العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

التنبيه الثاني

التنبيه الثاني:

قال المصنف (قدس سره): (الثاني أنه لا شبهة في حسن الإحتياط شرعاً وعقلاً في الشبهة الوجوبية أو التحريمية في العبادات وغيرها).

أقول: يقع الكلام في التنبيه الثاني من تنبيهات البراءة، والمقصود من إنعقاد هذا التنبيه الإشارة إلى إشكال يطرح في العبادات في الأفعال التي يدور أمرها بين الوجوب وغير الإستحباب بنحو لم نحرز تعلّق أمر الشارع بها، فهل يصّح فيه الإحتياط أو الإحتياط في ترك الإحتياط للزومه البدعة.

ولا يخفى أنّ جملة من الفقهاء القدماء أفتوا بإستحباب أفعال لم يقم نصّ على إستحبابها، فهل الوجه في ذلك من جهة رجحان الإحتياط أم لا؟

وقبل الدخول في صلب الموضوع يشار إلى أمرين:

الأول: أنّه لا إشكال في حسن الإحتياط عقلاً ورجحانه شرعاً في كلّ شبهة من الشبهات الوجوبيةأو التحريمية، وإختلافنا مع الاخباري أنما كان من جهة القول بوجوبه الشرعي فذهبنا إلى البراءة بعد الفحص حيث التزموا بوجوب الإحتياط شرعاً في الشبهة الحكمية التحريمية الناشئة من فقد النّص.

وأمّا حسنه العقلي، فلأنّه يحرز لنا الواقع عملياً، ويوجب التحرّز عن الوقوع في المفسدة الواقعية المحتملة، كما يوجب إستيفاء المصلحة الواقعية المحتملة.

وأمّا رجحانه شرعاً، فإنّه يمكن إستفادة إستحبابه من بعض الأخبار الواردة في المقام كقوله (عليه السلام) في مقام الترغيب على الإحتياط: (فمن ترك ما أشتبه عليه من الإثم لما إستبان له أترك، والمعاصي حمى الله، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها) ([1]).

وجه الإستدلال: أن الظاهر من التعليل بالأثركيّة إنما هو من باب المكان الحكمة في تشريع الإحتياط، وليس من العلّة التشريع الإحتياط. وإلّا فإنه مثل كثير من الروايات الآمرة بالتوقف والإحتياط عند الشبهات، فإنّها حملت على الأمر الإرشادي كما تقدم فلا يستفاد منها الحكم الشرعي، فإنّ الأمر الإرشادي لا يأمر الآمر به إلّا من حيث أنّه مخبر بما فيه من الحُسن، لا من حيث أنه شارع.

الثاني: أنّه إذا إحتاط في الشبهات الوجوبية بالإتيان والتحريمية بالترك والأولى لإحتمال الأمر به والثاني لإحتمال النهي عنه، فإنّه ثياب على ذلك وذلك من باب الإنقياد والخضوع للمولى، وربما يقال أنّ إستحقاق الثواب على هذا الإحتياط أولى من إستحقاق العقاب على تركه لو كان واجباً، لأنّ الأمر في جانب الثواب أوسع منه في جانب العقاب، ولهذا لا يعاقب إلّا بالإستحقاق للعقاب ولكن ربما يثاب بدون الإستحقاق من باب التّفضل والكرم.

وبعبارة أخرى: لا ريب في حسن الإحتياط عقلاً وشرعاً في الواجبات مطلقاً أما التوصليات فإن المقصود فيها تحقق ذات العمل كتطهير الثوب فالإحتياط فيها نوع من الإنقياد للمولى وهو ممدوح على كل حال، وأمّا العبادات فإنّه يحسن الإحتياط لو اُحرز أصل الرجحان في العمل وتردد الفعل بين الواجب والمندوب، فإن يمكن الإحتياط بإتيان العمل بداعي أمر الواقعي أي بما كان الأمر متوجهاً إليّ، إن واجب فواجب وإن مستحب فمستحب.

ولا يقال: هذا يتنافى مع قصد الوجه، فإنّه يقال: أولاً: لا يعتبر قصد الوجه كما هو محقق في محلّه. وثانياً: لو سلّمنا ذلك فإنّما يعتبر مع الإمكان، ومع عدمه كما في المقام فلا يشترط قصد الوجه.

إشكال وجواب:

وإنّما الإشكال في حسن الإحتياط في ما إذا لم يحرز الرجحان في العمل ودار الأمر فيه بين الوجوب فغير الإستحباب من والإباحة أو الكراهة، فإنّه لا يمكن إحراز محبوبية العمل حتى يحسن الإحتياط فيه، لأنه إن أتى بالعمل بداعي الأمر كان من البدعة وتشريعاً، وإن أتى به بغير ذات الداعي فله يأت بالعبادة المقيدة بقصد الأمر حينئذٍ، ومن هنا يستشكل في جريان الإحتياط في هذا الفرع من العبادات لأنه لابّد في العبادة من نية القربة المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلاً أو إجمالاً .

بيان ذلك يتوقف على بيان أمور ثلاثة:

الأول: أنّ العبادة تتوقف على قصد القربة، بنحو يكون قصد القربة من القيود المعتبرة في متعلق الأمر العبادي مثله مثل سافر الأجزاء والشرائط ممّا لها دخل في متعلق الأمر وتحقق المأمور به، بل من أهم ما يشترط في العمل العبادي هو قصد القربة، وبه يمتاز عن الأوامر التوصلية، فإنّ الأمر يسقط فيها كيف ما إتفق كتطهير الثوب للنائم بخلاف الواجب التعبدي فإنه يشترط أن يكون بقصد القربة خالصاً.

الثاني: إنّ المراد من قصد القربة هو قصد الأمر المولوي دون غيره ممّا يوجب القرب إليه سبحانه وتعالى.

الثالث: إنّ الأمر الذي يعتبر فيه قصد التقرب به هو الأمر المعلوم دون المجهول والمشكوك، فلا ينفع وجود الأمر في الواقع مع الجهل به في تحقق قصد القربة المطلوب، بل لابّد من العلم بالأمر في الواقع إما تفصيلاً كقصد الأمر المتعلق بالصلاة المعلوم تفصيلاً جميع أجزائها وشرائطها، أو إجمالاً: كقصد الأمر المتعلق بإحدى الصلوات الأربع مثلاً عند إشتباه القبلة كما عند المشهور من الفقهاء.

ثم لا يخفى أنّ الإحتياط معناه هو الأخذ بالأوثق والإتيان باق فعل أو ترك بحرز به الواقع، ولمّا كانت عبادية العبادة متقوّمة بالإتيان بجميع الأجزاء والشرائط بقصد القربة أي بداع قربى كما علم، فالإحتياط حينئذٍ عبارة عن الإتيان بالعمل العبادي بجميع ما له دخل في العمل العبادي ومنه قصد الأمر المعلوم تفصيلاً أو إجمالاً.

وإذا شك في تعلّق الأمر بعملٍ من جهة دوران ذلك العمل بين أن يكون واجباً أو غير مستحب أي مباح أو مكروه لم يمكن الإتيان به من الإحتياط في العبادة أصلاً، لعدم إحراز تعلق أمر بذلك العمل.

ولازم ذلك أنّ الإحتياط في العبادة حينئذٍ غير متحقق، إذ لا علم بأمر الشارع لا تفصيلاً ولا إجمالاً، ومع عدم العلم لا يتمشّى منه قصد القربة.

وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة عديدة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

 في الإشكال المطروح في حسن الإحتياط شرعاً وعقلاً فيما دار الأمر في العبادة بين الوجوب وغير المستحب أي المباح والمكروه، فالقول بالإحتياط يلزمه البدعة والتشريع فيما إذا كان الأمر في الواقع الإباحة أو المكروه فيما إذا أراد أن يأتي به بداعي الأمر ولا أمر، وإذا أراد أن يأتي بغير داعي الأمر فإنّه لم يأت بالعبادة المقيدة بقصد الأمر حينئذٍ وإذا قيل في الجواب: يستكشف ثبوت الأمر الشرعي في الواقع من جهة حكم العقل بحسن الإحتياط، أي لما قلنا أنّ الإحتياط حسن عقلاً فستكشف من ذلك وبعد أمر شرعي بالبرهان اللّمي وذلك من جهة الملازمة المعروفة أنه كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، أو نقول بذلك بنحو البرهان الآلي أي من المعلول نصل إلى العلّة أي من القول بالإحتياط الحسن نصل إلى إحتمال وجوداً مر في الواقع.

وأورد عليه:

أن ذلك من الوهم وأنّه مدفوع، فإنّ حكم العقل بحسن الإحتياط لا يثبت موضوع الإحتياط وإمكانه، لأنّ حكم العقل والشرع جاريان على نحو القضايا الحقيقية وبيان للكبرى من دون التعّرض لبيان الصغرى وتحقق الموضوع في الخارج فتأمل ثمّ أُجيب عن الإشكال المزبور أولاً: يبتني الإشكال على أنّ عبادية الواجب إنّما يتحقق ويتوقف على الإتيان بالواجب بقصد الأمر الجزمي، وبما أنّه لا جزم في الواجب لإحتمال أن يكون مباحاً أو مكروهاً لدوران الأمر بين الواجب وغير المستحب فإذن لا مجال للإحتياط، ولكن ليس الأمر كذلك بأن يؤتى بالواجب بقصد الأمر الجزمي والحتمي، بل يكفي في عبادية العبادة أن يضاف إلى المولى عز وجل في الجملة وإن لم يكن بالجملة وتفصيلاً وجزماً، ومن الواضح أنّ الإتيان بالعمل برجاء ما في الذمة وبرجاء المطلوبية والمحبوبية وإحتمال أمر المولى في الواقع من أحسن وجوه الإضافة إلى الله سبحانه، وهذا ما يحكم به العقل والعقلاء، وربما يقال أعلى رتبة من الإمتثال للأمر الجزمي، لأنّه ربما في الإمتثال الجزمي يكون الداعي والإنبعاث إليه خوفاً من العقاب وهذا بخلاف ما لو أتى بالأمر برجاء المطلوبية وما في الذمة فربما يأتي بذلك حبّاً لله سبحانه، وكم فرق بين الحبّ والخوف في إتيان العمل.

وثانياً: لو سلّمنا إعتبار الجزم في المأتى به إلّا أنّ ذلك مختص بصورة التمّكن منه بخلاف ما في المقام كما هو ثابت في محلّه.

وثالثاً: أنّ حكم العقل بحسن الإحتياط كحكمه بحسن الإطاعة فإنّه من الأمر الإرشادي واقع في سلسلة معلولات الأحكام لا عللها، فلا مجال لقاعدة التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي، لأنّ مورد القاعدة هو الحكم العقلي الواقع في سلسلة علل الأحكام وملاكاتها لا في معلولاتها، نظير قبح الظلم وحسن ردّ الوديعة ونحو ذلك، فكما أنّ الأمر بالإطاعة لا يصلح لجعل الواجب التوصل مثلاً كغسل الثوب للصلاة فيه من العبادة بالمعنى الأخص بإعتبار إنطباق عنوان الإطاعة عليه وإلّا للزم أن يكون كل واجب حتى التوصليات عبادياً، لإنطباق عنوان الإطاعة عليه، فكذلك الفعل المنطبق عليه الإحتياط لا يمكن أن يصير عبادة بإعتبار قصد التّقرب بأطاعة الأمر المتعلق به المنكشف ذلك الأمر من القاعدة المذكورة (كلّما كلم به العقل كلم به الشرع) فالمقام أجنبي عن القاعدة.

لأنّ الإحتياط من أنحاء الإطاعة المترتبة على الأمر والنهي الشرعيين، ومن الواضح أن حسن الإطاعة عقلاً لا يلازم الأمر الشرعي المولوي بها، فلا أمر شرعاً بالإحتياط.

ورابعاً: يلزمه الدور بيان ذلك: لو قيل أنّ الأمر بالإحتياط يكون مولوياً لقاعدة الملازمة، فإنّه مع ذلك لا يندفع الإشكال لأنّ الإحتياط في العبادة عبارة عن إتيان العمل العبادي بكل شرائطه وأجزاءه ومنها الإتيان بقصد أمرها وهو المقصود بقصد القربة، فيعتبر حينئذٍ في تحقق الإحتياط كون ذلك العمل العبادي مأمور به، حتى يتصف إتيان بقصد أمره بالإحتياط في العبادة، فيكون الأمر مقدم على الإحتياط من باب تقدم الموضوع على محموله وحكمه وبإعتبار أنّ الأمر يستكشف من الإحتياط ويتولّد منه بحسب الفرض للقاعدة فيلزم أن يكون الأمر مؤخر عن الإحتياط تأخر الحكم المحمول عن موضوعه، فحينئذٍ الأمر بالإحتياط يتوقف على ثبوت الإحتياط، وثبوت الإحتياط متوقف على الآمر به، وهل هذا إلّا دور باطل، وعليه فأوامر الإحتياط حتى لو كانت مولوية فإنّها لا تصلح لإثبات مشروعية الإحتياط في العبادة.

وخلاصة القول: أنّ حسن الإحتياط عقلاً لا يدل بقاعدة الملازمة على تعلّق الأمر المولوي به بل هو من الإرشادي كالأمر بالإطاعة الحقيقية فإنّها إرشادية، ومن المعلوم أنّ الأمر الإرشادي لا يصلح التقرب به، بل يتقرب بالأمر المولوي وغذا قيل بتعلق الأمر المولوي بالإحتياط من جهة قاعدة الملازمة، فإنّه مع ذلك لم يندفع الإشكال من دوران الأمر بين الواجب وغير المستحب للزوم الدور كما ذكر.


 

ثم يا ترى هل أوامر الإحتياط كالأمر بالإطاعة تكون من الأوامر الإرشادية إلى ما استقل العلّل به، فلا يترتب عليها سوى ما استقل العقل به من حسن الإنقياد وإستيفاء الواقع، أو أنّها مولوية، فيكون الإحتياط مستحباً حينئذٍ كبقية المستحبات، فلو شك في صحة صلاة فإنّه من باب الإحتياط يستحب له الإعادة وإن كانت محكومة بالصحة لقاعدة الفرسخ مثلاً.

ذهب المحقق النائيني (قدس سره): أولاً إلى أنّ ظاهر سياق الأخبار الواردة في الإحتياط يقتضي كونها مؤكّدة لحكم العقل في مرحلة إمتثال الأحكام الواقعية وسلسلة معلولاتها، فتكون الأوامر حينئذٍ إرشادية، لأنّ الحكم العقلي إذا كان في مرتبة علل الأحكام وملاكاتها، فإنّه يكون تابعاً للحكم المولوي، وإن كان في مرحلة الإمتيال المترتب على ثبوت الحكم الشرعي كحكمه بلزوم الطاعة فلا يستتبع الحكم المولوي، بل يكون الأمر في المقام إرشادياً، والأمر بالإحتياط من القسم الثاني الذي يقع في مرتبة معلولات الأحكام دون مرتبة عللها وملاكاتها.

وثانياً: يمكن أن يكون الأمر بالإحتياط نشأ عن مصلحة إدراك الواقع، أو يكون ناشئاً عن مصلحة في نفس الإحتياط كان يحصل له قوة للنفس تبعثه على الطاعات وترك المعاصي والذي هو من مراتب التقوى في الإنسان، وإلى هذا المعنى أشار (عليه السلام) بقوله: (من ترك ما إشتبه عليه من الإثم فهو لما إستبان له أترك) أي بطريقة أولى يترك ما علم أنه حرام، لأنّه يترك الشبهات فضلاً عن الحرام، ولا يخفى كما في علم الأخلاق أنّ حصول الملكات الفاضلة أو المذمومة إنّما هو على نحو التدريج ولترك الشبهات أثر بيّن في ذلك الأمر التدريجي، فيمكن أن يكون الأمر بالإحتياط بهذا الملاك وهو ملاك واقع في سلسلة علل الأحكام فيكون الأمر بالإحتياط حينئذٍ مولوياً.

قيل في جوابه: إنّ الأمر الثاني متين فإنّه يمكن أن يكون الأمر بالإحتياط مولوياً بملاك حصول التقوى وحصول القوة النفسانية في ترك المحرمات والصفات الذميمة، ولكن يمكن المناقشة في الوجه الأول من كون الأمر بالإحتياط إرشادياً لكونه واقعاً في سلسلة معلولات الأحكام، وهذا ما سيأتينا إن شاء الله تعالى.


 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

في مقولة المحقق النائيني (قدس سره) في أن أوامر الإحتياط إرشادية كأوامر الإطاعة فإن سياق الأخيار الواردة في الإحتياط يقتضي كونها مؤكدة لحكم العقل في مرحلة إمتثال الأحكام الواقعية وسلسلة معلولاتها فتكون الأوامر حينئذٍ إرشادية، فإنّ الحكم العقلي إن كان في مرتبة عللل الأحكام فإنّه يستتبع الحكم المولوي فكل ما حكم به الشرع حكم به العقل، وإن كان في مرتبة العمل والإمتثال المترتب على ثبوت الحكم الشرعي كحكم العقل بلزوم الإطاعة، فإنّه لا يستتبع الحكم المولوي ويكون في هذا المقام من الحكم الإرشادي، والأمر بالإحتياط من هذا القبيل وناقشه تلميذه سيدنا الخوئي (قدس سره) من كون الأمر بالإحتياط إرشادياً لأنّه وقع في سلسلة معلولات الأحكام وليس العلل والملاكات.

فيرد عليه:

أولاً: أنّ مجرد ورود الأمر في مرحلة ومرتبة معلولات الأحكام لا يستلزم الإرشادية، فلا يجوز رفع اليد عن ظهور اللفظ في المولوية.

وثانياً: لا يقاس المقام بالأمر بالطاعة لأنه قياس مع الفارق فإنّ الأمر بالطاعة يستحيل فيه المولوية حتى لو لم نقل بإستحالة التسلسل كما في الأمور الإعتبارية، لأنّ مجرد الأمر المولوي ولو لم يكن متناهياً في السلسلة لا يكون محرّكاً للعبد نحو الإمتثال والعمل ما لم يكن له إلزام من ناحية العقل، فلابّد أن ينتهي الأمر المولوي في مقام الباعثية والمحركية نحو العمل إلى الإلزام العقلي، فلا مناحي أن يكون الأمر الوارد في مورده حينئذٍ إرشاداً إلى ذلك. وهذا بخلاف الأمر بالإحتياط فإنّ حسنه وإن كان من المستقلات العقلية الواقعة في سلسلة معلولات الأحكام الشرعية الواقعية، إلّا أنّ العقل بما أنّه لا يستقل بلزوم الإحتياط في كل مورد بل ربما الإحتياط في ترك الإحتياط كما لو إستوجب الصبر والحرج فلا مانع من أن يأمر به المولى مولوياً، حرصاً على إدراك الواقع أمّا وجوباً كما عند الإخباري وإستحباباً كما عند الأصولي.

وبالجملة: الملاك والمناط في الحكم الإرشادي دون المولوي فيما لو كان من المستقلات العقلية التي لا يعقل فيها ثبوت الحكم المولوي لكونه يلزمه اللغوية أو غير ذلك، وأمّا مجرد وقوع الأمر في سلسلة معلولات الأحكام ومقام إمتثالها، فإنّه غير مانع من كون أمره يكون مولوياً، وعليه فالأمر بالإحتياط مولوي إلّا أنّه يحمل على الإستحباب بقرينة الترخيص في الترك المستفاد من أخبار البراءة، كما هو المختار والله العالم بحقائق الأمور.


عود على بدء:

قد  أجيب عن الإشكال في الأحتياط فيما لو دار الأمر بين الواجب وغير المستحب أي المباح والمكروه بجواب آخر، إلّا أنّه يظهر من الجواب على الجواب الأول الذي إستدل على الإحتياط الإرشادي بكونه مولوياً بإعتبار قاعدة الملازمة، بأنه يلزمه الدور فإنّه كذلك في الجواب الثاني يلزمه الدور:

بيان ذلك: إنّما نقول بمولاية أوامر الإحتياط بإعتبار أنه يترتب الثواب على الإحتياط وأينما كان الثواب كان الأمر فيه مولوياً. وأمّا أنه يترتب على الإحتياط الثواب فهذا ممّا لا ريب فيه، كما دل عليه جملة من الروايات.

كما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) في وصية له لأصحابه قال: (إذا إشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردّوه إلينا حتى نشرح لكم عن ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما أوصيناكم لم تعدوه إلى غيره، فمات منكم ميّت من قبل أن يخرج قائمنا، كان شهيداً)  ([2]).

ومن الواضح أنه لا يترتب الواب كثواب الشهيد إلّا لكونه طاعة، وكونه طاعة يتوقف على تعلّق الأمر به، فترتب الثواب على الإحتياط يكشف بنحو البرهان الآلي عن تعلق الأمر المولوي به. فثبت المطلوب ويأتي بالعبادة حينئذٍ بقصد القربة.

فيصير الإحتياط مستحباً شرعاً حتى في مثل دوران الأمر بين الواجب وغير المستحب.

وأُجيب عنه:

أولاً: إنّ تعلق الأمر بالإحتياط مطقاً سواء أكان إستكشافه بنحو البرهان اللّمى حيث نصل من العلّة إلى المعلول وفي الإحتياط وإنما نصل إلى ذلك والقاعدة الملازمة (كل ما حكم به العقل حكم به الشرع) أم بنحو البرهان الإني حيث نصل إلى القلة من خلال المعلول وفي المقام من خلال ترتّب الثواب على الإحتياط فمضل إلى الأمر المولوي في الإحتياط، فإنّ تعلّق الأمر بالإحتياط إنّما يتم لو كان الإحتياط ممكناً، فتعلق الأمر بالإحتياط فرع إمكان الإحتياط، وقد مرّ إمتناع الإحتياط لمحذورية الدور كما في المقام.

بيان ذلك: أنّ الأمر بالإحتياط متوقف على إمكانه، وتوقف إمكانه متوقف على العلم بالأمر به حتى يقصد ذلك الأمر، ويندرج الإتيان بالفعل بداعي الأمر أنّه من الإحتياط في العبادة، ثم العلم بالأمرية يتوقف على الأمر به حتى يتعلق العلم به، والأمر لمحذورية الدور، فإنّه يتعذر الإحتياط حينئذٍ، ولا يمكن إستكشاف الأمر بالبرهان الالّي أي من ترتب الثواب على الإحتياط بمثابة لوثبت هذا الأمر لكان متأخراً عن موضوعه وهو الإحتياط، فكيف يكون من مبادئ ثبوت الإحتياط ومن علل وجوده التي لا بّد من تقدمها عليه رتبة.

فلا يكون ترتّب الثواب كاشفاً عن تعلّق الأمر به، ولو تعلّق الأمر به لكان إرشادياً حينئذٍ كما في الأمر بالإطاعة الحقيقية.

وخلاصة الكلام: إنّ محذورية الدور مشترك الورود على كلا الجوابين، كما أنّ حال الإحتياط حال الإطاعة الحقيقية في حسنها وترتّب القواب عليها، وعدم كشفهما عن تعلّق الأمر المولوي بها، وأنّ÷ لو تعلق أمر بها لكان للإرشاد والله العالم بحقائق الأمور.



([1]). الوسائل: باب 12 من أبواب صفات  القاضي الحديث: 22.

([2]). الوسائل: باب 18 : 122).