العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة

المقالات الاکثرُ مشاهدة

طالب العلم كيف يعرف مستقبله؟

بسم الله الرحمن الرحيم

طالب العلم كيف يعرف مستقبله؟

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أمّا بعد: فقد قال الحكيم في محكم كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

لا ريب إنّ شرف الإنسان وعظمته وعلّوه وسمّو مقامه، إنّما هو بعلمه النافع، وعمله الصالح، المتقوّم بالصَّدق والإخلاص والوفاء، وكلّما إزداد المرء علماً وعملاً، إزداد رفعة وسمّواً وقُرباً من العلي الأعلى جلّ جلاله، وإنّ الله يرفعه في الآخرة درجات بقرائته العلمية والعمليّة (إقرء وإرق) ولا شكّ أن درجات الآخرة وفي الجنان تختلف عن درجات الدنيا ودرجات البرزخ.

فالعلم سُلّم لإرتقاء الإنسان وصعوده إلى قمم الكمال، وقمة إنسانيته، وإلى ما أودعه الله في فطرته السليمة والموحدة من حبّ الجمال والخير والكمال.

إنّ الله سبحانه يُحبّ بغاة العلم.. الذين يخرجون من ديارهم لطلب العلم في الليل والنّهار، وإنّما أحبّهم لأنّ الله سبحانه هُو العلم في ذاته وصفاته وأفعاله، فهو العالم العليم وعلّام الغيوب، يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ويعلم السّر وأخفى، لا يعزب عن علمه مثقال ذرّةٍ في السَّموات والأرض، ويعلم ما تُخفي النُّفوس والضمائر، ويعلم خائنة الأعين، فالله عزّ وجل هو العلم المطلق، ولا يعلم ما هو إلّا هو، وإذا أحبّ عبداً أعطاه من علمه وفهمّه الحياة.

ولكن هذا العلم الإلهي بل وكل شيء نفيس وعزيز وقيّم، هناك ما يضاده في عالم الإمكان والممكنات، وبما يخالفه بشيء مزيفٍ وغير مرغوب فيه، إلّا أنه يبدو متلبساً بلباس الحقّ ومتزيناً بالحقيقة، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾، فإنّ البحر عند تلاطمه بالموج يظهر على سطحه فقاعات وحباب زبديّة يتخيل أنّها من الماء، إلّا أنّ جوفها فارغ ومن الهواء، وإذا فيها من الماء، فإنّه يمكث في البحر.

فهناك في الدنيا صنفان يتقابلان دائماً، كتقابل الليل والنهار، وهما العلماء والجهلاء، لتقابل العلم والجهل، وربّ جاهل يتلبس بلباس العلماء، إلّا أنّه من الزبد المزيّف.

وهذا أمر خطير لإختلاط الأوراق وإلتباس الأمر على عامة النّاس، فيتّبعون ما لم يكن عالماً في الحقيقة والواقع، إلّا أنّه يتظاهر بالعلم، وهذا الالتباس يجري في كثير من المتزاحمات والمتضادات في كل مصر وعصر.

وكم لنا من المفاهيم الإجتماعية والسياسية التي يلتبس فيها الأمر بين الحقيقة والتّزيف، وبين الحق والباطل.

كالإسلام والعلم والسياسة والفن والثورة، فربما يكون مسلماً سياسياً، وسياسياً مسلماً، وكذلك يكون فناناً مسلماً ومسلماً فناناً، أو ثورياً مؤمناً، ومؤمناً ثوريّاً، وكم فرق بينهما فرقاً جوهرياً.

بيان ذلك: ما الفرق بين المسلم السياسي والسياسي المسلم؟ سؤال مطروح في السّاحة والسّاعة.

لكي نصل إلى ما نبغيه من البيان المختصر في هذا الأمر المهم نضرب لذلك مثالاً ليكون بمنزلة المقدمة للدخول في صلب الموضوع، ومن الواضح أن ضرب المثل من وراءه حكم ومقاصد كما في القرآن الكريم:  ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

فما هو الفارق بين أمير المؤمنين علي بن ابي طالب× وبين معاوية بن أبي سفيان عليه الهاوية، فكلاهما عند جمع من المسلمين يتّصفان لخلافة رسول الله|، فإنّ أمير المؤمنين الخليفة الرابع عند القوم وعند أصحابنا الإمامية الخليفة الأول وبلا فصل لرسول الله|: كما أن معاوية ابتز إسم الخلافة ظلماً وجوراً على نفسه، فصار كلّ واحد منهما خليفة رسول الله| وكلاهما يصليان ويصومان ويشهدان الشهادتين، إلّا أنّ أحدهما مسلم سياسي والآخر سياسي مسلم، فأحدهما حقّ ونور، والآخر باطل وظلام، فكيف نميّز بينهما، فكلاهما مسلمان سياسيّان، إلّا أن أحدهما مسلم سياسي والآخر سياسي مسلم؟

ولا يخفى خطورة تشخيص هذا الموضوع، فإنّه لابدّ في توضيحه من مقدمات سليمة حتى تكون النتيجة سالمة بسلامة مقدماتها من الصغريات والكبريات -كما في علم المنطق-.

ونقول إجمالاً: إنّ الفرق بينهما، انّ السياسي المسلم يجعل الدين وأحكامه كالصلاة والحج في خدمة سياسته سواء في مصالحه العامة أو الخاصة، فإنّه وإن كان مسلماً إلّا أنه يسيّس دين الإسلام في صالحه، ويجعل الدين في خدمة سياسته، فإذا تضارب في يوم من الأيام دينه مع سياسته، فإنّه يقدّم السياسة على الدّين، فينخرج عن الدين فينافق ويتظاهر بالإسلام، كما قال سيد الشهداء× (والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه أينما درّت معائشهم)، فمن النفاق في السياسة أن يكون سياسياً مسلماً، وهو من يجعل الدين في خدمة سياسته، فما دام لم يتضارب الإسلام مع مصالحه الشخصيّة والسياسية فهو مسلم ويتظاهر بالإسلام والصلاة، وإذا كان الدين يضرّ بسياسته، فإنّه سرعان ما ينقلب ويظهر ما يخفيه من النفاق ويضرب الدين عرض الجدار، وكان من المسلم المنافق، فإنّه يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فيشهد الشهادتين في الظاهر كما يصلّي، إلّا أنّه في باطنه يضمر الكفر، كما قال يزيد بن معاوية عليهما الهاوية بعد قتل سيد الشهداء الإمام الحسين× (لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل)، بل قال جدّه أبو سفيان في خلافة عثمان (لا جنة ولا نار) تلاقفوها يا بني أميّة كتلاقف الكرة، فظاهره من المسلمين وباطنه من الكافرين، وهذا هو النفاق في العقيدة والعمل، وهذا في التّصنيف السياسي يعدّ (سياسي مسلم) وهو من يجعل الدين في خدمة مصالحه ومآربه ومقاصده.

وأمّا (المسلم السياسي) كأمير المؤمنين علي×، فإنّه قال× (ليس معاوية بأدهى مني) لأنّه إشتهر عند العرب أنذاك أنّ أربعة من دهاة العرب منهم معاوية عليه الهاوية، وإنّما هو التقوى الذي يمنع الإمام علي× أن يرتكب ما إرتكبه معاوية، فكان أمير المؤمنين يتّصف بالزُّهد والورع والتّقوى، مما يوجب جعل السياسة في خدمة دينه ولا عكس، فإنّ الورع  والتقوى يمنعان من جعل الدين في خدمة المصالح والسياسة، بل يجعل السياسة في مصلحة الدين في تثبيته وإنتشاره، فما دامت السياسة تخدم ديني، فإنّه اتخذها آلة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وبهذا يكون مسلماً سياسياً، وليس سياسياً مسلماً.

وهذا المعنى يجري في كثير من الموارد المتشابهة، فمثلاً فنّان مسلم يجعل الإسلام في خدمة فنّه، ومسلم فنان يجعل الفن في خدمة إسلامه، وكذلك الشاعر المسلم والمسلم الشاعر، والمؤمن الثوري، والثوري المؤمن، فإنّ المؤمن الثوري يجعل الثورة في خدمة إيمانه، بينما الثوري المؤمن يجعل إيمانه في مصلحة ثوريّته وثورته، فتأمل وتدبّر.

فكم فرق بين الإنقلابي الثوري المؤمن، والمؤمن الإنقلابي الثوري، فإنّ الأوّل إن اقتضت الضرورة من التخلّي عن إيمانه، فإنّه بأوهامه وخيالاته يضرب الإيمان عرض الجدار، ويحسب أنه يحسن بذلك صُنعاً، لأنّ المقياس والملاك عنده هو الثورة، فيقيس ويوزن نفسه والآخرين بميزان الثورة، فإن كان الدين والمذهب والعلم والفن يخدم ثورته، فإنّه يتخذه آلة ووسيلة الصالح ثورته، وإذا تصادم الدين والمذهب مع الثورة، فإنّه يُبرز نفاقه، ويتخلّى عن الدين والمذهب والقيم الأخلاقية والمُثل العليا.

طالب العلم والإيمان:

وإذا أردت أن تعرف مستقبلك المجهول وذلك بالفكر والتفكّر، إذ أنّ الفكر إمام العقل، فكيف ما تفكّر سيكون عقلك، إن سلباً فسلب، وإن إيجاباً فإيجاب، كما أنّ العقل إمام القلب، فما يخطر في القلب إنّما هو من وحي العقل، ثم القلب سلطان البدن، فالجوارح والجوانح تتبع إرادة القلب ومشيته وأوامره ونواهيه.

فمن أراد أن يعرف مستقبله المجهول، إذ أنّه لا يدري ما عاقبة أمره ودراسته، وكيف مصير إيمانه، إذ من الإيمان ما هو ثابت ومستقر إلى يوم القيامة، ومنه ما هو مستودع يسلب منه عند الاحتضار والموت أو قبله.

فالإيمان المستودع يجعل عند الإنسان كوديعة لبرهة من الزمن، فيظهر عليه آثار وعلامات الإيمان والمؤمن كصلاته وصيامه والتزاماته الدينيّة، ألا أنه في المستقبل يسلب منه إيمانه، فينقلب على عقبه، ويدخل في دائرة الضلال، فيكون ضالاً، وإن أضلّ الآخرين كان مُضّلاً، وهذا من الشقاء الأبدي ومصيره النار والعذاب.

ومن كان إيمانه مستقراً إلى يوم القرار، فإنّه لا تحرّكه العواصف، فهو كالجبل الشَّامخ، ثابت القدم، قويّ القلب صُلب الإيمان، لا تغرّه مظاهر الدنيا، ولا حلاوات السياسة والجاه والمقام.

وكذلك الأمر لطالب العلم في الحوزات العلميّة، فإنّه لا يدري ما مستقبل حياته وعلمه، فهل يكون من العلم النافع في الدين والدنيا والآخرة، يوجب رفع درجاته وقربه من الحي القيّوم، فإنّ الله سبحانه يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح والخالص يرفعه، ورفع العمل برفع العامل، فإنّ العمل معلول وعلته عامله وفاعله، وإذا يرفع العمل فلا ريب يرفع عامله، فيكون في جنّات ونَهر، في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

ومثل هذا العلم النوراني يقذفه الله في قلب المؤمن ومن يشاء أن يهديه، ويوجب رفع درجاته، فإنّ الله يرفع الذين آمنوا درجة واحدة، ليفتحوا بذلك باب جَنانهم، ثم يرفع الذين أوتوا العلم درجات (إقرأ وأرقَ) وذلك بما كسبه من النور في حياته، ومثل هذا العلم ينفعنا في مستقبل حياتنا، وبعد مماتنا، في القبر والبرزخ ويوم المحشر وفي القيامة وفي الجنان، فإنّه من النور الذي يجعله الله له في حياته ليمشي به، كما أنّه يسعى بين يديه وعن أيمانه يوم القيامة، لياخذه إلى بطنان الجنان. -كما ورد في جملة من الأخبار والآيات-.

ثمّ إنّ هذا العلم النُّوري المبارك، يجعل قبر العالم في السماء روضة من رياض الجنّة.

وأمّا العلم إذا لم يكن لله ولم يكن من وراءه العمل، كان الحجاب الأكبر، ويوجب الشقاء في الدنيا والآخرة، كما يجعل القبر حفرة من حفر النيران.

فمن طلب العلم لله وفي الله وبالله وإلى الله، ومع الله جلّ جلاله، فإنّه قد سلك بذلك طريقاً إلى الجنّة، وإنه ليستغفر له من في السماوات والأرض، حتى الحيتان في البحر، ويُدعى في السماء عظيماً.

وهنا يطرح السؤال التالي والضروري، وهو كيف أعرف مستقبل علمي، وهل هو من العلم النافع، أو الذي يتعوّذ منه النبي الأکرم| (اللّهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) كما في تعقيبات صلاة العصر في كل يوم، فتدبّر، فرُبّما في كل يوم يبتلى الإنسان وطالب العلم بالعلم الذي لا ينفعه، بل يضرّ ويكون الحجاب الأكبر الذي يمنع من الوصول إلى الله، وإلى جنانه ونعيمه، فظهر بوضوح أن لنا علم نافع وعلم ضارّ، علم يكون مصيره روضة من رياض الجنة، وعلم آخر مصيره حفرة من حُفر النيران، فعلم يوجب السعادة في الدارين، وعلم يوجب الشقاء في الدنيا والآخرة.

علم يفرح به أهل الجنة  من حامله، وعلم يتأذى منه أهل النار من رائحته النتنة!! والكريهة ـ كما في الخبر ـ

فأي علم هذا حيث يتأذى منه أهل النار، فضلاً عن أهل الجنة، حتى يسألون من الله سبحانه أن يخلّصهم من هذا العالم المحشور معهم لراحته الكريهة، فإنها أشد من عذاب جهنم لأهل جهنم وما أعظم مثل هذا العذاب الرّوحي والجسدي بأن يكون بجواري عالم لم يعمل بعلمه، وهذا ما يصدّقه الوجدان والبرهان والعرفان والقرآن، فمن فتح الله مشاهده البرزخية في الدنيا، فإنّه يتأذى من العالم الفاسق والفاسد، ويشمّ منه رائحة كريهة عند مجالسته.

فطوبى لعالم ربّاني، تعلّم لله، وعمل لله، وعلّم لله، فإنّه دُعي في ملكوت السماوات عظيماً، كما ورد عن الإمام الصادق×، وبئس العلم والعالم الذي لم ينتفع من علمه، بل كدّس العلوم في ذهنه حتى صار كالمكتبة السّيارة، وكالحمار يحمل أسفاراً، وكان علمه حجابه الأكبر.

فكيف أعرف مستقبل علمي وعاقبة أمري في دنياي وآخرتي، وماذا يكون مصيري، ومن أين وإلى أين وفي أين، وماذا يراد منّي، وما هي فلسفة خلقتي وحياتي، وكيف لا أكون كالعالم الذي بصق في القرآن الكريم عند إحتضاره، أو أکون من العالم الذي يسلّم على أوليائه وأئمته الأطهار^، كما سُلّم على الملائكة الذين أُمروا بقبض روحه.

فكثير من علمائنا الأعلام من كان يسلّم على من يحضره من الملائكة والأئمة^ عند إحتضاره، وكان يراهم وإن كان من كان من حوله لا يرونهم وذلك عند ساعة المعاينة -كما ورد في الأخبار-.

فكيف المستقبل؟! ومن أي صنف سأكون من الأصناف الثلاثة اللّذين ذكرهم أمير المؤمنين علي× لكميل بن زياد النخعي رضوان الله تعالى عليه، فمنهم عالم رباني، ومنهم متعلّم على سبيل النجاة، وثالث الأصناف همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح.

فالعالم الرباني المنسوب إلى ربّ العالمين، ومتربٍ بتربية إلهية وملكوتيّة، قد زهد في دنياه، وأخلص في عمله، فـأكون أولاً متعلّماً على سبيل النَّجاة، ثم عالماً ربّانياً أهدي العباد إلى طريق الرشاد، فالعلماء الربانيون قادة الأمم وورثة الأنبياء والأوصياء^، ورثوا عنهم العلم والأخلاق ومسؤولية تبليغ رسالات السماء ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً﴾ .

كما أنّ الفقهاء سادة الناس يهدونهم إلى صواب الأعمال وخير الأفعال، وإلى الصراط المستقيم وسبيل الله القويم.

فالقيادة والسيادة الصالحة إنّما هي بيد العلماء الصالحين والفقهاء المرضييّن، والمطلوب من كل طالب علم في حوزاتنا العلميّة، أن يكون بالمستوى المطلوب، ومن العلماء الرّبانيين اللّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، عليهم سيما الصدّيقين، كلامهم كلام الأبرار، عمّار في الليل ومنار النّهار، متمسكون بحبل القرآن والعترة الأطهار^ يحيون سنن الله وسنن رسوله، قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل.

فمسير طالب العلم أن يخرج أولاً من الهمجية والحيوانية، ويتحكّم بقوتي الغضب والشهوة في مملكة وجوده، بعقلانية وعدالة وحكمة، ثم يكون متعلّماً علوم الله على سبيل النجاة، يركب سفن النجاة، سُفن محمّد وآل محمد^، فإنّ مثل أهل بيت النَّبي الأعظم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهلك وهوى، وكان مصيره الشقاء والنار والعذاب. ثم في المرحلة الثالثة يكون من العلماء الربانيين يقود الناس إلى ساحل الأمن والأمان وإلى النّعيم والجنان.

وهنا أسأل وتسأل ويسأل ونسأل، لمرات وكرّات: كيف أكون العالم الرّباني، وكيف أضمن مستقبلي، والمستقبل مجهول؟!

الخوف والرجاء:

لا ريب أنّ المؤمن بين خوف ورجاء، والخوف والرَّجاء نوران في قلب المؤمن لو وزن هذا على هذا لم يزداد عن هذا ولا يُدرى مصير طالب العلم  منذ أن يدخل الحوزات العلميّة، فربما يكون في المستقبل كميرزا علي محمد باب الذي إدّعى البابية فضلّ وأضل، وانتج الفرقة البهائية المعاصرة لضرب التشيع  أو يكون كالشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي مؤسس المذهب الوهابي التكفيري، حيث يكفّر كل من لم يكن على مذهبه سواء من الشيعة أو السنّة كالأشاعرة والصوفية.

وكان محمد بن عبد الوهاب في أسرة علمية فوالده من المشايخ، وكذلك أخوه، وحتى أوّل من أنكر عليه مذهبه الضَّال والمضلّ، أخوه سلمان بن عبد الوهاب كما هو ثابت في محلّه.

ولايخفى إنّ الإستعمار يستغلّ مثل هؤلاء الطلبة في الحوزات، لإضلال النّاس ولتهديم الدين والمذهب بإسم الدين والمذهب، وإنّما يكسبهم من خلال الأموال الطائلة أو النساء أو الجاه والمقام، لما فيهم من ضعف الشخصيّة، ومن الإنحراف الفكري المبطّن في داخلهم.

والطامّة الكبرى أنّه بنفخ الإستعمار (كالإستعمار البريطاني) في لهيب الفتن والضلال، أنّ لكل دعوة ضلال من يستجيب لها، ويسرى في الناس كالنَّار في الهشيم، كما في الوقت الحاضر حيث نرى لا تزال الوهابية السنيّة، والبهائية الشيعية، تلعب دوراً في الضلال والإضلال، وأساس المذهبين الباطلين إنما هو من طالب علم، وهذا ما يخاف عليه في الحواضر والحوزات العلمية، فإنّه بإسم الدين يؤسس مذهباً جديداً، يُفرّق بين الأمّة الإسلامية، ويزرع الفتن والنّفاق والشّقاق الخصام والعداء والبغضاء بين المسلمين، وهذا غاية أمنية أعداء الدين والإستعمار العالمي، إنطلاقاً من سياستهم المقيتة (فرّق تَسُد) فيتعلبون على البلاد الإسلامية بتمزيقهم، وبث روح الشّقاق والنّفاق والصّراع الدموي بينهم، ليتسلّطوا عليهم، وعلى ثرواتهم وبترولهم وعندئذٍ أنا طالب علم کیف آمنُ على نفسي وعلى مستقبلي، فكيف أصونها وأضمن نجاتها وسعادتها وحياتها الطيبة في المستقبل.

لابدّ أولاً من الفكر الواعي والحذر، وثانياً: ان نتمسك بالثقلين (كتاب الله والعترة الطاهرة)، فإنّه ما إن تمسكنا بهما لن تضل أبداً ـ كما أخبر رسول الله| في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين.

لابدّ عن الرجوع الصادق إلى أهل البيت المعصومين^، فإن كلامهم نور، وأمرهم رشد، ووصيتهم التقوى، وفعلهم الخير، وعادتهم الإحسان.

فإذا اردت أن أعرف مستقبلي على ضوء مدرسة أهل البيت^، فيكفيك ما ورد عن أمير ا لمؤمنين علي× في نهج بلاغته: (إذا إشتبهت عليكم الأمور فيعرف أواخر الأشياء بأوائلها).

وهذا من أروع ما يقال في معرفة المستقبل المجهول والمشتبه، فإنّه كما في علم المنطق (النتيجة تابعة لأخسّ المقدمات) ومتى ما سَلُمت جميع المقدمات من الصغريات والكبريات، عند ذلك تكون النتيجة سالمة وصحيحة ومنتجة، يعتمد عليها، ويركن إليها، ويحتجّ بها في مقام الحجّة والإحتجاج.

فمن أراد أن يعرف أواخر دراسته وطلبه للعلوم الإسلاميّة، وأنه متعلّم على طريق النجاة، ثم ليكون عالماً ربانياً، يهدي العباد، فإنّما يعرف ذلك منذ اليوم الأول لدخوله الحوزة العلميّة.

فلماذا ترك الأوطان وجاء من بلاد نائية وبعيدة طلباً للعلم، ولماذا إختار دراسة الحوزات العلمية المباركة، وماذا يبغي من درسه وتدريسه وتأليفه وتبليغه، وكل ما هو من شؤون رجل الدين في المجتمع، فهل جعل المبدء والمقصد هو الله سبحانه (إنّا لله وإنا إليه راجعون) أم الدنيا وحطامها وملاذّها والجاه والمقام والمراء والتَّفاخر.

ولا يخفى أن أكثر طلاب الحوزات العلمية إنما هم من بلاد بعيدة قد تركوا الأهل والعيال، ورضوا بالغربة والفقر وبالآلام والهموم والأحزان، كل ذلك ليكون عالماً، ويرجع إلى قومه لينذرهم لعلّهم يحذرون، كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:

وحيث كان المسلمون في صدر الإسلام وف يعصر النبي الأكرم| ينفرون جميعاً إلى الجهاد حبّاً بالجهاد والشهادة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.

فإن كان المقصود هو الله جلّ جلاله، فإنّه وعد الذين يجاهدون في سبيله ليهديهم إلى صراطه المستقيم، وليثبت اقدامهم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

فإن كانت النوايا صادقة وخالصة، والمقصود بطلب العلم هو التّقرب إلى الله سبحانه، وأن يكون داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل الخصوم بالتي هي أحسن، فهذا مضمون العاقبة، لأنّه تعرف أواخر الأشياء بأوائلها.

فمن كان واقياً إلى الله كما كان إبراهيم الخليل× في دعوته إلى الحج (هلّموا إلى الحج) وكما كان سيد الشهداء في يوم عاشوراء في دعوته (هل من ناصر ينصرني) فإنّ دعوتهما من الدَّعوة الإلهية والنبّوية، فأستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.

للکلام تتمة........

تنبيه هام: يمکن للقارئ الکريم، متابعة الموضوع وقرائة التتمة، في موقع (التبليغ.کوم) وشکراً.

 

كان من السعداء، ومن العلماء الصلحاء، وفي خطّ ونهج الأنبياء والاوصياء، مبلغاً رسالات السماء، وبذلك تضمن مستقبلك الزاهر والمتقدّم، وإنّك تتشرّف بأن تكون وريثاً للأنبياء والمرسلين من آدم إلى الخاتم^ وإنه سيلقى عليك قولاً ثقيلاً، ولابدّ أن يكون وعائك وعاءً وسيعاً وكبيراً وقوياً يتحمل هذا الثقل العلمي والرسالي، ولا تخشى إلّا الله سبحانه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.

ولابدّ من تنظيف القلب وتطهيره بالتخلية عن الرذائل، والتَّخلية بالفضائل والمحاسن، والتجلية بالمكارم والتَّخلّق بأخلاق الله سبحانه، ومن كان قلبه ووعاء علمه نظيفاً، فإنّ الله نظيف ويحبّ النظافة ويحبّ النّظيف، ويحبّ بغاة العلم، فيلهم المتعلم ما يُلهم ملائكته المقربين كجبرئيل وميكائيل÷ كما في الدعاء: (اللَّهم أرزقني فَهم النَّبيين، وحِفظَ المرسلين، وإلهام الملائكة المقرّبين برحمتك يا أرحم الراحمين،وصلى الله على محمد وآله الطاهرين).

وحينئذٍ يرجع الناس ومن يطلب الماء النظيف إليه، لينتفعوا من علمه الصَافي الربّاني، وهذه حقيقة لا تنكر.

وإنّ الله حكيم وخبير ولطيف، لا يجعل علمه اللّدني أو ما كان من عنده، والأول من دون واسطة بخلاف الثاني، في قلب وسخ ودرن بالآثام والذنوب ورذائل الأخلاق وسوء الأعمال، فكيف لحكيم وعليم أن يجعل الماء الذي جعل منه كل شيء حي، في قلبٍ قذرٍ ووسخٍ، فهذا ما لا يقبله العقل والنَّقل، فإنه من يفعل ذلك ينسب إليه الجهل والجنون، فسبحان الله عمّا يصفون.

وكما قال أمير المؤمنين×: (القلوب أوعية خيرها أوعاها) للخير.

فالناس يشربون من ماء معين، ولكن الكلاب تلغ في الوعاء الوسخ والقذر، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

فمن ران على قلبه بالذنوب والآثام، كيف يكون وعاءً لنزول رحمات الله وفيوضات علمه وتجليات وصفاته العليا وأسماءه الحسنى، هيهات هيهات، وإنّما ذلك القلب يكون عُشّ الشَّيطان، فيبيض فيه ويفرّخ، حتى ينظر بعين الشيطان، وما كان سمعه إلّا آلة لسمع الشيطان، وأين هذا ممّن يتقرب إلى الله سبحانه بالنَّوافل حتى نال (قرب النوافل) فأحبّه الله سبحانه، فكان بصره إليك يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، فكان عينه عين الله وسمعه سمع الله، ويده يد الله جلّ جلاله، وهذا الذي يزيد في علم الناس منطقه، ويذكر بالله رؤيته، ويرغب بالآخرة عمله.

فالله سبحانه لا يعطي من علمه وحكمته لقلب صار عُشّ الشيطان، بعد أن كان عرش الرَّحمن.

وليس العقل العملي: إلّا ما عُبد به الرَّحمن، واكتُسب به الجنان، وما عند معاوية من الدّهاء والسياسة إنّما هو من النكراء والشيطنة ـ كما ورد في الحديث الشريف ـ ومثل هذا يكون سياسياً مسلماً، وليس مسلماً سياسياً، كما مرّ.

وكأن قلبه ووعاءه قذراً، يلغ فيه كلاب الشياطين من الجن والإنس.

وكم فرق بين الوعاء القذر وفيه القذارة من الصفات الرذيلة والأعمال السيئة، وبين الوعاء النظيف الملكوتي الذي إمتلأ بالعلم النافع والعمل الصالح، وتحلّى وتزين بالمحامد والمحاسن ومكارم الأخلاق.

وفي قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾.

قال الإمام الباقر×: فلينظروا إلى علمه ممّن يأخذ، فالطعام الذي يحلّ أكله، ويقوي الرّوح والجسد، إذا كان في وعاء وماعون وصحن نظيف طاهر، فإنّ الوسخ القذر لا يوضع فيه ما تلذ الأعين، وتشتهي النفوس، وما لم يخطر على قلب بشر.

فلابدّ من طهارة ونظافة الوعاء، أي القلب أوّلاً، وهذا ما يحصل عليه طالب العلم في مقام التزكية والتربية ثم تعليمه ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

وإنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، كما لا تدخل قلباً فيه كلاب، كالقوة الغضبية والقوة الشهويّة، فلات تنزل الملائكة بعلم الله في قلب طالب علم ما لم يُهذّب نفسه، ولم يتحلّ بأخلاق الصالحين، ولم يقصد بعلمه التقرّب من ربّ العالمين، وما أروع ما يقوله شيخنا البهائي+ في مقام النصيحة:

أيّها الطُّلاب الذي في المدرسة

                   كلّما حصلتموه وسوسة

 

ذكركم إن كان في غير الحبيب

                   ما لكم في النشأة الأخرى نصيب

 

ولا يخفى أنّ لله نظرات رحيمية توجب الكمال والاستكمال كما في الأدعية والزيارات، ففي آخر دعاء الندبة (وانظر إليّ نظرة رحيمية أستكمل بها الكرامة عندك) ومن استكمال الكرامة قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وإنّما ينظر الله سبحانه لمن كان قلبه طاهراً مطهّراً، كما ورد في غرر حِكَم أمير المؤمنين علي× قال: (قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله سبحانه وتعالى، فمن طهّر قلبه نظر الله إليه) .

وحينئذٍ كيف أضمن مستقبلي، وكيف أعرف أنّ دعائي وقلبي نظيفاً طاهراً مطهراً، لا يشوبه الرّياء والشرك والعُجب والنفاق والغفلات والنّسيان، وكيف يكون وعاءً للعلوم الرَّبانية والمعارف الإلهيّة، وكيف يقذفه الله نوراً في قلبي بإلهام، كما يلهم ملائكته المقرّبين، كجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وإذا أحبّ الله عبداً ألهمه العلم، فكيف أكون محبوباً لله، في السماء وفي الأرض (اللّهم فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك... محبوبة في أرضك وسماءك) .

وكيف أتعلم لله سبحانه وحده لا شريك له، وإني  لازلت في الخطوة الأولى، لمسيرة ألف ألف ميل، بل إلى ربك المنتهى، وإنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، وكيف أكون صادقاً غير كاذب في طلب العلم وبالعمل به، وكيف أتحلّم حتى أصل إلى الحلم الذي هو زينة العلم ووزيره، وكيف أتزّهد في الدنيا الدّنية وحُطامها وزخارفها، حتى أصل إلى مقام الزّاهدين والعارفين.

نعم: عليك أن تنوي من الآن وأنت تقرء هذه السطور ـ تنوي ولو باللسان، فإنّه مقدمة الجنان والقلوب، بأن يكون طلبك للعلم لله وفي الله، ومن الله وإلى الله، متمسكاً بحبله وقرآنه، وبترجمانه وبيانه محمد وآل محمد^.

فقل في نفسك وأنت تقرأ هذه اسطور وأنا معك إلهي وربي ومولاي أنا عبدك الفقير المسكين، لا أملكُ لنفسي نفعاً، ولا ضرّاً، ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً، بيدك الخير كله، فخذ بيدي إلى الخير كلّه، وأعني على نفسي الأارة بالسوء بالجهاد الأكبر، ووفقني لطلب العلم النافع والحكمة البليغة، وسدّدني بالعمل الصالح، فانت الحيّ القيّوم، وإنك على كل شيء قدير، أزمّة الأمور طرّاً بيدك، ولا حول يعني عن المعاصي والرذائل، ولا قوة يحملني على المحامد والصالحات إلّا بك، فعليك أتوكّل وإليك أنيب، وأنت خير ناصرٍ ومعينٍ والحمد لله رب العالمين وصلّى على محمد وآله الطاهرين).

إلهي لا تؤدبني بعقوبتك، ربي من لي غيرك، أنت دنياي وأنت آخرتي، وإنّما طلبت العلم تقرباً إليك، لا للسمعة وحبّ الإطراء، ولا للرّياء والمراء، ولا للجاه والمقام، ولا للدنيا وأهلها، بل لك وفيك، كما أقرن علمي بعملي الصالح بتوفيق منك، فإنّ العلم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر، ولَيل بلا قمر، فإنّه من الوبال والحجاب الأكبر.

ولابدّ لطالب العلم أن يتعلم لله ويعمل لله، ثم يكون معلماً لله، فإنّ زكاة العلم نشره وتعليمه للآخرين، فيكون العالم الربّاني والعلم الصمداني، كالشمس الطالعة والمشرقة للبّر والفاجر.

وقد أخذ الله على العلماء أن يُعلّموا الناس قبل أن يأخذ على الجاهل أن يتعلّم، فلابدّ أن أكون بعد إصلاح نفسي وتأديبها وتهذيبها معلّماً ومؤدباً ومُبلغاً رساليّاً ومربيّاً للناس، فأكون نوراً بنور العلم، ومصباحاً في الدياجي والظلمات، إقتداء بمصابيح أهل البيت^، ولا سيما مصباح سيد الشهداء×، فإنّه كتب على عرش الله، وبلون أخضر، وهو لون المعرفة (إنّ الحسين مصباح الهدىً وسفينة النجاة) فأكون مصباحاً لنفسي ولمن حولي من اسرتي وعشيرتي وأصدقائي وأهل محلّتي وبلدي، بل العالم بأسره، بلا حدود مكانية ولا زمانيّة، ولا أكون كما قال أمير المؤمنين× (طويل القامة قصير الهّمة) بل همم الرجال تزيل الجبال، وانظر إلى أقصى القوم وأقصى المدينة.

أجل من تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله، فإنّه ربما يُستضعف في الأرض من قبل الجاهلين، وأعداء العلم والدّين، إلّا أنه يُدعى في ملكوت السماوات، أي عند الملائكة، عظيماً، بأنه تعلّم لله، وعمل لله، وعلّم لله، ولا ينال هذا إلّا ذور حظ عظيم، فالعمدة في البداية في طريق طلب العلم، أن يكون لله، وأن يكون (فينا) و (الذين جاهدوا فينا) لا للنفس ولا الفخر والتَّفاخر، للدنيا والجاه والمقام، ولا لزيد وعمرو، إنما لله وفي الله، خالصاً مخلصاً قل الله ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فمن كان عظيماً في الملكوت كيف لا يكون عظيماً في الآخرة وفي الجنان، واعلم أن هذا من الأمر المستصعب الذي لا يتحمّله إلّا ملك مقرّب، أو نبي مرسل، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان.

واعلم أن العظيم في القرآن الكريم، ما كان خارجاً عن التّصور البشري أو من الصعوبة للوصول إليه كعرش بلقيس، فأي مقام هذا لطالب العلم العامل بعلمه لله وفي الله حتى يُدعى في ملكوت السماوات عظيماً، وهل بعد هذا من مقام؟!

فما كان عظيماً خارجاً عن التّصور البشري كعرش الله العظيم جلّ جلاله، فمن تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله، دُعي في الملكوت عظيماً، فما أعظم مقامه وجلاله وجماله، وإذا أراد الطالب بعلمه وجه الله جل جلاله هابه كل شيء، لما فيه مت تجلّي جلال الله سبحانه، كما أحبّه كل شيء لما فيه من جمال الله سبحانه وتعالى، وهذه من علائم معرفة العلم والعالم في بدايته وفي مستقبله.

وقد ورد في جملة من الأحاديث الشريفة، لو أن حَمَلة العلم حملوه بحقّه، أي لو حمل طالب العلم ما تعلّمه كما هو المطلوب، لأحبّه الله سبحانه، ولأحبّه ملائكة الله وأهل طاعته، فإنّهم يحبّون هذا العالم الرَّباني، ويتّبعونه في القول والفعل، ولكن إذا حمل العلم طلباً للدنيا وأهلها، مقته الله وغضب عليه، وكان من الأشقياء ومن المخذولين، وهانوا على النّاس.

فلابدّ لطالب العلم منذ اليوم الأوّل من تصحيح النّوايا بالصِّدق والإخلاص والوفاء، فإنّه من لم يتعلم لله حان على الناس، ومن تعلّم لله أحبّه الناس، وكم ترى أنّ بعض العلماء بمجرد أن يراه الناس يحبّونه، ومن دون معرفة سابقة يقبّلون يده، ويتقرّبون بذلك إلى الله سبحانه، وربما تجد صاحب عمامة كبيرة ولحية طويلة وهندام صمداني، إلّا أنه مهان عند الناس، والسّر في ذلك أن الأول تعلّم لله وعمل لله  سبحانه دون الثاني.

فمن العلماء من أراد بعلمه وجه الله، ومنهم من أراد به وجه الناس، فقد فاز الأول وسُعد، وشقي الثاني وخسر، فمنهم من أراد الحظوة عند السلطان، فكان من وعّاظ السّلاطين، فلم يصب باباً من العلم، إلّا إزداد في نفسه عُجباً وغروراً، وعلى الناس تكبّراً واستطالةً، وفي الدين جفاءً ومن الله بُعداً، وكان علمه الحجاب الأكبر، وحجة الله عليه يوم القيامة، وقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

فإنّ الله أعطاه العلم إلّا أنه لم ينتفع به، بل ضلّ وأضلّ بعلمه، ومن أراد بعلمه المولى، فإنّ له الدنيا والعقبى والمولى، وكان وجيهاً عند الله وعند الناس في الدنيا والآخرة، وذلك هو الفوز العظيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

العبد

عادل بن السيد علي العلوي

الحوزة العلوية ـ قم المقدسة

3 شهر رمضان المبارك 1438 هـ ق

ارسال الأسئلة