ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١٢/١٨ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ المقدمة
■ المقام الأول: في ذم الغضب في الكتاب والسنة
■ الغضب مفتاح كل شرّ
■ المقام الثاني: في حقيقة الغضب
■ أقسام الناس في القوة الغضبية
■ المقام الثالث: أسباب الغضب عند الإنسان
■ المقام الرابع: علائم الغضب
■ المقام الخامس: كيف نعالج الغضب ؟
■ علاج الغضب العلمى والعملي
■ الحلم والكظم والعفو في القران الكريم
■ المقام السادس: في الحلم والتحلّم
■ المقام السابع: في فضيلة كظم الغيظ
■ المقام الثامن: فضيلة الحلم في رحاب الروايات
■ تنبيه هام:
■ المقام التاسع: في ما يورث الحلم
■ المقام العاشر: نصائح وقصص في كظم الغيظ والحلم
■ عود على بدء
■ المقام الحادي عشر: في ثمرات كظم الغيظ والحلم
■ المقام الثاني عشر: فيالجوانب العلمية الأخرى لمعالجة الغضب
■ الأمر الثاني: (التخويف)
■ الأمر الثالث: (التحدث)
■ الأمر الرابع: (التذكر)
■ الأمر الخامس: (التمهّل)
■ الأمر السادس: (التفهّم)
■ علاج الغضب
■ زبدة المخاض
■ من أمهات الغرائز ثلاث
■ ما يحبه الإنسان ينقسم الى ثلاثة أقسام
■ المقام الثالث عشر: المصاديق العملية للتخلص من هيجان الغضب
■ المقام الرابع عشر: في بيان القدر الذي يجوز فيه الانتصار والتشفي
■ المقام الخامس عشر: الحلم في الشعر و الأدب
■ الخاتمة
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

تنبيه هام:

تنبيه هام:

أقول: لا يخفى أنّ الظلم في نفسه أمر قبيح عقلاً ونقلاً، فإن الظالم مذموم عقلاً وعقلائياً، كما يعاقب شرعاً على ظلمه، فإن الله أعدّ للظالمين ناراً جحيماً وعذاباً أليماً، كما في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة.

ثم كما لا يرضى الدين أن يكون الإنسان ظالماً، كذلك لا يقبل له أن يتقبل الظلم من غيره، بل يجب عليه أن يدفع الظلم عن نفسه، ولا يعُين الظالم على ظلمه بتقبلّه الظلم، فإن ذلك يتنافى مع إنسانية الإنسان وحريّته وكرامته وعزّته، ولاسيما إذا كان ظلم الظالم يعمّ المجتمع كالدكتاتوريين والطغاة من الملوك ورؤساء الجمهوريات وما دونهم ممّن بيدهم مسؤولية اجتماعية كالوزراء والقياديين والمدراء وما شابه ذلك، فقد أوصى أمير المؤمنين في وصاياه الخالدة لولديه الإمامين الحسن والحسين عليهم السلام: « كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً» فلا يجوز الظلم مطلقاً حتى للزوج والزوجة، فربما يكتب الرجّل جباراً عنيداً ويحشر مع الفراعنة والطغاة لظلم عائلته وأهل بيته.

7ـ قال رسول الله’ : «إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإن ليكتب جباراً عنيداً وما يملك إلا أهل بيته».

ثم الظلم على نحوين: فتارة ظلماً فردياً، أي شخصي, ظالم يظلم غيره كظلم الجار لجاره، والأخ لأخيه، وأخرى يكون ظلماً جماعياً كظلم الطغاة والجبابرة، فما ورد من العفو والصفح والتسامح إنمّا هو بالنسبة إلى الظلم الأول دون الثاني، كما لو وقع الظلم عليك من شخص, ثم تمكنّت منه وقدرت عليه، وكان بإمكانك أن تنتقم منه لنفسك وتأخذ حقك، وترد الظلم عن نفسك بردّ ما أخذ منك من مال أو كرامة أو حق أو غير ذلك، فهنا من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، أن تصبر على ظلمه، وتعفو عنه بعدم الانتقام منه، بل تصفح عليه بعدم تقريحه وتثريبه، كما فعل يوسف الصّديق مع إخوته في قوله ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾.

8ـ ومن هذا المنطلق قال رجل من المسلمين : «اللهّم ليس عندي صدقة أتصدّق بها، فإنما رجل أصاب من عرضي شيئاً فهو عليه صدقة، فأوحى الله إلى النبي: أن قد غفرت له بذلك»([1]).

9ـ وروي أن رجلاً قال: «يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، ويجهلون عليّ وأحلم عنهم.

قال: لئن كان كما تقول، فكأنما تَسِفّهم الملّ ـ أي الرّمل ـ ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك الملّ».

10ـ قال رجل للامام الصادق × : «إنه وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر، وإني أًُريد أن أتركه فيقال لي: إن تركك له ذُلّ ـ وهذا أكثر ما يتصّوره الإنسان بفعل الشيطان ووسوسته, أو يسمعه من الآخرين عندما يريد ان يعفو عمّن ظلمه ـ فقال الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق× : إنما الذليل هو الظالم ـ أي لست انت الذي تكون ذليلاً بعفوك و صفحك، بل من ظلمك هو الذليل حقّاً، والواقع كل واحد ينفق ما عنده، فمن كان عنده الظلم يظلمك، ومن كان عنده العفو فإنّه يعفو عنك، والعفو رحمة وخير ومن الصفات الحميدة ومن جنود العقل، والظلم نقمة وشر ومن الصفات الذميمة ومن جنود الجهل والنار.

11ـ مرّ المسيح بن مريم × بقوم من اليهود ـ خذلهم الله ـ فقالوا له شرّاً، فقال لهم خيراً، فقيل له، إنهم يقولون شرّاً وانت تقول خيراً؟ فقال: كل واحد ينفق ممّا عنده ـ أي كل إناء بما فيه ينضح، فمن إناء الخلّ ينضح الخلّ، ومن العسل عسلاً.

ثم من نتائج الحلم العزة وليس الذّل.

12ـ قال الإمام الصادق × : «قال رسول الله’ : ما أعز الله بجهل قطّ، ولا أذلّ بحلم قط».

13ـ وعن أبي جعفر × قال: «كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إنه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه».

14ـ وعن أبي عبد الله × قال: «كفى بالحلم ناصراً، وقال: إذا لم تكن حليماً فتحلّم».

15ـ وعند × قال: «إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما: قلت وقلت وأنت هل لما قلت ستجزي بما قلت، ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت سيغفر الله إن أتممت ذلك، قال: فإن ردّ الحليم عليه ارتفع الملكان».

16ـ وعن أبي الحسن الرضا × قال: لا يكون الرّجل عابداً حتى يكون حليماً، وإن الرّجل كان إذا تعبّد في بني إسرائيل لم يعدّ عابداً حتى يصمت قبل ذلك عشر سنين».

قال العلامة المجلسي &في تبيين الخبر: قال الراغب : الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب، وقيل الحلم الأناءة والتثبت في الأمور، وهو يحصل من الاعتدال في القوة الغضبيّة، ويمنع النفس من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية، ومن آثاره عدم جزع النفس. عند الأمور الهائلة، وعدم طيشها في المؤاخذة، وعدم صدور حركات غير منتظمة منها، وعدم إظهار المزية على الغير، وعدم التهاون في حفظ ما يجب حفظه شرعاً وعقلاً. انتهى.

ويدل الحديث على اشتراط قبول العبادة وكمالها بالحلم، لأنَّ السفيه يبادر بأمور قبيحة من الفحش والبذاء والضّرب والإيذاء، بل الجراحة والقتل، وكلّ ذلك يفسد العبادة، فإن الله إنّما يتقبلّها من المتقين، وقيل. الحلم هنا العاقل، وقد مرّ أن عبادة غير العاقل ليس بكامل، ولمّا كان الصمت عمّا لا يعني من لوازم الحلم غالباً ذكره بعده، ولذلك قال النبي’: إذا غضب أحدكم فليسكت، وصوم الصمت كان في بني إسرائيل، وهو وإن نسخ في هذه الأمة، لكن كمال الصمت غير منسوخ ـ أي شرعيته قد نسخت دون كماله، كما إن قبول الأعمال على نحوين: قبول صحة يوجب سقوط الفعل عند إتيانه، وقبول كمال يوجب رفع الفاعل عند إتيان فعله ـ والعمل الصالح الخالص من المتقي يرفعه الله سبحانه، وبرفعه يُرفع الفاعل أيضاً، إذ الفعل معلول الفاعل فتدبّر ـ فاستشهد × على حسنه بكونه شرعاً مقرراً في بين إسرائيل ـ فإنه لو لم يكن حسناً لما شرّع في أمة من الأمم، فإن الله لا يشرع إلا ما هو الحسن في ذاته ولم يكونوا يعدوّن الرجل في العابدين المعروفين بالعبادة؛ إلاّ بعد المواظبة على صوم الصمت أو أصله عشر سنين.

أنتهى كلامه رفع الله مقامه ـ ([2])

17ـ وعن حفص بن أبي عائشة قال: بعث أبو عبد الله غلاماً له في حاجة، فأبطأ فخرج أبو عبد الله × في أثره فوجده نائماً، فجلس عند رأسه يروّحه حتى انتبه، فلمّا انتبه قال له أبو عبد الله × : يا فلان والله ما ذلك, لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النّهار».

ودخل على بعض الحكماء صديق له، فقدّم إليه طعام فخرجت إمرأة الحكيم، وهي سيئة الخلق، فرفعت المائدة، وأقبلت على شتمه الحكيم، فخرج الصديق مغضباً، فتبعه الحكيم وقال: أتذكر يوماً كنّا في منزلك نطعم ـ أي نأكل الطعام ـ فسقطت دجاجة على المائدة وأفسدت ما عليها، فلم يغضب أحدٌ منّا، فقال نعم، فقال: إحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة، فسرِّي عن الرجل ـ أي إستر وفرح الرجل ـ وانصرف وقال: صدق الحكيم، الحلم شفاء من كلّ ألم.

وضرب رجل قدم حكيم، فأوجعه، فلم يغضب فقيل له، في ذلك، فقال: أقمته مقام حجرة تعثّرت بها فوقعتُ، فذبحت الغضب بسكين الحلم وأرديته ميّتاً قتيلاً لا حراك فيه ليدبّ في وجودي, ويشعل نيران الغضب الحارقة والمدَّمرة في قلبي.

18ـ ومن الكلمات القصار لأمير المؤمنين علي × التي هي من جوامع الكلم في فضيلة الحلم والحليم: (الحلم سجيّة فاضلة)، ( الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام باتر، ما ستر خلل عقلك كالحلم، وقاتل هواك بعقلك)، (الحلم حجاب من الأنات)، (الحلم رأس الرئاسة) فإن آلة الرياسة سعة الصدر، ورأس الرياسة والرأس من الجسد هو المدبّر لإعمال البدن فرأس الرياسة، أي المدبّر للرياسة التي هي تدبير الأمة أو الجماعة أو ما شابه ذلك، فتدبير التدبير الحلم. (الحلم عشيرة) فمن يحلم يجد أنصاراً كالعشيرة، فإن الحليم بطبيعة الحال يكون مظلوماً، والنّاس بفطرتهم مع المظلوم فيدافعون عنه. فيكونون للحليم بمنزلة العشيرة التي يطير بها الإنسان ويفوز بها على خصمه أو من يجهل عليه، ومن ثمّ (كفى بالحلم ناصرا) لأنه بالحلم تندفع الخصومة، بل يصير الخصم محبّاً له، وهذا من أحسن النصر، مع أنّ الحليم يصير محبوباً عند النّاس، فالناس ينصرونه على الخصوم، ويعينونه في المكاره ـ وهذا ما جربناه تكراراً ومراراً.

(الحلم نور جوهره العقل ) (الحلم تمام العقل) ( لا عزّ أنفع من الحلم ) لا عزّ أرفع من الحلم) فالحلم يفوز الإنسان ويرفعه (تعلّموا الحلم، فإن الحلم خليل المؤمن ووزيره) (كفى بالحلم ناصراً ) (وجدت الحلم والاحتمال أنصر لي من شجعان الرّجال) (إنك مقوم بأدبك فزينه بالحلم) جمال الرّجل حلمه) (من غاظك بقبيح السّفه عليك، فغظه بحسن الحلم عنه)([3]).

(الحليم من أحتمل إخوانه) الحليم الذي لا تشّق له مؤنة الحلم) الحليم يعلي همتّه فيما جنى عليه من طلب سوء المكافأة) (سئل أمير المؤمنين الإمام علي × عن أقوى الخلق؟ قال: الحليم).

(لن يثمر العلم حتى يقارنه الحلم ) العلم أصل الحلم والحلم زينة العلم) ( ما أضيف شيئ إلى شيء أفضل من حلم إلى علم) (الحلم يطفئ نار الغضب، والحدة تؤجج إحراقه) (أحلم الناس الذي لا يغضب ) (أحياكم أحلمكم).

وقد مر أن صفة الحلم صفة إلهية مقدسة فإن الله هو الحليم الكريم، يحلم على العاصين والمذنبين ويغفر لهم، ويصفح عنهم.

يستر القبيح ويُظِهر الجميل، سبقت رحمته غضبه، وعفوه عقابه.

{ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } المائدة: 101، {وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} البقرة: 263، {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ } التغابن: 17 {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } النساء 12.

فإنه يغفر بحلمه وقدرته لغنائه الذاتي، كما يشكر كثيراً من يعبده ويطيعه، فإنّه الشكور، كما يحلم دائماً مع علمه بما كان وما يكون وما هو كائن، فإنه الحليم العليم.

والحليم: صفة مشبهة بدل على استقرار الحلم واستمراره، فلا تغفل.

وفي الدعاء: «الحمد لله الذي يحلم عنّي كأنني لا ذنب لي ) (خيره اليّ نازل وشّري إليه صاعد).

19ـ الله الله بالحلم والتحلّم و (أفضل الحلم كظم الغيظ، وملك النفس مع القدرة).

ولكلّ شيء زينة و(زينة الحلم بسط الوجه)، ولكل شيء آفة، و(آفة الحلم الذّل) (ولا تعرف الحليم إلا عند الغضب).

(وليس الحليم من عجز فهجم، وإذا قدر انتقم، إنما الحليم من إذا قدر عفى، وكان الحلم غالباً على أمره).

و(لا حلم كالصبر والصمت) ولكل شيء كمال و(كمال العلم الحلم، وكمال الحلم كثرة الاحتمال والكظم أي تتحمّل من يخالفك ويعاديك ويؤذيك تحمّلاً كثيراً، وتكظم غيظك، فتحلّم حتى تكون حليماً، يصدر منك الحلم بكل سهولة ورحابة صدر.

20ـ البحار بسنده قال: وفد العلاء بن الحضرمي على النبي’ فقال: يا رسول الله إن لي أهل بيت أحسن إليهم فيسيئون، وأصلهم فيقطعون، فقال رسول الله‘: (إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) فقال العلاء بن الحضرمي: إني قلت شعراً هو أحسن من هذا، قال: وما قلت ؟ فأنشده:

وحيِّ ذوي الأضغان تسب قلوبهم
فإن أظهروا خيراً فجاز بمثله
فإن الذي يؤذيك منك ساعة

 

تحيتك العظمى فقد يرفع النغل
وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

فقال النبي’: إن من الشعر لحكماً، وإنّ من البيان لسحراً، وإن شعرك لحسن، وإنّ كتاب الله أحسن([4]).

21ـ عن أبي الحسن الرضا ×: أنّ المأمون قال له: هل رويت من الشعر شيئاً فقال: قد رويت منه الكثير.

فقال: أنشدني أحسن ما رويته في الحلم.

فقال ×:

إذا كان دوني من بليت بجهله
وإن كان مثلي في محلّى من النّهي
وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجي

 

أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل
أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل
عرفت له حق التقد
ّم والفضل

قال له المأمون: ما أحسن هذا؟ من قاله؟

فقال: بعض فتياننا ([5]).

أقول: ما ذكره الأمام × يطابق الفطرة الإنسانية والعقل السليم، فإن الناس اللّذين يغضبونك بأيّ سبب كان فإنهم على أصناف ثلاثة:

أ- فإنه إما أن يكون جاهلاً فتبتلى بجهله، فالمفروض إن لا تقابله بمثل جهله، فإذا شتم الجاهل وأردت أن أشتمه وأردّه بالمثل فإذن ما الفرق بيني وبينه، ومن ثمّ تعرف أنّ من يُشتم ويجيب الشتيمة بمثلها، فإن كلاهما من الجهّال الذين لا علم لهم بل ولا عقل.

فإنه الجهل تارة يقابله العقل ـ كما في حديث جنود العقل والجهل ـ وأخرى يقابله العلم.

ب- وأما أن يكون نظيرك فيغضب، كزميلك وصديقك فكان مثلك في المكانة الاجتماعية والعلميّة والعقلائية، فالمفروض أن تأخذ بالحلم حتى تجلّ أن تقابله بالمثل، ويكون لك الفضل عليه، واعلم ان سيعتذر منك ويندم على ما فعل، وتبقى أنت صاحب الفضل.

ج- وأما أن يكون أعلى رتبته ومستواه منك في الفضل والعلم والفعل، فالمفروض حينئذ أن تراعي الأدب معه وتعرف حق التقدم والفضل عليك.

فإن صاحب الفضيلة لشرافة العلم والعقل، فإنّ له حقّ التقدّم، فإذا أجبته وقابلته بالمثل فأنه لا محالة سأكون قد أسئت الأدب، وهذا يتنافى مع العقلانية والإنسانية والفطرة السليمة والشريعة المقدسة، فتدبرّ.

22ـ ومن حلم رسول الله وعفوه: عن أبي جعفر × قال : إن رسول الله‘ أُتي باليهودية التي سمّت الشاة للنبي’ فقال لها: ما حملك على ما صنعتِ؟ قالت : قلت : إن كان نبيّاً لم يضره، وإن كان ملكاً أرحت الناس منه، قال: فعفا رسول الله عنها([6]).

23ـ قال رسول الله’: ينادي منادٍ يوم القيامة من بطنان العرش، ألا فليقم كلّ من أجره عليّ، فلا يقوم إلا من عفى عن أخيه.

24ـ قال الإمام السجاد زين العباد على بن الحسين ×: ما تجرعت جرعة أحبّ اليّ من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها.

بيان: الجرعة من الماء كاللّقمة من الطعام، وهو ما يجرع مرّة، واحدة، والجمع جرع كغرفة وغرف، وتجرّع الغصص مستعار منه، وأصله الشرب من عجلة، وقيل الشرب قليلاً، وإضافة الجرعة إلى الغيظ من قبيل لجين الماء، والغيظ صفة للنفس عند احتدادها موجبة لتحرّكها نحو الانتقام، وفي الكلام تمثيل.

وقال بعض الأفاضل: لا يقال: الغيظ أمر جبليّ لا اختيار للعبد في حصوله، فكيف يكلّف برفعه؟ لأنا نقول: هو مكلّف بتصفية النفس على وجه لا يحرّكها أسباب الغيظ بسهولة.

أقول: والقول للعلامة المجلسي& ـ على تقدير حصول الغيظ بغير اختياره فهو غير معلّق برفعه، ولكنّه مكلّف بعدم العمل بمقتضاه، فإنه باختياره غالباً، وإن سلب إختياره فلا يكون مكلفاً ـ انتهى كلامه ([7]).

أقول: كما قال الأعلام: ما ليس بالإختيار لا ينافي ما به الاختيار، كمن يُلقي نفسه من شاهق منتحراً، فإنّه لا ينافي أن يحكم على السقوط أنه بإختياره، ومن ثمّ فعل محرّماً ويعاقب عليه، وكذلك الغيظ، فربما يصل إلى حدّ الجنون وفقد الإنسان وعيه وتوازنه وإعتداله كما هو الغالب، وربما في تلك الساعة يكون من جنونه الادواري، والمجنون لا يكلّف، إلا أنه لا ينافي اختياره الأول، ما يوجب الخروج عن اختياره، ومن ثمّ باعتبار الاختيار الأول يكون مكلّفاً، ولا بد من كظم غيضه.

نعم لو بدر منه حين غيظه من المحرمات كالشتم والضرب والقتل، فإنه يعاقب على ذلك في الدنيا كالتعزير والقصاص وفي الآخرة كالعذاب والنّار. وإذا لم يبدر منه شيئاً وكان مجرد انفعال داخلي، فيكون كالحسد من الصفات الذميمة والرذائل الأخلاقية، مما تؤثر على عدم تكامله، أو تكون من الموانع للمقتضيات التي تكون سبباً للتكامل وعلو درجاته، فكثير منّا من عنده المقتضيات التي توجب رفع الدرجات، كالعلم النافع والعمل الصالح في نفسه، الا أن الموانع تمنع من تأثيرها في أيجاد المعلول كالتكامل والقرب من الله سبحانه، فتكون المقتضيات من العلة الناقصة حينئذ لابد عن رفع الموانع حتى تكون تامة ذات فعالية في إيجاد المعلول.

ومن هنا يتبيّن أهمية علم الأخلاق في الفرد والمجتمع، كما يتبيّن عظمة المرحلة الأولى من مراحلها الثلاث:  أي: التخلية، أي تخلية النفس وتهذيبها من الصفات الذميمة والأخلاق الرذيلة. ثم المرحلة الثانية: التحليّة بالصفات الحميدة والأخلاق الحسنة، ثم المرحلة الثالثة: التجلية، أي جلاء تلك الصفات الحميدة، حتى يصل المتكامل إلى أوج كماله وقمة جماله من الشفافية والقدوسية والنزاهة الإلهية، فتكون مرآة ومجلى لأسماء وصفات ربّه جل جلاله، ويتداعى ويتلخص من ذلك: أن الإنسان ذلك الكائن الذي لا يزال مجهولاً في حقيقته هو الحيّ المتأله، الفاني في إرادة الله، والباقي بأبديته، ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، ولا حول ولا قوة الله بالله العلي العظيم.

25ـ عن الامام الصادق × قال: نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها، فإنّ عظيم الأجر لمن عظيم البلاء، وما أحبّ الله قوماً إلاّ ابتلاهم.

بيان: (لمن عظيم البلاء) أي الامتحان والاختبار، فإن الله تعالى إبتلي المؤمنين بمعاشرة المخالفين والظلمة وأرباب الأخلاق السيئة، وأمرهم بالصبر وكظم الغيظ، وهذا من أشد البلاء، وأشق الابتلاء([8]).

26ـ عن الصادق ×: كظم الغيظ من العدوّ في دولاتهم تقية حزم لمن أخذ به، وتحرّز عن التعّرض للبلاء في الدنيا، ومعاندة الأعداء في دولاتهم ومماظتّهم في غير تقية ترك أمر الله، فجاملوا الناس يسمن ذلك لكم عندهم، ولا تعادوهم فتحملوهم على رقابكم فتذلّوا.

أقول: إن التقية في مدرسة أهل البيت ^ تعني إظهار الحق وإظهار ما يوافق دولة المخالفين، فإذا إقتضت الضرورة حفظاً على النفس جاز أن يُصلّي بصلاتهم، كما جاء في الفقه الامامي([9])، قال الإمام الصادق ×: التقية ديني ودين أبائي.

ثم (كظم الغيظ) تجرّعه واحتمال سببه والصبر عليه، وهو التحلّم كما مر، ومنه الحديث: (إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع، أي ليحبسه ما أمكنه ولا يفتح فاه، فإن الله يحب العطاس، ويبغض التثاءب و(الحزم) ضبط الرجل أمره، والحذر من فواته. من قولهم: حزمت الشيء أي شددته، ومنه: الحزام الذي يشد وسط الظهر ويسمى بالمنطقة، وفي القاموس : الحزم: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة و(اللماظة) شدّة الخُلق وفضاضته، ومظظته، لمته وماظظته مماظة، ومماظاً: شاردته ونازعته، والخصم لازمته.

و(المجاملة) يعني لم يصفه الأخاء كما في الصديق، بل يماسحه بالجميل، أو يحسن عشرته من دون أن يودّه بقلبه.

و(يسمن ذلك عندهم) ـ كذا في أكثر النسخ ـ من قولهم سمن فلان، يسمن من باب تعب، وفي لغة من باب قرب أذا كثر لحمه وشحمه ـ كما يقال يعرف الغث من السمين ـ والمراد به هنا من باب الاستعمال المجازي عن العظمة والنمو، ويمكن أن يقرأ على بناء المفعول ـ أي مبني للمجهول ـ من الأفعال أو التفعيل، أي يفعل الله ذلك مرضياً محبوباً عندهم، وفي بعض النسخ (يسمّى) على بناء المفعول، وهو من التسمية أي يذكر عندهم ويحمدونكم بذلك، فيكون مرفوعاً بالاستيناف البياني، والحمل على الرقاب كناية عن التسلط والاستيلاء[10].

ففي دولة المخالفين لابد من كظم الغيظ من الأعداء والمخالفين،، فإنّ ذلك من التقية، ومن الحزم وضبط الأمور، ومما يوجب التحرز والحفاظ عن التعرض للبلاء في الدنيا، فإن من كان في القلّة إذا أراد أن يجاهر في مخالفته ويعلن في محاربته من دون أن يشتدد عوده، ويكثر أعوانه، ويربّى أنصاره في السّر وفي التقية، فإنه يعّرض نفسه للأخطار وللبلايا في دنياه من دون أن يأخذ النتائج المطلوبة، فمعاندة الأعداء في سلطنتهم الفاسدة وحكومتهم الجائرة، وخلافتهم الغاصبة، ومنازعتهم في العلن من دون تقية يوجب ترك أمر الله، فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالتقية في كتابه وسنة نبيّه’ ومنهاج العترة الهادية^.

فالمفروض في مثل هذه المواقف الحرجة والخطرة المجاملة أي مجاملة العامة من الناس، حتى يسمن ويسمى ذلك للجماعة القلّة المؤمنة عند الكثرة الظالمة، فإن معاداة القوم مع عدم توازن المعادلة يعني حمل الأعداء على الرقاب، وبطبيعة الحال بيدهم السلطة والسلاح والمال والقدرة، فيتسلط ويستولون على الرقاب ظلماً وعدواناً، ويذلون المؤمنين القلّة بالسجن والتعذيب والنفي والقتل والتعرّض بضبط أموالهم وإيذائهم في أعراضهم وعوائلهم وغير ذلك من مصاديق الذّلة (وهيهات منا الذلة) ويكون ذلك تارة باستعمال التقية حتى تتقوى الشوكة كما فعل الإمام الحسن المجتبى×، وأخرى بالجهاد، ولو المسلح إذا اقتضت الضرورة وقبول الشهادة في سبيل الله، كما فعل ذلك الإمام الحسين×، فالحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، ولابد في مثل هذه القضايا المصيرية التي تبتني على الموت والحياة من الرجوع إلى المرجعية الدينية في كل عصر، وفي كل مصر، وهذا مما يوجب العزّة، كما أمر أئمة أهل البيت^ بذلك، والله المستعان، ويستفاد من الخبر الشريف أن كظم الغيظ على نحوين، تارة مع فرد، وأخرى مع جماعة كالدولة والحكومة وماشابه ذلك، فتدبّر.

25- قال الصادق× : (ما من عبد كظم غيظاً إلا زاده الله عز وجل عزّاً في الدنيا والآخرة، وقد قال الله عزّ وجل {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(سورة آل عمران: من الآية 134)، وأثابه الله مكان غيظه ذلك.

قال العلامة المجلسي في بيان الخبر: (وقد قال الله ) بيان لعزّ الآخرة، لأنّه تعالى قال في سورة آل عمران (سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ).

قال البيضاوي في (أنوار التنزيل ص81) (والكظامين الغيظ) الممسكين عليه الكاظين عن إمضائه مع القدرة، من (كظمت القربة، إذا ملأتها وشددت رأسها).

وعن النبي’: (من كظم غيظاً وهو يقدر على أنفاذه، ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً).

(والعافين عن الناس) التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته.

(والله يحب المحسنين) يحتمل الجنس ـ أي الألف واللاّم يكون للجنس ـ ويحتمل العهد ـ أي يكون للعهد الذهني أو المذكور ـ فيكون إشارة إليهم ـ أي الكاظمين والعافين ـ انتهى.

فكفى عزّاً لهم في الآخرة بأن بشر الله لهم بالجنة، وحكم بأنها أُعدت لهم، وأنّه تعالى يحبهم.

ويحتمل : أن يكون تعليلاً لعزّ الدنيا أيضاً، بأنهم يدخلون تحت هذه الآية، وهذا شرف في الدنيا أيضاً، أو تدل الآية على أنّهم من المحسنين وممّن يحبهم الله ومحبوبه تعالى عزيز في الدنيا والآخرة كما قيل.

ويحتمل: أن يكون ذلك عطف بيان أو بدلاً من غيظه، ويكون (أثابه) عطفاً على (زاده) أي يعطيه الله أيضاً مع عز الدنيا والآخرة أجراً لأصل الغيظ،  لأنه من البلايا التي يصيب الإنسان بغير اختياره ويعطي الله لها عوضاً على اصطلاح المتكلمين ـ فالمراد بالثواب العوض ـ لأنّ الثواب أي العوض إنما يكون على الأمور الاختياريه بزعمهم، والغيظ ليس باختياره، وإن كان الكظم باختياره، فالجنة على الكظم، والثواب أي العوض لأصل الغيظ، وقيل المراد بالمكان المنزل المخصوص لكل من أهل الجنّة، وإضافته من قبيل إضافة المعلول إلى علّته.

26- قال الإمام الصادق×: (من كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضاه).

بيان: (ولو شاء أن يمضيه) أي يعمل بمقتضى الغيظ من عقوبة المخطئ والمتجاوز لقدرته على ذلك، إلاّ أنّه يكظم غيظه ويعفو عنه, فإن الله يجازيه على ذلك (ملأ الله قبله رضاه) أي يعطيه من الثواب والأجر والكرامة، والشفاعة والدرجات حتى يرضا رضاً كاملاً عظيماً يفوق التصور البشري، بل لا يتصور فوقه رضاً.

27- قال الإمام الباقر×: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه حشى الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة).

بيان: الأمن والإيمان من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على العباد سواء أكان في الدنيا أو في الآخرة، فإنّ في الدنيا نعمتان مجهولتان : الصحة والأمان، وأمّا في الآخرة فالأمن من فزع يومها ومن عقابها يوم تذهل كل مرضة عمّا أرضعت، فمن يكظم غيظه في الدنيا لا عن عجز، بل هو قادر على إمضائه وتنفيذه. إلا أنّه يصبر ويتحلّم فيكظم غيضه وغضبه، فإنّ الله سبحانه يجازيه على ذلك بأن يملأ قلبه ويحشوه بالأمن والإيمان يوم القيامة، وهذه النتيجة تابعة للمقدمات، فمن كان آمناً يوم القيامة، لا محالة يكون كذلك آمناً بالأمن والإيمان في دنياه، وفي حال الاحتضار، وفي البرزخ والقبر، فيكون قبره روضة من رياض الجنّة، وكأن المراد بالإيمان التصديق الكامل بكرمه ولطفه, الجلي والخفي برحمته الواسعة والجامعة، لكثرة ما يعطيه من الأجر والثواب، فيرجع المعنى حينئذ إلى ما ذكر من المعنى في الخبر السابق.

ويحتمل : الأعم من الإملاء، فإن الإملاء باعتبار ما يتعلق بالخارج، والإحشاء من حيث ما يتعلق بالداخل، فيحشو قلبه أمناً وإيماناً, بأن يزيده في يقينه وإيمانه من نوره في حرمه، فإنّ قلب المؤمن حرم الله، فيستحق مزيد الثواب الجميل، والأجر الجزيل والكرامة الألهية من الرحمة الرحيمية الخاصّة بالمؤمنين والمقربين، قاب قوسين أو أدنى، إذ لا دليل على عدم جواز مزيد الإيمان في ذلك اليوم، ولاسيما يجعل الله بصر الإنسان حديداً، أي نافذاً فيرى الحقائق كما هي، ممّا يزيد في المعرفة ورفع الدرجات، فإنّ زيادة العلم لا تنقطع بعد الممات، كما يدل عليه إطلاق قوله تعالى: {وقل ربي زدني علماً} فإنّ محمداً وآل محمد يزداد علمهم في الآنات في الدنيا والآخرة من لدن عليم، كما ورد متواتراً في الأخبار المعتبرة، فتدبر.

28- قال الامام السجاد علي بن الحسين×: (قال رسول الله : من أحب السبيل إلى الله عزّ وجل جرعتان، جرعة غيظ يردّها بالحلم، وجرعة مصيبة يردّها بصبر).

بيان: (يردها) هذا الاستعمال المجازي وعلى التمثيل، فكأن المغتاظ الذي يريد إظهار غيظه بالانتقام والتشفي، فإنّه يدفعه ولا يظهره لما وراء ذلك من المنافع الدنيوية والأخروية، وما يترتب عليه من ثمرات الحلم ـ كما سيأتي ـ ويكون كمن شرب الدواء المرّ البشع الذي لا يقبله طبعه، فأراد أن يدفعه ويردّه ويلفظه من فيه، إلا أنّه يتصور نفع هذا الدواء فيرده فيبتلعه تجرعاً، كما يتجرع شربة الماء، وكذا الصبر عند البلاء وترك الجزع والفزع، فإنّه يشبه تلك الحالة، ففيها استعارة تمثيلية.

والفرق بين الكظم والصبر، إنّ الكظم فيما يقدر على الانتقام، والصبر فيما لا يقدر عليه، وله فرق آخر كما نذكره في البيان في الخبر الآتي.

29- قال الأمام الصادق×: (ما من جرعةٍ يتجرّعها العبد أحب إلى الله من جرعة غيظ يتجرّعها عند ترددها في قلبه، إما بصبر أو بحلم).

بيان: المراد بترددّها في قلبه إقدام القلب تارة إلى تجرعها لما فيه من الأجر الجزيل والثواب الجميل، وإصلاح النفس وتركية الروح، وتارة إلى ترك تجرّعها لما فيه من البشاعة والمرارة، وإمّا بصبر وإما بحلم.

والفرق بينهما: إما بأنّ الأول فيما إذا لم يكن حليماً فيتحلّم ويصبر، والثاني إذا كان حليماً وكان ذلك خلقه، كأن يكون في ذاتياته، وكان عليه يسير.

أو الأول فيما إذا لم يقدر على الانتقام فيصبر، ولا يجزع، والثاني فيما إذا قدر ولم يفعل حلماً وتكرماً, بناء على أن كظم الغيظ قد يستعمل فيما إذا يقدر على الانتقام أيضاً.

وقيل: الصبر هو أن لا يقول ولا يفعل شيئاً أصلاً، والحلم أن يقول أويفعل شيئاً يوجب رفع الفتنة  وحل المشكلة، وتسكين الغضب، فيكون الحلم بمعنى العقل واستعماله.

30- البحار عن آمالي الصدوق بسنده عن الربيع صاحب المنصور، قال: قال المنصور للصادق× حدّثني عن نفسك بحديث اتعظ به، ويكون لي زاجر صدقٍ عن الموبقات.

فقال الإمام الصادق×: عليك بالحلم، فإنّه ركن العلم، وأملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفي غيظاً، وتداوى حقداً، أو يحب أن يذكر بالصولة، وأعلم أنك إن عاقبت مستحقاً لم تكن غاية ما توصف به ألا العدل [لا أعرف حالاَ أفضل من حال العدل] والحال توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر.

فقال المنصور ـ من خلفاء بني العباس ـ: وعظت فأحسنت, وقلت فأوجزت.

31- وعن الإمام الصادق×، عن آبائه^، قال: قال رسول الله’: قال عيسى بن مريم ليحيى بن زكريا×، إذا قيل فيك ما فيك، فأعلم أنه ذنب ذكرته، فاستغفر الله منه، وإن قيل فيك ما ليس فيك، فأعلم أنّه حسنة كتبت لك لم تتعب فيها.

32- قال أمير المؤمنين×: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة، شريف من وضيع، وحليم من سفيه، وبرّ من فاجر.

أقول: يحتمل أن يكون المقصود أن هؤلاء الشريف والحليم والبر، لا يطالبون بكرامتهم وحقوقهم في مقام الانتصاف، والانتصاف من هؤلاء الوضيع والسفيه والفاجر، فكيف الشريف من كان اعيان البلد مثلاً يريد أن ينتصف من شخص وضيع وفقير ورذيل فلا تناسب بينهما، فأين الثرى من الثريا، كما قال أمير المؤمنين في مقام بيان مظلوميته، إنّه نزل بي الدهر حتى قالوا: علي ومعاوية ذلك المنافق شارب الخمر! الذي دعى عليه رسول الله، وقد ذكرت المصادر ـ عند الفريقين السنة والشيعة، مساؤه من الظلم والجور، إلا أنّه نزل الدهر بسيد الموحدين وإمام المتقين، وأمير المؤمنين، أسد الله وأسد رسوله علي بن أبي طالب حتى يذكر ويقاس بمعاوية، فأين سيد الشرفاء من الوضيع بن الوضيع! وكذلك من كان حليماً ينتصف من السفيه، ومن كان صالحاً كيف ينتصف من الفاجر الطالح؟

فالمفروض من الشريف أن يغض البصر عن الوضيع، كما يغض الكريم عن اللئيم، فإذا مرّ عليه وهو يسبّه ويشتمه، فلا يلتفت إليه، بل يقول في نفسه، إنّه لا يعنيني، وكذلك الحليم مع السفيه، والبر مع الفاجر.

33- قال الإمام الصادق× : ثلاث من كنَّ فيه استكمل خصال الإيمان، من صبر على الظلم، وكظم غيظه، واحتسب، وعفاء وغفر، كان كمن يدخله الله عز وجل الجنة بغير حساب، ويشفعه في مثل ربيعة ومضر.

أقول: إن الإيمان أخص مفهوماً ومصداقاً من الإسلام، بمعناه الخاص، فالإسلام تارة بالمعنى الأعم وهو بمعنى التسليم والإيمان بتوحيد الله الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين من آدم× إلى الخاتم’، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ } آل عمران: 19.

وأخرى بالمعنى الخاص، وهو الإسلام الذي جاء به خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد’ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}سورة آل عمران: 85.

وهذا  الإسلام الخاص يتحقق بظاهره ويحكم عليه بكونه مسلماً، إذا قال بالشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فيحقن دمه وماله وعرضه، وأمّا الإيمان فهو الذي يترتب عليه ثواب الآخرة، وهو إقرار باللسان والعقد في الجنان ـ القلوب ـ والعمل بالأركان ـ بإيتان الواجبات وترك المحرمات وما يلحق بهما ـ وهذا الإيمان القلبي قابل للشدة والضعف، وللزيادة والنقيصة، فإنّه من الكلي التشكيكي ذات المراتب الطولية والعرضية، فقابل اللتكامل وبه يتكامل الإنسان، وعليه أن يطلب تكامل إيمانه، وهذا ما يسمى باستكمال الإيمان، كما يضّم الإيمان على خصال ودرجات ـ جاء في الروايات ـ أربعمائة درجة، أو أنها عشرة، أو أنها جمعت في عشر درجات، وكان سلمان المحمدي (رضوان الله عليه) عنده العشرة، فكمل إيمانه، وكان من الكملين الابرار المقربين ـ سلمان منا أهل البيت ـ إذ كان من العلماء.

ثم ثلاث من كن فيه استكمل خصال الإيمان وكان في الدرجات العليا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

الأول: الصبر على الظلم ـ إلا أنّه كما مرّ فإن المقصود منه الظلم الفردي الشخصي، كان يُظلم من أخيه أو أقاربه أو جيرانه، فإنّه في بداية الأمر عليه أن يدفع الظلم عن نفسه، فإن لم يستطع فيصبر، وإذا ظفر به وقدر عليه فيصبر أيضاً على ما بدر منه الظلم، بأن يعفو عنه، ويصفح صفحاً جميلاً، أي لا يعاقبه بعد العفو أولا يبطل عمله بالمن والأذى، فلا يعامله بالمثل، بل لا يكون أقل من النخلة، فإن الأطفال يرمونها بالحجارة، وهي تعطيهم التمر اللذيذ والرطب الجني، فمن كان طفلاً في أخلاقه معك وتجاسر على شخصيتك الموقرة بإساءة الأدب، فالمفروض أن لا تعامله بالمثل، بل تحسن إليه، وتعفو عنه، وتجازيه بالأفضل وتدفع عن نفسك بالتي هي أحسن، حتى تكسبه صديقاً وولياً حميماً، فإن الناس عبيدوا الإحسان، ومن مكارم الأخلاق في الدنيا والأخرة أن تعفو عمن ظلمك.

الثاني: كظم الغيظ والتحلم عمن أغضبك، وجرح مشاعرك وعواطفك، وتحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى.

الثالث: العفو والغفران عمن أساء إليك قولاً وعملاً, ولم يحترمك, ولم يقدر مكانتك وشخصيتك في المجتمع.

ثم يترتب على هذه الأخلاق الثلاثة الطيبة الصبر والكظم والعفو آثار وثمرات دنيوية وأُخروية، منها: كان ممّن يدخله الله عز وجل الجنّة بغير حساب، أي دون محاسبة أو يزيد في الثواب بلا حساب ولا كتاب, كما يعطيه: حق الشفاعة كما هي للأنبياء والأوصياء والشهداء والعلماء، فيشفعه في مثل قبيلتين كبيرتين مثل ربيعة ومضر من أكبر قبائل العرب.

34 - عن الإمام جعفر بن محمد، عن آبائه^، عن النبي’، قال: (ثلاثة من لم تكن فيه فليس مني ولا من الله عز وجل، قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: حلم يرد فيه جهل الجاهل، وحسن الخلق يعيش به في الناس، وروع يحجزه عن معاصي الله عز وجل)

35- عن الإمام الرضا×، عن آبائه^، عن أمير المؤمنين×، قال: (قال رسول الله’: عليكم بمكارم الأخلاق، فإنّ الله عزّ وجل بعثني بها، وإنّ من مكارم الأخلاق: أن يعفو الرجل عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وأن يعود من لا يعوده).

أقول: من فلسفة بعثة الأنبياء^ وامتدادهم بالأوصياء، ثم بورثتهم العلماء، إقامة العدالة الاجتماعية، وتحكيم أسس الأخلاق الطيبة في المجتمعات الإنسانية، وتخلّق الناس بأخلاق الله عز وجل.

ومن هذا المنطق قال خاتم النبيين وسيد المرسلين، شفيعنا وطبيب نفوسنا، معلم الإنسانية وسيد الأخلاق محمد’: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومحاسنها).

ثم في الروايات المستفيضة، بل المتواترة معنى وإجمالاً، أشار عليه صلوات الله أبدا الأبدين إلى مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ـ كما مرّ ـ في هذا الحديث الشريف أيضاً الإشارة إلى جملة من مكارم الأخلاق كما في الأحاديث الأخرى، وهي: (العفو) وما أدراك ما العفو! فإن فيه عزة الله في الدنيا والآخرة، وإّنه من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى، فإنّه العفو جل جلاله يعفو ويغفر لمن يشاء وكيفما شاء، ويحب العفو والغفران، كما يحب من يتصف بصفته، فيحب العفو والغفور، فمن المكارم والفضائل أن يعفو الشخص عمّن ظلمه في ظلمه الفردي والشخصي ـ كما مرّ ـ دون الظلم الجماعي والاجتماعي، فهذا من الحق العام، الذي لا مجال للعفو فيه، بل (كن للظالم خصماً وللمظلوم عوناً).

والخبر الشريف وإن ورد فيه كلمة (الرجل) إلا أن الحكم مطلقٌ يشمل الرجال والنساء، بل حتى الأطفال، أن العفو من مكارم الأخلاق يشترك فيه الجميع، وليس من الأحكام التكليفية من الواجبات والمحرمات المختصة بالبالغين، فلا بد من تربية أولادنا وتعليمهم على العفو والصفح، فإذا تعدى عليه زميله وصديقه في المدرسة وظلمه، ثم قدر المظلوم على صديقه الظالم، وكان بإمكانه أن ينتقم منه، ويشفي خاطره، كأن شكاه إلى المعلم أو مدير المدرسة، وأراد المعلم أن يعقابه لظلمه، إلا أنّه نذكر الطالب أن من مكارم الأخلاق العفو عمّن ظلمه، وأنّه في العفو لذة تفوق لذة الانتقام، وبهذا علمنا أطفالنا على العفو الكريم، والصفح الجميل، والصداقة الحمية، ومن المكارم: العطاء والهبة والسخاء، فأصله من محاسن الأخلاق، ولكن مع من حرمك، أعطيته، ولا تجازيه بالحرمان ولا تفعل معه كما فعل معك، كنت تحتاجه فحرمك من عطائه وكان متمكن على ذلك، واليوم دارت به الأيام وصار يحتاجك وأن عندك ما يقضي حاجته، فلا تحاول أن تنتقم منه، وأن تحرمه كما حرمك، وتتعامل معه بالمثل، وإن كان يحق لك ذلك، إلا أنّه من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة: أن تعطي من حرمك.

من المكارم أيضاً إذا قطعك في أيام حياتك, ولاسيما وهو من أرحامك وأقربائك، فإذا أردت أن تكون إلهياً ونبوياً، ومن اولاياء الله,فاتصف بصفة إلهية وبصفة انبياء الله وأولياءه، فصل من قطعك، ولا تعامله بالمثل، وإن كان هو المعتدي عليك في الإساءة والظلم والبذاءة والفحش، ما شابه ذلك، أو حتى ولو أكل حقك, كما يقع ذلك في الإرث والميراث بين الورثة، ولاسيما في الطبقة الأولى، فتجد الأخ يقطع مع أخيه أو أخته لأموال الدنيا الدنية، في تقسيم الأرث، وربما تكون القطيعة بينهم لسنين وأعوام، فمن أراد أن يفوز بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، فالمفروض أن يخالف نفسه ويجاهدها بالجهاد الأكبر، الذي هو أعظم من الجهاد مع الأعداء في ساحة القتال الذي فيه الموت والشهادة، فيصل من قطعه ...

ومن المكارم إذا كنت مريضاً، فيستحب زيارة المريض وعودته، فإن لم يزرك صاحبك كالصديق والقريب والجيران، ربّما هو ترك في خاطرك شييئاً، إلا أنّه لا تضمر له السوء، بل إذا مرض فلا تعامله بالمثل، فلا تعوده، بل من المكارم أن يعود من لا يعوده، وربما العبادة تؤخذ بمفهومها المطلق فلا تختص بالمريض، وإن كان المتبادر منها ذلك، فيؤخذ أمام إطلاقها، فتأمل!

36- عن الإمام الرضا× في قول الله عز وجل: {( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (سورة الحِجْر: من الآية 85)} قال: العفو من غير عتاب، ومن الأمثال العربية (حرّ التعذر حرّ الذي قبل العذر) أي: من حرية الإنسان إنّه إذا أخطأ سرعان ما يعتذر، كما من حرية الطرف الآخر الذي ورد عليه الخطأ أن يقبل عذره، وأن يجعل ما وقع من الخطأ نسياً منسياً، وكأنّه لم يقع.

37- روي أن الإمام موسى بن جعفر× أحضر ولده ـ أولاده ـ يوماً فقال لهم: يا بني إني موصيك بوصية فمن حفظها لم يضع معها،  إن أتاكم آت فأسمعكم فالإذن اليمنى مكروه، ثم تحول إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال: لم أقل شيئاً، فاقبلوا عذره.

أقول: وهذا من مصاديق العفو أيضاً، وربما مقدمة ذلك، وإذا أردت أن تعرف مقام وعظمة العفو وما شابه ذلك من الصفات الحميدة، فانظر إلى ما ورد في الأخبار الشريفة من الثواب العظيم والأجر الجزيل المترتب على ذلك، ثم من معزمة المعلول تعرف العلّة، كما في البرهان الأني.

38- ففي الحديث الشريف: إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ: من كان أجره على الله فليدخل الجنّة، فيقال: من هم؟ فقال: العافون عن الناس يدخلون الجنّة بلا حساب.

ولا يخفى أنّ العفو يصدق فيما  كان لك الرخصة والاختيار في عقاب من ظلمك، ولاسيما إذا قدرت عليه.

39- عن أمير المؤمنين×، قال: (وأمّا الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار، فإنّ الله تبارك وتعالى: رخّص أن يعقاب العبد على ظلمه، فقال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (سورة الشورى: 40)  وهذا هو فيه بالخيار إن شاء عفى وإن شاء عاقب.

40- قال إمامنا الناطق جعفر بن محمد ^: (إنّه ليعرض لي صاحب الحاجة، فبادر إلى قضائها مخافة أن يستغنى عنها صاحبها، ألا وإن من مكارم الدنيا والآخرة في ثلاثة أحرف من كتاب الله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} سورة الأعراف: 199)، وتفسيره: أن تصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك، وأن تعطي من حرمك.

قال أمير المؤمنين×: (أشرف خصال الكرم : غفلتك عما تعلم.

وقال ×: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وإذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكراً للقدرة عليه.

41- وقال×: (عاتب أخاك بالإحسان إليه، وأرد شره بالأنعام عليه).

42- وكان× يقول: متى أشفي غيظي إذا غضبت أحين أعجز عن الانتقام، فيقال لي: لو صبرت أم حين أقدر عليه، فيقال لي: لو غفرت.

فالحذر الحذر من الغضب، إحذر كما تحذر الأسد المفترس، والأفعي السّامة.

43- قال×: شدّة الغضب تغيّر المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم، فمن يغضب بتغير كلامه ومنطقه، ومن الأحسن إلى الحسن، ومن الحسن إلى السيء، ومن السيء إلى الأسوء، وإذا أراد أن يحتجّ مع الآخرين ويقيم الحجة, فإنّه عند الغضب تنقطع مادة الحجة، وأساسها، إذ الحجة في العقل، والغضوب يفقد القوة العاقلة، أو تتغلب عليها قوة الغضب، كما لا يمكنه أن يستجمع فهمه في القضايا، بل يتفرق ويتشتت فهمه، ممّا يسقطه في المجتمع، وتظهر عيوبه، ويكون ذليلاً عند الناس. وفي أعين العقلاء، وأمّا إذا تحلّم وكظم غيظه، ثم حلم وعفى بصفح جميل،  فإنّه ينال العزة في الدنيا والآخرة.

44- قال×: (لا عزّ أنفع من الحلم، ولا حسب أنفع من الأدب، ولا نسب أوضع من الغضب، فإن الغضب يجعل الإنسان الشريف صاحب الحسب والنسب وضيعاً في المجتمع ويحتقر ولا يحترم من نسبه وحسبه.

45- وأخيراً وليس آخراً أذكر لكم هذه الرواية الشريفة التي فيها تشبيه الغضب وكظم الغيظ بأمر محسوس، وذلك من باب تشبيه المعقول بالمحسوس للتقريب, ولأنّه أوقع في النفوس، فإن أكثر الناس يعيشون النزعة المادية دون النزعة المثالية والمعنوية، فمن التربية والتعليم المفضّل أن يكون بالأمثال والمحسوسات، والقضايا التي يمارسها الإنسان في أيام حياته، فتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يعقلون ويعلمون فيزدادون بالمثال عقلاً وعلماً وتفكراً فالمفروض عندما نقرأ مثل هذه الأخبار التي تقرب المعقول والمفهوم بالمثال والحسوس أن نفكر ونتأمل، ونتدبّر لنرى ما المقصود والمراد من رواء هذه الأمثال والقصص.

عيون أخبار الرضا×، والخصال، بسنده عن الهروي قال: (سمعت الرضا× يقول: أوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه إذا أصبحت فأوّل شيء يستقبلك فكله، والثاني فإكتمه، والثالث فإقبله، والرابع فلا تؤيسه، والخامس فإهرب منه.

قال: فلما أصبح فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف وقال: أمرني ربّي عزّ وجلّ أن آكل هذا، وبقي متحيراً ثم رجع إلى نفسه، فقال: إن ربي جل جلاله لا يأمرني إلا بما أطيق فمشى إليه ليأكله، فلما دنى منه صغر حتى انتهى إليه, فوجده لقمة فأكلها، فوجدها أطيب شيء أكله، ثم مضى فوجد طشتاً من ذهب، فقال: أمرني ربّي عز وجل أن أكتم هذا، فحفر له وجعله فيه، وألقى عليه التراب، ثم مضى فالتفت فإذا الطشت قد ظهر،فقال: قد فعلت ما أمرني رب عز وجل، فمضى فإذا هو بطير وخلفه بازيّ فطاف الطير حوله، فقال: أمرني ربي عز وجل أن أقبل هذا، ففتح كُمّه فدخل الطير فيه، فقال له البازيُّ: أخذت مني صيدي، وأنا خلفه منذ أيام، فقال: أمرني ربي عز وجل أن لا أُيس هذا، فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه، ثم مضى، فلما مضى فإذا هو بلحم ميتة منتن مدوّد ـ أي جعل فيه الدود ـ فقال: أمرني ربي عز وجل أن أهرب من هذا، فهرب منه.

فرجع فرأى في المنام كأنه قيل له: إنك قد فعلت ما أُمرت به، فهل تدري ماذا كان؟

قال: لا، قيل له: أمّا الجبل فهو الغضب، إن العبد إذا غضب لم يرى نفسه، وجهل قدره من عظيم الغضب، فإذا حفظ نفسه وعرف قدره، وسكت غضبه، كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلها.

وأما الطشت فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزّ وجل إلا أن يظهره ليزيّنه به، مع ما يدّخر له من ثواب الآخرة.

وأمّا الطير، فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فأقبله، وأقبل نصيحته.

وأما البازيّ فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه.

وأما اللحم المنتن فهي الغيبة فاهرب منه).

فاعتبروا يا أولي الأباب والأبصار، وأحذروا الغضب والدّمار، فإنه أخطر من النار، ولكن مع جرعته بكظم الغيظ والتحلّم والحلم، والصبر والتصبّر، والعفو والصفح الجميل، يكون ألذ اللذائذ, ولقمة سائغة وشربة من ماء عذب ومعنى لا ينضب, والله المستعان, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

46ـ قال الإمام الصادق ×: الحلم سراج الله يستضيء به صاحبه إلى جواره، ولا يكون حليماً الا المؤيد بأنوار الله، وبأنوار المعرفة والتوحيد.

والحلم يدور على خمسة أوجه:

1ـ أن يكون عزيزاً فيذلّ.

2ـ أو يكون صادقاً فيتهّم.

3ـ أو يدعو إلى الحق فيستحف فيه.

4ـ أو أن يؤذى بلا جرم.

5ـ أو أن يطالب بالحق ويخالفوه.

فإن آتيت كلاً منها حقه فقد أصبت، وقابل السفيه بالاعراض عنه وترك الجواب. يكن الناس أنصارك، لأنّ من جاوب السفيه وكأفاه قد وضع الحطب على النّار.

قال رسول الله’ : (مثل المؤمن مثل الأرض، منافعهم منها وأذاهم عليها، ومن لا يصبر على جفاء الخلق لا يصل إلى رضا الله تعالى، لأن رضى الله مشوب بجفاء الخلق)، وحكي أن رجلاً قال لأحنف بن قيس: إياك أعني قال: وعنك أعرض.


[1]- المحجة: 5 / 312 وكذلك الأحاديث الأخرى السابقة. ومن ميزان الحكمة : كلمة >غضب<فراجع

[2]- البحار : 68 : 404

[3]- البحار : 68 :  404، وميزان الحكمة كلمةغضب- وكذلك الروايات الأخرى.

[4]- البحار : 68 : 415

[5]- البحار: 68: 420.

[6]- البحار: 68: 408.

[7]- البحار: 68: 408.

[8]- البحار: 68 : 408.

[9]- ذكرت تفصيل ذلك في كتاب التقية بين الأعلام- و التقية في رحاب العلمين الشيخ الأنصاري والإمام الخميني قدس سرهما- فراجع موسوعة رسالات إسلامية- على موقعنا.  

[10] - اقتباس من بحار الأنوار، ج68، ص409.