ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١١/١٦ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)

وأمّا السنة فيستدل بجملة من الروايات منها: حديث الرفع المشهور المروي في خصال الصدوق+ بسند صحيح عن حريز عن الإمام الصادق×قال: قال رسول الله‘: رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطّروا الله والحسد والغيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة)([1]). وأمّا وجهل الإستدلال وتقريبه فهذا ما سيأتينا إن شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين.

الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة

حديث الرفع

لقد ذكرنا أنّ الأعلام استدلوا على أصالة البراءة الشرعية بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، كما في فرائد الأصول لشيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري+ فقد تعرض لذلك بالتفصيل وذكر جملة من الآيات الكريمة كما أشرنا إلى آيتين منها وكيفية الإستدلال بهما وما ورد من المناقشات وأمّا الآيات الأخرى فإنّها تشترك معهما في كيفية الإستدلال والمناقشات فلم نتعرض لها طلباً للإختصار ولبيان ما هو الأهم، فيقع الكلام في ما يستدل به على البراءة الشريعة من خلال الأخبار والروايات وعمدة ما فيها (حديث الرفع) المعروف وأنّه يستدل به في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات، فلا باس من التفصيل وإطلاق عنان البحث فيه.

أمّا الحديث سنداً ومتناً فكما يلي:

عن شيخنا الصدوق+ في (الخصال) و(التوحيد) عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن أبي عبد الله× قال: قال رسول الله‘ رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما إضطّروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة([4]).

أمّا سند الحديث فصحيح معتبر لإشتهاره بين الأصحاب والأخذ به وإعتمادهم عليه في كثير من أبواب الفقه ممّا يغني عن التكلم في سفده، وأمّا وقوع احمد بن محمد بن يحيى العطار القمي في السند فإنّه لا يوجب وهنه كما هو ثابت في محلّه، فإنّه وثقة العلامة الحلّي كما ذكره المحقق المامقاني في (تنقيح المقال: 1: 96 السطر 1) وكذلك المحدث المجلسي بل حكى عنه إتفاق الأصحاب على تصحيح خبره، أضف إلى ذلك أنّ الصدوق بعد ذكر إسمه في الخصال قال (رضي الله عنه) وفي التوحيد قال (رحمه الله) وهما من أمارات التوثيق، كما أنّه من مشايخ الإجازة كما أنّ آية الله العظمى السيد البروجردي في (نهاية التقرير الجزء الثاني) جاء بكلام جيد في توثيق الرجل، فلا مناقشة في السند.

وأمّا المتن فما يخص المقام ما ورد في الحديث من قوله× (رفع .. ما لا يعلمون) فالمشكوك بعد الفحص عن حكمه لما لم يعلم فهو مرفوع في الجملة.

ثم تعرض الاعلام لفقه الحديث الشريف وبيان مفاده ودلاته ويستفاد منه في محاور:

المحور الأول: في عموم الحديث

فيا ترى هل الحديث الشريف يعّم الشبهات فيشمل الشبهات الحكمية والموضوعية أو يختص بأحدهما دون الآخر؟

ذهب الشيخ الأعظم إلى إختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية دون الحكميّة لورود الإشكال على تعميم الرفع وقيل بإختصاصهم بالشبعة الحكميّة دون الموضوعيّة.

بيان ذلك: أما إشكال إختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية فمنها: أنّ ظاهر الحديث هو الاخبار عن نفي الأمور المذكورة في الحديث بإعتبار الخارج، أي لم يقع في الخارج والحال مفاد الفقرات المحفوفة بفقرة (ما لا يعلمون) أمور تكوينية ثابتة ومتحققة في الخارج فكيف يصدق عليها النفي، بل يكون ظاهر الخبر كذباً، فلابّد حينئذٍ لصيانة الخبر من الكذب ومن اللغوية إن يقدّر تقديراً والمقدّر هو إمّا  المؤاخذة أي لا يؤاخذكم الله بما لا يعلم أو المرفوع جميع الآثار، أو أظهر الآثار بالنسبة إلى كل واحد من التسعة، والظاهر الأنسب هو تقدير المؤاخذة، ومن الواضح أنّ المؤاخذة بالنسيان لا يكون على الحكم من الوجوب والحرمة مثلاً، بل يكون على الموضوع أي على الواجب بتركه نسياناً أو على الحرام بفعله نسياناً، ثم لوحدة السياق بين الفقرات لازمه إختصاص (ما لا يعلمون) أيضاً بالشبهة الموضوعية، كما هو الشأن في قوله (ما إستكرهوا عليه) و(ما لا يطيقون) و(ما اضطرّوا إليه).

وبعبارة أخرى: لما كان استناد الرفع في الأمور المذكورة في الحديث يختص ويجري في الموضوعات والامور الخارجية بالخصوص دون الأحكام، فقدمه الأمر في (ما لا يعلمون) لوحدة السياق، فالرفع حينئذٍ يكون مختصاً بما إشتبه عنوانه أي من الشبهة الموضوعية، كالشرب الذي أشتبه أنه من شرب الخمر أو لشرب الخلّ، فيختص (ما لا يعلمون) بالشبهات الموضوعية دون الحكمية.

مقولة النائيني ومناقشتهم:

لقد أجاب المحقق النائيني+ عن الإشكال المذكور وأنّه لا نحتاج إلى التقدير حتى يقال بإختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية.

بيان ذلك:


 

مقولة النائيني ومناقشته:

يقع الكلام عطفاً على ما سبق

في حديث الرفع وأنّه مختص بالشبهات الموضوعية دون الحكمية لوحدة السياق ولكون بعض مفرداتها تختص بالشبهات الموضوعية لأنّ مفاد النفي في حديث الرفع عدم تحقق ذلك في الخارج والحال في بعض مفرداتها فتحقق الموضوع في الخارج تكويناً فيلزم الكذب حينئذٍ وللخلاص من ذلك يقال بإختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية، هذا ما ذهب إليه الشيخ الأعظم+ في فرائد أصوله، وقال لابّد من التقدير في مفردات الحديث بأنّ المرفوع المؤاخذة أو جميع الآثار أو اظهرها والأولى الاول.

وأجاب المحقق النائيني+ بعدم الحاجة إلى التقدير، إلّا أنّه إنما يقال به لو توقف تصحيح الكلام عليه، كما لو كان الكلام إخباراً عن أمر خارجي وكانا  الرفع رفعاً تكوينياً، فإنّه يقيد بتقدير المؤاخذة مثلاً حتى لا يلزم الكذب واللّغو.

ولكن لو كان المراد من الرفع هو الرفع التشريعي، فالكلام تصح من دون تقدير، فإنّ الرفع التشريعي كالنفي التشريعي ليس إخباراً عن أمر واقعي حتى يلزم الكذب لتحقق الموضوع في الخارج فكيف يقال برفعه؟ بل الرفع التشريعي إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع والنفي كقول النبي‘ (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) (الوسائل: 26: 14).

فما ورد في الأخبار ممّا يساق في هذا المساق مطلقاً سواء أكان بلفظ الرفع أو النفي أو الدفع إنّما هو في مقام تشريع الأحكام وإنشائها، لا في مقام الإخبار عن رفع المذكورات أو دفعها أو نفيها حتى يحتاج إلى التقدير([5]).

وبهذا أراد أن يرفع الإشكال بالفرق بين مقام الإنشاء ومقام الاخبار، فإنّه لو كان في مقام الأخبار لاحتاج إلى التقديري لتصحيح الكلام حتى لا تقع في الكذب، أمّا لو كان في مقام الإنشاء كما في حديث الرفع فلا حاجة إلى التقدير لأنّه من الرفع التشريعي وهو كالنفي التشريعي فليس من الإخبار عن الأمر الواقعي بل من الإنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع والنفي كما في حديث لا ضرر ولا ضرار.

وأجيب عنه: إنّ الكلام يكون من جهتين: فتارة يقع الكلام في أنّه على فرض الاخبار في حديث الرفع عن أمر خارج أو كان المراد من الرفع هو الرفع التكويني فهل نحتاج إلى التقدير كذلك أو يقال بالتفصيل، فإنّه على فرض نحتاج إليه وعلى فرض آخر لا نحتاج إليه بيان ذلك: أنّه لا فرق بين الإخبار والإنشاء في الإحتياج إلى التقدير وعدمه، فإنّه فقول في الإستعمال المجازي لم يكن التصرف بالألفاظ حتى نحتاج إلى تقدير، بل التصرف في المعاني، بمعنى أنّه إستعمل اللفظ فيما وضع له سواء في الحقيقة أو المجاز، إلّا أنه من البلاغة في المجاز أن يدّعي الحقيقة إدّعاءً، كما في قوله تعالى (وسئل القرية) فقيل الإستعمال مجازي ويقدّر مقدراً كالأهل، أي وأسئل أهل القرية، كما هو المشهور، ولكن عند المحققين من علماء البلاغة وأصحاب الذوق أنّه إستعمل السؤال عن القرية بين معناه الحقيقي إلّا أنّه على نحو الإدّعاء، بمعنى ان القضية بنحو من الوضوح حتى الجمادات كالقرية تحكي الحقيقة بإنا لسنا من السارقين، فإذا قدّر بشيء فإنّه لا يكون بمثابة لم يقدّر، فيكون المعنى من دون تقدير ان المطلب بنحو من الظهور بحيث يفهمه الجمادات فما بالك بالناس.

ومن هذا المنطلق البلاغي من إدعاء الحقيقة قول الفرزدق في مدح الإمام زين العابدين× مخاطباً هشام بأنّ÷ كيف لا تعرف هذا الإمام والحال (هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ـ والبيت يعرفه والحل والحرم، فإنّه حتى الجمادات تعرفه حقيقة.

كما في مقولة النسوة في يوسف الصديق (ما هذا بشراً إن هذا الأصلد كريم) (يوسف 30).

وهذا النحو من إدعاء الحقيقة في الإستعمال المجازي من البلاغة بمكان كما يشهد بذلك الوجدان وأهل الذوق والعرفان.

وفي المقام يصّح إدّعاء انه الآثار المترتبة على مفردات الحدي مرفوع، فيصح حينئذٍ في مقام عدم ترتب الأثر المتوقع ترتبة على شيء الإخبار بعدمه من دون حاجة إلى التقدير اللفظي، فتأمل، فإنّه لما لم يعلم في الشريعة يترتب الآثار المتوقعة فيما لم يعلم جاز في مقام الاخبار أن يخبر برفع ما لا يعلم بنحو الحقيقة الإدعائيّة.

ثم لو قيل على ما هو المشهور في الإستعمال المجازي وكون المراد من الرفع هو الرفع التشريعي، فإنّه مع ذلك لا يقتضي عدم الإحتياج غلى التقدير، بل عند ذلك أيضاً نحتاج إلى التقدير، فإنّه لا فرق بين الأخبار عن أمر تكويني متحقق الموضوع في الخارج إلى تقدير لتصحيح الكلام وخروجه عن الكذب وبين إنشاء رفع تشريعي، فإنّه من الغلط حينئذٍ مع تحققه أن يقال بالمجاز لولا التقدير لإخراج الكلام وصيانته حينئذٍ عن الكذب أو اللغوية، فنحتاج إلى التقدير مطلقاً في حالتا الاخبار والإنشاء للخروج عن الكذب تارة وعن اللغو أخرى.

فالأخبار  والإنشاء على فرض التقدير وعدمه بمنزلة واحدة، فإمّا في كلاهما نحتاج إلى تقدير أو في كلاهما لا نحتاج، فجعل الفرق بينهما كما فعل المحقق+ من لا وجه له فتأمل.

 


 

عطفاً على ما سبق :

في تتمة مناقشة المحقق النائيني+ الذي أراد حلّ الإشكال في إختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية كان المراد من الرفع هو الرفع التشريعي وأنّه في مقام الإنشاء فلا يحتاج إلى تقدير وقد مرّ نقاشه في الجملة، إلّا أنّه بقي الحديث معه انه لو كان المراد من الرفع هو الرفع التشريعي وأنّه في مقام الإنشاء، فيا ترى هل هو إنشاء من النبي‘ أو إخبار منه بإنشاء الله سبحانه، وهذا السؤال يطرح في مطلق الحمل الخبرية التي ورد في الكتاب والسنة، فقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ هل إخبار أو إنشاء؟

فنقول: أما في حديث الرفع فإنّه ما كان مروياً عن النبي‘ وقد إختلف الأعلام في ولايته التشريعيّة والظاهر أنّ÷ لم يكن شرعاً في نوع الأحكام إنّما جاز عليه التشريع في كيفيّتها كما ورد في الروايات في عدد ركعات الصلاة فإنّها كانت ثنائية بل ركعة واحدة، فأضاف عليها النبي‘ (الوسائل: 4: 45 كتاب الصلاة أبواب إعداد الفرائض الباب 13) ومن ثمّ يقال انها فرض النبي‘ ولكن في الخبر قرينة على كون ما فيه إنّما هو من اخبار النبي وليس من إنشاءه، فإنّه إستدل على بعض ما ورد في الخبر بما في كتاب الله سبحانه كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286).

وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل: 106).

فيستفاد من ذلك: أن رفع الخطأ أو النسيان أو ما إستكرهوا عليه إنّما هو بتشريعة في كتابه سبحانه وتعالى لا ممّا فرضه النبي‘ ثم ثم مقتضى وحدة السياق أن يكون الأمر كذلك في قوله‘ ما لا يعلمون، فيكون قوله ‘ إخبار عمّا فرضه الله تعالى وليس من إنشاءه ثم لا يلزم في اخباراته‘ أن يكون متعلق الخبر والمخبر عنه موجوداً في القرآن الكريم، بل لابّد أن يكون مما أوحى إليه أعم من أن يكون في القرآن فلفظه ومعناه من الله أو في غيره، كما في الحديث القدسي فمعناه من الله واللفظ من النبي‘.

وربّما يقال بوجوده في القرآن أيضاً تمسكاً بقوله تعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام: 59) إلّا أنه لا يعرف القرآن إلّا من خوطب به محمد وآل محمد^ بإذن من الله سبحانه.

فظهر أنّه وإن كان للنبي حق الولاية التشريعية في بعض الموارد فمن حقه إنشاء الحكم التشريعي إلّا أنّه في حديث الرفع قرائن يستفاد منها أنّ النبي كان بصدد الاخبار وبيان ما أفتاه الله تعالى من مجعولية هذه الأمور التسعة فليس في مقام الإنشاء ولا الاخبار عن إنشاءه، فما ذكره المحقق من أنّه من الرفع التشريعي ومن الإنشاء ممّا لا وجه له.

هذا بالنسبة إلى حديث الرفع وأمّا الجملة الخبرية الاخرى المستعملة في مقام الإنشاء في القرآن والسّنة، فإنّها وإن كانت مستعملة في الإنشاء إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ معنى الخبرية قد إنسلخ منها، بل هي على ما هي عليه من الأخبار وإن كان الداعي من ورائها هو إنشاء البعث والزجر، إلّا أنّ مجرد الداعي لا يقلب الخبرية إلى انشائية محضة، حتى يكون الإستعمال مجازياً وإستعمال اللفظ في غير ما وضع له، بل إستعملت الخبرية مقيتة فيما وضع له وهو الاخبار إلّا أنّه بمناسبة بعض الخصوصيات والقرائن يستفاد منها الإنشاء ونظير ذلك الجمل الإنشائية كالبعث والزجر فيما تستعمل في مقام بيان جزئية المأمور به أو شرطيته أو مانعيته، فهذا لا يعني إنّها تنسلخ عن الإنشائية مطلقاً ويعتبر للجزئية محضاً، بل تبقى الإنشائية إلّا أنّه بخصوصية الجزئية أو الشرطية أو المانعية بمناسبة القرنية كمناسبة الحكم والموضوع وكيفية الإستعمال.

وحينئذٍ لو سلّمنا أنّ قوله ‘ في حديث الرفع (رفع ما لا يعلمون) وغيرها من الجمل الخبرية لم تكن اخبارات عن أمور تكوينية ودافعية للزومه الكذب بل إستعملت في الإنشاء والبعث من دون التقدير، إلّا أنّ ذلك لا لوجب إنسلاخ الجمل الخبرية عمّا هي عليه من الوضع الأولي وإستعمالها في الإنشاء، وربّما تكون مستعملة فيالأخبار حقيقة إلّا أنّه بداعي الإنشاء، ومجرد هذا لا تكون الجملة الخبرية إنشائية، فما قاله المحقق من أنها من قبيل إستعمال الإخبار في الإنشاء ممّا لا وجه له أيضاً.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ قال الرفع التشريعي إنّما هو بإعتبار الأحكام والآثار الشرعية وهذا هو عين التقدير الذي قال به الشيخ الأنصاري+، فلازم المحقق النائيني أن يفكر التقدير صورة ويعترف به لبّاً.

ولكن إذا كان الرفع رفعاً أوّ عائباً كما في الحقيقة الأدعائيّة بلحاظ عدم ترتب الآثار الشرعية بنحو الحقيقة الإدعائية فلا حاجة إلى التقدير حينئذٍ، وهذا ما ذكرنا سابقاً أنّه في صورة الأدعاء لا فرق بين الإخبار والإنشاء، فتدبر.


 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق :

في سعة دلالة حديث الرفع وفي خصوص الفقرة (ما لا يعلمون) فهل يعّم الشبهات الحكمية كما يجري في الشبهات الموضوعية؟ ذهب الشيخ إلى إختصاص الحديث بالشبهات الموضوعية دون الحكمية وتمسك بوجهين قد مرّ الوجه الأول وما أورد عليه ومناقشته وأمّا الوجه الثاني فهو قريب من الأول وبيانه إجمالاً: أنّ المراد من الموصول في قوله‘: (ما استكرهوا عليه) و(ما اضطّروا إليه)، وكذا سائر الفقرات هو الموضوعات الخارجيّة، وإنطلاقاً من وحدة السياق في الكلام الواحد فإنّ لازمها أن يكون الموصول في (ما لا يعلمون) هو الموضوعات الخارجية كذلك، فيختص الحديث حينئذٍ بالشبهات الموضوعية فيكون المراد هو خصوص الفعل الخارجي الذي إشتبه عنوانه، كمن شرب مايعاً ولم يُعلم كونه خمراً أو خلّاً، فرفع عن أُمّتي ما لا يعلمون.

فلا يعّم الحديث الشبهات الحكميّة.

وقد أجاب عن الإشكال المحقق الحائري المؤسس+، بأنّه وإن كان الموصول في ما إضطروا إليه وما إستكرهوا يختص  بالموضوعات الخارجيّة لعدم تحقق الإضطرار والإكراه في الأحكام، إلّا أنّ هذا لا يوجب أن تجتمعن الوصول في (ما لا يعلمون) بالموضوعات كذلك كما لا يقتضي السياق ذلك، فإنّ عموم الموصول إنّما يكون بلحاظ سعة متعلّقة وضيقة، فإنّه (فيما إضطروا إليه) أريد منه كل ما إضطر غليه المكلف في الخارج فهذا يختص بالموضوعات الخارجية، وأنّه لا يتصوّر الإضطرار ولا يتحقق بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة، وحينئذٍ مقتضى السياق ووحدته يتقضي أن يكون المراد (فيما لا يعلمون) أيضاً كذلك بأنّ المراد كل فرد من أفراد هذا العنوان، وهذا يعّم الموضوعات والأحكام، إلا ترى أنّه إذا قيل: (ما يؤكل وما يرى) في قضية واحدة، فإنّه إذا إنحصر ما يؤكل ببعض الأفراد في الخارج لا يعني أنّه كذلك يوجب تخصيص الثاني وهو (ما يرى) بذلك البعض الخارجي بل يعمه وغيره كما هو واضح جدّاً ([6]).

وقيل: في الإشكال والجواب أنهما مبنيان على كون المطلق في حكم العام.

بيان ذلك: أنّ العموم من العام إنّما يستفاد من صقع اللفظ ومن الدلالة اللفظية، ولكن عموم الإطلاق إنّما يستفاد من مقدمات الحكمة فيكون من الدليل اللّبي حينئذٍ، فقيل بعدم الفرق بين عمومية الأفراد أن يكون من جهة اللفظ والعام أو من جهة مقدمات الحكمة إلّا أنّ دلالة أحدهما بالوضع والآخر بالمقدمات، وبهذا الإعتبار قسّم المحقق النائيني+ المطلق أيضاً كالعام إلى المطلق الشمولي والمطلق البدلي، ولكن ذهب بعض الأعلام المعاصرين إلى خلاف ذلك وأن المستفاد من العموم غير المستفاد من الإطلاق ثم في المقام لم يرد من لفظة (ما) الموصولة في مقام الإطلاق إلّا معنىً مبهماً وليس كل الأفراد بخلاف العموم فإنّه في مقام الإرادة الإستعمالية وبحسب الوضع اللغوي يراد منه عموم الأفراد، ونظير المعنى المبهم في الموصول ما جاء في قوله تعالى (أحل الله البيع)، فإنّه لم يقصد منه جميع أفراد البيع بل الحلال هو طبيعة البيع بما هي طبيعة إلّا أنّها تنطبق على المصاديق، وهذا المعنى يقال كذلك في تعريف الماهيات الكلّية، بأنّ الحدود أي التعاريف والحد التام أو الناقص للكليات إنّما هو بالكليات كذلك، ومرادهم من الكليات الثانية ليس الأفراد بل المراد نفس الطبايع، فإذا قيل في تعريف الإنسان الكلي بأنّه حيوان ناطق، فإنّ هذا التعريف لم يكن لمصاديق الإنسان بل لمفهوم وطبيعة الإنسان نفسه وإن كان هذا المفهوم والطبيعة ينطبق على الأفراد والمصاديق.

فكما في قوله تعالى (أحَل الله البيع) لا يكون أفراد البيوعات موضوعاً للحكم وهو حلية البيع بل الموضوع هو نفس طبيعة البيع وإنّما ينطبق هذا الموضوع على أفراد البيع، فكذلك لم يقصد من لفظة (ما) الموصولة في قوله (ما لا يعلمون) إلّا معناه المبهم الموضوع له لغة وهو بمعنى الشيء، ثم ينطبق هذا المعنى المبهم على الأفراد، فلم يستعمل لفظة (ما) في الأفراد في شيء من الموصولات، حتى يقال إستعمل وأريد به أنّه إستعمل في خصوص الموضوعات في (ما لا يطيقون) وباقي الفقرات حتى يقال بوحدة السياق وجريان الحكم ذلك في (ما لا يعلمون) كذلك أو أنّه يجاب سعة الموصول وضيقه بإعتبار سعة متعلقة وضيقة، بل إستعملت نقطة (ما) الموصولة في معناها المبهم وهو الشيء لغة، وكذا صلتها، فالأفراد خارجة عن نطاق دائرة الموضوع له، فلا تقتضي وحدة السياق حينئذٍ شيئاً منها.

وخلاصة الكلام: إنّ إستفادة الموضوعية في ما الموصولة أو العمومية فتتمثل الحكمية والشبهات الحكمية إنّما يتبين على إستفادة العموم من الإطلاق وأنّه لا فرق بين العموم والإطلاق من هذه الجهة أنّ فرقهما من جهة الوضع ومقدمات الحكمة، فمن قال بهذا المسلك فإنّه يتم عليه ما قاله المحقق الحائري في جواب الإشكال، وإلّا فلا كما عند بعض الاعلام كما هو المختار.


 

مقولة المحقق العراقي ومناقشته:

ثم المحقق العراقي أجاب عن الإشكال أيضاً كجواب آخر:

وبيانه إجمالاً: أولاً: إنكاره لوحدة السياق، فإنّه كيف يقال بذلك مع وجود (الطيرة) والحسد، و(الوسوسة العقائدية) في الحديث ولا يكون المراد منها الفعل، ومع هذا الإختلاف كيف يقال بظهور وحدة السياق وإرادته الموضوعات المشتبه دون الشبهات الحكميّة؟

وثانياً: إنّ رعاية وحدة السياق يستلزمه ارتكاب خلاف ظاهر السياق من ناحية أخرى.

بيان ذلك: إنّ الظاهر من الموصول في (ما لا يعلمون) هو ما كان بنفسه معروض الوصف وهو عدم العلم، كما في غيره من العناوين الأُخر كالإضطرار والإكراه ونحوهما، حيث كان الموصول فيها معروضاً للأوصاف المزبورة، فتخصيص الموصول بالشبهات الحكمية ينافي هذا الظهور العام، لأنّه في الشبهة الموضوعية لا يكون الفعل فيها بنفسه معروضاً لعدم العلم للجهل بل المعروض له هو عنوانه، فيدور الأمر بين حفظ السياق من هذه الجهة بحمل الموصول فيما لا يعلم على الحكم المشتبه الذي يكون بنفسه، وبين حفظه من حبة أخرى بحمله على إرادة الفعل الذي لا يكون بنفسه وأنما يكون بعنوانه ولا ريب في أنّ العرف يرجّح الأول على الثاني، فيتعَين الحمل في (ما لا يعلمون) حيئنذٍ على إرادة الحكم فيعّم الشبهات الحكمية أيضاً([7]).

وأورد عليه: أولاً: ظاهر من قال بوحدة السياق في الحديث إنّما هو ناظر إلى الجمل التي صدرت بما الموصولة لا مطلق الجمل وفيها الطيرة والحسد حتى يقال بالنقضن فما قاله في غير محلّه.

وثانياً: كما مرّ أنّ المستعمل في (ما) الموصولة ليس الموضوعات أو الأعم منها بين الأحكام حتى يقال بوحدة السياق في الموارد الأخرى في (ماستكرهوا عليه) وغيره، فعليه يكون الموصول كذلك في (ما لا يعلمون) بل الموضوع له لغةً في الموصول (ما)


 

مقولة المحقق العراقي ومناقشته:

يقع الكلام عطفاً على ما سبق

في الإشكال الثاني الذي أورده الشيخ الأعظم على أنّ (ما لا يعلمون) لا يعمّ الشبهات الحكمية بل هي مختصة بالشبهات الموضوعية، إذ أنّها في (ما إستكرهوا) عليه وغيره أما يختص بالشبهة الموضوعية، فإنّه لا معنى للإكراه على الحكم، ثم من باب وحدة السياق يقال كذلك في (ما لا يعلمون) كما مرّ تفصيل ذلك.

وأجاب المحقق العراقي عن هذا الإشكال أيضاً، أولاً: بإنكاره وحدة السياق وذلك بالنقض، فإنّه كيف يقال بوحدة السياق مع أنّ من الفقرات في حديث الرفع (الطيرة) و(الحسد) (والوسوسة في الخلق) ولم يقصد منها الفعل، فحينئذٍ كيف يقال بوحدة السياق مع هذا الإختلاف ثم دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوعات المشتبهة وأنّه تختص بالشبهة الموضوعية؟

وثانياً: بجواب نقض آخر، بأنّه لو قيل بوحدة السياق من جهةٍ كما مرّ، فإنّه يلزمه خلاف ظاهر السياق من جهة أُخرى بيان ذلك: أنّ الظاهر من الموصول في (ما لا يعلمون) هو ما كان بنفسه معروض الوصف وهو عدم العلم أي الموصول (ما) بنفسه هو الذي يتّصف بعدم العلم كما هذا المعنى جار في غيره من الإضطرار والإكراه، فإنّ الموصول بنفسه يكون معروضاً لوصف الإضطرار أو الإكراه، وهذا أعم من الشبهات الحكمية أو الموضوعية، فتخصيصها بالموضوعية ينافي هذا الظهور السياقي، لأنّ الفعل في الشبهة الموضوعية لا يكون بنفسه معروضاً لعدم العلم وللجهل بل المعروض له هو عنوانه، فحينئذٍ يدور الأمر بين ظهورين في وحدة السّياق، أما بحمل الموصول فيما لا يعلم على الحكم المشتبه فيكون في الشبهة الحكميّة، وحفظ الظهور من جهة حمل الموصول على إرادة الفعل فيكون في الشبهة الموضوعية، ولا ريب أنّه عند العرف يرّجح الأول على الثاني، فيتعيّن الحمل في (ما لا يعلمون) على إرادة الحكم وليس الموضوع([8]).

وأورد عليه:

أوّلاً: إنّ الظاهر لمن قال بوحدة  السياق إنّما هو بإعتبار الجمل التي تكون على سياق (ما لا يعلمون) والمصدرية بها الموصولة وليس مطلق الجمل، فقياسها مع جمل (ما إستكرهوا عليه) و(ما إضطروا إليه) فلا ينقض ذلك بمثل جمل الطيرة والحسد والوسوسة، فإنّه في غير محله.

وثانياً: كما مرّ أنّ القول بوحدة السياق بين الجمل إنّما هو بالنسبة إلى الدلالة اللّفظية والدلالة الإستعمالية وحينئذٍ لم يستعمل الموصول في الجمل المذكورة في الموضوعات أو الأعم منها ومن الأحكام حتى يقال بوحدة السياق وإختصاص الموصول بالشبهات الموضوعية، وإلّا إذا كان المقصود فيما لا يعلمون الأعم فإنّه يتنافى مع وحدة السياق، بل إستعمل الموصول في جميع الفقرات في المعنى المبهم ـ كما مرّ تفصيل ذلك ـ والذي كان بمعنى الشيء والذي يتعيّن من خلال الصلات ومن باب تعدّد الدّال والمدلول، فإنّه بذلك يوسّع أو يضيق نطاق ما ينطبق عليه، فالقول بوحدة السياق أجنبي عن المقام أيضاً.

وثالثاً: إنّ الحسد والطيرة والوسوسة من الموضوعات الخارجية، فإنّها من أفعال القلب، فإنّ الحسد عبارة عن تمنّي زوال النعمة عن المحسود، والطيرة عبارة عن التشاؤم، والوسوسة عبارة عن حديث النفس، فلا تقع مورداً للتكليف، نعم الخطأ والنسيان لم يكونا من أفعال النفس.

ورابعاً: لو كان الرفع من باب الحقيقة الإدعائيّة كما مرّ، فإنّه يصح تعلّقه بنفس الموضوع كما تصح تعلقه بنفس الحكم، فالرفع الإحصائي بلحاظ ترتب الآثار أو خصوص المؤاخذة أو أظهر الأوصاف.

وخامساً: لو أراد بعدم تعلّق الجهل بالفعل تنفساً بالفعل تتماً ما يكون مثل حركة جالس السفينة، حيث لا تكون الحركة حقيقة إلا للسفينة ولكن تنسب للجالس فيها مجازاً وبالعرض، فمعلوم أنّ ما نحن فيه ليس كذلك، لأنّ الجهل بالعنوان يكون واسطة لثبوت الجهل بالفعل نفسه، فيكون الفعل نفسه حينئذٍ متعلقاً للجهل إلّا أنّه يتوسط الغير لا بنفسه 

قيل في مقام الإشكال بأنّ حديث الرفع يختص بالشبهات الموضوعية دون الحكميّة، وذلك لإختلاف اسناد الرفع في كل من الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية.

بيان ذلك: أنّ الإسناد في الشبهة الموضوعية من قبيل الإسناد إلى غير ما هو له فيكون مجازاً ولكن إسناد الرفع إلى القبلة الحكمية، أي الحكم المجهول من قبيل الاسناد إلى ما هو له أي إلى ما وضع له فيكون من الحقيقة، لأنّ الجهل في الشبهة الموضوعية يتعلق أولاً وبالذات بالموضوع وثانياً وبالعرض بالحكم، ومن الواضح أنّ الموضوع بما هو موضوع غير قابل للوضع والرفع إلّا من جهة حكمه، فإسناد الرفع غلى الموضوع حينئذٍ إسناد إلى غير ما هو له، بخلاف الشبهة الحكمية، فإن متعلّق الجهل وهو الحكم الشرعي قابل للوضع والرفع، فإسناد الرفع إليه إسناد إلى ما هو له لعدم الواسطة فلا يكون من الإستعمال المجازي.

ولا يقال بتصوير قدر جامع بين الموضوع والحكم حتى يمكن إرادة ما يعمهّما من (ما) الموصول في الموضوع له، لإنّه من الواضح عدم إمكان ذلك لتباينهما في الماهيّة.

ولمّا كان ظهور الإسناد في الإسناد إلى ما هو له في دوران الأمر بين الحقيقة والمجاز، فإنّه لو خلّى الموصول ونفسه فإنّه يحمل على الحكم على الشبهة الحكمية ولكن بإعتبار وحدة السياق والتي هي أقوى من الظهور المذكور يلزمها تخصيص الموصول بالشبهات الموضوعية.

وأجيب عنه: أنّه على القول في المجاز أنّه يمكن أن يكون بين الحقيقة الإدعائيّة، فلازمه أن يقال برفع الموضوع حقيقة بنحو الإداء فيكون اسناد الرفع إليه من الإسناد إلى ما وضع له من دون واسطة، وإن كان بنحو الحقيقة لا يمكن رفع ما هو ثابت تكويناً فيكون بهذا الإعتبار رفعه مجازاً، إلّا أنّه كما قيل من باب الحقيقة الإدّعاية لا مانع من ذلك فيكون الموضوع قابلاً للرفع كما كان الحكم قابلاً له فيكون الموضوع والحكم من جهة الرفع بمنزلة واحدة، إلّا أنّه في الموضوع بنحو الحقيقة الإدعائية وفي الحكم بنحو الحقيقة الحقيقيّة، فيصح اسناد الرفع إليهما بنحو واحد.

قيل أنّ حديث الرفع يختص بالشبهات الحكمية دون الموضوعيّة، وذلك أولاً: بإعتبار أنّ المرفوع في جميع الموارد التسعة هو الحكم الشرعي، وإذا قيل في (ما لا يعلمون) أنّه يجري على الأفعال الخارجيّة والشبهات الموضوعية، فإنّه بإعتبار أن الإكراه والإضطرار ونحوهما إنّما تعرض على الأفعال وليس على الأحكام، ولولا وحدة السياق، فإنّ المرفوع في كل الموارد وفي ما لا يعلمون لو خليّت ونفسها هو الحكم الشرعي، فهو المراد من (ما) الموصول في وضعه.

وثانياً: إنّ الأحكام الشرعية متعلقة بالعناوين الكليّة، فهي التي تقبل الرفع دون الموضوعات، لأنّ المشكوك فيه في الشبهات الموضوعية ليس هو الحكم، لأنّ الحكم الكلي فيها قد تعلّق بالطبيعة الكلية وهو معلوم ، وليس بمجهول حتى يرتفع، والشبهة فيها إنّما هو من جهة إختلاط الأمور الخارجية والجزئيات، وليس للإفراد الخارجية بما هي أفراد خارجية حكم شرعي حتى يتعلق بها الرفع، فإنّ الصلاة مثلاً واجبة على الإنسان المكلف وليس على زيد وعمر ونعم الإنسان ينطبق على مصاديقه.

وأجيب عنه: إنّ الرفع كما يصّح إسناده إلى العنوان الكلّي، فإنّه كذلك يصح اسناده إلى الموضوع الخارجي الجزئي إلّا أنّه بلحاظ موضوعيته للحكم الكلي، فإذا شك في مائع مردد بين الخمر والخل فإنّه يشك في حكمه وبحديث الرفع يرفع حكمه ثم الإكراه والإضطرار وإن كانا يعرضان للأفعال، إلّا أنّه بلحاظ معرضيتها للحكم الشرعي يصح تعلق الرفع بهما أيضاً، فالمراد بـ (ما) الموصول هو الحكم الشرعي مطلقاً سواء أكان متعلقاً بالعنوان الكلّي أو الموضوع الجزئي المشبته بلحاظ معرضيته للحكم الشرعي.

وبما ذكر يظهر الوجه الثاني أيضاً، فإنّ المشكوك في الشبهة الموضوعيّة إنّما هو معرضيتها للحكم الشرعي فيصح رفعه حينئذٍ.

فتبين من جميع ما ذكر أن الرفع لا يختص بالشبهات الموضوعية ولا الشبهات الحكميّة، بل نقول بأنّ الموضوع له في الموصول هو الأعم منهما، وإن نقطة (ما)تدل على معنى مبهم كالشيء في جميع الفقرات التي ورد فيها كلمة (ما) الموصول، نعم بتعدد الدال والمدلول وبالقرائن الخارجية يستفاد عن بعض الفقرات إختصاصها بالشبهات الموضوعية كما في الإكراه والإضطرار، وأمّا في فقرة (ما لا يعلمون) فإنّه من الشبهات الحكمية والموضوعية كما هو المختار.

 



([1]). الخصال: 417 والوسائل: 15: 369 باب 6 من أبواب جهاد النفس الحديث الأول.

([2]). فوائد الأصول: 3: 332 ـ 333.

([3]). نهاية الأفكار: 3: 203 ـ 304 والرواية في الوسائل: 27: 175 كتاب القضاء أبواب صفات القاضي الباب 12 الحديث: 68 عن الفقيه: 4: 52: 193.

([4]). الخصال 417: 9 والتوحيد: 353: 34 والوسائل: 15: 369 كتاب الجهاد الباب 56 من أبواب جهاد النفس الحديث الأول.

([5]).

([6]). درر الفوائد: 442 عنه جواهر الأصول: 5: 363.

([7]). نهاية الأفكار: 3: 216.

([8]). نهاية الأفكار: 3: 216.