذيب انما هو شرح مقنع الصدوق حيث يذكر المصنف فيه أسانيد الاخبار. و الكافي يجمع بين الأصول و الفروع لثقة الإسلام الشيخ الكليني و من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق. قدس اللّه أسرارهم الزكيّة و حشرنا معهم في زمرة محمّد و آله الطاهرين آمين يا رب العالمين.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 348
الأجنبي و ان لولي الدم حق القصاص، و لكن ما نحن فيه لا حق لأولياء الدم في قصاص الوالد، فلا تدل على المطلوب، و اما الطائفة الثانية فتدل على الكفارة و لها علاقة بما نحن فيه، فعليه لا بأس بالقول بها و انه يلزم الأب الدية و كفارة الجمع بالخصال الثلاثة.
السادس: لا فرق بين موجبات القتل‏
بالسيف أو الإحراق أو إلقاء الولد من شاهق أو في بئر و ذلك للإطلاقات، و عند بعض العامة القول بالتفصيل في بعض الموارد و لا وجه له.
السابع: تجري القاعدة فيما كان الوالد و الولد مسلمين أو كافرين أو مختلفين‏
و تكون تخصيصا للعمومات أدلة القصاص، الا انه تعارض القاعدة- في صورة قتل الكافر بالمسلم- بقاعدة (لا يقاد المسلم بالكافر) و الحق ان القاعدة تعمّ هذا المورد أيضا فحينئذ تخصّص العمومات «1».
الثامن: هل يعزّر الوالد بقتل ولده؟
قال الأصحاب بذلك ربّما لوجهين:
الأول: رواية جابر عن عمرو بن شمر على ان المراد من الضرب الشديد هو التعزير، و لكن الرواية ضعيفة السند لعمرو بن شمر كما مر.
الثاني: لنا روايات تشير الى أن أصحاب الكبائر فيما لم يبين الشارع المقدس لهم عقوبة خاصة، فإنهم يعزّرون من قبل الحاكم الشرعي بما يراه من المصلحة، و هذا الوجه لا بأس به، فالمختار تعزير الوالد بقتل ولده.
التاسع:
إنّ الكلام في قاعدة (لا يقتل الوالد بولده) و لكن عليه التعزير
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 349
و الدية و كفارة الجمع كما مر (1)، انما هو فيما لم يكن الولد مستحقا للقتل بان يكون عليه القود مثلا، و الّا لو أجزنا قتل من عليه القود الأدنى منه فالأدنى حتى لو لم يستأذن الحاكم، و أنه يأثم بترك ذلك و لكن لا شي‏ء عليه لعدم التلازم بين الضمان و عدم الاستيذان كما مر.
العاشر: المشهور بين الفقهاء ان في مثل ما نحن فيه يلزم كفارة الجمع‏
على ان الروايات (2) مذكورة بواو العطف في القتل العمدي فيقتضي الجمع بين العتق و الصيام و الإطعام. و اما الخطئي فاتفاق الأصحاب على ان الكفارة فيه انما هي و جاء في الجواهر ج 42 ص 169 بعد ان قال لا يقاد الوالد بولده قال (و) لكن (عليه الكفارة) لعموم الأدلة بل كفارة الجمع (و الدية) لمن يرثه (و التعزير) بما يراه الحاكم، و لكن في خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام (في الرجل يقتل بابنه أو عبده قال: لا يقتل به و لكن يضرب ضربا شديدا و ينفى عن مسقط رأسه) و لعله محمول على ان ذلك بعض أفراد ما يراه الحاكم. الوسائل ج 15 ص 579 كتاب الإيلاء و الكفارات باب 28 من أبواب الكفارة و فيه 4 أحاديث:
الأول: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد و ابن بكير جميعا عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّدا (الى أن قال) فقال:
ان لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا توبة الى اللّه عز و جل.
و الرواية الثانية عن الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد اللّه بن سنان و الثالثة عنه أيضا و الرابعة بإسناده عن ابي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه عليه السلام فراجع.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 350
واحدة من ثلاث، و ذهب المشهور الى الترتيب فيه فأوّلا العتق فان لم يتمكن من ذلك فصيام شهرين متتابعين، و من لم يتمكن فإطعام ستين مسكينا بمد من طعام، و لم يخالف في ذلك الا القليل كما نسب الى الشيخ المفيد و السلار و أبي حمزة الطوسي فقالوا بالتخيير.
و المشهور انما ذهب الى التعيين و الترتيب لوجهين:
الأول: ظهور الآية الشريفة وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (النساء: 92).
الثاني: روايات تدل على ذلك كصحيحة عبد اللّه بن سنان (1).
و اما الإشكال في مستند القائلين بالتخيير، فبعد الفحص لم أر وجها لهم في ذلك سوى عدم أصالة التعيين و هو مردود لوجهين: الوسائل ج 15 ص 559 باب 10 الحديث 1- محمد بن الحسن بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه عليه السلام: كفارة الدم إذا قتل الرجل مؤمنا متعمّدا (الى ان قال) و إذا قتل خطأ أدّى ديته إلى أوليائه ثمَّ أعتق رقبة فان لم يجد صام شهرين متتابعين فان لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدّ مدّا، و كذلك إذا وهبت له دية المقتول فالكفارة عليه فيما بينه و بين اللّه لازمة.
قال صاحب الوسائل: و تقدم ما يدل على ذلك في الصوم و يأتي ما يدل عليه في القصاص و غيره.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 351
الأول: ان أصالة العدم انما هو لفاقد الدليل، فالأصل دليل لمن لا دليل له، و ما نحن فيه فلنا أدلة المشهور من ظهور الآية الشريفة و الروايات الخاصة فلا مجال حينئذ للأصول.
الثاني: في بحث أصالة البراءة كما في علم أصول الفقه قالوا: لو دار الأمر بين التخيير و التعيين فإنه يقدم الثاني، لأنه القدر المتيقن الذي يوافق الاحتياط، فليس الأصل حينئذ عدم التعيين.
فالمختار كما عند المشهور من كفارة الجمع في القتل العمدي و الترتيب في الخطئي، ثمَّ من لم يجد العتق كما في عصرنا الراهن، فهل الثاني يكون أو يؤخذ به أصالة؟ المختار كما في محلّه انه على نحو الأصالة لا البدليّة فيلزم سقوط الأول عند فقدان موضوعه، و عند الشك فالأصل عدم البدليّة.
الحادي عشر: لو أسقط صاحب الحق الدية و عفى عن الجاني، فهل تسقط الكفارة كذلك؟
الحق عدم سقوطها كما في ذيل روايات المقام، فإن الكفارة توبة و انها من حقوق اللّه فليست كالدية تسقط بعفو أربابها. (فالكفارة عليه فيما بينه و بين اللّه لازمة) كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان.
الثاني عشر: قال جماعة من العامة و الخاصة بكفارة الجمع في القتل الخطئي‏
أيضا لظهور الواو العطفي في الجمع، و أنت خبير ان الظواهر حجة ما لم يقم دليل و قرينة على خلافها، و ما نحن فيه لنا قرائن خارجية تدل على الخلاف مثل الآية الكريمة و الروايات الشريفة.
الثالث عشر: هل ترتفع الكفارة لو تاب القاتل؟
الحق انه بعد ثبوت القتل عند الحاكم الشرعي لا تسقط الكفارة، و اما قبله فتقبل توبته، و لكن في‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 352
صحيحة عبد اللّه بن سنان (انه كفارة فيما بينه و بين اللّه) فظاهره عليه الكفارة و ان تاب كما هو الأحوط فإنها بمنزلة الدين عليه.
الرابع عشر: لو كان الوالد معتادا بقتل أولاده فهل يقتل؟ بناء على القاعدة المصطادة (ان المعتاد بالقتل يقتل) و لو كان القاتل مسلما و المقتول كافرا كما مر، و ذلك دفعا للفساد، أو نعمل بقاعدة (الوالد لا يقتل بولده)؟
الظاهر ان القاعدة الثانية مطلقة فتقيد بالأولى حينئذ، فبينهما عموم و خصوص من وجه، فقيل يرجع في مادة الاجتماع الى المرجحات الداخلية و الخارجية و قيل بعد ذلك، و قيل بالتساقط بعد التكافؤ و التساوي.
و لكن ما نحن فيه ظهورهما في الاستثناء و التقيد بمعنى: لا يقتل الوالد بولده الا ان يكون معتادا لذلك فيقتل لدفع الفساد لا قصاصا.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 353
و هنا فروع‏
الفرع الأول في قتل الجدّ حفيده (1)
جاء في الجواهر ج 42 ص 170: (و كذا لو قتله أب الأب و ان علا) كما صرح به غير واحد، بل عن ظاهر الخلاف أو صريحه الإجماع عليه، بل لم أجد فيه خلافا، نعم تردّد فيه المصنف في النافع- اي العلامة الحلّي- و بعض الناس لكنه في غير محلّه بناء على تناول الإطلاق له لغة و عرفا، بل و ان لم يكن كذلك و لكن في المقام يمكن إرادته من نحو قول الصادق عليه السلام (لا يقتل الأب بابنه) بمعونة كلام الأصحاب و بأولوية الجد أو مساواته للأب في ذلك، فلا يقتل الجد حينئذ و ان علا بالأحفاد سواء قربوا أم بعدوا.
و جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 5 ص 311 و يلحق بالأب الأم و كذلك الجد و الجدة من قبل الأب و الام و إن سفل. و راجع في ذلك المغني ج 9 ص 359 و جاء في ص 360 و الجد و ان علا كالأب في هذا و سواء كان من قبل الأب أو من قبل الأم في قول أكثر مسقطي القصاص عن الأب و قال الحسن بن حي يقتل به، و لنا أنه والد فيدخل في عموم النص و لأن ذلك حكم يتعلق بالولادة فاستوى فيه القريب و البعيد كالمحرمية و العتق إذا ملكه و الجد من قبل الأب كالجد من قبل الأم لأن ابن البنت يسمى ابنا قال النبي في الحسن (ان ابني هذا سيد).
و في كتاب المبسوط للشيخ الطوسي ج 7 ص 9 (و إذا قتله جدّه فلا قود أيضا و كذلك كل جدّ و ان علا فأما الأم و أمهاتها و أمهات الأب يقدن عندنا بالولد و عندهم- أي أبناء
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 354
للعامة ثلاثة أقوال:
الأول: ذهب المشهور منهم انه لا يقتل الجد بابن ابنه للصدق العرفي بان الوالد يعم الجدّ أيضا.
الثاني: نقل عن حسن بن حي انه يقتل لانصراف الوالد عن الجد و لكن انصراف بدوي يزول بأدنى تأمّل. فإن العرف يحكم ان الجد لو قتل حفيده فإنه بمنزلة الوالد قتل ولده.
الثالث: التفصيل بين الجد الأدنى فلا يقتل به و الجد الأعلى فيقتل، و لا دليل على ذلك.
و اما الخاصة أصحابنا الإمامية، فعندهم من المتفق عليه انه لا يقتل الأب و الجد و ان علوا بالابن و ان نزلوا، و لم أر في هذا مخالفا و مستند ذلك وجوه:
الأول: الصدق العرفي: فإن العرف العام كما في اللغة يحكم بان الجد أب و ان علا فيدخل تحت قاعدة (لا يقتل الوالد بولده) فان عند العرب العرباء (1) ممّا العامة- لا يقدن بالآباء.
و جاء في كتاب الخلاف كتاب الجنايات ص 135 مسألة 10: الأم إذا قتلت ولدها قتلت به و كذلك أمها و كذلك أمهات الأب و ان علون فاما الأجداد فيجرون مجرى الأب لا يقادون به لتناول اسم الأب لهم و قال الشافعي لا يقاد واحد من الأجداد و الجدات و الأم و أمهاتها في الطرفين بالولد و هو قول باقي الفقهاء لأنه لم يذكر فيه خلاف. دليلنا إجماع الفرقة و اخبارهم و أيضا قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ الآية و كذلك قوله النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية و لم يفصل فوجب حملها على العموم الا ما أخرجه الدليل. عرب العرباء مثل ظل الظليل من المفعول المطلق للتأكيد و هم قبل الإسلام‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 355
يستشهد بكلامهم كما عند الخضرميين في أشعارهم و عبائرهم يطلق الأب على الجد أيضا، كما يطلق الابن على الحفيد.
الثاني: الروايات النبوية و ربما من المستفيضة في قوله صلى اللّه عليه و آله (أنت و مالك لأبيك) فاختيارات الوالد بيد والده و هو جدّ الحفيد، و الولد كلّ على والده، و الجد له حق التصرّف بالأب، فقتله الحفيد قتل من له الاختيار و حق التصرّف، فلا يقتل كما لا يقتل الأب، و لكن يشكل مثل هذا الاستدلال فكيف الجد يكون له حق الاختيار و التصرّف في الحفيد و امامه عمومات أدلة القصاص؟
الثالث: هذا المعنى شائع في العرف العام كما هو في الروايات و الآيات انه يقال أبونا آدم و أمّنا حواء فيطلق على الجد كلمة الأب (1) أيضا. يستشهد بكلامهم و أشعارهم.
و العرب الخضرمي هم الذين قضوا بعض حياتهم في الجاهلية و البعض الآخر في الإسلام كالشعراء الخضرميين و اختلف الأدباء فيهم فهل يتمسك بأقوالهم كشاهد، و المختار انه يصح الاستناد بقولهم.
و العرب الإسلامي كالشعراء الاسلاميين هم الذين ولدوا و نشأوا في دولة الإسلام و الظاهر لا يستشهد بأقوالهم لاختلاطهم بالأعاجم من خلال الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام. و يبدو لي ان في هذا الوجه تأمّل فإن مثل هذا الإطلاق تجوّزا و تسامحا و ان كان حقيقة آدم عليه السلام هو أبو البشر و لا يجوز ان يتزوج بناته و ان نزل كما في احتجاج الامام موسى بن جعفر عليه السلام مع هارون الرشيد عند ما خاطب هارون قبر الرسول بقوله: السلام عليك يا ابن العم و الامام عليه السلام قال لرسول اللّه امام قبره السلام‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 356
الرابع: انه من المستفيض قول النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله (الحسن و الحسين ابناي) و لكن هذا من ناحية البنت و الكلام من ناحية الأب (1).
الخامس: الشهرة المحققة المنقولة في عبائر الفقهاء و هو كما مرّ.
السادس: الإجماعات المحصلة و المنقولة و هي كما مر كما ترى فان المنقول ليس بحجة و المحصل فرد نادر. و الغالب في الإجماعات المدّعاة هي من الإجماع المدركي و ليس التعبّدي الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام.
السابع: قياس المساواة اي أب الأب أب، و هذا يرجع الى الصدق العرفي.
الثامن: في كتاب النكاح لو اختلف عقد الأب و الجد فالمشهور ذهب الى تقديم قول الجد، فلو كان ذلك في النكاح فبالأولوية يقدم قوله في كل الأبواب و منها ما نحن فيه فلا يقاد بحفيده، و لكن يناقش هذا الوجه من جهتين:
الاولى: انه جمع من الفقهاء ذهب الى تقديم قول الأب و عقده، فلم يكن الاتفاق الكامل. عليك يا أبتاه فاعترض هارون على ذلك و اجابه الإمام عليه السلام انه لو كان النبي الآن لما أمكنه أن يتزوّج بنتا من بناتي.
و لكن هذا لا يعني أنّ حكم عدم القود يجري حتى على مثل الجد الأوّل و ان كان عبائر الفقهاء يعمّ ذلك لصريح قولهم (الجد و ان علا) من دون تحديد و لكن إذا كان الملاك هو الصدق العرفي فإن العرف يستبعد ذلك و اللّه العالم.
(1) كما ان هذا يعدّ من مختصّات النبي الأكرم صلى اللّه عليه و آله و الا عند العرب لا يطلق على أولاد البنت أولادنا و هنا نزاع مفصل بين العلماء حتى في الكتب الأدبية فيطلب من مظانّه.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 357
الثانية: ربما يقدم قوله في النكاح للإقدام أو ان الجد أكثر تجربة من الأب فيقدّم عقده.
التاسع: الولادة، فإن العلّة الفاعلية للأب هو الجد فهو اولى من الأب بالنسبة إلى حفيده.
و هذه الوجوه استحسانات عقلية عليكم بالتأمل فيها، و كلّها ترجع الى الصدق العرفي و دلالة أشعار العرب، و لو لم يتمّ ذلك فإنه لا يقتل الجد الأبي بحفيده. فيما إذا كان انصراف القاعدة عن الجد محققا، و لكن إذا كان مستقرا فإنه يعدّ بمنزلة القرائن الخارجية، و إذا كان الانصراف يزول بأدنى تأمل فإنه يؤخذ بالإطلاق حينئذ.
العاشر: و من الأدلة المقامة على إلحاق الجد بالأب آية المباهلة، فإنه باتفاق الفريقين ان المراد من (أبنائنا) الحسن و الحسين عليهما السلام.
و كذلك الآيات الشريفة المذكورة فيها قوله تعالى يا بَنِي آدَمَ فالأب يصدق على الجد و ان علا حتى آدم عليه السلام.
و هنا تنبيهان:
الأول: كأنّما الشيخ الطوسي قدس سره في كتابه الشريف المبسوط (1) ينقل المبسوط ج 7 ص 9 (إذا قتل الرجل ولده لم يقتل به بحال سواء قتله حذفا بالسيف أو ذبحا و على اي وجه قتله عندنا و عند أكثرهم و قال بعضهم يقتل به على تفصيل له فاذا ثبت أنه لا يقاد به فعليه التعزير و الكفارة و إذا قتله جدّه فلا قود أيضا و كذلك كل جدّ و ان علا. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه. و لم يفصل الشيخ بين قتل الجد انما ذكر ذلك عن بعض العامة و في الوالد.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 358
التفصيل بين ذبح الجد حفيده بالسيف فإنه من مصاديق القتل فيقتل به، و بين قذف شي‏ء فيصيب احدى المقاتل السبعة للحفيد مثلا فيقتله فلا قصاص، و هذا التفصيل غير تام، فإنه يصدق القتل بالقذف لو كان قاصدا للقتل، فلا فرق بين القتلين عرفا.
الثاني: لا فرق بين الأسباط و الأحفاد فيما نحن فيه، و السبط يطلق على أولاد البنت و الحفيد على أولاد الولد، و قد يطلق كل واحد منهما على الآخر تجوّزا و تسامحا، فإنهما مثل الفقير و المسكين إذا اجتمعا افترقا و إذا افترقا اجتمعا، فلا فرق بينهما، كما لا فرق بين الذكور و الإناث فالملاك واحد، و ذلك للغة و الصدق العرفي و الإطلاقات.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 359
الفرع الثاني و هل يقتل الولد بوالده «1»؟
ذهب أكثر أبناء العامة (1) إلى قصاص الولد بوالده، و قيل منهم قال بالتفصيل بين الولد و الوالد فلا يقتل و بين الولد و الجد فيقتل.
و نحن بغني عمّا ذهبوا فإن أصحابنا الإمامية قالوا: بقتل الولد مطلقا، لعموم الآيات الشريفة النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و للروايات العامة التي مفادها الآيات و الروايات الخاصة في هذا المقام كصحيحة حمران بن أعين و هو الأخ الأكبر لزرارة كان مفسرا للقرآن الكريم، نحويّا، راويا، ثقة، جليل القدر (2)، و موثقة المغني ج 9 ص 365 و يقتل الولد بكل واحد منهما- الأب و الأم- هذا قول عامة أهل العلم منهم مالك و الشافعي و إسحاق و أصحاب الرأي، و حكى أصحابنا عن أحمد رواية ثانية ان الابن لا يقتل بأبيه لأنه ممّن لا تقبل شهادته له بحق النسب فلا يقتل به كالأب مع ابنه و المذهب انه يقتل للآيات و الاخبار و موافقة القياس .. و في الهامش ص 375 فراجع. الوسائل ج 19 ص 56 باب 32 الحديث 1- محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد و عن علي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن الحسن بن محبوب عن‏
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 360
إسحاق بن عمّار، و لا يضر في صحة إسناده التقية في طريقه، و روايات أخرى في الباب. فراجع.
و رواية المقنع للشيخ الصدوق عليه الرحمة (و يقتل الولد بوالده إذا قتله).
و إذا قيل بإرسالها، فان الإرسال على أقسام: فإنه تارة يسقط من الرواية أحد رواتها في بداية سندها أو وسطها أو نهايتها فيقال مرسلة الأول أو الوسط أو الآخر، و يلحق بها من كان من الرواة مجهول الحال فان وجوده كالعدم، و كذلك إذا كان مبهما و مهملا لا يعتمد على قوله، و هناك أقسام أخرى مذكورة في كتب الدراية (كدراية الشهيد الأول و مقباس الهداية للمحقق المامقاني و ملاذ الأخبار لوالد الشيخ البهائي).
و عند بعض الأصحاب يرى عدم حجيّة تمام المرسلات فلا يعمل بها مطلقا، و عند بعض القول بالتفصيل فإن الإرسال لو كان من عند أساطين العلم و الفقه سيما المنقولة في الكتب الأربعة فإن يعامل معها معاملة المسند و الا فلا، و قيل بالتفصيل بين ما ذكر في كتاب كامل الزيارات للمحدث ابن قولويه القمي عليه أبي أيوب الخزاز عن حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يقاد والد بولده و يقتل الولد إذا قتل والده عمدا.
موثقة إسحاق الحديث 8- و بإسناده- الشيخ- عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن موسى الخشّاب عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ان عليا عليه السلام كان يقول: لا يقتل والد بولده إذا قتله، و يقتل الولد بالوالد إذا قتله ..
و رواية المقنع في مستدرك الوسائل ج 18 ص 239 باب 29 الحديث 4- الصدوق في المقنع: قال علي عليه السلام: لا يقتل الوالد بولده إذا قتله و يقتل الولد بوالده إذا قتله.
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 361
الرحمة فهو في حكم المسند دون غيره، أو التفصيل بين مرسلات المتقدمين و المتأخرين، و المختار هو المذهب الأول، عدم الاعتناء بالمرسلات مطلقا، فما في المقنع لا ينفع الاستشهاد به حينئذ.
و من الروايات المستشهد بها ما في كتاب (فقه الرضا «1» عليه السلام) و هذا يبتني على حجية الكتاب و فيه ما يقارب خمسة عشر قولا، فقيل هو من الامام عليه السلام، و قيل بعدم ذلك فان في بعض السند من هو ناصبي كالطائي، و المختار عدم حجيّته، كما عن بعض أساطين العلم كاستاذي المرحوم آية اللّه السيد حسن الصدر (1) قدس سره الشريف.
و من الأدلة المقامة على قتل الولد بوالده الإجماع بقسميه المحصل و المنقول و الشهرة الفتوائية و هما كما مر و كما ترى، فالعمدة الروايات الصحاح الدالة على ذلك، و هو المختار. هو العلامة النحرير و الكاتب الشهير صاحب المؤلفات القيمة و التصانيف الثمينة قيل تجاوزت المائة. آية اللّه السيد حسن الصدر يصل نسبه الشريف الى الامام الكاظم عليه السلام ب (33) واسطة ولد في الكاظمية يوم الجمعة عند الزوال 29 شهر رمضان سنة 1272 ه ق و توفي في ليلة الخميس بعد غروب الشمس حادي عشر ربيع الأول سنة 1354 في بغداد و حمل نعشه الشريف ضحوة يوم الخميس على الرؤوس الى الكاظمية المقدسة فدفن جثمانه الطاهر في مقبرة والده السيد هادي في حجرة من حجرات صحن الكاظمية (راجع ترجمته أعيان الشيعة و ما كتبته في صحيفة صوت الكاظمين العدد 16 تحت عنوان فقهاء الكاظمية المقدسة).
القصاص على ضوء القرآن و السنة، ج‏1، ص: 362
الفرع الثالث لو كان الولد جلّادا فهل يجوز له ان يقتل والده الجاني بإذن الحاكم (1) الشرعي؟
يجوز ذلك فان قتل الوالد فيما يجب قتله لجناية يكون سائغا شرعا، فليس من القتل العدواني، و لا دية على الولد و لا تعزير، و كذلك لو كان الأب في صفّ الكفار فيجوز للولد الغازي في سبيل اللّه ان يقتل والده حينئذ. هذا الفرع ذكره صاحب الجواهر ضمن الشرط الثالث (ج 42 ص 170) بقوله: نعم للجلاد و الغازي ان يقتلا أباهما مع أمر الإمام عليه السلام للعمومات و عصمة الإمام عندنا بل عن التحرير انهما لا يمنعان مع ذلك من الميراث لأنه قتل سائغ بل قد يقال بالجواز في الغازي بدون أمر الإمام عليه السلام و تمام الكلام فيه في كتاب الجهاد. انتهى كلامه.
ثمَّ العلامة ذكر هذا المعنى أيضا في كتابه القواعد فقال: و للجلّاد و الغازي ان يقتلا أباهما مع أمر الامام.
و قيل يكره للغازي ان يتولى قتل أبيه الكافر، و استدل على الحرمة بآية المعروف و يقول صاحب مفتاح الكرامة: المعروف اسم لكل فعل يعرف حسنه بالشرع أو العقل من غير ان ينازع فيه الشرع فليتأمل و قد يستدل بقوله جل شأنه فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ- وَ اخْفِضْ لَهُما.- وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً و المعروف في الآية منصوب بنزع الخافض- راجع مفتاح الكرامة ج 10 ص 26.
بعد  فهرست  قبل 
نسخ الرابط :  
 ." جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة الإسلامِة العالمية " التبليغ و الإرشاد .
   
العربية    فارسي    English