العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الأول: الآيات

أما الكتاب الكريم فآياته على طوائف:

الأول: ما دلّت على النهي عن القول بغير علم كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36) وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33) وقوله تعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 15) غلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وجه الإستدلال وتقريبة: أن ترك المشتبه والقول بالإحتياط فيه لإحتمال الحرمة ليس من القول والإفتاء بغير علم، بخلاف الحكم بجواز الإرتكاب والإفتاء به للبراءة فإنّه من القول بغير علم والتقول والإفتراء على الله سبحانه ولم يؤذن لأحد في ذلك.

وقد أجاب الشيخ الأنصاري+ عن هذا الإستدلال بعد القول بالفرق بين المقالتين، بأنّ القائلين بالإحتياط لا يقولون بالحرمة في الشبهة التحريميّة، بل إنما يتركون الشبهة لإحتمال الحرمة، فلا يكون الإحتياط حينئذٍ قولاً وإفتاءً بغير علم، بخلاف مرتكب الشبهة التحريمية، فإنّه لا يكون إلّا بعد الحكم بالجواز والرخصة والعمل على الإباحة.

فقال بما خلاصة: إن إرتكاب المشتبه حكمه إتّكالاً على قبح العقاب بلا بيان المتفق عليه بين الأصوليين والأخباريين ليس قولاً بغير علم.

وبعبارة أخرى: إنّ الشيخ + قد رضي با يقوله الأخباري في الجملة بأن ترك المشتبه ليس من القول بغير علم وإنّ فعل المشتبه من القول بغير علم، إلّا إنه قال بعد إتفاق الجميع على القاعدة العقلية أقبح العقاب بلا (بيان) يلزمه أن القول بإرتكاب المشتبه بين من القول بغير علم ولا بيان.

والظاهر أنّ القول بالفرق بين المقالتين من ذكر من إختلاف الأصولي والأخباري في الترك والفعل خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر من نزاعهما ليس في الفعل والترك لنفسهما، بل في البراءة ووجوب الإحتياط، فكل واحد يدعي خلاف ما يدعيه الآخر ويقلم على ما يدعيه الدليل والبرهان.

والأولى في جواب قول الأخباري أنّه ما هو المراد من العلم الوارد في الكتاب والسّنة، حتى يقال: فعل المشبته من العلم أو من غير العلم، فإن كان المراد من العلم هو العلم الواجداني واليقني، فيلزم الأخباري حينئذٍ أن لا يفتي بأمر إلّا نادراً، لأن أكثر الأحكام شيء عصر الغيبة الكبرى إنما تبتني على الظن المعتبر، فإنّه أما ظني السند أو ظني الدلالة بالآيات أو هما معاً، فيلزم الاخباري حينئذٍ تعطيل أكثر الفقه ولا يرض بذلك ذو لبّ ومتشرع .

وإن كان المراد مطلق الحجة أعم من العلم الوجداني والعلم العادي وهو الظن المعتبر كما هو الحق، فلابّد حينئذ من ملاحظة أدلة كل من الطرفين، وقد مرّ بالتفصيل أدلة الأصوليين القائلين بالبراءة الشرعية والعقليّة في الشبهات الحكمية التحريميّة، ويأتينا أدلة القائلين بوجوب الإحتياط، وسيعلم عدم تماميّة أدلتهم، كما علم ثمانية أدلة الأصوليين، ومن ثمّ فقول بأصالة البراءة دون الإحتياط في المقام كما مرّ ولما سيأتي إن شاء الله تعالى.

الثانية: ما دلت بظاهرها على وجوب الإتّقاء والتّورع بعيد الإستطاعة والوسع كقوله تعالى ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (التغابن: 16) وقوله سبحانه: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ (الحج: 78) وقول عز وجل: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ (آل عمران: 102) غلى غير ذلك من الآيات:

وجه الإستدلال وتقريبه: إنّ ظاهر الآيات وجوب الإتقاء والورع مهما أمكن، وكذلك المجاهدة في الله حق جهاده، ومن المعلوم أنّ ترك المشتبه من مصاديق الإتقاء والورع والمجاهدة الحقة في الله سبحنه، بخلاف إرتكابه فضلاً عن الإفتاء بحليّته، فإنه خلاف التقوى وبهذا نقول بوجوب الإحتياط.

جواب المحقّق الحائري+ ومناقشته:

أجاب المؤسس المحقق الحائري+ في (درر الفوائد: 429) من خلاصته: أنّ الإتقاء يشمل فعل المندوبات وترك المكروهات أيضاً ـ بناء على أنّ التقوى لها ثلاث مراتب كما عند الإمام الصادق× في مصباح الشريعة ـ مع أنه لا إشكال في عدم وجوبهما، فيدور الأمر حينئذٍ إما أن يقال بتقيد مادة التقوى بغيرهما أي تقييد التقوى بأنه لا يجب في المستحبات والمكروهات ويتصرف في هيئة الطلب والأمر يحملها على إرادة مطلق الرجحان أعم من أن يكون متعلّقة الواجب الذي لا يترك والمستحب الذي حاز تركه، فلا ينافي ترك المندوب وفعل المكروه حينئذٍ، ولا إشكال في دوران الأمر في عدم أولوية التّصرف الأول إن نقل بأولوية التّصرف الثاني، لكثرة إستعمال هيئة الطلب في غير الوجوب حتى قيل: إنها صارت من المجازات الراجحة المساوية إحتمالها لإحتمال الحقيقة.

وأجيب عن جوابه بأنّه لا يخلو من نظر وإشكال.

أولاً: إنّ الخطابات الشرعية تنزّل على ما هو المتعارف عليه في المحورات العرفية، فتشخيص الموضوع إذا لم يصرح به الشارع المقدس في بيان حكمه، فإنّه يرجع في معرفته إلى العرف، وكما يقال (العُرف ببابك) فالتقوى عندهم عبارة عن كل ما يوجب الضرر الأخروي إذا لم يُحترز منه مطلقاً سواء في العقل أو الترك، وهذا يختص بإتيان الواجبات وترك المحرمات دون المستحبات والمكروهات، فالمتقي إبتداءً وعند عامة الناس أن لا يراك الله فيما نهاك، أي في المحرمات والمعاصي التي توجب النار ولا يفقدك فيما أمرك، أي في الواجبات، وأما إتيان المستحبات وترك المكروهات فهذا من الزيادة في التقوى، وكما ورد في الحديث الشريف الصادقي، إنّما هو تقوى الخاص، والأول تقوى العام أي عامة الناس وهو المطلوب من الجميع، كما هناك مرتبة ثالثة أعلى من الأوليتين وهي تقوى الخاص الخاص بأن يترك الحلال وعافية الحساب فضلاً عن الحرام الذي عليه العقاب، والشبهات التي فيها العتاب، فإنّه كما ورد عن الإمام الحسن في وصيته لإبن جندب (الدنيا في حلالها حساب وفي الحرام عقاب وفي الشبهات عتاب).

فالتقوى من المفاهيم العرفيّة التي ينزّل عليها ما ورد في الكتاب والسّنة، ولا يكاد يطلق ذلك إلّا على إتيان الواجبات وترك المحرّمات فلا تشمل فعل المندوبات وترك المكروهات.

وثانياً: ما ذكره في دوران الأمر بين تقيد المادة أو تقيد الهيئة، وترجيح التّصرف في الهيئة دون المادة فإنّه غير وجيه، فإنه لو سلّمنا أن إستعمال هيئة الطلب في غير الوجوب من المجازات الراجحة والمساوية لإحتمال الوجوب، إلّا أنّ قياساً مع تقييد المادة نجده قليلاً، فإنّه كما هو المشهور ما من مطلق إلّا وقد قيّد إلّا نادراً، وهذا في المدة بخلاف هيئة الأمر، فإنّه وإن إستعمل كثيراً في غير الوجوب مجازاً، إلّا أنّه إستعمل في الوجوب كثيراً أيضاً، ومع ذلك لا يحمل المطلق على المقيّد بلا سبب.

وبعبارة أُخرى: ليس لنا قاعدة وضابطة كليّة تقول بترجيح التّصرف في الهيئة على التّصرف في المادة عند دوران الأمر بينهما.

ولكن يبقى في المقام وما نحن فيه بالخصوص أن يكون التّصرف في الهيئة دون المادة، إلّا أنّه لا من جهة ما أفاده+، بل من جهة أنّ سباق الآيات الكريمة آبية عن التخصيص، ممّا يعدّ تقييد المادة ـ أي مادة التقوى ـ  أمراً فاضحاً وبشعاً، فإنّ مقتضى التقييد حينئذٍ يكون في قوله: (إتقوا الله حق تقاته) إلّا في مورد كذا وكذا فيقيد عادة التقوى، وهذا ما لا يقبله الطبع السليم، بخلاف لو ورد التقييد على الهيئة بجملها على مطلق الرّجحان، فإنّه أمر شائع، فيتعين التصرف في الهيئة، ومقتضاه ورجحان الإحتياط شرعاً كما كان حسناً عقلاً.

ولا ريب من رجحان الإحتياط شرعاً وعقلاً وهذا ما لا ينكره الأصولي أيضاً.

أضف إلى ذلك أنّ تلك الأوامر تشمل الواجبات والمحرمات المعلومة فضلاً عن المشكوكة والمشتبهة في الموضوع أو الحكم، أي في الشبهات الموضوعية والشبهات الحكميّة، ومن الواضح حكم العقل بذلك والأمر المتعلق بإطاعة الواجبات إتياناً والمحرمات تركاً من الأمر التّعبدي، بل من الحكم الإرشادي، فيكون تابعاً للمرشد إليه، فإن كان المرشد إليه واجباً كان الحكم واجباً، وإلّا فلا، فلا يستفاد من الآيات حينئذٍ أنّ الإحتياط واجب في المشتبهات كما يدّعيه الأخباري، فإنّه في المقام لابّد أن يحمل الأوامر على مطلق الرجحان فيدل على الإحتياط الراجح وهو الإحتياط الإستحبابي، أو على الأرشادي، فلا يستفاد منها وجوب الإحتياط في الشبهات، فتدبّر([1]).

الثالثة: قوله تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195).

وجه الإستدلال: دلّت الآية على حرمة الإلقاء في التهلكة، وإقتحام الشبهات في الأحكام التحريمية من مصاديق الإلقاء في التهلكة، فيحرم ذلك، ومن ثمّ وجب الإحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية.

وأورد عليه:

أولاً:

عطفاً على ما سبق:

الآيات التي يستدل بها الأخباري على وجوب الإحتياط في الشبهة الحككمية التحريمية فمنها وهي الطائفة الثالثة قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) بناء على أن إقتحام وإرتكاب المشتبه التحريمي من الإلقاء في التهلكة، وقد نهى الله عن ذلك ولازم القول بوجوب الإحتياط حينئذٍ في عدم إرتكاب المشتبه التحريمي.

وأجيب عنه : أولاً: بأن مورد المشتبه وغرتكابه لا يكون من التهلكة، لا من الهلاك الأخروي والذي هو بمعنى العقاب ولا من الهلاك الدنيوي، أما الأول لعدم البيان وقد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان كما ورد في النقل ما يدل على الإباحة في المشتبه.

وأمّا الثاني وهو الهلاك الدنيوي والذي معناه ترتب المفاسد على فعل الحرام أو ترك الواجب، فلأنه من الواضح عدم وجود الهلاك الدنيوي في إرتكاب غالب المشتبهات، والتخصيص بمثل الغالب مستهجن.

وثانياً: أضف إلى ذلك إحتمال أن يكون النهي فيها (لا تلقوا) إرشادياً فلا يدل على حكم شرعي ووجوب الإحتياط شرعاً حتى يثبت قول الأخباري.

وثالثاً: إنّ الآية الكريمة وردت في ذيل ىيات الجهاد فصدر الآية: (وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة: 195).

والظاهر من الإنفاق في سبيل الله بقرينة السباق هو إنفاق المال لإقامة الجهاد والقتال في سبيل الله، فإنّ÷ في ترك الإنفاق في سبيل الجهاد مظنة غلبة الكفر والكفّار، فيكون ترك الإنفاق في الله إيقاعاً للنفس في التهلكة.

ورابعاً: ربما يكون المراد من الهلكة والتهلكة هو الوقوع في الفساد، فإنّ المراد من الإنفاق في سبيل الله هو إعطاء الزكوات والنفقات للفقراء والمساكين، فإنّه ورد في الحديث القدسي: (الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي) فإلإنفاق على الإنفاق يوجب سلامة المجتمع من المفاسد، وقد ورد في بيان حكمة وجوب الزكاة وتشريعه هو إشتراك الفقراء مع الأغنياء في أوالهم فإن فيها حقّ للسائل والمحروم، ومن يؤدي زاته كانت في حصن الفقراء، ومن ترك الإنفاق على الفقراء فإنهّ يقع أمواله ونفسه في معرض الفساد والهلاك.

فالمراد من التهلكة هو طغيان الفقراء والمساكين لحرمانهم وفقرهم ضد الأغنياء ربّما يوجب الهلكة والفساد في المجتمع.

فأين هذا المعنى ممّا يقوله الاخباري في تفسير الآية بأنّ إرتكاب المشتبه من الإلقاء في التهلكة فوجب الإحتياط.



([1]).جواهر الأصول: 5: 474.