العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة

المقالات العشوائية

المقالات الاکثرُ مشاهدة

شرح حدیث عنوان البصري (القسم الثالث)

بسم الله الرحمن الرحیم

 ماذا تعرف عن علم السّر؟:

يترتّب على علم الأخلاق والعرفان (علم السّر)الذي من وراءه معرفة رموز وأسرار الكون، بما كان وما يكون وما هو كائن، والوقوف على فلسفة الخلقة والحياة، وسرّ الطبيعة وما ورائها، والوقوف على حكمة الشريعة وفلسفة أحكامها، وأسرار العبادات كالصلاة والصوم، وهذا العلم الخاص يتولّد من الإشراق النّوري، بما جاء في القرآن الكريم، والسُّنة النبويّة المطّهرة، وأحاديث أئمة أهل البيت المعصومين الطاهرين ^.

وإلى هذا العلم القلبي الخاص وهو من سرّ السّر يشير إليه الإمام الصادق× ويُبيّن كيفیّة الوصول إليه، وما هي الآليّات والعوامل التي توجب وتستدعي الإلتحاق به،والفناء فيه.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق لولده إسماعيل: (يا بنيّ إجتهد في تعلّم علم السّر، فإن بركته كثيرة أكثر ممّا يظن، يا بنيّ من تعلم علم العلانية وترك علم السّر، يهلك ولا يسعد، يا بُنّي إن أردت أن يكرمك ربّك بعلم السّر فعليك ببغض الدنيا، واعرف خدمة الصالحين، وأحكم أمرك للموت، فإذا إجتمعت فيك هذه الخصال الثلاث يكرمك ربّك بعلم السّر).

أقول: لو تعمّقنا في هذا الحديث الشريف مع ما عندنا من البضاعة المُزجاة والعلم القليل، لوقفنا على حقائق لا نجدها في الكتب والسّطور، بل نشاهدها في القلوب والصّدور، صدور الذين آتاهم الله العلم، والذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

فمثل الإمام الصادق المصدّق الذي يحمل علم الأولين والآخرين، والكوكب الدري السادس في سماء الإمامة، إنه إمام المسلمين من أهل البيت النبوة والرسالة، ومن بيت الوحي والعصمة والطهارة، ينصح ويوصي ويعظ ولده الأكبر إسماعيل، الذي تربّى في حِجر الرّسالة، ورُضع من بيت العصمة، فيأمره بما فيه سعادة الدارين، أولاً: بالجدّ والإجتهاد، (وبذل ما في وسعه وطاقته في طلب أمر هامٍ يضمن سعادة الدارين.

وثانياً: في أن يعلم (علم السّر) وهو من العلم القلبي والباطني ولا يحصل بالتعلّم وكثرة التعلم، كما في العلوم العقلية، بل كما قال الإمام الصادق× (ليس العلم بكثرة التعلّم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء أن يهديه).

وثالثاً: أنّ بركات هذا العلم الإلهي النوري لكثيرة، والبركة هو الخير المستقر والمستمر إلى يوم القيامة، وأنه من أسماء الله (المبارك) فيتجلّى بركته وخيره المطلق بلا قيد ولا نهاية في عبده، وفي علمه القلبي (علم السّر) وبركات هذا العلم العظيم أكثر مما يظن به الظانّون، ومن العلوم أنّ مفهوم الأكثر بصيغة أفعل التفصيل يعني لا نهاية له، لأنه كل كثير يتصور فيه الأكثر، وكلّ أكثر يتصور فيه الأكثر إلى أن ينتهي إلى ربك (إلى ربك المنتهى) والله في ذاته وصفاته وأفعاله بلا نهاية، فهو الكمال المطلق جلّ جلاله، ليس كمثله شيء، فسبحان الله عمّا يصفون.

ورابعاً: إنّ العلوم العقلية والظاهرية والتي يعبّر عنها بمثل ما جاء في هذا الحديث الصادق الشريف بعلم العلانية، لأنه في العلن وعلى اللّسان، إنما ينفع في الدنيا والآخرة لو كان في دائرة العلم القلبي وحكومته كما مرّ تكراراً، وإلّا فمن ترك علم السّر وعلم القلب، وإكتفى بعلم العلانية وبعلم الظاهر والحجة اللّسانية، فإنه يهلك ولا يكون ذلك سبباً لنجاته يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلّا من أتى الله بقلب سليم، يسوده العلم النّوري النافع، ثم لا يهلك وحسب بل يشقى بهذا العلم ويكون له الحجاب الأكبر المانع من الوصول إلى الله سبحانه، فلا يسعد في حياته، ولا بعد مماته، فيخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

وخامساً: هذا العلم القلبي والسّري إنما هو كرامة من الله الرّب والمرّبي الكريم، فإذا أردت أن يكرمك ربك بعلم السّر الذي ينكشف به الحقائق، وتنال به مقام الكشف والشهود القلبي، وتقف على أسرار الطبيعة وما ورائها من الحقائق الكونيّة، التي لا يعلمها إلّا الله والراسخون في العلم محمد وآل محمد ^، ومن يحذو حذوهم من شيعتهم العظام، كسلمان وأبي ذر وعمّار ومقداد، ومواليهم ومحبيّهم الكرام، فلابّد أن تتمسك وتعمل بهذه الخصال الثلاث، ولابدّ من الجمع بينها، فإنها تعدّ من أمّهات وأصول الآليات والعوامل التي توصلك إلى علم السّر.

وهي كما يلي:

الأول: بُغض الدّنيا، فإنه لابد أن تزهد في حلالها، فضلاً عن حرامها وشبهاتها، فإنّ في حرامها عقاب، وفي الشُّبهات عتاب، وفي الحلال حساب، وإنّه كما قال رسول الله| (حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة)، وانه من الحجب الظلمانية وإنّ الحب ليعمي ويُصم، فمن أحبّ الدنيا مستقلاً أعماه ذلك عن حبّ الآخرة، نعم إنما الدنيا لأولياء الله وعباده المؤمنين مزرعة الآخرة، ومتجر أولياء الله، ومسجد عباد الله، فلا يُنظر إليها بنحو الاستقلال، بل لو كانت مقدمة الآخرة، فإنها تكون منها ومن حسناتها ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(البقرة: 201).

الثاني: خدمة الصالحين: أولئك الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم كالأنبياء والأوصياء، وورثتهم من العلماء الصالحين والمتّقين، من يذكركم الله رؤيته، ويزيدكم في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله، من صدّق قوله فعله، فإنّ النظر إليه عبادة، وخدمته سعادة، وأنه يخرجك ويجرّك من خمس إلى خمس، من الرّياء إلى الإخلاص، ومن الكبر إلى التواضع، ومن حبّ الدنيا إلى الزّهد فيها، ومن العصيان إلى الطاعة، ومن الشرك الخفي والجلي إلى التوحيد الخالص.

الثالث: الإستعداد للموت: فمن أراد (علم السّر) فلابدّ أن يستعدّ للموت، ويُحكم أمره للرحلة الأبدية، فيحمل معه خير الزّاد المعنوي، من التقوى والورع، ومن العلم النافع، والعمل الصالح، فيتجافى عن دار الغرور، ويرجع بالإنابة إلى دار الخلود، ويستعد للموت قبل حلول الفوت، كما مرّ هذا المعنى أيضاً عن رسول الله| في علامات العلم القلبي، وكذلك ما ورد في دعاء الإمام زين العابدين في سجوده (اللّهم أُرزقنا التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والإستعداد للموت قبل حلول الفوت) فهذه الخصال الثلاث متى ما إجتمعت في العبد، فان ربّه يكرمه بكرامة أولياءه، ويلهمه من علم السّر، فتحدّثه الملائكة في قلبه، ويناجيه ربّه في سرّه ونفسه، ويكلّمه في ذات عقله، كما كلّمه من قبل في فطرته في عالم الميثاق وعالم الذّر، فأشهدهم على ربوبيته فقال سبحانه: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ (الاعراف: 172).

قال الإمام الصادق×: (إعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسنون من رواياتهم عنّا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقيهاًحتى يكون محدّثاً بفتح الدال إسم مفعول قيل له يابن رسول الله أو يكون المؤمن محدَّثاً؟ قال: بلى يكون مفهّماً، والمفّهم محدث) فالفقيه عند أهل البيت^ ليس من يعرف المصطلحات الفقهيّة والاصوليّة وحسب، بل الفقيه حق الفقيه من كان يعرف محاسن كلماتهم، وأسرار علومهم، وحقائق مكارمهم، بإلهام من الله، وبالنور الذي يقذفه في قلبه، وتحدّثه الملائكة بالنَّكت في القلب، فيكون عنده فقه الحديث، وشمّ الفقاهة، ولا يحصل على هذا المقام الشامخ، والمرتبة القدوسيّة، والمقام الملكوتي، إلّا بالورع والتقوى، وبحقيقة العبودية، كما قال الإمام الصادق× لعنوان البصري، وبالولاية الكاملة لأهل البيت^، وبالتّخلية من الصفات الرذيلة، كالكبر والعجب والرّياء وحبّ الدنيا، والبخل وغير ذلك، والتحّلية بالصفات الحميدة كالتّواضع، والإخلاص، والزّهد، والسخاء، واليقين والتقوى، وحبّ الله ورسوله وأهل بيته ^.

قال الإمام الصادق×: (من أخلص لله أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).

وما أروع هذا الحديث الشريف الذي من وراءه الأسرار والحقائق لمن تأمل وتدبّر فيه، فإقرءه تكراراً ومراراً حتى تقف على ما أقول:

في تفسير البرهان في ذيل قوله تعالى ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ (سورة ص: 75) عن محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق× في حديث طويل مع يونس بن ضبيان في تعريف التوحيد قال×: (... إنّ أُولي الألباب الذّين عملوا بالفكرة، حتى ورثوا منه حبّ الله، فإن حبّ الله إذا ورثته القلوب، إستضاء به، وأسرع إليه اللّطف، فإذا نزل منزلة اللّطف صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد، تكلّم بالحكمة، وإذا تكلّم بالحكمة، صار صاحب فِطنة، فإذا نزل منزلة الفطنة، عمل بها في القدرة، فإذا عمل بها في القدرة، عمل في الأطباق السبعة، فإذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلّب في لطف وحكمة وبيان، فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبّته في خالقه، فإذا فعل ذلك، نزل منزل الكبرى، فعَاينَ ربّه في قلبه، وورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء، وورث العلم بغير ما ورثه العلماء، وورث الصدق بغير ما ورثه الصّديقون.

إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصّمت، وإنّ العلماء ورثوا العلم بالطلّب، وإنّ الصّديقون ورثوا الصّدق بالخشوع وطول العبادة، فمن أخذ بهذه السيرة، إمّا أن يسفل، وإمّا أن يرفع، وأكثرهم الذي يسفل ولا يرفع، إذا لم يَرعَ حق الله ولم يعمل بما أمره به، فهذه صفة من لم يعرف الله حقّ معرفته، ولم يحبّه حقّ محّبته، فلا يغرّنك صلواتهم وصيامهم، ورواياتهم وعلومهم، فإنهم حمُر مستنفرة.

ثم قال: يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت، فإنا ورثناه، وأُوتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب) الحديث.

(إلهي هب لي قلباً يُدنيه منك شوقه، ولساناً يُرفع إليك صدقه، ونظراً يقرّبه منك حقّه... إلهي أقمني في أهل ولايتك مقام من رجا الزيادة من محبتك، وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك، وهمّتي في روح نجاح أسمائك ومحلّ قدسك) (1).

وهذه الدرجة العظيمة من العلم القلبي إنما يحصل عليه العالم الرباني بعد الإيمان الكامل، والتقوى واليقين، فينير الله القلب كما قال رسول الله| لذلك الشاب المؤقن الشهيد، الذي رأه النبي بعد صلاة الصبح يخفق ويهوى برأسه مصفرّاً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله|: كيف أصبحت يا فلان؟ قال: أصبحت يا رسول الله موقناً، فعجب رسول الله من قوله لندرة من يصل إلى هذا المقام العظيم وهو شاب، فقال له. إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك؟ فأجابه الشاب لا بلسان المقال، بل ببيان الحال، فقال: إن يقيني يا رسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي، وأظمأ هواجري -كناية عن الصوم في الصيف-فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها. أي زهد في الدنيا حتى وصل إلى مقام الكشف والشهود،فقال: وحتى كأني أنظر إلى عرش ربّي وهو نصب للحساب، وحشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم، وكاني أنظر إلى أهل الجنة يتنعَمون في الجنة، ويتعارفون على الارائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النّار وهم فيها معذّبون مصطرخون،وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال رسول الله|: هذا عبد نوّر الله قلبه للإيمان أليس هذا هو العلم الذي يقذفه الله في قلب من أراد أن يهديه ثم قال له: ألزم ما أنت عليه، فقال الشاب: أدع الله لي يا رسول الله أن أُرزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله| فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي| فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (2).

ولا يخفى أن هذا التنوير الإلهي (عبد نوّر قلبه بالإيمان) إنّما يحصل عليه بزيادة الإيمان الذي من وراءه التّصور والتصديق بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، وبالتقوى فيما أمر الله ونهى، وشدّة اليقين، فإنّه بالإيمان والتقوى واليقين ينتهي العالم الرّباني إلى أن يطلّع على حقائق الأشياء مطلقاً (اللّهم أرني حقائق الأشياء كما هي) في محسوساتها ومعقولاتها، وفي العوالم كلّها في قوسيها النّزولي والصّعودي، في عالم الأجسام والمثال والعقول المجرّدة، فتنكشف له حُجبها النّورية وأستارها، بعد كشف الحجب الظلمانيّة من حُبّ الدنيا وما فيها، فيعرف الأشياء وباقي الطبيعة وما ورائها، بعين اليقين على ما هي عليه (وهذا من عين اليقين) من غير وصمة ريب أو شائبة شكٍ (وهذا من علم اليقين) فيسلم قلبه ويطمئن نفسه بذكر ربّه، ويستريح بها روحه، حتى يصل إلى مقام الفناء بالله والبقاء به (وهذا من حقّ اليقين) وهذه هي الحكمة المتعالية والحقيقة التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً، ولا يلقّها إلا ذو حظ عظيم.

وإليه أشار أمير المؤمنين× بقوله: (هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملأ الأعلى) (3).

وفي مناجاة الأئمة الأطهار^:

(إلهي هب لي كمال الإنقطاع إليك، وأنِر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النّور فتصل إلى معدن عظمتك، وتصير أرواحنا معلّقة بعز قدسك) (4)، بالملأ الأعلى، في ظل عرشك، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

ثم قوله× (إننا بما إستوعره المترفون) أي المتنعّمون أصحاب الجاه والثروة وأهل الدنيا وزخارفها وزبارجها فأولئك الموقنون الذين باشروا روح اليقين ولامسوها مباشرة من دون وسيط، فتجسّد اليقين في وجودهم فكانوا اليقين بعينه، فرفضوا الشهوات البدنيّة بما ليس فيه رضا الله سبحانه، وقطعوا عن أنفسهم التعلقات الدنيويّة ولازموا السهر في العبادة والجوع والمراقبة والمحاسبة والصمت عن غير ذكر الله سبحانه، والاحتراز عما لا يعنيهم ونحو ذلك، وهذا إنما يتيّسر بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت، والترقي إلى عالم النور والأنس بالله والوحشة عمّا سواه، فأنسوا بالحكمة والعلم النوري واستوحشوا ممّا استأنس به الجاهلون من حطام الدنيا وملاذها وفانيّاتها، فصبحوا الدنيا بأبدان وأجسام أرواحها ونفوسها وقلوبها تعلّقت بالملأ الأعلى.

فلم يكن لهم في دنياهم إلّا همّ واحد، فصيّروا الهموم جميعاً همّاً واحداً، ومقصداً واحداً، وهو لقاء الله جلّ جلاله، بقلب سليم، ونفس مطمئنة، وحينئذٍ يكون القلب الذي فيه نور العلم مستعدّاً لأن يتجلّى الله فيه بأسماءه الحسنى وصفاته العليا، ويظهر في مرآته حقيقة الحقّ في الأشياء كلّها، من اللّوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله تعالى به إلى يوم القيامة، ومن لوح المحو والإثبات، وما فيه من البداء المعقول الثابت في اللّوح المحفوظ(5)، وإنما يحال بين العالم الرّباني وبين اللّوحين، الحجب الظلمانية والحجب النوريّة، كنقصان في جوهره، أو من جهة كدورةٍ تراكمت عليه من كثرة الشهوات، أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة، أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد، وإلى بعض هذه الحجب أشير في الحديث النبوي الشريف: (لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء) وفي خبر آخر (لولا هيام الشياطين على قلوبكم لسمعتم ما أسمع ولرأيتم ما أرى) وإلى مثل هذه الرؤية الملكوتية أرى الله خليله إبراهيم ملكوت السموات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الأنعام: 75) كما دعانا إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: 185).

وهذه الرؤية الملكوتية التي نشاهد بها بواطن الأشياء وحقائقها وأسرارها، لا تتمّ ولا نحصل عليها، إلّا بالعلم القلبي، وبنور يقذفه الله ويجعله في قلب من يشاء أن يهديه، فيكون هادياً في نفسه وذاته، وهادياً لغيره، كالنّور الظاهر بنفسه والمظهر لغيره، ويبدء الله بهذا الأمر بما يصطفي من خلقه في مقام النّبوة أولاً، فيوحي إليهم، وثانيا: وفي مقام الإمامة بإيحاء وإلهام ونقر في الأسماع أو نكت في القلوب، أو نظر في عمود من النور، فيعلم بإذن الله سبحانه بما كان، وبما يكون وبما هو كائن(6)، وثالثاً: في مقام الوراثة للنبوة والإمامة كالعلماء الصالحين، والأولياء المتقين، الموقنين، فيلهمهم الله بعلم منه، حتى يهجم بهم العلم على حقائق الأمور، فتدبّر.

التاسع عشر:-من الفوارق بین العلم العقلي والعلم القلبي- من القديم قد إختلف حكماء اليونان وفلاسفتهم في كسب العلوم والمعارف على مشربين يعدّان أمهات وأُصول للمشارب الأُخرى في الفلسفة اليونانية وغيرها من المدارس الفلسفية في القديم والحديث، وهما: مشرب فلاسفة الإشراق، ومشرب فلاسفة المشّاء، ومرجع إختلافهما إلى إختلاف الاستاذ والتلميذ في كيفيّة التعليم والتعلّم.

فذهب أفلاطون الاستاذ إلى أن حيازة العلم وكسبه إنما يحصل بإثارة ما في القلب من الدفائن العلميّة وإستضاءة الرّوح بعناية ولطف وتأئيد من الله سبحانه، فإنّ العلوم كلّها في القلب دفينة، ولابد من الثورة والإثارة حتى تخرج العلوم من القلب إلى الجوارح، ولا دخل للإكتساب والإجتهاد وكثرة التعلّم في ذلك.

وقابله تلميذه المعلّم الأوّل أرسطوطاليس، وإدّعى خلاف ذلك بإنّ سبب الإحاطة على الحقائق إنما هو بالمشي والطلب وبذل الجهد الجهيد، وكثرة التعلّم وسهر الليالي لمن طلب العُلى في العلوم والفنون، فسمّى تابعوه بالمشائيين، كما سمّى أتباع أفلاطون بالإشراقيين باعتبار إشراق العلم بنور من الله سبحانه، فالعلم نور في القلوب المستعدّة.

والحق الحقيق كما هو المختار، هي الطريقة الثالثة التي جاء بها الإسلام الحنيف من الجمع بين الطريقتين، والأمر بين الأمرين، فإنّ المشي وبذل الجهد والطلب الحثيث للعلوم العقلية العلنية ممّا لابد منه، كما لابدّ من الإشراق للعلوم القلبية، كعلم السّر.

فالوصول إلى العلوم الماديّة والدنيويّة المعاشيّة كالطّب والهندسة وما يتعلق بالأبدان أصالةً أو بالعرض، قصداً أو عملاً، فهو من العلم المشائي العقلي، وما يتعلق بالعلوم الروحانيّة المعنوية الأخرويّة، إنما هو بالعلم القلبي، ولا يكفي للمعاش والمعاد أحدهما دون الآخر، نعم الاجتهاد الكسبي بوحده الخالي والبعيد عن الإشراق القلبي والنّوري، إنّما ينفع للدنيا الفانية، وأمّا في الآخرة فلاحظّ للعالم بها، ولكن لو كان الاجتهاد والطلب للعلوم العقلية في ضوء تنّور الباطن بنور يقذفه الله في قلب من يشاء أن يهديه، أي كان من أهل الهداية بإختياره التقوى والأعمال الصالحة وحقيقة العبودية، والتّخلّي من الذّمائم في الأعمال والصفات، والتّخلّي والتّحلّي بالمكارم، فإنه كان من العلم النافع في الدنيا والآخرة، وهذا ما يدعو اليه دين الله سبحانه وتعالى.

فعلى طالب العلم أن يحضر الدرس العقلي حضور تفهّم وإستيعاب وبكلّ قوة وإجتهاد، وحرص في الطّلب، كما عليه أن يحصل على علم السّر والعلم القلبي بالتّقوى والعمل الصالح وبالأذكار والأوراد، والنوايا الخالصة الصادقة لله سبحانه، ويشتغل بالتوبة والإستغفار، فما من مجلس كان يجلس فيه النبي المختار محمد المصطفى| ويقوم منه إلّا ويستغفر ربّه خمسة وعشرين مرّة، ولابد من العبادة في الليل والنهار، واذكر ربك بكرةً وأصيلاً، واستمدّ منه العون والتوفيق والتسديد برحمته الواسعة وبابتغاء الوسيلة إليه، حتى تأخذ النتائج المطلوبة والصحيحة من مقدمات سليمة في السّعي والمجاهدة.

وإليك شاهداً من حياة وسيرة علمائنا الأعلام.

قال صاحب (الكوكب الدرّي في شرح حديث عنوان البصري: 44): (ولينظر المتعلّم إلى ما اشتهر في حقِّ شيخنا العلامة المقدّس الأردبيلي+ أنه قال بعض شركائه في الدّرس، إني كنت أسهر الليل بالمطالعة، والشيخ ينظر في الكتب قليلاً، ثم يشرع في الصلاة، فيركع ويسجد تمام الليل إلى الفجر، فإذا أصبحنا للبحث كان يَسبُقني في فهم الدّقائق بمراتب كثيرة ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (المزمّل: 6 7) هكذا تؤثر العبودية في حصول العلم، وهذا جمع بين طريقتي الإشراق والمشّاء، فليأخذ جميع الفلاسفة من قبسات الإسلام وجذوات القرآن الكريم) انتهى كلامه.

وهذا معنى الحكمة المتعالية التي يقول بها بعض الأعلام من المتأخرين والمعاصرين، فتدبّر.

العشرون: إن قوام العلم العقلي هو الفكر كما أن قوام العلم القلبي هو الذّكر، فكلّما كان العالم الربّاني ذاكراً لله سبحانه وتعالى كان أكثر إقتضاءاً وإستعداداً لنزول الفيوضات الإلهيّة، وإنارة القلب بالعلم الإلهامي في كشف الحقائق، والقرب من الله سبحانه.

 ولا يخفى أنّ الذّكر لغةً: يعني حضور المذكور عند الذّاكر، أمّا حضوراً بمشاهدة البصر والنظر. أو بمشاهدة القلب وبعين البصيرة النافذة، وفي المصطلح الديني: يقصد منه ذكر الله سبحانه، ويكون تارة باللّسان وهو الذكر اللّساني، وأخرى بالقلب وهو الذّكر القلبي. كما يكون بالعقل وهو الذكر العقلي، وربما الجامع بين العقل والقلب هو الروح، فيكون الشق الثاني للذّكر وهو الذكر اللساني والجوارحي والجسدي هو الذّكر الروّحي العقلي والقلبي. ثم ما يقابل الذّكر النسيان والغفلة، والأول من جنود العقل والثاني: ضده وهو من جنود الجهل، فالأول من النّور، والثاني من النّار، وما أكثر النصوص الدينية في كل الشرائع السماوية التي تحثّ على الأذكار والأوراد. بكل ما للذّكر من مفهوم ومصاديق وأقسام وأنواع وهذا ما سنذكره إنشاء الله تعالى في الفصل الآتي، ونكتفي بهذه الفروق العشرين بين العلم العقلي والعلم القلبي، ومن الله التوفيق والتسديد.

الفصل الخامس

في رحاب الـ ذّكر الإلهي

هذه جملة من الآيات الكريمة في فضيلة الذكر الإلهي، وما يترتب عليه من الآثار والثمرات في الدنيا والآخرة.

1-قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة: 152).

فإن ذكر الله ممايوجب الشكر ودوام النعمة وزيادتها، كما يوجب ذكر الله من يذكره ونصرته وتوفيقه وتسديده، فهناك علاقة وإرتباط بين الخالق والمخلوق، وما من شيء، الّا وهو يسبّح بحمد ربّه، فالخلق كلهم في سباحة بحر الكمال، وتكاملهم بالتسبيح والتنزيه لله سبحانه، فإنّه السبّوح القُدّوس ليس كمثله شيء وهو الغني الحميد، الفرد الواحد الأحد، لا شريك له، والخلق كلهم في حدوثهم وبقائهم يفتقرون إليه ﴿أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(فاطر: 15)، ولابد من الذكر الكثير، فإنّ الإنسان يُبتلى بالنّسيان والغفلات، فلولا الذكر لكن كالأنعام بل أضلّ سبيلاً.

2-قال سبحانه: ﴿َيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الأحزاب: 41 و42) فالخطاب للمجتمع الإيماني أعم من الرجال والنساء، فالمفروض أن يذكروا الله كثيراً، فيسبحونه في الصباح وعند الطلوع، وفي المساء وعند الغروب، ومن لم يذكر ربه أو يمنع عن ذكره، فإنه ظالم لنفسه ولغيره، والظلم قبيح عقلاً ونقلاً.

3-﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 114).

فمن يمنع عن ذكر الله ويخرّب مساجده، ولا يدخلها إلّا خائفاً، فإنه أكثر ظلماً، ويترتب على ذلك، الخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.

4- وإذا أردت أن تعرف آثار الذكّر الإلهي في الدنيا والآخرة، فهذه جملة منها على نحو الإشارة، في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (البقرة: 58 و 59).

فأذكروا يا أمة موسى لمّا شاء الله سبحانه ان تدخلوا البيت المقدّس، وأن تنتفعوا من نِعَم الله حيث شئتم عيشاً رغيداً، وأن تدخلوا بيت العبادة بخضوع وخشوع، وتقولوا حطّ عنّا الذنوب، فيغفر الله لكم خطاياكم، ويزيد من كان منكم من المحسنين، ولكن الذين ظلموا منكم بدّلوا هذا الذّكر إلى كلام لغوي آخر غير الذي قيل لهم، وهذا يدل على توقيفيّة الأذكار الإلهية، ومن فعل ذلك كان ظالماً، فينزل الله على ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

5- أو تدري من الذّي يذكر الله سبحانه؟

من كان من ذوي الألباب، واللّب هو خالص العقل، من شوب الأهواء والملاذ المحرّمة والمكروهة، فأولئك أصحاب الفكر والذّكر، فيجمعون بين العلم العقلي والعلم القلبي، ويذكرون الله في كل الأحوال في الليل والنّهار.

قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190 و191).

6ـ ومن فوائد الذكر الإلهي وثمراته أن يُجلّي القلب ويصقله حتى يجعله مرآة صافية وشفافة ونظيفة وبرّاقة لكسب العارف الإلهية والعلوم الإلهاميّة، ويزدادون إيماناً وقرباً من الله سبحانه، ويقومون بالشريعة حق القيام في أنفسهم وفي المجتمع من صلاة وأنفاق.

قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال 2 إلى 4).

7 - ومن فوائد الذكر أنّه يمنع عن الضلال والإنحرافات الأخلاقية والفكريّة والعَقدية، ومما يوجب الخلاص من النّفاق والفسوق ونسيان الله ونسيان الأنفس.

قال سبحانه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾(التوبة: 67).

إذا قال سبحانه ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فإنه كذلك من نسيه فإنّه ينساه، أي لا يرحمه برحمته الرحيميّة التي هي قريبة من المحسنين، وكتبها للذين اتّقوا ربهم وعليه يتوكّلون.

فالمنافق يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وبخيل لا ينفق في سبيل الله سبحانه، وقد نسى الله أي ترك أمره ونهيه، فلم يذكره في نفسه وفي حياته، فكذلك نساه الله وتركه، فلم يذكره برحمته وهدايته.

8- فمن كان من خالص عباد الله، فإنّ الله يلهمه ذكره، ولذكر الله أكبر من كل شيء، كما أخبر نبيه الأعظم محمد| في كتابه الكريم: قال سبحانه ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45).

9ـ ومن آثار الذّكر أنه يوجب الآمان وإطمئنان القلب والحياة الطيبة والعيش الرغيد والسعادة الأبدية، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

10ـ ذكر الله يوجب التوبة والإنابة إلى الله سبحانه.

قال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (آل عمران: 135 و136).

11-والذّكر من العلّة الناقصة للعلم القلبي، أي إنما يكون بنحو الاقتضائية، فلابدّ من رفع ودفع الموانع أيضاً حتى تتم العلّة وتكون موجبة لوجود المعلول لعدم الإنفكاك بينهما، ومن الموانع كلّ ما يلهك عن ذكر الله سبحانه فإنه مما يوجب الخسران قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ﴾ (المنافقون: 9).

إنظر: البقرة: 152، آل عمران 41 و191، النساء: 142، الأعراف: 180 و205، التوبة: 67، الكهف: 24، و28، طه: 34 و42، النّور: 37، الشعراء: 227، العنكبوت: 45، الأحزاب: 21 و35 و41 الجمعة: 10، المزمل:8. وغيرها راجع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ـ

12ـ ومن علامة المنافق قلّة ذكره لله حتى في ظاهر أمره، فإن المنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (النساء: 142).

13ـ ولكن المؤمن ثابت الإيمان، لا يفتر عن ذكر ربّه في الحضر والسّفر، وفي حياته العادية، وفي ساحات القتال والجهاد، فإنّه يفلح بذلك.

قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (الأنفال: 45).

14ـ هؤلاء الرجال حقاً ودونهم أشباه الرّجال، فالرّجل كلّ الرجل على ضوء القرآن الكريم: من يذكر ربّه على الدّوام ولا يُعيقهُ عائق، ولا يمنعه مانع.

قال سبحانه: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ (النور: 37).

15ـ فانهم يعلمون خطورة ترك الذّكر الإلهي في حياتهم وبعد مماتهم.

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه: 124 126).

16ـ ومن آفات ومخاطر ترك ذكر الله سبحانه، أنّه يتولاه الشيطان من الجن والإنس، فيخرجه من النور إلى الظلمات، ويكون له قريناً في الدنيا والآخرة.

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾(الزخرف: 36).

17ـ فلابد أن نكون مع المؤمنين من الذاكرين والذاكرات كما قال سبحانه ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (الأحزاب: 35).

18ـ ونذكره بمطلق الأذكار والأوراد، وفي الظاهر والباطن، وفي الخلوات والجلوات، وفي الغدو والآصال.

قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِين﴾ (الاعراف: 205).

19- ونطرق أبواب العلماء والصلحاء والأنبياء والأوصياء^ لنتعلم منهم الذّكر قولاً وعملاً.

قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (النور: 36).

20ـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

فضيلة الذكر وآثاره في الأحاديث الشريفة:

إعلم أنّ اللذائذ والملائمات الرّوحيّة والجسدية في الدنيا كثيرة، وأنّها تختلف بإختلاف الناس في الأذواق والرُّؤى وما عندهم من الخلفيّات التربوبية والعلمية والإجتماعية، فما يلتذ به العالم بعلمه وحكمته ودرسه وقراءاته غير ما يلتذّ به الجاهل بحطام الدنيا ومتاعها الفاني، ونعيمها الزائل، وإنّ من إشرأبّ قلبه بحبّ الدنيا يتلذذ بغير ما يتلذذ به من إمتلأ وجوده بحبّ الله سبحانه.

1- قال أمير المؤمنين: الذِّكر لذّة المحبيّن. (غرر الحكم: 670).

2- وقال الإمام زين العابدين في صحيفته السجادية في الدعاء: (وأستغفرك من كلّ لذة بغير ذكرك، ومن كلّ راحة بغير أنسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك) (البحار: 94: 151).

فالناس تختلف في متعلقات لذائذها وأنسها وسرورها وشغلها، إلّا أنّ الإمام× يستغفر من كل لذّة إذا لم تكن مقرونة بذكر الله سبحانه، وإن تكون في طاعته وعبادته والقرب منه، فإن المؤمن لا شك يتلذذ بلذائذ الدنيا كالطعام والشراب والجماع وما شابه ذلك، إلّا أنه في ضوء ذكر الله وما فيه رضاه والقرب منه، فيأكل ويبدء مسمياً (بسم الله) ويختم طعامه وشرابه حامداً وشاكراً (شكراً لله) ويراعى الآداب والسنن والواجبات والمحرمات في مأكله ومشربه، وهكذا في كل لذائذه كما يجري هذا في متعلقات راحته وسروره وشغله، فلا يرى الراحة إلّا بالأنس بالله سبحانه، ولا يشعر بالسرور إلّا بالقرب من ربه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولا يشتغل إلا بطاعة الله سبحانه، فشغله في صلاة، ومثل هذا يتلذّذ بلذائذ عظيمة خارجة عن التصور البشري، مما تدرك ولا توصف حتى يقول الإمام زين العابدين× في مناجاة الذاكرين.

3- (إلهي ما ألّذ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب، وما أحلى السير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب) (البحار: 94: 151) فقلب الذاكر يتلذذ بخواطر العلم الإلهامي والقلبي ومن علم السّر كما مرّ تفصيله،فإنّ الله يفيض عليه معرفة أسرار الكائنات، وحقائق الخلائق، وروح الشرايع، وجواهر كتب السّماء، فيسلك منازل العرفاء ويسير بالأوهام والإلهام في مسالك الغيوب وما وراء الشهود والمشاهدات، فيطلّع بما وراء الغيب بأذن الله سبحانه.

ومثل هذا يعرف عظمة الذكر الإلهي وقيمته، فيسأل من ربه أن يلهمه الله ذكره، ويلهج به لسانه. ويتأله قلبه بحبه (واجعل لساني بذكرك لهجاً وقلبي بحبك متيمّاً) والتّيم درجة من درجات الحبّ كالعشق والوله والهيم والوجد والتحيّر والفناء والبقاء.

4- قال أمير المؤمنين× للحارث: ألاَ أعلّمك دعاء علّمنيه رسول الله|؟ قلت: بلى، قال: قل: (اللّهم افتح مسامع قلبي لذكرك، وارزقني طاعتك وطاعة رسولك، وعملاً بكتابك (كنز العمال: 5051).

ياترى القلب ومسامعه ينفتح لذكر الله سبحانه، وماذا يسمع الذاكر في قلبه من تسبيح وتهليل، فإنه ما من شيء الا ويسبح بحمد ربه، فان القلب يسبح بحمد ربّه في تكوينه، وإذا كان العبد ذاكراً في تشريعه، فيطابق التكوين مع التشريع، فيسمع ما لا يسمعه غيره، ويرى ما لا يرى غيره، إذ القلب صار عرشاً للرحمن وحرماً لله، ووعاء لعلمه وصفاته وأسماءه، ولا يهيم الشيطان حوله، إذ لا سلطنة عليه.

5- قال رسول الله|: (لولا هيام الشياطين على قلوبكم لسمعتم ما أسمع ولرأيتم ما أرى) فإنه كان يرى ملكوت السموات والأرض، ويسمع مناجاة ربه (ناجاهم ربّهم في سرّهم وكلّمهم في ذات عقولهم) وذلك بالطاعة لله والرسول والعمل بكتابه الكريم والإشتغال بذكر الله سبحانه.

6 - في الدعاء عن الإمام زين العابدين×: (اللهم صل على محمد وآل محمد وأجعلنا من الذين اشتغلوا بالذكر عن الشهوات، وخالفوا دواعي الغُّرة بواضحات المعرفة، وقطعوا أستار نار الشهوات بنضح ماء التوبة، وغسلوا أوعية الجهل بصفو ماء الحياة) (البحار: 94: 127).

7- وعنه×: (يا من ذكره شرف للذاكرين، ويا من شكره فوز للشاكرين، ويا من طاعته نجاة للمطيعين، صل محمد وآله واشغل قلوبنا بذكرك عن كل ذكر) (الصحيفة السجادية: الدعاء 11).

8 - عن أمير المؤمنين× قال: ذكر الله سجيّة كلّ محسن، وشيمة كل مؤمن، وسَرّة كل متّق، ولذّة كل مؤقن.

فلا تختارنّ على ذكر الله شيئاً فإنه يقول (ولذكر الله أكبر) فليس عمل أحبّ إلى الله تعالى، ولا أنجى لعبد من كلّ سيئة في الدنيا والآخرة من ذكر الله.

فذكر الله خير الأعمال وأزكها عند الملك الجبّأر، وأرفعها في الدرجات، وخير من الدينار والدرهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، فإنه ذكر لكم في السماء ونور لكم في الأرض، فاحترسوا من الله عزّ وجل بكثرة الذكر. ومن أكثر ذكر الله كان أخص عباد الله وأكرمهم عليه، وأعملهم بطاعته، فاذكروه ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فإن الله أمر بكثرة الذكّر له، ومن ذكره مأة مرّة، ومن ذكره في السّر، ومن سبّح بتسبيح فاطمة الزهراء’ في دبر كل صلاة مفروضة، فإنّ كلّ ذلك من الذكر الكثير.

والمؤمن دائم الذكّر، كثير الفكر، وما من ساعة تمّر لإبن آدم لم يذكر الله فيها إلا تحسّر عليها يوم القيامة يوم الحسرة، فمن لم يشغله الولوع بذكر الله، ولم يزده السفر بقربه، كانت حياته عليه ميتةً، وميتته عليه حسرةً.

(إلهي وألهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك، وهمتي إلى روح نجاح أسماءك ومحّل قدسك) (واجعلني مَمن يديم ذكرك ولا ينقض عهدك) (أسألك أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتى تكون أعمالي وأورادي كلهّا ورداً واحداً، وحالي في خدمتك سرمداً).

9-ومن وصايا أمير المؤمنين لولده الحسن عند وفاته: وكن لله ذاكراً على كل حال.

وقال الإمام الصادق×: أفضل الوصايا وألزمها أن لا تنسى ربّك، وأن تذكره دائماً ولا تعصيه، وتعبده قاعداً وقائماً.

قال موسى الكليم×: يا ربّ إني أكون في حال أجلّك أن أذكرك فيها. قال: يا موسى أُذكرني على كل حال.

10-والمؤمن شغله في صلاة، فإنّ صلاته ذكر، وذكره صلاة ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14).

قال رسول الله|: لا تزال مصلياً قانتاً ما ذكرت الله، قائماً وقاعداً أو في سوقك أو في ناديك أو حيثما كنت.

وقال الإمام الباقر×: لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله، قائماً كان أو جالساً أو مضطجعاً، إنّ الله تعالى يقول: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً...﴾.

ورب مصل ليس له من الصلاة إلّا التّعب والنَّصب، إذ لم يكن في صلاته ذاكراً لله، ولا تقبل منه إلّا بمقدور ما كان ذاكراً له.

هذه بارقة خاطفة في فضيلة الذِّكر والذاكر على ضوء الأخبار الشريفة، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

ذكر الله لا حدّ له:

إعلم أن كل عمل خير محدود بين حدّين في بدايته ونهايته، ويكون مطلوباً عقلاً وشرعاً وعرفاً، ما دام لم يتجاوز حدّه، وإن تجاوز حدّه إنقلب إلى ضدّه، فإذا أتى دون الحدّ كان قاصراً ومقصّراً في إتيانه، وأن زاد على الحد إبتلى بالصعوبات والعراقيل حتى يصل إلى حدّ لا يقدر على الإستمرار في عمل الخير، كالصلاة فإنها خير عمل يتقرب بها العبد إلى ربّه، إلّا أنه للبدن طاقة في تحمله أداء الصلوات الواجبة والمستحبة بشرائطها وآدابها وسننها، فإن زاد فيها وتجاوز عن حدّها، فإنه ربما يبتلى بالكسل والتّعب وإدبار القلب، فلم يصلّ بشوق، ولا يتلذذ من عباداته، وربما أضرّ بواجبات أخرى، وهذا يجرى في كل الأعمال الخيريّة والصالحة، إلّا الذكر الإلهي، فإنه لا حدّ له.

قال الإمام الصادق×: (ما من شيء إلّا وله حد ينتهي إليه، إلّا الذكر فليس له حدّ ينتهي إليه) (7).

ومن الواضح ليس المقصود من الذّكر هنا خصوص الذّكر اللّساني، وإلّا فإنه كذلك ينتهي إلى حد، فيعجز الإنسان عنه في كبر سنّه وشيخوخته، بل المراد ما هو الأعم فيشمل الذكر القلبي أوّلاً، كما يشمل جميع الطاعات والعبادات والأعمال الصالحة، فإنها كلّها من مصاديق الذّكر ما دام يخرج بها عن الغفلة والسهو والنسيان والسّبات، ويعّم المستحبات والنوافل، بل ترك المحرمات والمكروهات.

قال الإمام الصادق×: (من أشدّ فرض الله على خلقه ذكر الله كثيراً، ثم قال: لا أعني (سبحان الله) و(الحمد لله) و(لا إله إلّا الله) و (الله أكبر) وإن كان منه، ولكن ذكر الله عندما أحلّ وحرّم(9).

ورب عمل يذكرّك بالله أضعاف ماتذكره بلسانك، بل ربما يكون الذّكر اللساني مجرد لقلقة لسان وأصوات حروف، بل يكون حجاباً إذا لم يكن لله سبحانه.

فيا ترى هل قولك (سبحان الله) يجعلك تذكر الله كثيراً. أو ما فعله يوسف الصديق عندما عرض له الحرام وهمّت زليخا به، وهمّ بها ليقتلها حتى يتخلص مما تدعوه إليه من الفاحشة، إلّا أنه رأى برهان ربه،إذ اتقى الله وأخلص له طيلة حياته، فأدركته السعادة والفوز والفلاح بلطف ربه في الساعة الحرجة والوقت الخطير، فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ فما كان دعوة زليخا إلّا ظلماً وذنباً وتجاوزاً لحدود الله سبحانه، فذكر ربه جلّ جلاله ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24).

فإتيان الطاعات من الذّكر في مقام التحلية، وترك المعاصي من الذّكر في مقام التخليّة، والإستعاذة بالله من شر الشيطان وجنده من الجنّ والإنس من الذكر في مقام التخليّة، كما أنّ البسملة من الذكر في مقام التّحليّة، فلابد للعبد من الاستعاذة والبسملة في كل صغيرة وكبيرة، وكل أمر ذي بال لم يبدء بالبسملة، فهو أبتر ومقطوع عن الخير والبركة.

موانع الذكر الإلهي:

إن الذكر الإلهي إنّما يتمّ بوجود المقتضى وعدم المانع، فلابدّ من الطهارة وطيب الولادة وحسن الطّينة وسلامة الفطرة، وقبول الهداية الرحمانية، وغير ذلك من المقتضيات لذكر الله وقيامه في حياة الإنسان، كما لابدّ من رفع ودفع الموانع والتي منها: الشيطان كما في قوله تعالى: ﴿ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ والتكاثر والتفاخر كما في قوله تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ والأماني والآمال كما في قوله تعالى: ﴿ وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ ﴾ والأهل والعيال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ عن رسول الله| في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ ﴾ هم عبادٌ من أمتّي الصالحون، منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلاة المفروضة الخمس.

عن إبن عباس قال هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكّ ولم يخمّسه ولم يحّج ولم يحط حق الله منه، يسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكّي.

قال أمير المؤمنين×: (كلّما أُلهى عن ذكر الله فهو من إبليس) وقال×: (ليس في الجوارح أقلّ شكراً من العين، فلا تعطوها سؤلها فتشغلكم عن ذكر الله) (ليس في المعاصي أشد من أتباع الشهوة، فلا تطيعوها فتشغلكم عن الله) (من اشتغل بذكر الناس قطعه الله سبحانه عن ذكره).

ثمرات الـ ذكر الإلهي:

ولكل عمل صالح ثمرة،ومن ثمرات الذكر الإلهي:

1- تذكّر النعم الإلهية يوجب الشّكر، والشّكر يوجب دوامها وزيادتها، كما أنّ الغفلة توجب الكفران والضياع.

2- تذكّر القدرة الإلهية يوجب التوكّل عليه والتسليم إليه، والتفويض إليه والرضا بالقضاء والقدر.

3- تذكّر علم الله سبحانه. يوجب الحياء منه في التقوى والورع، وحضور القلب.

4- تذكّر لطف الله ورحمته يوجب المحبّة والشوق لعبادته، ولذّة مناجاته والعشق بخلته وصنع ربّه.

5 - تذكّر عدل الله يوجب الخوف والزَّهد والتعقّل والتفكّر.

6- تذكّر المدد الإلهي يوجب الرّجاء والطمأنينة.

7 - تذكّر الذّكر الإلهي وإمتثاله والقيام به، يوجب ذكر الله وأن يكون جليس الذّاكر ﴿ أُذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ (أنا جليس من ذكرني).

8- الذكر الإلهي مفتاح الصلاح وعمارة القلب، قال أمير المؤمنين×: (من عمر قلبه بدوام الذكر حسنت أفعاله في السّر والجهر) وقال×: (أصل صلاح القلب إشتغاله بذكر الله) (مداومة الذكر قوت الأرواح ومفتاح الصلاح) (أيّما عبد إطلّعت على قلبه، فرأيت الغالب عليه التمسّك بذكري توليّت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه).

9- الذّكر الإلهي حياة القلوب ونورها وجلاءها وشعائرها: قال أمير المؤمنين×: (في الذكر حياة القلوب) (بذكر الله تحيا القلوب وبنسيانه موتها) (فمن ذكر الله سبحانه أحيا قلبه ونورّ عقله). (عليك بذكر الله فإنه نور القلوب) (الذكر نور ورُشد، والنسيان ظلمة وفقد) (الذكر يؤُنس اللّب، وينير القلب، ويستنزل الرحمة) (دوام الذّكر ينير القلب والفكر) (إن الله جعل الذّكر جلاء القلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد الغشوة، وتنقاد به بعد المعاندة) (وذكر الله شفاء القلوب) (يا من إسمه دواء وذكره شفاء) (عليكم بذكر الله فإنه شفاء، وإيّاكم وذكر النّاس فإنه داء).

10- الذّكر الإلهي قوت النفوس والأرواح: قال أمير المؤمنين علي×: (ذكر الله قوت النفوس ومجالسة المحبوب) (مداومة الذكر قوّت الأرواح).

11- الذكر مفتاح الأنس: قال أمير المؤمنين×: (الذكر مفتاح الأنس) (ذاكر الله مؤانسه) (إذا رأيت الله يؤنسك بذكره فقد أحبّك، إذا رأيت الله يؤنسك بخلقه ويوحشك من ذكره فقد أبغضك) (ذكر الله ينير البصائر، ويؤنس الضمائر).

12- الذكر أمان من النفاق: قال أمير المؤمنين×: (من أكثر ذكر الله فقد بُرئ من النفاق) (أفيضوا في ذكر الله جل ذكره، فإنه أحسن الذكر، وهو أمان من النفاق، وبراءة من النّار، وتذكير لصاحبه عند كلّ خير يقسمه الله جل وعزّ، وله دويّ تحت العرش).

13- ذكر الله مطردة الشيطان: قال أمير المؤمنين×: (ذكر الله مطردة الشيطان) (ذكر الله رأس مال كلّ مؤمن وربحه السلامة من الشيطان) (ذكر الله دعامة الإيمان وعصبة من الشيطان) قال رسول الله|: (إنّ الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي التّقم، فذلك الوسواس الخنّاس).

14- ثمرة الذكر العصمة: قال رسول الله|: قال الله سبحانه: (إذا علمت أنّ الغالب على عبدي الاشتغال بي نقلت شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك فأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي حقاً، أولئك الأبطال حقاً).

وعنه|: يقول الله عز وجل: (إذا كان الغالب على العبد الاشتغال بي، جعلتُ بغيته ولذّته في ذكري، فإذا جعلت بغيته ولذّته في ذكري عشقني وعشقته، فإذا عشقني وعشقته، رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، وصيّرَت ذلك تغالباً عليه، لا يسهو إذا سها الناس، أولئك كلامهم كلام الأنبياء، أولئك الأبطال حقّاً).

15- بالذكر الإلهي ينشرح الصدر للإسلام: قال أمير المؤمنين×: (الذكر يشرح الصدر).

16-بالذكر الإلهي تطمئن القلوب: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) قال أمير المؤمنين×: (ذكر الله جلاء الصدور، وطمأنينة القلوب).

ومن أدعية الإمام زين العابدين×: (إلهي بك هامت القلوب الوالهة، وعلى معرفتك جمعت العقول المتباينة، فلا تطمئن القلوب إلا بذكراك، ولا تسكن النفوس إلا عند رؤياك).

وعنه×: (إلهي فاجعلنا من الذين توشّحت (ترسّخت) أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وإطمأنت بالرجوع إلى ربّ الأرباب أنفسهم، وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم).

من لطائف الذكّر الإلهي:

1- كلّما كثر ذكر الله كان هو الأفضل والأحسن، ولذكر الله أكبر.

2- الذّكر والفكر عنصران أساسيّان في حياة الإنسان، فلا يكفي أحدهما من دون الآخر، فإنه يكون كالطائر بجناح واحد، فسرعان مايسقط ويهوى، ويصطاده الصيادون، فيكون أسيراً.

3- إنّ دعاء أهل الذّكر والفكر يستجاب سريعاً.

4- إنّ الثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة محمد وآل محمد^ قد قاموا بالذّكر اللّساني والقلبي معاً، كما طالبوا ذلك من النّاس كافّة، ومن المؤمنين والمؤمنات خاصّة، ولكم في رسول الله أسوة حسنة، وقدوة صالحة.

5- الذّكر الإخفاتي يوجب رفع الغفلات، ولكن الذّكر العلني والجهري ربما يوجب الغفلة لما فيه من العجب والرّياء والسمعة وحبّ الإطراء، في دعاء زين العابدين×: (إلهي فألهمنا ذكرك في الخلأ والملأ، والليل والنهار، والإعلان والإسرار، وفي السَّراء والضراء، وآنسنا بالذِكر الخفيّ)، فذكر السّر أفضل من العلن بسبعين درجة، وإنّ الملك لا يكتب إلا ما يسمع وإما الخفي فلا يعلم ثوابه إلّا الله.

6- إنّ الله سبحانه سرمدي أزلي وأبدي في ذاته وصفاته وأفعاله ولا تأخذه سِنة ولا نوم، فكذلك ذكره يكون على الدوّام في الليل والنهار ﴿ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾(آل عمران: 191).

7- إن الذّكر الإلهي حصن حصين (لا إله إلّا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي) إذا كان عن معرفة وحبّ وإخلاص، ومن إخلاصهم الورع عن محارم الله.

8- إنّ الذكر من أوضح مصاديق العبادة لله سبحانه،﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾.

9- إن للذّكر الإلهي ثمرات ومنافع كثيرة في الدنيا والآخرة.

10- إن الذّكر الإلهي كمعلول، فإن له مقتضيات وموانع، ولا يتحقق المعلول إلّا بعلّته التامة، من وجود المقتضي وعدم المانع.

11- إن الله خير المذكورين وهو خير الذّاكرين، فمن يذكره فإن الله سبحانه يذكره بأكثر منه، ويزيده خيراً بلطفه وكرمه وجوده (وأذكروني أذكركم) فمن يذكره في الخلوة والسّر، فإن الله يذكره في الجلوة والعلن، فيظهر جميله ويستر قبيحه، ومن يذكره في الرّخاء فان الله يذكره في الشدة والبلاء، وبهذا كان خير الذّاكرين، كما هو خير المذكورين. فإنه الخير المطلق، وما من خير إلّا وينتهي إليه، فهو خير المذكورين.

12- ان للمنافق علامات منها: إذا قام للصلاة قام كسلاناً، ومنها يذكر الله قليلاً، فأذكروا الله كثيراً فإن ذلك من علائم الإيمان وكماله، فالمنافقون: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (النساء: 142) والمؤمنون: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الشعراء: 227) كما أن الشيطان الرجيم يوسوس في صدور الناس، ويزين لهم حبّ الشهوات، ويشيع بين الناس الفحشاء والمنكر، ليصدّهم عن ذكر الله ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ (المائدة: 91).

13- لقد أمر الله بالذّكر حتى بعد الأعمال الصالحة التي هي من الذّكر أيضاً منها: الصلاة ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ﴾ (النساء: 103) الجهاد: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ (الأنفال: 45) الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ (البقرة: 200).

14- من أخطر ما يبتلى به الإنسان في تركه لذكر الله أنّ موته و حياته تكون ضنكة وصعبة، وكان الشيطان له قريناً: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ (طه: 124) ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: 36) ثم يستحوذ عليه فيُنسيه ذكر الله وحضوره والتوجه إليه، فيرتكب المعاصي والآثام، وينسى التوبة والرجوع إلى ربه ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ (المجادلة: 19) ﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ﴾ (الجن: 17).

15- إن الإنسان الحقيقي من كان ذاكراً لله سبحانه، وأما الغافل عن ذكره، فإنّه كالأنعام بل أضل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الاعراف: 179).

الفصل السادس

في بيان جملة من خصائص الحديث الشريف

لاشك أنّ كلّ مؤمن ومؤمنة في فطرتهما السليمة والموحدة، وفي عقلهم الباطني الرحماني، يُحبّ الكمال والجمال والخير، ويودّ أن يكون عنده في حياته الطيبّة السير والسلوك إلى الله سبحانه، ويحبّ لقاءه والعروج إليه، وإذا رأى عارفاً وسالكاً قد وصل وفنى في إرادة الله سبحانه، فإنّه يحبّ أن يسمع منه، ويتلّمذ عنده، ويراه من قرب، ليتعلّم منه طريقته، ويقتدى بسيرته، ويتأسى بحالاته ومقاماته، وكيف وفّق لطيّ منازل السائرين والعارفين، وكيف وصل إلى قاب قوسين أو أدنى، فهل من ذكر خاص أو ورد أو عمل أو رياضة شرعية للوصول إلى الحقيقة، والتخلّص من حبّ الدنيا وزهرتها ومتاعها القليل، وحطامها الضئيل، ومن ثمّ تجد أصحاب القلوب الطاهرة والسرائر النيّرة من الصالحين والعرفاء الحقيقين يشيرون على طلاّبهم ومريدي الطريقة، وطلاب الحقيقة، كيفيّة السير والسّلوك إلى الله سبحانه، فمنهم من كتب وصنّف وألّف، فقال من قال في الكتب والسّطور، ومنهم من قام بالتربية والتعليم وعلّم بالاشراق والنور، ومن صدر إلى صدور، فكانت الإشارات تارة باليراع والبنان، وأخرى باللسان والبيان.

ومن خير ما كتب في السير والسلوك إلى الباري عز وجل (حديث عنوان البصري) عن مولانا الناطق الإمام جعفر بن محمد الصادق×، وقام بعض الأعلام بشرحه وبيانه، كما أوصى علمائنا بدراسته وقراءته على الدّوام والعمل بما جاء فيه، ممّا يدل على صحته وقبوله وجامعيته في هذا المسار العرفاني في الجملة، وإنه يحتوي على خصائص ومميّزات قلّ ما تجدها في غيره، ولا بأس بالإشارة إلى أهم ما ورد في هذا الحديث الشريف من الخصائص فضلاً عمّا سبق.

أوّلاً: إنّه نقل عن أعظم شخصيّة ربّانية في عصره، وإنّه الإنسان الكامل والحجة المطلقة الذي تجلى فيه إسم الله الأعظم، وإنه الخامس من أئمة المسلمين، والكواكب الدّري في سماء الإمامة والخلافة من بعد رسول الله|، إنّه من بيت الوحي والنبوة والطهارة والعصمة، ذلك الإمام المعصوم الناطق مولانا جعفر بن محمد الصادق×.

وثانياً: إن الحديث يضّم بين سطوره خلاصة السير والسلوك والطريق إلى الله سبحانه، ممّا يمكن حمله لكل مريد لقلّة كتابته، فلا يتجاوز الصفحات دون أصابع اليد، مع كونه يحتوي على أفضل الطرق والعمل للوصول إلى الله سبحانه.

وثالثاً: إنه دستور عملي ومن الحكمة النظرية والعملية لكلّ طبقات المجتمع، فلا يختص بطائقة دون أخرى، أو فرد دون آخر، أو مجتمع دون مجتمع، ولا يختص بالرجال دون النساء، ولا بالكبار دون الصغار، بل طريق سليم لكل من يريد سلامة قلبه، وسلامة المسلك، والسير للوصول إلى ربّ العالمين، كما أشار إلى ذلك الإمام الصادق× بقوله: (فإنها وصيّتي لمريدي الطريق إلى الله سبحانه).

ورابعاً: إنه الجامع للخير كلّه، ففيه الشمولية والجامعية لمن أراد تصحيح العقيدة، وتهذيب النفس، وتربية الروّح بالحكمتين والعقلين: النظري والعملي، وإنه يوافق الشريعة الإسلامية المقدسة، فرياضياته ليس كرياضيات الهنود وغيرهم، ممّا لا شرعيّة فيها، بل ما ذكر فيه من الرّياضيات المشروعة ولا غبار عليها، كما سيتضح ذلك انشاء الله تعالى.

خامساً: إنّه فيه التربية والتعليم للسالك، وأنّه كيف يعاشر الناس، وكيف يتعامل معهم بالأخلاق الحسنة، والمعاشرة الطيبة، كما فيه كيف يتعامل مع نفسه ومع ربّه جل جلاله، فليس فيه الدعوة إلى الإنزواء والعزلة كما عند بعض الصوفية، فما جاء فيه من الدستور العملي يتوافق مع الفطرة السليمة والعقل السليم، والحياة الطبيعية من دون العسر والحرج، ومن دون النّصب والتّعب، هذا ما أشار إليه بعض الكتّاب في بيان جملة من خصائص هذا الحديث الشريف.

أمور تلاحظ في السير والسلوك:

ذكر بعض الأعلام أموراً لابدّ من ملاحظتها والتّوقف عندها ودراستها لمن أراد السير والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى، وإنّما تعدّ بمنزلة الأساس والأصول الأوليّة في السير والسلوك فمن أهمّها:

أولاً: العزم والإرادة:

فلابدّ من عزيمة وإرادة قويّة لمن أراد السير إلى الله سبحانه، وانّهما من أقرب الطرق إلى الله عز وجل كما جاء هذا المعنى الهام في دعاء اليوم السابع والعشرين من رجب في يوم المبعث في قوله×: (وقد علمت أن أفضل زاد الرّاحل إليك عزم إرادة يختارك بها)(10).

فأفضل الزاد لمن أراد الرحيل والسلوك إلى الله سبحانه هو عزم إرادة قويّة يختار الله بها، لا قوة إرادة وعزم في غير الله، فمن كان ضعيف الإرادة وضعيف النفس، فإنه سرعان ما يترك وتثبط عزيمته، ويتكاسل ويتضجّر، ويحسّ بالتعب والنصب لعدم قوة تحمّل زاده، ولصعوبة الطريق، ووجود العوائق والموانع، ولكن من كان قوّي الإرادة والعزيمة الرّاسخة كالجبل الرّاسخ، فإنه يصل إلى قمّة كماله بتكامله في سيره الجمالي والجلالي، وأما دون ذلك ومن كان ضعيف الإرادة، فإنه يوم تبلى السرائر، وتبان الضمائر، سيظهر بشكل أجسام صغيرة كالحشرات والدّيدان.

فلابد من عزم وإرادة، وهي من الكلّي التشكيكي ذات المراتب الطولية والعرضية، وأول درجاتها ومراتبها ترك الذنوب والمعاصي، فمن يرتكب الذنب والمعصية، فإنه يوجب ذلك ضعف الإرادة وموت العزيمة.

مثلاً: إستماع الموسيقى والأغاني، فإنّه ممّا يوجب ضعف الإرادة ووهنها، فلابد من تركه، وكذلك الأمر في كل ذنب ومعصية كبيرة أو صغيرة، وإنّما يتمّ ذلك بالإيمان واليقين والتوكلّ على الله سبحانه، والتوسّل بأسماءه الحسنى، وإبتغاء الوسيلة بشفاعة الرسول الأعظم وأهل بيته الطاهرين^.

فالعزم والجزم وقوة الإرادة وأصالتها من جوهر الإنسان وأصالته، وإنما يتفاوت الناس في الدرجات والمراتب من جهة قوة إرادتهم وإستحكام عزيمتهم، والإنسان ما دام لم يستيقظ من نومه، ويُنّبه من غفلاته، ويعرف أنه مسافر إلى دار الأبدية والبقاء، فإنه يُبتلى بضعف الإرادة، ويغفل عن عزائمه وجوازمه، فلابد حينئذٍ من حمل الزاد والتّجهيز السريع للسفرة الطويلة والرحلة الأبدية، ويبتعد عن الحرص وطول الأمل، فإنهما ينسيان الآخرة، وينسى الإنسان نفسه، فينسى ربّه ويغفل عن لقائه، ولا يخفى أن مراتب الجنان ودرجاتها، إنّما تكون بمراتب الإرادة والعزيمة والهمم العالية، فلابدّ من الوصول إلى أعلى المراتب والدرجات من حمل الزاد من هذه الدنيا حصرياً، فإنها مزرعة الآخرة، ومتجر أولياء الله، ومسجد عباد الله سبحانه.

ثانياً: تقوية الإرادة:

لقد ذكر علماء النفس طرقاً لتقوية الإرادة والعزيمة، إلّا أن أهم الطرق في نظر الشرع المقدس وبالمنظار الديني الإسلامي أمور، وهي كما يلي:

الأول: ترك الذنوب والآثام والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

الثاني: الصّبر على المكاره والنّوائب والطاعات.

الثالث: ترك اللذائذ والشهوات لا سيما المحرمات منها والمكروهات وعدم الإفراط فیها.

والرابع: العمل بالرياضات الشرعية، وخلاص النفس من الأسر والقيود.

والخامس: العبودية لله والحريّة من عبوديّة غيره.

والسادس: اختيار الأصعب في الأعمال، فإنّ (أفضل الأعمال أحمزها).

والسابع: العمل بالواجبات والمستحبات والوظائف الدينية والإجتماعية، فان لكل منها تأثيره الخاص في تقوية الإرادة كما في إقامة الصلاة وإتيان الصوم والقيام بمناسك الحج، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الأمور العبادية، كذلك يلحق بها الأمور الاجتماعية من سياسة الأسرة وسياسة المدن والدولة والحكومة.

فالقيام للصلاة في اللّيل البارد والوضوء بالماء البارد في البرد القارس، ممّا يوجب تقوية الإرادة، وهكذا الأمور الأخرى. ممّا يوجب إستقلال النفس وقوّة الروح وإستحكام الإرادة، وأما مثل الجزع والفزع والهلع وما شابه، فإنه ممّا يوجب تضعيف الإرادة وإماتة العزيمة، كما أن حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، وممّا يوجب ضعف الإرادة، فتدبّر.

ثالثاً: التوبة والإستغفار: فإنّ من أهمّ العوامل والآليات في زاد السّفر والرّحيل وفي السّير والسّلوك إلى الله سبحانه هو التوبة والإستغفار، توبة نصوح من كل الذنوب، والإستغفار من كل المعاصي والآثام، كما ورد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. وربيع التّوبة في أيام الشباب، وإلّا فإن الذنب إذا زرع في أرض القلب وإمتدت جذوره وعروقه في الأعماق، فإنّه من الصعب المستصعب الخلاص منه، وقلع جذوره في أيام الكهولة والعجز، بل في الكبر يزداد الإنسان حرصاً وطمعاً وطول الأمل، كما قال رسول الله|: (يهرم إبن آدم ويبقى منه إثنان: الحرص والأمل(8))هذا أولاً.

وثانياً: على فرض أنه يتمكّن في أيام الكهولة أن يقلع جذور الذنب من ساحة قلبه، إلّا أنّه لا يضمن بقاءه إلى أيام شيبه. بل كم من الشباب من مات ولا يزال الشيخ الكبير سالماً، ولهذا يجب عقلاً ونقلاً أن يسرع الإنسان في التوبة، فإنّ وجوبها وجوب فوري لا يجوز التأخير فيها، وإلا سوف تكون الذنوب من الملكات الرّاسخة في النّفس ليس من السّهل التخلّص منها، بل سيكون معتاداً عليها كمن يعتاد على المخدّرات، ولا يتمكن التخلص منها بسهولة، فلابّد من الخوف من معصية الله، كما لابدّ أن نحذر عدوّنا الأوّل من الخارج، إبليس اللّعين وجنده الشياطين من الجنّ والإنس، قبل أن يحلّ الموت في ساحتنا، فلابد من التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه، والإستغفار بكل ما للإستغفار من معنى ومصداق، كما ورد في حديث أمير المؤمنين×.

ثم لا نغتر بوساوس الشيطان فنؤخر التوبة إلى ساعة الإحتضار، فهيهات هيهات، فليست التوبة مجرد ألفاظ ولقلة لسان، بل ندم وإضطراب في القلب، وعمل بالإركان، وقضاء ما فات، وتبديل السيئات بالحسنات، والشر بالخير، والباطل بالحق، وربما موت الفجأة والأجل المحتم أو المعلّق لا يمهلك إلى المستقبل حتى تتوب فيه.

يا من بدنياه اشتغل

قد غرّه طول الأمل

الموت يأتي بغتةً

والقبر صندوق العمل

فلابد عقلاً ونقلاً من العزم والإرادة، والتوبة الصادقة من كل ذنب ومعصية، ولا ييأس من رحمة الله وروحه ورضوانه، مهما كان عنده من الذنوب، ولو كانت بعدد قطرات البحار ونجوم السّماء، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، إلّا الشرك، بل الشرك لو تاب منه وآمن بالله ورسله وكتبه ويوم المعاد، فإن الله يغفر له ذلك أيضاً، فلا تيأس من رحمة الله وروحه وريحانه، فإنّه لا ييأس إلّا القوم الكافرون، كما لا تأمن مكر الله، فالمؤمن بين نوري الخوف والرّجاء، لو وزن هذا على هذا لم يزدد هذا على هذا.

فرحمة الله وسعت كل شيء، والذنوب من الشيء فتسعها رحمة ربك، واليأس من رحمة الله من الذنوب الكبيرة التي يترتب عليها دخول النّار، وكيف العبد ييأس من رحمة ر بّه، وقد أكرمه بالفطرة الموحدة والعقل السليم وبالرسّل والكتب وقبول توبته، وإنّه سخّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، كما إن إختيار طريق الحق سهل لمن أراد البصيرة والسير فيه، فلابد من اليقظة. أولاً من السبات والغفلات، ثم التوبة إلى الله والإنابة إليه، فلابد من الحركة والسّير إلى الله سبحانه ومنه البركة، فاسع سعيك، وجاهد نفسك الأمارة وعدوك من الداخل، بما أتاك الله من الحول والقوة، وأسأل الله من فضله ورحمته، وتوسّل بنبيّه الأكرم محمد| وبأهل بيته الأطهار^.

رابعاً: العمل بالظواهر الشرعية: فلابدّ للسالك إلى الله أن يتقيد ويتعبّد بظواهر الشرع المقدس، فإن الشريعة أساس كل شيء، وفي كل المراحل والمقامات مطلقاً سواء أكان في الطريقة أو الحقيقة، فما دام لم يتأدب السالك بآداب الشرع المقدس، فإنه لا يتوفّق في سيره وسلوكه إلى ربّه عز وجل. فلا يتنوّر القلب والسريرة من دون العمل والإلتزام بمظاهر الشريعة المقدسة والتأدب بآدابها وأحكامها الظاهرية من الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والشبهات والمكروهات، فاعبد ربّك حتى يأتيك اليقين. أي الموت، فلابدّ من العبادة إلى آخر لحظات الحياة، يوم تفارق الروح البدن، فاليوم يوم عمل وغداً يوم الحساب، فلا تغتر بما يقوله بعض المتصوفة المنحرفة من ترك الشريعة لمن وصل إلى الحقيقة، فهذا من تسويلات الشيطان، فلا يتصورّ السالك أنه من دون العمل بالشريعة المقدسة يمكنه الوصول والبلوغ، وطيّ منازل السائرين ومقامات السالكين ومدارج العارفين.

خامساً: إصلاح العيوب: لابدّ للسالك أن يعلم أن كل نقص وعيب فيه مهما كان، فإنّه يمكنه أن يصلحه ويرفعه ويدفعه، فإنّه بحول الله وقدرته وتوفيقه وتسديده يتمكن من إصلاح العيوب ورفع النواقص، وليس فيه بالأصالة، ما لا يمكن إصلاحه أو إعماره، أو ترميمه، فلا يتصّور السالك انّ الصفات الذميمة ذاتية لا يمكن رفعها أو دفعها والتخلص منها، فهذا من إغراءات وتثبيط العزائم الشيطاني، فإي صفة وان كانت في حدّ الملكة الراسخة، فإنها قابلة للزوال وان كان ذلك صعباً، فلابدّ في هذه الدنيا من التخلّي من الصفات الذميمة والعادات السيئة والأعمال القبيحة، ثم التحلّي بالصفات الحميدة والأعمال الصالحة والعادات الطيبة، وكلّ ما كانت الصفة الذميمة في بدايتها، فإنه يتمكن بسهولة الخلاص منها وتبديلها إلى ضدّها من الصفات الحميدة، ولكن إذا بقيت وإمتّد جذورها في قلب الإنسان وفي صدره، فإنّه يكون من الصعب إزالته وقلعه، ولكن لا يعني هذا إستحالة ازالته، بل لابدّ من المبالغة في الجهاد الأكبر مع النفس الأمارة، وقلع الصفات الذميمة من جذورها، ثم التحلّي والتجلِّي بالصفات الحميدة.

سادساً: الإصلاح التدريجي: لابد للسالك من العلم بأنّ التخلّي من الصفات الذميمة والتّحلي بالصفات الحميدة وإصلاح العيوب وإزالة النواقص وأكمالها لم يكن دفعةً واحدةً، وبين ليلة وضحاها، وان كان ذلك لبعض الأولياء. إلا أنه من الفرد النادر، والفرد النادر كالمعدوم، فلابدّ في مقام الإصلاح من التدرّج في الرياضة والعمل المتواصل، وطيّ المنازل قدماً بقدم، وخطوة بعد خطوة، وإذا تمكن صاحب السير أن يتسلط على الحيوانات الوحشية والسبعية كالأسد والنمر ويجعلها تحت سيطرته ونفوذه، كيف لا يتمكن أن يريض النفس ويجعلها منقادة لقوتّه العاقلة، وإذا كان الإنسان فاتحاً لأصعب قُلل الجبال كجبال همالايا، كيف لا يفتح قمة كماله بالإنتصار والإفتخار. كفاتح قلّة الجبال بوضع علم بعده يهتز فوق القمة مبتهّجاً ومنتصراً بغرور وإفتخار، فلابدّ من عزيمة وإرادة قوية، كما لابد من حمل الزاد المطلوب في صعود القمم، وإن القطار في سيره البدائي يتعثر ويمشي ببطئ، إلّا أنّه سرعان ما يمشي سريعاً حتى يصل إلى المقصد في وقته المحدّد.

هذا غيض من فيض في الذكر الإلهي، وإنّه العمدة في الحصول على العلم القلبي ودوامه ونموّه ورشده وبقاءه، ومن قصّر وأهمل وتكاسل في ذلك، فإنّه حرّم نفسه من نور العلم القلبي، ومن البركات والفيوضات الربانية في الدنيا والآخرة. اللهم ارزقنا ذكرك كما تُحبّ وترضى بإخلاص حتى نلقاك بقلب سليم ونفس مطمئنة، آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(الهوامش)

1 - مفاتيح الجنان: المناجاة الشعبانية في أعمال شهر شعبان.

2 - الكافي: 2: 53.

3 - تحف العقول: 164.

4 - مقطع من المناجاة الشعبانية في مفاتيح الجنان في أعمال شهر شعبان.

5 - لقد شرح هذا المعنى بالتفصيل وهو مطبوع.

6 - شرحت هذا المعنى بالتفصيل في رسالة:علم الامام في لیلة القدر ورسالة:العلم الإلاهي...وغیرها

7 - الخصال: 1: 73.

8 - الكافي: 2: 498.

9 - الخصال: 2: 80.

10- مفاتيح الجنان: أعمال رجب: دعاء يوم المبعث النبوي.

ارسال الأسئلة