ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١١/١٦ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)

الدليل الرابع: العقل

ممّا يستدل على البراءة العقل وتسمى بالبراءة العقلية وتبتني على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وقبح مؤاخذة العبد بلا حجة ولا برهان، فإنّه مع فرض أنّ العبد قد فحص عن الحكم الشرعي في موارد الظن يقدر وسعة وطاقته، ولم يظفر على شيء، وإن كان للمولى حكماً إلّا أنه لم يبلّغ بذلك ولم يصل إليه لبعض الحوادث كطول الزمن وإحراق الكتب وما شابه ذلك، فإن العقل السليم يحكم بقبح العقاب على المخالفة عند ذلك.

فلا ريب أنّ العقل يحكم بقبح العقاب عند عدم البيان وإنّ المراد من البيان هو الحجة ووصول الحكم إليه لا البيان الواقعي، وإنّما يرتفع قبح العقاب بوصول البيان إلى العبد، فموضوع قبح العقاب هو عدم وصول البيان ويرتفع الموضوع أي وصول البيان إمّا بالعنوان الأوّلي، أو بوجوب الإحتياط في المقام، أو بالتوقف في الشبهة.

وحينئذٍ إذا وصل البيان لو خالف العبد وصادف مخالفته للواقع فالعقاب عليه لا يكون من دون بيان.

فلا إشكال ولا خلاف أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان أي بلا حجة واصلة إلى المكلف، فمن إحتمل وجود حكم إلّا أنّه تفحص عن ذلك ولم يجد فإنّه لا يعاقب على ما إرتكبه لو كان مخالفاً للمواقع، ولا فرق في ذلك بين أنّ لم يصدر من المولى حكماً أو صدر إلّا أنه لظروف خاصة لم يصل إلى العبد، فالمناط في عدم البيان واحد فهو أعم من أنّه لم يكن بيان أصلاً  أو كان ولم يصل.

وقيل: توهماً أنّ مناط حكم الحقل في قبح العقاب بلا بيان إنما يقصد منه البيان الواقعي للفرق بين عدم البيان أصلاً أو عدم البيان وصولاً، فإنّه في الأول لم يحصل تفويت مصلحة لمراد المولى فلا مقتضى لإستحقاق العقاب بخلاف الثاني، فإنّ الملاك فيه عدم إستناد فوت المطلوب إلى العبد.

ويدفعه أن ما ذكر إنما هو في بيان خصوصية الموردين، من دون أن يستفاد إختلافهما في المناط حتى يقال بالفرق بينهما.

فإنّ المناط فيهما واحد وهو قبح العقاب بلا حجة مطلقاً سواء لم يكن بيان أصلاً أو كان (لم يصل) فالعقاب في كليهما بلا حجة يكون من مصاديق الظلم والتعّدي.

وخلاصة القول: إنّ العقل يحكم من باب حسن العدل وقبح الظلم أنه يقبح العقاب بلا حجة ولا بيان، كما يحس العقاب مع قيام الحجة على الحكم الواقعي من العلم القطعي أو العلم العادي كالظن المعتبر أو من باب الإحتياط أو التوقف عند الشبهات.

وهذا الحكم العقل في إتفق عليه الجميع من حيث الكبروية فلا نزاع بين الأصولي والأخباري في هذه الكبرى (قبح العقاب بلا بيان) وإنّما النزاع في الصغرى حيث يدعى الأخباري وجود وبيان وهو الأدلة الدالة على وجوب الإحتياط في الشبهات التحريميّة فعلى تقدير ثبوت وجوب الإحتياط من جهة العلم الإجمالي أو الأخبار الدالة على ذلك فإنّه يرتفع موضوع قبح العقاب بلا بيان، فيكون إرتكاب المشتبه حينئذٍ قبيحاً ومخالفاً لأمر المولى ويستحق عليه العقاب.

مقولة المحقق الإصفهاني ومناقشته:

ذهب المحقق الإصفهاني+ وإلى أن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ليس من المستقلات العقلية أي حكماً عقلياً عملياً مستقلاً ومنفرداً عن سائر الأحكام العقلية العملية الأخرى، بل هو من أفراد ومصاديق حكم العقل بقبح الظلم عند العقلاء كما يحسن العدل، وإنمّا هو من مصاديق الظلم لأن مخالفة ما قامت عليه الحجة من قبل العبد إنّما هو خروج عن زي الرقبة ورسم العبودية وهو ظلم من العبد على مولاه فيستحق الذم عقلاً والعقاب شرعاً، كما أنّ مخالفة ما لم تقم عليه الحجة والبيان ليس من مصاديق الظلم، فإنّه ليس من زيّ الرقية أن لا تخالف العبد مولاه في الواقع (في نفس الأمر، فليس مخالفة ما لم تقم عليه الحجة والبيان خروجاً عن رسم العبودية وزيّ الرقبة حتى يكون ظلماً، بل العقوبة عليه يكون حينئذٍ من ظلم المولى على عبده... ثم قال: إنّ المهم هو دفع إستحقاق العقوبة على فعل يحتمل الحرمة، ما لم تقم عليه حجة منجزّه، ولما كان موضوع الإستحقاق هو الظلم على المولى، فمع عدم الظلم على المولى لا إستحقاق للعقوبة قطعاً، وضمّ قبح العقاب من المولى أجنبي عن المقدار المهم هنا، وإن كان صحيحاً في نفسه ([1]).

وأورد عليه:

أولاً: قوله إن العقوبة إنما هي لأجل ظلم العبد على مولاه، فهذا ما لا يعقل في الله سبحانه فكيف يكون الله مظلوماً فإنّ معنى الظلم التعدي على الغير من غير حق ولا يمكن تصوير هذا لمعنى في الله سبحانه، بل الملاك في العقوبة هو مخالفة المولى.

فالعقل يستقل بإستحقاق مخالفة المولى للعذاب وإن غفل عن الظلم ومصداقيته.

وثانياً: كون مطلق المخالفة للمولى يعّد ظلماً عليه ممّا لا وبه له، فإنّه محل بحث وإشكال.

وثالثاً: ما ذكره من كفاية إستحقاق العقوبة عند المخالفة لكونه من الظلم على المولى فلا حاجة لنا إلى قاعدة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مما لا وجه له، لعدم كفاية مجرّد عدم إستحقاق العقوبة عند عدم البيان والحجة ما لم ينضم إليه حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فإنّه مع عدم إعتبار حكمة العقل لا مؤمّن للعبد من العقوبة وإن لم يستحقّها، فلعل المولى يعاقبه ظلماً، فالمؤمن للعبد من العبوبة هو حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

فلا إشكال في الإحتياج إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

مقولة النائيني ومناقشاته:

ذهب المحقق النائيني+ في قاعدة قبح العقاب بلا بيان الدال على أصالة البراءة العقلية أن المناط في البيان ووصوله إلى العبد يختلف، فإنّ حكم العقل فيما لم يصدر من المولى بياناً أصلاً غير ما لو صدر ولكن لم يصل إليه فإنّ مناط كل واحد يختلف عن الآخر، فإنّ÷ وإن كان العقل يستقل بقبح العقاب مع عدم البيان الواقعي أصلاً أي لم يصدر من المولى بياناً مطلقاً، إلّا أنّ إستقلال العقل بقبح العقاب من جهة أنّ مبادئ الإرادة الآمرية بعد لم ينّم، فلا إرادة للمولى في الواقع، وإذا لم تكن الإرادة فلا مقتضى لإستحقاق العقاب، فإنّه لم يحصل تفويت مصلحة لمراد المولى واقعاً . وهذا بخلاف الثاني، فإنّ الإرادة الآمرية متحققة الوجود، فصد رفعه البيان إلّا أنّه لم يصل إلى العبد، فإنّه مع جريان البراءة وإن لم يحصل مراد المولى وفات مطلوبه واقعاً كالأول، إلّا أنّ فواته إما أن يكون من قبل المولى إذا لم يستوف مراده ببيان يمكن وصول العبد إليه عادة، وأمّا أن يكون من جهة بعض الأسباب التي توجب إختفاء مراد المولى عن المكلّف، وعلى أي تقدير كان فإنّه لا يستند فوات مراد المولى إلى العبد، فمن أجل ذلك يستقل العقل أيضاً بقبح مؤاخذة العبد ([2]).

وآجیب عنه: بعچم الفرق في أصل المناط في الموردين وإنّما الإختلاف من جهة خصوصية الموردين، فإنّ المناط والملاك فيهما واحد، وهو عدم البيان وعدم تماتمية الحجة وقيام الدليل مطلقاً سواء لم يكن بيان أصلاً أو كان ولم يصل إلى العبد لا عن تقصير منه، بل لأمر خارج عن إختياره، فتدبر.

وهم ودفع:

ربما يتوهم في المقام أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان يتعارض مع قاعدة عقليّة أخرى حيث يحكم العقل أيضاً مستقلاً بوجوب دفع الضرر المحتمل، ولا يخفى أنّ الشك في التكليف ولا سيما التحريمي منه يساوق ويلازم الشك في الضرّر، وعند المعارضة يقال بورود القاعدة الثانية على الأولى، لأنّ البيان في الأولى أعم من أن يكون نقلياً أو عقلياً فمع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل وهو من البيان العقلي ينتفي موضوع الحكم في القاعدة الأولى.

وأجاب المحقق العراقي بأنّ الأمر بالعكس فإنّ قاعدة قبح العقاب حاكم على قاعدة دفع الضرر المحتمل لو كان المقصود من الضرر هو محتمل العقوبة، فإنّه من الواضح بعد جريان القاعدة الأولى نقطع بعدم العقوبة والضرر في المشكوك والمشتبه به، فلا يحتمل الضرر حتى تجري القاعدة الثانية.

فلا مجال لورود القاعدة الثانية على الأولى بتوهم أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي حتى يقال لا موضوع حينئذ للقاعدة الأولى مع جريان القاعدة الثانية.

وإنّما لا مجال لذلك لأنّ حكم العقل بوجود دفع الضرر المحتمل إنّما هو فرع وجود موضوعه إذ لا حكم ولا محمول إلّا بالموضوع وهو في القاعدة الثانية إحتمال الضرر في المرتبة السابقة على الحكم أي لابّد من وجود موضوع ثم يترتب عليه الحكم والمحمول، ويستحيل أن يوجد الموضوع من جهة الحكم نفسه، وحينئذٍ تحقق إحتمال الضرر إنما يتفرع من إبطال قاعدة القبح في المرتبة السابقة عن الوجوب المذكور، فلا أريد حينئذٍ إبطال قاعدة قبح العقاب بمثل هذا البيان فإنه يلزمه الدور ([3])وتوقف الشيء على نفسه وهو باطل.

وأجاب السيد الإمام+: أنّ المراد بالضرر في القاعدة الثانية إما العقوبة الآخروية أو غيرها.

فإن كان الأول أي الضرر والعقوبة الآخروية فلا معنى للحكومة والورود في المقام، لأنّ كل واحد من القاعدتين كبرى كليّة، وإنما تنتج إذا إنضم إليهما صغراهما، ومع عدم إنضمام الصغرى للكبرى لا ينتجان، فأين الحكومة الورود حينئذٍ .

بيان ذلك: يقال في قاعدة دفع الضرر من جهة الصغرى والكبرى والنتيجة: إنّ العقاب في إرتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب محتمل، ويجب دفع الضرر المحتمل (للقاعدة) فينتج: وجوب الإتيان بمحتمل الوجوب والإحتراز عن محتمل الحرمة.

كما يقال في قاعدة قبح العقاب بلا بيان: إنّ العقاب في محتمل التكليف في محتمل التكليف بعد الفحص التّام وعدم العثور عليه عقاب بلا بيان، والعقاب بلا بيان قبيح يمتنع صدوره من المولى الحكيم العادل (للقاعدة) فينتج أنّ العقاب على محتمل التكليف ممتنع صدوره.

فلكل كبرى صغراها ونتيجتها من دون تقديم إحداهما على الأخرى حكومة وروداً، فهذا ممّا لا وجه له، لأنّ النزاع ليس بين القاعدتين الكبريتين، بل لاشك في صحتها كل في موردها، وصدقهما لا يتوقف على وجود مصداق لصغراهما، فإنّ العقاب بلا بيان قبيح مطلقاً سواء أكان البيان أو لم يكن، كما أنّ دفع الضرر المحتمل واجب مطلقاً سواء أكان محتمل الضّرر في الخارج أو لم يكن، فوجود وتحقق البيان في بعض الموضوعات أو تحقق ووجود الضرر في بعضها الآخر لا علاقة لهما بحكم الكبريين وموضوعهما، فلا معنى لحكومة أو ورود إحدهما على الآخر.

ولكن يبقى الفرق بين القاعدتين:

إنّ القاعدة الأولى (قبح العقاب بلا بيان) مركبة من صغرى وجدانية وكبرى برهانية، فالنتيجة تابع لأحسن المقدمات فلما كانت وجدانية برهانية كانت المتحصلة منهما قطعية بتيّة.

ولكن القاعدة الثانية (رفع الضرر المحتمل) فإنّ صغرى ليست وجدانية فعليّة، بل صحتها تتوقف على أحد هذه الأمور: إمّا تقصير العبد في الفحص عن تكاليفه، أو كون المولى غير حكيم أو غير عادل، أو كون العقاب بلا بيان، ولأجل واحد من هذه الأمور يصير العقاب  محتملاً.

والمفروض عدم تحقق واحد من هذه الأمور فالنتيجة لا تكون قطيعة حينئذٍ، فأحد القياسين تام فعلى غير معلق على شيء وهو القياس الأول في القاعدة الأولى، والقياس الآخر مطلق على بطلان القواعد المسلمة.

ولاشك من تقديم القياس المتشكل من المقدمات الفعلية على القياس المتوقف على أمور لم يحصل واحد منها، وربما مراد من يقدم القاعدة الأولى على الثانية هذا المعنى، لا بمعنى الحكومة والورود كما هو ظاهر كلماتهم فتدبّر، هذا كلّه على تقدير أن يكون المراد من الضرر هو العقوبة الآخروية جزاءً على الأعمال الطالحة وأمّا على تقدير كون المراد بالضرر غير العذاب الآخروي فهذا ما يأتينا بيانه إن شاء الله تعالى.

أما إذا كان المراد من الضرر غير العذاب الآخروي فتارة يراد منه تجسم الأعمال في الآخرة وأخرى يراد منه الضرر الدنيوي المترتب على إرتكاب المشتبه، أما الأول: فإنّه يراد من الضرر اللوازم القهرية المترتبة على الأعماتل وهي الصور الملازمة للإنسان في النشأة الأخرى والتي يعبّر عنها بتجسّم الأعمال وتجسّد الملكات والصفات، حتى قيل أنه لا عقوبة في الآخرة إلّا هذه الصور الملازمة للإنسان المتولّدة من الأعمال والأقوال وأنّها لا تنفك عنها كالأمور الوضعية كالسّكر في الخمر، فالأعمال القبيحة تستلزمها صوراً قبيحة ملازمة للإنسا بعد إرتحاله من هذه النشأة الدنيوية فتؤذيه، كما أنّ الأعمال الحسنة تستلزمها صوراً بهيّة وجميلة نورانية فتؤنسه كما ورد وهذا المعنى في ظاهر الآيات وفي كثير من الروايات.

كقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه ﴾ (الزلزلة: 7 ـ 8 )، فإنّه علّق الرؤية على نفس العمل وأنّه يراه وهو غير قابل للرؤية إلّا بتجسّمه، قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ﴾(آل عمران: 30) إلى غير ذلك من الآيات والأخبار في هذا الباب.

وأورد عليه: أولاً: أنّ هذا المبنى والقول إنّما هو إفراط في تجسّم الأعمال والأقوال، فإنّ ظاهر الكتاب والسنّة على خلاف ذلك، فإنّ الثواب والعقاب الآخروي ثابت كما هو ثابت في محلّه.

وثانياً: على فرض أنّ يكون المراد من الضرر المحتمل تجسم الأعمال إلّا أنّه يرد عليه النقض بالشبهة الوجوبية مطلقاً سواء أكانت حكميّة أو موضوعية، وكذلك التحريمية الموضوعيّة، فإنّ الأخباري لا يقول بوجوب الإحتياط فيها، مع أنّ مقتضى ما ذكره من تجسّم الأعمال عدم الفرق بين الشبهات.

وثالثاً: كلّما قيل من تجسم الأعمال القبيحة بإعتبار إرتكاب المحرمات وترك الواجبات يوجب النقض في النّفس والذنب نقطة سوداء تكبر بتكرر الذنب حتى يسود القلب كله فينتكس ويصل إلى مرحلة تكذيب الآيات ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (الروم: 10) هذا كلّه في التكاليف المعلومة ولا تعّم المشكوكة التي هي محل البحث لعدم تحقق المخالفة فيها بل ورد أنّ الله سبحانه يحبّ أن يؤخذ رخصة كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه) (الوسائل: 1: 107 أبواب مقدمة العبادات الباب 25 الحديث: 1).

وإن أريد من الضرر الضرر الدنيوي المترتب على إرتكاب المشتبه، فجوابه أنّ إحتمال مطلق الضرر ولو كان دنيوياً غير واجب الدفع ما لم يوجب إحتمال العقاب الآخروي.

فإذا قيل: مع إحتمال الضرر يحكم العقل بقبح الإرتكاب حينئذٍ، وبقاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع (كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع) يثبت حرمة إرتكابه شرعاً أيضاً.

قيل في جوابه: أولاً: ليس إرتكاب الضرر مطلقاً قبيحاً، بل إذا لم يكن بداع عقلائي فهو من السّفاهة، وإذا كان مع الداعي العقلائي فلا سفاهة في ذلك.

وثانياً: لازم ذلك البيان إنقلاب الشك في الحكم إلى القطع به حينئذٍ في صورة إحتمال الضرر، ولا يظن أنّ الخصم يلتزم بذلك.

وإن أريد بالضرر ما يترتب عليه من المصالح والمفاسد التي هي ملاكات الأحكام على مذهبا العدلية من المعتزلة والإمامية، فإنهم يرون أنّ الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية، فيحكم العقل بوجوب دفع إحتمال الضرر حتى لا يلزم تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة في موارد الشبهة الحكمية.

فإن أريد منه أنّ إرتكابه قبيح عقلاً لتفويت المصلحة فيحرم شرعاً، فالظاهر أنّه لا دلل لنا على ذلك، فإنّ مجرد إحتمال تفويت المصلحة والوقوع في المفسدة في إرتكاب الشمتبه لا يوجب تحقق العقاب حتى يكون وارداً على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.

وفي نهاية المكان من حيث المجموع تمت الأدلة على إثبات أصالة البراءة الشرعية والعقليّة مطلقاً في الشبهات التحريمية والوجوبية وسواء أكانت حكميّة أو موضوعية، والحمد لله رب العالمين.


 

مقولة السيد الخوئي+ في قاعدة قبح العقاب بلا بيان:

لقد تعّرض سيدنا الخوئي+ إلى الدليل الرابع الدال على أصالة البراءة وهو الدليل العقلي الذي يبتني على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وقال: تحقيق الحال في هذا الإستدلال يقتضي التكلم في جهات ثلاث: الأولى: في تمامية القاعدة وعدمها في نفسها، الثانية:  في ملاحظتها مع القاعدة الثانية العقلية (وجوب دفع الضرر المحتمل) عقلاً والثالثة: في لحاظها مع أدلة وجوب الإحتياط على تقدير في ميتها.

أما الجهة الأولى: فلا ينبنى الشك في تمامية قبح العقاب بلا بيان على القول بالتحسين والتنقيح العقليين كما عليه العدلية والمعتزلة.

ـ والظاهر كما عليه العدلية من المعتزلة والإمامية ـ ثم يذكر وجه ذلك.

وأمّا الجهة الثانية: فالمشهور بينهم كما ذكره صاحب الكفاية + إنّ القاعدة الأولى واردة على اثانية فترفع موضوع حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فإنه مع عدم وصول التكليف إلى العبد لا يبقى إحتمال الضرر حتى يجب دفعه بحكم العقل.

ولكن أشكل عليه بإمكان العكس فإنّ الثانية واردة على الأولى برفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بأن الثانية بيان عقلي فتسقط القاعدة الأولى عن الإحتجاج بها بإرتفاع موضوعها وهو عدم البيان، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر بإعتبار أنفسهما، وإنّما يكون ذلك من الخارج، إلّا أنّه يقول السيد+: والتحقيق في الجواب عن الإشكال يقتضي تقديم مقدمة: وهي أنّ التعارض والتنافي لا يتصور إلا بين دليلين ظنين أما من جهة السند أو من جهة الدلالة أما لو كان الدليلان قطعيين سنداً ودلالة وجهةً فإنّه يستحيل وقوع المعارضة بينهما لإستلزامه التناقض المستحيل تحققّه فلا مجالة يكون أحد الدليلين حاكماً أو وارداً على الآخر فيستحيل وقوع المعارضة بين حكمين عقليين لإستلزامه حكم العقل بثبوت وإجتماع المتناقضين ففي المقام لا يعقل المعارضة بين القاعدتين.

فإذا عرفت هذا فنقول: إنّ الضرر المحتمل الذي يجب رفعه بحكم العقل أمّا أنّ يراد به الضرر الأخروي أي العقاب أو الضرر الدنيوي أو المفسدة المقتضية لجعل الحرمة.

فإن كان الأول: فأمّا أن يكون وجوب دفعه وجوباً غيرياً أو نفسياً أو طريقياً للواقع أو إرشادياً ولا يتصدر له خامس.

بيان ذلك: أما الوجوب الغيري فلا يحتمل في المقام لأن الوجوب الغيري يترشح الوجوب عليه من النفسي كالوضوء والصلاة إذا توقف وأحب على آخر من باب المقدمة، وليس في المقام واجب آخر متوقف على دفع العقاب الأخروي ليترشح الوجوب منه إليه، فليس هناك لا تكليف واحد وليس متوقفاً على دفع العقاب بل دفع العقاب يحصل بإمتثاله وهو من آثاره العقلية.

وأمّا الوجوب النفسي فلا يصح في المقام أيضاً، فإنّه على تقدير الوجوب النفسي يكون العقاب على مخالفة نفسه لا على مخالفة التكليف الواقعي المجهول والذي في علم الله سبحانه فلا يكون وجوب دفع الضرر المحتمل بياناً للتكليف الواقعي حينئذٍ حتى يجب دفعه، فيلزم أن يكون التكليف الواقعي غير واصل إلى المكلف لا بنسفه ولا بطريفه، فتجري القاعدة الأولى بلا مانع وبما يرفع موضوع القاعدة الثانية، أضف إلى ذلك أن الوجوب النفسي لو قيل به فإنّه يستلزم تعدد العقاب  عند مصادفة إحتمال التكليف للواقع والحال لا يمكن الإلتزام بتعدد العقاب فإنّ إحتمال التكليف لا يزيد على الطقع به، والحال لا تعدد للعقاب مع الطقع بالتكليف فكيف مع إحتماله.

وأمّا الوجوب الطريقي فهو أيضاً غير معقول في المقام ويذكر وجه ذلك فراجع([4])وينتهي إلى أن يتعين أن يكون وجوب دفع الضرر المحتمل إرشادياً بمعنى أنّ العقل يحكم ويرشد إلى تحصيل المؤمّن من عقاب مخالفة التكليف الواقعي على تقدير تحققه، والفرق بينه وبين الوجوب الطريقي أنّ الوجوب الطريقي هو المنشأ الإحتمال العقاب ولولاه لما كان العقاب محتملاً على ما تقدم بيانه، بخلاف الوجوب الإرشادي فإنه في رتبة لاحقة عن إحتمال العقاب، إذ لولا إحتمال العقاب لما كان هناك إرشاد من العقل إلى تحصيل الأمن منه، وبذلك ظهر أن مورد كل من القاعدتين مغاير للمورد الآخر ولا تنافي بينهما لعدم إجتماعهما في مورد واحد أبداً.

ويضرب لذلك مثالاً فراجع.

وأمّا لو كان المراد بالضرر المحتمل الضرر الدنيوي فحينئذٍ نمنع الصغرى والكبرى، أما الصغرى فلأنه لا ملازمة بين إرتكاب الحرام وترتب الضرر الدنيوي بل ربما يكون فيه المنفعة الدنيوية مع أنّه حرام فعله كما في موارد الإنتفاع بحال الغير غصباً، نعم ربما يترتب الضرر الدنيوي على بعض المحرمات الشرعية أيضاً كشرب السّم إلّا أنه لا يثبت بذلك العكيّة.

وأمّا الكبرى فلأنه لا إستقلال للعقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي بل هو ممّا نقطع بخلافه، فكم من العقلاء من يقدم على ضرر المقطوع به لربجاء حصول المنفعة فكيف بالضرر المحتمل، نعم الإقدام على الضرر المقطوع به بلا غرض عقلائي يعد من السفاهة عند العقلاء ويلام فاعله إلّا أنّ العقل لا يستقل بقبحه من يذمه إستحقاق العقاب ليكون حراماً شرعاً، والالزام كون كل فعل سفيه حراماً شرعاً وهذا ممّأ تقطع بخلافه.

وأمّا أن كان المراد من الضرر المحتمل المفسدة المترتبة على الحرام في الشبهة التحريمية الحكية فالصغرى وإن كانت مسلمه في خصوص ما يحتمل حرمته بناء على ما عليه العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، فإنّ إحتمال الحرمة في شيئ لا ينفعك حينئذٍ عن إحتمال المفسدة فيه، إلّا أنّ الكبرى ممنوعة، فإنّ العقل لا يستغل في الحكم بوجوب رفع المفسدة المحتملة كيف وقد إتفق العقلاء وأجمع ومنهم الأصوليون والأخباريون على عدم لزوم الإجتناب عمّأ يحتمل وجود المفسدة فيه في الشبهة الموضوعية ولو كان العقل يحكم بدفع الضرر والمفسدة المحتملة مطلقاً فكان الإحتياط واجباً كذلك في الشبهات الموضوعية، إذ لا فرق بينها وبين الشبهة الحكمية من هذه الجهة.

فتحصل مما ذكرناه: إنّ قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل لا تعارض قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهات اليدوية بعد الفحص واليأس عن الحجة على التكليف.

ثم يتعرض إلى الجهة الثالثة وهي ملاحظة قاعدة قبح العقاب بلا بيان مع أدلة وجوب الإحتياط ثم يذكر وجهاً خامساً من الوجوه التي يستدل بها على البراءة وهو الإستصحاب وتقريبه على نحوين فراجع والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 



([1]).نهاية الدارية: 4: 84 ـ 85 عند جواهر الأصول: 5: 459.

([2]).فرائد الأصول: 3: 365.

([3]).نهاية الأفكار: 3: 336.

([4]).مصباح الأصول: 2: 327 ـ 333.