العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات

وأمّا السّنة والأخبار:

فقد استدل الاخباري على وجوب الإحتياط في الشُبهات التحريمية الكمية بجملة من الأخبار وهي على طوائف قد ذكرها صاحب الوسائل المحدث الكبير الشيخ محمد الحرّ العاملي+ في الباب الثاني عشر من أبواب صفات القاضي، باب (وجوب التوقف والإحتياط في القضاء والفتوى) وقد ذكر أكثر من ستين حديثاً إلّا أنّه ليس ببعضها دلالة على وجوب التوقف والإحتياط وفي الجملة الأخبار الآمرة بالتوقف على طائفتين:

إحداهما: الأخبار الدالة على مطلوبية التوقف مطابقةً أي بالدلالة المطابقية لإشتمالها على مادة (الوقوف) ولا يخفى أنّ هذه الطائفة تارة ورد التعليل فيها للوقوف عند الشبهة وأُخرى لم يرد، فمن الأول قوله× (بأنّ الوقوف عند الشيهة خير من الإقتحام في التهلكة.

والأخرى: الاخبار الدالة على وجوب الإحتياط بألسنة مختلفة تارة بدلالة مطابقية وأخرى بدلالة إلتزامية، ومن الأول ما إشتمل على لفظ الإحتياط بصيغ مختلفة كقوله (إحتط) و(عليكم بالإحتياط) ، (خذ بالحائطة لدينك)، ونحو ذلك كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.


 

أما الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهة فمنها:

ما جاء في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة بعد تكافؤ المرجحات الداخلية والخارجية في الخبرين المتعارضين قال×: (فأرجه ـ أي أخره ـ حتى تلقى إمامَك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الإقتحام في الهلكات (الوسائل: 18: 75).

ومنها: قوله× في موثقة مسعرة بن زياد عن جعفر عن آبائه^: أنّ النبي‘ قال: لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة. يقول: إذا بلغك أنك قد رضعت من لبنها وأنها لك محرَم، وما أشبه ذلك، فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الإقتحام في الهلكة (الوسائل: 14: 193).

وجه الإستدلال وتقريبه، إنّما يستدل بهذه الأخبار المعلّلة على وجوب الوقوف عند الشبهات بعد بيان أمور يلتزم بها.

الأول: إنّ كلمة (خير) وإن كانت من صيغ التفضيل إلّا أنه في المقام قد إنسلخ منه هذا المعنى التفضلي وأنّه يتمحّض في التعيين، لأنه لا خير في الإقتحام في الهلكة المترتبة على ترك الوقوف عند الشبهات حتى يكون الخير في الوقوف عندها أكثر وأفضل منه.

الثاني: إنما يحسن التعليل في الحكم لو كان عاماً وكليّاً في العلّة، فإنّه لا يحسن التعليل بما يكون جزئياً ومختصاً بالمورد الثالث: لابّد من السنخية بين العلّة والمعلول، فلا يصح تعليل الحكم الوجوبي بقلة مستحبة، أو الحكم التحريمي بعلّة جائزة، لعدم السنخية بين العلة والمعلول.

وإذا علمت ذلك فستعرف ما يدعيه الأخباري من وجوب الإحتياط والتوقف في كلّ شبهة سواء أريد بالوقوف التوقف في الفتوى والعمل كما هو مقتضى إطلاق المقبولة، أو أُريد خصوص التوقف في الحمل كما هو ظاهر الموثقة.

فالوجه في ظهور الخبرين في وجوب التوقف هو أنه× علل النهي في الخبر الثاني عن نكاح المرددة بين المرأة الأجنبية والأخت الرضاعي بأن الوقوف عند الشبهة خير من الوقوع في الهلكة، فلو لم يكن الوقوف في مورد الموثقة واجباً لم يصّح النهي في قوله× (لا تجامعوا في النكاح عند الشبهة) الظاهر في الحرمة العدم السنخية حينئذٍ بين العَلة وهي الوقوف غير الواجب بحسب الفرض وبين المعلل وهو حرمة الجمع في النكاح، والحال أنه من السنخية بينهما.

ثم يستفاد من هذا التعليل وجوب التوقف في كل شبهة وإن لم يكن في مورد النكاح لما ذكرناه من الأمر الثاني عن عدم حُسن تعليل الحكم بما يكون جزئياً مختصاً بمورد خاص.

هذا خلاصة ما يقال من الإستدلال بالأخبار المعلّلة على وجوب الإحتياط في الشبهات الكمية التحريمية.

وأمّا الأخبار الأخرى في المقام فسيأتينا إن شاء الله تعالى.

وأمّا الأخبار التي وردت في التوقف والأمر به من دون تعليل لسبب التّوقف فهي كثيرة، منها:

1 ـ ما رواه جابر عن أبي جعفر× في وصية له لأصحابه قال: إذا إشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده، وردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا. (الوسائل: 18: 123) الحديث: 42 الباب 12 من أبواب صفات القاضي.

2 ـ ومنها: رواية عبد الله بن جندب عن الرضا×: إنّ هؤلاء القوم شيخ لهم شيطان اغنرهم بالشبهة، وليس عليه أمر دينهم.. إلى أن قال: ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر وردّ ما جهلوه من ذلك إلى بما له وسمتنبطه... (المصدر نفسه: 125 الحديث 49).

2 ـ ومنها: ما رواه الميثمي عن الإماتم الرضا× في إختلاف الأحاديث قال: (وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكفّ والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا. (المصدر نفسه: ص121 الحديث 31).

وجه الإستدلال وتقريبه في هذه الطائفة من الروايات: فإنّها تدل على وجوب التوقف عند الشبهة، لأنها تدل على حرمة الإقتحام فيما فيه المعرضية للعقوبة في الآخرة، ومن الواضح ليس المقصود من حرمة الإقتحام حرمة إلقاء النفس في الهلكة القطعية، لأنه من الواضح أنّه لا قطع ويقين وعلم وجداني بالعقوبة عند إرتكاب المشتبه، ومع عدم القطع بالعقوبة يكون التمسك بهذه الروايات في إرتكاب المشتبه تمسكاً بالدليل في الشبهات المصداقية وهو غير جائزة بل المقصود حرمة الإقتحام في الهلكة المحتلة، وهذه الروايات تدل على ذلك، ولازم حرمة الإقتحام وجوب الإحتياط في الشبهة الحكمية التحريمية فثبت المطلوب.

هذا في الروايات الدالة على الوقوف مطابقة تارة مع التعليل وأُخرى من دونه، وأمّا الروايات الدالة على الوقوف والتوقف عن الشبهات إلّا أنّه بالدلالة الإلتزامية ولو مسامحة حيث فيها الأمر بالسكون والكفّ والتّثبت ونحو ذلك، وهي كثيرة:

فمنها: موثقة حمزة بن طيار: أنّه عَرَضَ على أبي عبد الله× بعض خطب أبيه×، حتى بلغ موضعاً منها قال له: كفّ وإسكت، ثم قال أبو عبد الله×: إنّه لا يسعكم فيما ينزل بِكم ممّا لا تعلمون إلّا الكفّ عنه والتثبت والرّد إلى أئمة الهدى، حتى يحملوكم فيه على القصد، ويجلوا عنكم فيه العمى، ويعرفكم فيه الحق، قال الله تعالى: فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (الوسائل: 18: 112).

ومنها: حسنة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله×: ما حقّ الله على خلقه قال: أن يقولوا ما يعلمون ويكّفوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه. (المصدر نفسه).

ومنها: مرسلة موسى بن بكر بن دأب قال: قال أبو جعفر لزيد بن علي: إنّ الله أحلّ حلالاً وحرّم حراماً... إلى أن قال: فإن كنت على بينّة من ربّك ويقين من أمرك، وتبيان من شأنك، فشأنك، وإلّا فلا ترومنّ أمراً أنت منه في شك وشبهة. (المصدر نفسه: ص114 ـ 115).

ومنها: رواية سليم بن قيس الهلالي: إنّ علي بن الحسين× قال لأبان أبي عياش: يا أخا عبد فليس: إن وضح لك أمر فأقبله، وإلّا ما سكت تسلم، وردّ علمه إلى الله، فإنك في أوسع فما بين السماء والأرض. (المصدر نفسه: ص122).

 

 

 

 

 

1

 

 

عطفاً على ما سبق:

يقع الكلام في تتمة ما استدل به الإخباري على وجوب الإحتياط في الشبهات الحكمية التحريمية بطوائف من الروايات منها ما دلّت على الوقوف عند الشبهات مع ذكر التعليل ومنها مجرداً عن التعليل، وأنّ الطائفة الثالثة ما دل على وجوب الإحتياط بلفظ الإحتياط ومشتقاته كقولهم^ (احتط ) و(فعليكم بالإحتياط) و(خذ بالحائطة لدينك) ونحو ذلك وهي عدة روايات.

منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: قال: سألت أبا الحسن× عن رجلين أصابا صعيداً وهما محرمان، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء؟ قال: لا، بل عليهما أن يجري كل واحد منهما الصيد، قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدرِ ما عليه؟ فقال: إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالإحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا (الوسائل: 18: 111).

وجه الإستدلال: كما أشار إليه صاحب الحدائق (1: 73) أن هذه الرّواية دلّت على وجوب الإحتياط في بعض جزئيات الحكم الشرعي مع الجهل به وعدم إمكان السؤال، وهذا يصدق الشبهات الحكمية التحريمية . وذلك لأن ظاهر الرواية أن السافل يعلم بأصل وجوب الجزاء إلّا أنّه شك وإشتبه عليه الأمر بأنه يجب على كل واحد منهما منفرداً أو عليهما جزاءً واحداً يشتركان في ذلك فالإمام× أمره بالإحتياط حتى يسألوا عنه، فهذا دل على وجوب الإحتياط في الشبهات التحريميّة.

ومنها: ما رواه عبد الله بن وضاح ـ وقد عبّر عنها الشيخ الأعظم الأنصاري+ بالموثقة على الأقوى ـ أنه كتب إلى العبد الصالح× يسأله عن وقت المغرب والإفطار، فكتب إليه، أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدينك (الوسائل: 122 الباب 12 من أبواب صفات القاضي الحديث: 37).

وجه الإستدلال: أنّ قوله× (وتأخذ بالحائطة لدينك) جملة خبرية أريد بها الإنشاء فهي آكد في الوجوب فدلت على وجوب الإحتياط وفيما لم يعلم حكمه الشرعي وكان مشتبهاً عليه.

ومنها: ما رواه المفيد الثاني ـ إبن الشيخ قدس سرهما ـ في أماليه مسنداً عن أبي هاشم وارد بن القاسم الجعفري عن الإمام الرضا× أنّ أمير المؤمنين× قال لكميل بن زياد: أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت (المصدر نفسه: 122 الحديث 41).

ومنها: ما رواه الشهيد الثاني في حديث عنوان البصري عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ÷ يقول فيه: بل العلماء ما جهلت، وايات أن تسألهم تعنتاً وتجربّةً، وإياك أن تعمل برأيك شيئاً، وخذ بالإحتياط في جميع أمورك ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتتها هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك عقبةً للناس. (المصدر: 127 الحديث: 54).

هذا فيما دل على الإحتياط بالدلالة المطابقية، وأمّا بالدلالة الإلتزامية.

فمنها: ما ورد في خبر التثليث في مقبولة عمر بن حنظلة من قوله×: قال رسول الله‘: حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم.

وجه الإستدلال: إلّا أن الإمام× استدل بهذه الجملة على وجوب طرح الخبر الشاذ، لأنّ÷ فيه الريب ـ لا أنه مما لا ريب في بطلانه ـ ولا يخفى أنّ وجوب ذلك موقوف على لزوم ووجوب الإحتياط والإجتناب عن الشبهات، وإلّا فلا معنى للإستدلال على وجوب طرح الخبر الشاذ مع عدم كون الإحتراز عن موارد الشبهة واجباً.

ومنها: مثل ما ورد من النهي عن الإفتاء والقول بغير علم. (الوسائل: 18: 9 ـ 11) (الباب الرابع من أبواب صفات القاضي الحديث: 1 و 2 و3 و 6 و 9 وغيرها) منها: خبر هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد الله ما حق الله على خلقه؟ قال: أن يقولوا ما لا يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقه) وخبر مفضل بن عمر عن أبي عبد الله×: (لا يفلح من لا يعقل ولا يعقل من لا يعلم ـ إلى أن قال ـ ومن فرّط تورّط)، فيدل بالإتلزام على وجوب الإحتراز عن المشتبه عملاً وعدم جواز الإقتحام فيه، وهذا هو مفاد وجوب الإحتياط في الشبهات، فإنّ الحكم بالبراءة في الشبهة إفتاء بغير العلم.

هذه جملة من الروايات التي إستدل بها الأخباري على وجوب الإحتياط إلّا أنها كلّها قابلة للنقاش.

وما الأخبار المتضمّنة للتّوقف مع التعليل، فإنها أجنبية عن إثبات وجوب الإحتياط في الشبهة اليدوية بعد الفحص.

لأنها إشتملت على موضوع ومحمول، والموضوع هو الهلكة والمقصود منها الهلكة الاخروية أي العقوبة بقرينة ما دلّ عليها في بعض الأخبار كمقبولة عمر بن حنظلة، فظاهر النهي هو النّهي عن الحرام وإرتكاب الحرمة توجب إستحقاق العقوبة، والمحمول: هو وجوب التوقف المستفاد من قوله×: (قفوا عند الشبهة) ومن الواضح أنّ نسبة الموضوع إلى المحمول كنسبة المعلول إلى العلّة في تأخره عنها رتبة، فالمحمول رتبة متأخر عن الموضوع كأخر المعلول عن علّته وإن كان لا ينفكان إلّأ أنّ العلة متقدمة رتبة والمعلول متأخر رتبة، فلابد حينئذٍ في المقام من وجود العقوبة، فالموضوع العقوبة المحمول التوقف ولابّد من وجود العقوبة قبل الأمر بالتوقف حتى ينبعث عنها الأمر بالتوقف وهذا يختص بما إذا أحرز من الخارج ما يصحح العقوبة عليه، وهو منحصر في الشبهة اليدوية قيل الفحص وكذلك في الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، وأمّأ في المقام فإنّ المقصود وأجراء البراءة بعد الفحص واليأس عن الدليل ما دلّ من الأدلة العقلية والنقلية على جريان البراءة بعد إحراز عدم البيان من قبل الشارع المقدس، فلا مانع من إجراء البراءة حينئذٍ ولا مجال لوجوب الإحتياط.

وإذا قيل: انه نثبت وجود البيان بنفس أخبار التوقف، أي الأخبار حينئذٍ تكون هي البيان فلا مجال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وأجيب عنه:


 

عطفاً على ما سبق:

 في جواب الخباري بأن أخبار التوقف عند الشبهات مما يدل على وجوب الإحتياط، فأجيب على أنه قبل الفحص كذلك إلّا أنه بعد الفحص فلا يدل على ذلك فلا يجب الإحتياط لقبح العقاب بلا بيان وللأخبار الدالة على البراءة والتوسعة للإسمتنان كحديث الرفع.

فإن قيل : إن البيان ثابت بنفس أخبار التوقف، أي أخبار التوقف هو بيان، فلا يقبح العقاب الآخروي حينئذ بل يجب الإحتياط والتوقف في الشبهات الحكمية التحريميّة.

فأجيب عنه: إنّه يلزمه الدور.

بيان ذلك: لاشك أنّ وجوب التوقف الإحتياط متوقف على وجود الهلكة الآخروية لأنّ وجوب التوقف معلول لها، أي إنّما يجب التوقف لعلّة الهلكة، بمعنى أنه لو لم يتوقف لهلك.

ولا شك أنّ وجود الهلكة متوقف على البيان، أي لابّد من بيان شرعي يدل على وجود الهلاك الأخروي لقبح العقاب بلا بيان عقلاً ولازم ذلك أنّ البيان متوقف على وجوب التوقف، أي لماذا يجب التوقف لوجود البيان ولماذا وجود البيان لأنه يجب التوقف عنده ، فمعناه: لو توقف البيان على وجوب التوقف، كان وجوب التوقف متوقعاً على وجوب التوقف توقفاً عليّاً، وهو الدور الباطل لتوقف الشيء على نفسه، فتدبّر.

وأمّا جواب الأخبار الدالة على وجوب الإحتياط بالمطابقة أو الإلتزام كما مر، فأجيب عنها بوجوه ثلاثة:

الأول: أن أوامر الإحتياط في مثل (خذ بالحائطة لدينك) و(عليكم بالإحتياط) و(عليكم بالكف والتثبت) و(قفوا عند الشبهة) و(لا ورع كالوقوف عند الشبهة) ونحو ذلك كما مرّ وإن كانت ظاهرة في البداية على الوجوب المولوي الذي يترتب عليه العقوبة عند المخالفة والثواب عند الإطاعة، إلّا أنها تُصرف عن هذا الظهور إلى كونها أو أوامر إرشادية عقلية فلا يستفاد منها الحكم المولوي، أو أنّ أوامرها تدل على الحكم المولوي إلّا أنّ المراد منه القدر الجامع بين الوجوب والندب وكثير من الأخبار الواردة مفادها الإستحباب كقوله× (أورع الناس من وقف عند الشبهة) وقوله× (لا ورع كالوقوف عند الشبهة) ونحو ذلك غيرها.

وأمّا الذي يحمل على القدر الجامع في مثل قوله×: (الوقوف عند الشبهة خير من الإقتحام في الهلكة، وقوله× (أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت ونحو ذلك، فلو أردنا حملها على الوجوب دون القدر الجامع بينه وبين الندب فإنّه لابّد من تخصيصها بإخراج الشبهات الوجوبية والموضوعية عنها، لإتفاق الجميع الأصولي والأخباري على عدم وجوب الإحتياط فيها، والحال سياق الأحاديث هذه آب عن التحصيص.

هذا فيما إذا حملناها على الوجوب وأمّا إذا حملناها على خصوص الإستحباب، فإنّه يلزمه اخراج موارد وجوب الإحتياط مما تنجّز فيه التكليف كما في العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة، والحال سباقها رب عن التخصيص، وعليه يتعين حملها على مطلق الرجحان أي القدر الجامع بين الوجوب والندب المائع من النقيض في بعض الموارد، وغير المانع عنه في بعضها الآخر.


 

الثاني: إنّ وجوب الإحتياط يحتمل أما أن يكون غيرياً مقدّمياً أو يكون نفسياً وكل هما لا يصّح وباطل الإحتمال.

بيان ذلك: إن إيجاب الإحتياط شرعاً إن كان لأجل أن يتحرز عن العقاب على الحكم الواقعي المجهول، بإعتبار يحتمل إنّ في هذه الشبهة مخالفة الواقع وهو مجهول له فيحتاط ليحرز ويتجنب عن هذا الواقع المجهول، فهذا يدل على أنّ ثبوت العقاب حينئذٍ على الواقع المجهول في صورة مخالفة الإحتياط، والوجه في ذلك واضح، فإنّ إيجاب الإحتياط حينئذٍ لا يرفع لنا الجهل بالواقع، بل الجهل بالواقع باق حتى بعد إيجاب الإحتياط، فيكون العقاب عليه قبيحاً، لأنه من الضروري البديهي إنّ المناط في قبح العقاب هو الجهل بالواقع، وهو لا يزال باق ولم يرتفع بإيجاب الإحتياط، فلو قيل بالعقاب عليه للزم أن يكون عقاباً على أمر مجهول وهذا قبيح عقلاً لأنّ لقبح العقاب بلا بيان، كما إعترف بذلك المستشكل نفسه.

هذا فيما إذا كان إيجاب الإحتياط مقدمياً وغيرياً، وأمّا إذا كان نفسياً وعينياً، لوجود الملاك والمصلحة في نفس الإجتناب عن الشبهة مع غض النظر عن الحكم الواقعي المجهول، ملازم ذلك تربت العقابي على مخالفته لا مخالفة الواقع وهذا وإن كان صحيحاً في نفسه إلّا أنه غير مقصود للأخباري حيث أنّه إلتزم بدلالة أخبار التوقف والإحتياط في الشبهات لأجل الإحتراز في الإجتناب عن الهلكة المحتملة المترتبة على الإقتحام في الشبهات، لا لأجل الإحتراز عن مخالفة الإحتياط.

وهذا يدل بوضوح على أنّ الإحتياط ليس مطلوباً في نفسه، بل المقصود منه هو التحفظ على الأحكام الواقعية.

وحينئذٍ يلزم القول ببطلان كلا الإحتمالين في إستفادة وجوب الإحتياط شرعاً من الأخبار المتقدمة، فلابّد من حملها على الإرشاد إلى حكم العقل بلزوم الإحتراز عن الضرر المحتمل.

ولمّا كان المقتضي في الأخبار قاصراً عن إفادة الأمر بالتوقف والإحتياط الدال على الوجوب المولوي، فحينئذٍ لا تصل النّوبة مع معارضتها لأدلة البرارة الشرعية والعقلية الدالة بظاهرها على الترخيص في الشبهات الحكمية التحريمية، فثبت المطلوب من عدم وجوب الإحتياط في الشبهات مطلقاً.

الثالث: أنّ أخبار الإحتياط لو قيل بظهورها في الوجوب المولوي وإن كانت في مقام التعارض مع قاعدة القبح واردة عليها لصلاحيتها الأخبار للبيانية، ولا يبقى حينئذٍ معها موضوع البراءة العقلية، إلّا أنها معارضة بأخبار البراءة، والمشين عند المعارضة هو تقديم أخبار البراءة على أخبار الإحتياط وذلك لوجهين:

الأول: إنّ موضوع أخبار البراءة أخَص من موضوع أخبار الإحتياط، ومن البديهي يقدم الخاص على العام.

الثاني: إنّ أخبار البراءة اظهر دلالة على حلية المشتبه من دلالة تلك الأخبار على وجوب الإحتياط في الشبهات.

بيان الوجهين:

أمّا الأول: أنّ ما دل على البراءة وحلية المشتبه مطلقاً سواء ما دل على الحلية في خصوص الشبهة التحريمية كقوله×: (كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام) أو قوله×: (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) أمّ دل بعمومها أو إطلاقها على الحلية في كل الشبهات سواء الوجوبية أو التحريمية كحديث الرفع (دفع عن أمتي ما لا يعلمون) أو حديث الحجب (والمحجوب علمه) أو حديث السعة (ما داموا لا يعلمون شيئاً) كما مرّ تفصيله إما هو شامل كما في الظاهر لكل شبهة، إلّا أنه لا يشمل الشبهات قبل الفحص، لعدم الخلاف بين الأصولي والأخباري في وجوب الإحتياط فيها، وإنما الخلاف بينهم في وجوبه فيها بعد الفحص، فما دل على البراءة إنّما يختص بما بعد الفحص، بخلاف ما دل على الإحتياط فإنه أعم سواء قبل الفحص أو بعده، ولا ريب في حمل العام على الخاص وتخصيص العام بالخاص فيخصص ما دل على وجوب الإحتياط بما دل على البراءة، ونتيجة ذلك: أنه يجب الإحتياط في كل شبهة إلّا الشبهات البدوية بعد الفحص فثبت المطلوب إلّا أنّ الشيخ الأنصاري فقل هذا الجمع عن بعض وناقش فيه فراجع.


 

 

الوجه الثالث في مناقشة الأخبار الدالة على الإحتياط

عطفاً على ما سبق في جواب الأخباري في إستدلاله بالروايات الدالة عنده على وجوب الإحتياط فأورد عليه بعدم دلالتها على ذلك بوجوه تعرّضنا إلى وجهين وأمّا الوجه الثالث الذي رقي به المحقق الخراساني في كفايته كما هو المختار أنّ أخبار الإحتياط بناء على دلالتها ظهوراً على الوجوب المولوي الشرعي، وإنّها تكون حينئذٍ واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لصلاحية الأخبار أن تكون بياناً، فلا يبقى حينئذٍ موضوع للبراءة العقلية، إلّا أنها معارضة بأخبار البراءة، وفي مقام التعارض بين الأخبار الدالة على الإحتياط والأخبار الدالة على البراءة يتعيّن القول بتقديم أخبار البراءة على أخبار الإحتياط وذلك لوجهين:

الأول: من باب حمل العام على الخاص وتقييد العام بالخاص، فإنّ موضوع أخبار البراءة أخص من موضوع أخبار الإحتياط ومن البديهي تقدّم الخاص على العام.

والثاني: أظهرية أخبار البراءة على حلية المشتبه التحريمي من دلالة تلك الأخبار الدالة على وجوب الإحتياط في الشبهات.

بيان الوجهين:

أمّا الأوّل: فإنّ ما دل على البراءة وحلية المشتبه مطلقاً سواء دلّ على الحليّة في خصوص الشبهة التحريمية كقوله× (كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه الحرام بعينه) أو دلّ بعمومها أو إطلاقها على الحلية في كل شبهة سواء الموضوعية أو الحكمية، وسواء الوجوبية أو التحريميّة لحديث الرفع (الحجب والسعة فإنّ الموضوع فيها شامل ظاهراً لكل شبهة، فإنّه ما دل على البراءة مطلقاً لا يشمل الشبهات قبل الفحص، لأنه لا خلاف بين الأصولي والأخباري في وجوب الإحتياط فيها، وإنّما الخلاف بينهما في وجوب فيها بعد الفحص، فيكون موضوع البراءة خاصاً حينئذٍ.

وأمّا ما دل على وجوب الإحتياط، فإنّه يدل عليه مطلقاً في كل الشبهات وسواء أكان قبل الفحص أو بعده فيكون أعم مما دلّ على البراءة ولاشك في وجوب حمل العام على الخاص وتخصيص العام وتقيده بالخاص، فيخصص حينئذٍ ما دلّ على وجوب الإحتياط بما دلّ على البراءة، ونتيجة ذلك أنه يجب الإحتياط في كل شبهة إلّا في الشبهات البدوية بعد الفحص، فثبت المطلوب من القول بالبراءة في الشبهات التحريمية بعد الفحص وعدم الوجدان.

وأمّا بيان الوجه الثاني، وهو بعد غضّ النظر عن الوجه الأوّل ربّما ما نقله الشيخ الأنصاري في مقام الجمع عن بعض الاعلام مناقشة ذلك، إلّا أنّه مع ذلك نقول بتقديم أدلة البراءة على أدلة الإحتياط مكونها أظهر في الدلالة وإن فرضنا أن موضوعهما واحد وهو (المشتبه والمجهول) إلّا إنّه يقدم أدلة البراءة بمناط الأظهرية، لأنّ دلالة أخبار الإحتياط على وجوب التوقف والإجتناب عن الشبهات إنما هي مستندة إلى ظهور هيئة (افعل) في قولهم (عليهم السلام) احتط لدينك) في الوجوب، ولا ريب في عدم نص الصيغة وحرمتها في الأمر الوجوبي، فيكون من جهة الظهور الظني، وهذا بخلاف أدلة البراءة، فإنها نصّ في حلية مشتبه الحكم فيكون من العلمي ، والعلم مقدم على الظن كما أنّ الأظهر مقدم على الظاهر، وإنّما هي نص في الحلية لقولهم (عليه السلام) (فهو حلال) وهذا صريح بمقتضى المادة في حلية المشتبه، كما أنّه أظهر في البراءة مثل حديث الرفع والحجب والسعة، فإنّه لو لم تكن نصاً في الترخيص، فلا أقل تكون أظهر فيه من دلالة أخبار الإحتياط على وجوب التحرز عن المشتبهات، والثابت في محله في مقام التعارض أن يقدم الأظهر على الظاهر، فتقدم اخبار البراءة على أخبار الإحتياط بمناط وملاك الأظهرية في المحمول، كما كان الأول في الموضوع من حيث التخصيص والعموم، فالجواب حينئذٍ يكون بأحد الوجهين على سبيل منع الخلو خلاصة الكلام أنّ أخبار الإحتياط تحمل على الإستحباب والفضل دون الوجوب جمعاً بين الأخبار وبين أدلة البراءة وأدلة وجوب الإحتياط وإنّما قلنا بهذا الجمع الدلالي لو كان أخبار الإحتياط تدل على الوجوب المولوي ولكن هناك قرائن تدل على كون الأمر فيها إرشادياً فلا مجال لتعارض حينئذ فتدبر.


 

 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

في جواب الأخباري فيقوله بوجوب الإحتياط تمسكاً بطوائف من الروايات، وقد مرّ الجواب، وبقي منه أن الأوامر في أخبار الإحتياط ليست مدلوية حتى يستفاد منها الوجوب الشرعي، بل أنها من الأوامر الإرشادية فلا دلالة لها على وجوب الإحتياط تدل على الجامع بين الوجوب والإستحباب لوجود قرائن الداخلية والخارجية تدل على ذلك، فيختلف الأمر الدال على الإحتياط إيجاباً وسلباً بحسب إختلاف ما يرشد إليه، فإن كان المحتمل عقوبة كان الأمر إرشاداً إلى وجوب الإحتياط، وإن كان المحتمل مفسدة أُخرى كان إنشاداً إلى إستحبابه، فقوله (عليه السلام) (وقفوا) إنما هو تابع في الوجوب والإستحباب للمرشد إليه.

ولا يخفى أنّ هذه القرائن الداخلية والخارجية كثيرة وقد أشار إلى جملة منها شيخنا الأعظم (قدس سره) وهي بين ما يشترك فيها جميع الأخبار وما تختص ببعضها، كالقرينة الأولى:

أنه يلزم محذور تخصيص الأكثر لو لم يكن الأمر للإرشاد. فإنّ موضوع الأمر بالتوقف والإحتياط هو الشبهة ولو أخذنا بظاهر الأمر وأنه من الطلب المولوي اللزومي فإنّه يستلزمه تخصيص الأكثر وهو مستهجن لأنه من البديهي أنّ عنوان (الشبهة) صادق على الشبهات مطلقاً سواء أكانت الحكمية أو الموضوعية، الوجوبية لكل منهما أو التحريمية، والحال قد إتفق الأصولي والأخباري على جريان البراءة في غير الشبهة الحكمية التحريمية، فيلزم حينئذٍ تخصيص الأكثر لخروج أكثر الشبهات عن موضوع الأمر بالتوقف والإحتياط وهي الشبهات الموضوعية مطلقاً والشبهات الحكمية الوجوبية، وتخصيص الأكثر مستهجن فلا يصار إليه.

كما لا يحمل الأمر فيه على الندب والإستحباب متعيناً لإستلزامه إخراج موارد عن وجوب الإحتياط كالشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي فإنّه من المتفق عليه القول بوجوب الإحتياط، فلا مناص حينئذٍ من حمله على الإرشاد المطلق فيكون إرشاداً إلى وجوب الإحتياط في مورد وجوبه وهو الشبهة المقرونة كما في العلم الإجمالي وإلى إستحباب في غيرها.

ولا يخفى إنّ هذه القرينة قد ذكرها الشيخ الأعظم في موردين:

الأول: في الجواب عن رواية الأمالي كما مرّ حيث جعل الأمر بالإحتياط فيها يدور بين الإرشاد وبين الطلب المولوي مع القدر الجامع بين الوجوب والندب.

والثاني: في القرائن التي أقامها على أنّ قوله‘ في خير التثليات (فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات إرتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم) للإرشاد.

القرينة الثانية: أنّ روايات الإحتياط يأبى سياقها عن التخصيص والحال قد عرفت عدم وجوب الإحتياط في الشبهات الحكمية الوجوبية وفي الموضوعية مطلقاً، فلو كان الأوامر مولوياً للزم تخصيصها حينئذٍ بأن يقال: (لا خير في الإقتحام في الهلكة بإرتكاب الشبهات إلّا إذا كانت الشبهة موضوعية مطلقاً أو حكمية وجوبية) والحال سياقها أب عن التخصيص لأن مقتضى تخصيصها بهذه البهات أن يكون في إرتكابها خيراً وهذا ما لا معنى له، كما أنّ كلمة (خير) في المقام منسلخة عن معنى التفضيل كما مر، فيتعين بمقتضى هذا التعليل أن يجتنب عن جميع الشبهات، فإنّ رضاه وحينئذٍ أنه الوقوع في الهلكة لا خير فيه أصلاً، بل الخير كلّه في الوقوف عند الشبهة وعدم الإقتحام فيها، ولما اعترف الأخبارين والمحدّث بورود الترخيص في إرتكاب بعض الشبهات، فلا مناص له من حمل الأمر في تلك الأخبار على الإرشاد، حتى يتبع المرشد إليه في الوجوب والإستحباب.

الثالثة: بيان حكمة وفلسفة طلب التوقف عند الشبهات، فإنّه لو وقفنا على حكمة ذلك لعرفنا أنّ الأمر فيها إنما هو للإرشاد .

بيان ذلك: إنّ قوله (عليه السلام): (اوقفوا عند الشبهة) ليس طلباً مولوياً بمعنى إن إنشاءه بداعي جعل الداعي، بل إنشاءه بداعي الإرشاد إلى ما في إرتكاب الشبهة من الإبتلاء بالهلكة وهي العقوبة الآخروية فيما إذا تنجز التكليف كما في أطراف الشبهة المحصورة في العلم الإجمالي، أو الهلكة غير العقوبة من المضار والمفاسد الأخرى إذا لم يتنجز التكليف وورد الترخيص في الإرتكاب، فالمدار في وجوب التوقف وعدمه حينئذٍ هو لملاحظة حكمة الطلب، وأنها هل تقتضي لزوم الإحتراز عن الشبهة أم لا؟

الرابعة: ظاهر قوله (عليه السلام): (فمن إرتكب الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم) أن الهلكة مترتبة على إرتكاب الشبهة لا على مخالفة الأمر بالتوقف، فهذا الظهور قرينة على عدم ترتب العبوبة الآخروية على مخالفة نفس الأمر بالتوقف إنما على إرتكاب الشبهة، وحيث لا عقوبة على مخالفة الأمر فإنّه يلزمه أن يكون إرشادياً لا مجالة، وليس من الأمر المولوي حتى يقال بوجوب الإحتياط شرعاً.

فهذه جملة من القرائن الدلة على كون الأمر في أخبار الإحتياط للإرشاد المطلق الجامع بين الوجوب والإستحباب فتدبّر.