ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١٢/٢٠ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

التبيه الثالث (أخبار من بلغ)

التنبيه الثالث

أخبار من بلغ

يقع الكلام عطفاً على ما سبق في بيان تنبيهات البراءة، فتعرضنا إلى التنبيه الأول بالتفصيل وخلاصته أنه يشترط في جريان أصالة البراءة بل وأخواتها كأصالة الطهارة والحليّة وغيرهما من الأصول بل حتى الأصول المحرزة كالإستصحاب أن لا تكون هناك أمارة ودليل إجتهادي حاكم أو وارد عليه، فإن الأصل لمن لا دليل له، لا يكون أصل حاكم أو وارد مطلقاً موافقاً كان أو مخالفاً على أصالة البراءة، وهذا يعني انحصار الأصل فيما إذا لم يكن هناك أمارة أو أصل حاكم.

كالأصل الجاري في الموضوع فإنّه حاكم على الأصل الجاري في الحكم والمحمول من باب حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي.

مثال ذلك: إذا شك في حليّة حيوان أو حرمته من أجل الشك في قبوله للتذكيّة ـ والمسألة كانت ذات صور كثيرة كما مرّ تفصيل ذلك ـ فإنّه لو قيل بجريان اصالة عدم التذكية أو دلّ الدليل والأمارة على ذلك، فإنّه لا مجال حينئذٍ إلى إجراء أصالة الحل أو أصالة الطهارة لأن الشك في ناحية الحل أو الطهارة ناشي عن ورود التذكية عليه أي لو كان قابلاً للتذكية، فإذا حكم بالعدم لما بقي الشك في ناحية الحلية، فالأصل الجاري في ناحية الموضوع حاكم على الأصل الجاري في ناحية الحكم مطلقاً سواء أكانت الشبهة موضوعية أو حكمية، وتعرضنا لمسألة اللحم المشكوك فيه لشبهة حكمية أو موضوعية وبيان الصور.

وكان التنبيه الثاني يدور حول حُسن الإحتياط على كل حال عقلاً ونقلاً في الواجبات التوصيلية للإنقياد وحسنه والتعبدية فيما إذا أحرز أصل الرّجحان وتردد الفعل بين الواجب والمندوب، فإنّه يمكن الإحتياط الحسن بإتيان العمل بداعي أمره الواقعي أعم من الوجوب  أو الندب. وإنما وقع الإختلاف والإشكال بين الاعلام فيما إذا دار الأمر بين الواجب وغير المستحبا أي المكروه أو المباح فكيف يكون الإحتياط فيه حسناً، وقد مرّ الكلام فيه بالتفصيل.

وأمّا التنبيه الثالث: ففي بيان روايات من بلغ عطفاً على ما سبق من أنه يمكن القول بإمكان الإحتياط في التعبديات بدلالة روايات إشتهرت بأخبار من بلغ حيث أنّ لسان الأخبار مع الإختلاف في التعابير يدل على أنّ تمام الموضوع للثواب هو بلوغ شيء من الثواب أو سماعه، فمن بلغه شيء من الثواب أو سمع به على عمل فعمله رجاء أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو أحد المعصومين (عليهم السلام) قاله، فإنّه يثاب عليه وإن لم يقله (عليه السلام).

فلو ثبتت اخبار من بلغ وثبت إطلاقها لشمول صورة البلوغ أو السماع ولو عن طريق غير صحيح في الواقع، وثبت ترتب الثواب عليه، فهذا ممّا يدل بوضوح على عدم إشتراط الجزم في النية أو قصد الأمر المولوي في تحقق عنوان الإطاعة، بل يكفي في صحة العمل وقبوله أن يأتي به برجاء المطلوبية وإدراك الواقع، فإنّه يثاب على العمل عين اثواب الذي يقع على العمل فيما لو صادف الواقع، فلم يكن الإتيان كذلك لغواً أو محرّماً من جهة أنه من البدعة المحرّمة مثلاً، فلو قلنا بإشتراط الجزم بالنية وبالصدور لما كان وجه لترتب الثواب النفسي بمجرد البلوغ أو السّماع، لأنه لم يأت بالعمل الصحيح بمجرد ذلك فكيف يقال بترتب الثواب عليه؟

فالمفروض أن نشير في المقام إلى روايات من بلغ وإلى مفادها  دلالتها وأنها هل فيها الإطلاق الشامل لمطلق البلوغ أو السماع أولا أطلاق فيها فيقع الكلام حينئذٍ في جهات:

الجهة الأولى: في أبار من بلغ، فقد أورد الاخبار المحدث القدير الشيخ الحرّ العاملي قدس سره في الباب 18 من أبواب مقدمات العبادات في وسائل الشيعة، ولا بأس من الاشارة إلى جملة منها ولا إشكال في السند مما حيث المجزع إذ منها ما هو صحيح السّند وهذا كاف في الإعتبار ، فمنها:

1 ـ خبر هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) برواية الشيخ الكليني قدس سره قال عليه السلام: من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه، كان له، وإن لم يكن على ما بلغه( [1]).

2 ـ ومنها: رواية المحاسن: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من اثواب فعله كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقله( [2]).

3 ـ ومنها: خبر محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان له ذلك اثواب. وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله( [3]).

4 ـ وعند أيضاً قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أديته، وإن لم يكن الحديث كما بلغه( [4]).

5 ـ ومنها: خبر صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمل (فعمله) به كان له أجر ذلك وغن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله( [5]).

إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في هذا الباب، ولا إشكال في اعتبارها سنداً من حيث المجموع، فإن فيها الصحيح كخبر هشام بن سالم، فلا حاجة حينئذٍ إلى الدقةى في سند الأخبار كلها، أضف غلى أنه قد عمل المشهور بها وأفتوا على ضوءها، بل قال الشيخ الأعظم قدس سره عليه الشهرة العظيمة بل الإتفاق المحقق عليه والأخبار الدالة على ذلك مستفيضة بل لا يبعد تواترها إجمالاً.

وقال المحقق المشكيني في تعليقته على الكفاية: لا إشكال ظاهراً في بلوغ تلك الأخبار إلى المرتبة الحجيّة أي مما يحتج بها إما لصحة بعضها أو للوثوق بصدور بعضها، لتعدد أسنادها ، أو لعمل المشهور، أو لوجود التواتر الإجمالي، وإنما الكلام في مفادها ودلالتها، كما أنّ العنوان المأخوذ فيها على نحوين: فتارة وهو العنوان الأكثر: (من بلغه) أي بلوغ الخبر أو ثواب العمل ونحو ذلك، وأخرى: عنوان سماع ذلك فتدبّر.

وأمّا المفاد والدلالة فهذا ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

 

 


 

يقع الكلام في دلالة ومفاد اخبار من بلغ، فإنّه يحتمل أن يكون مفادها واحد من هذه المحتملات.

الأول: أن يكون مفادها الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الإنقياد، ترتّب الثواب على الإتيان بالعمل الذي بلغه وإن لم يكن بلغه.

وبعبارة أخرى: يحتمل أن يكون مفاد اخبار من بلغ الإشارة إلى حسن الإنقياد وثوابه كحسن الإطاعة وثوابها، فكما يثاب إستحقاقاً إذا طابق المأتى به للمأمور به، فكذلك يثاب إذا لم يطابق إلّا أنّه أتى بالعمل برجاء المطلوبيّة وما في الذمّة، فيكون وزان الإنقياد والطاعة وزان التجري والمعصية بأنّه لا فرق بين المتجري والعاصي فيما يرجع إلى إختيار المكلف في إتيان الفعل المبغوض للمولى فكل واحد يكون بصدد الطغيان على الولي ومما يدل على خبث السريرة وسوء النية، هذا في الجانب السلبي فكذلك في الجانب الإيجابي من الإنقياد والإطاعة وحسنهما والثواب عليهما فلا فرق بين المنقاد والمطيع من حسن السريرة والنية في تحقق مبادئ القرب من المولى، وأمّا المأمور به يطابق الواقع في الإطاعة ولا يطابق في الإنقياد فلهذا أمر خارج عن إختيار المكلّف، وعليه يتاب المنقاد كما يثاب المطيع إستحقاقاً.

الثاني: يحتمل أن يكون المفاد من الأخبار وزانها وزان الجعل في الجعالة في الفقه، فكما لو قال القاتل : (من ردّ عليّ ضالتي فله كذا) ليكون هذا العنوان داعياً وباعثاً لتعقيب الضالة لكل من أراد ذلك، كذلك يجعل المولى الثواب على عنوان عام كل من بلغه ثواب حتى يكون دافعاً وداعياً لكل من أراد ذلك، ومقصود المولى من ذلك أن يتحفظ على الواقع فلو كان الخطاب شخصياً لفرد أو فردين لم يحصل الغرض المولوي من تحفظ الواقع كما لم يحصل غرض الجاعل من ردّ ضالّته.

والمثال الأوضح كما ذكر بعض الأعلام المعاصرين: إنّه من فقد خاتماً في أرض رملية فيقول (كلّ من أتى بكيل من الرسل فله كذا) مع أنّه لا يترتب على إتيان الكيل الفاقد للخاتم أثر، إلّا أنّه فيه ترغيب للناس والحث على التقاط الخاتم فيجعل الآخر على كل من يأتي بمقدار من الرّمل، فكذلك الشارع المولى فإنّه لجوده وكرمه لما تعلق غرضه أن ينال العباد الخير والسعادة المتحققة في مطلق العبادات الواجبات والمندوبات والمستحبات وحيث أنّ أكثر طرق المستحبات لم تصل إلى العباد بالطرق الصحيحة والمعتبرة كالروايات اصحيحة بل وصلت من خلال الروايات الضعيفة السّند، فإنّهم لو اكتفوا على المستحبات الثابتة بالطرق الصحيحة والسند الصحيح فربما لا يصلون إلى الخيرات والحسنات، ومن أجل ذلك حث ورغب وجعل الثواب على إتيان العمل بمجرد البلوغ والسماع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يقله (عليه السلام) واقعاً، وهذا نظير جعل عشر حسنات لمن جاء بالحسنة الواحدة كما في قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (الأنعام: 160) فالحسنة الواحدة لا يتبعها عشر حسنات لولا لسان التفضل وجعل الشرع، فيكون الثواب المترتب على روايات من بلغ حينئذٍ من باب التفضل.

وبعبارة أخرى: يكون مفاد اخبار روايات من بلغ حينئذٍ هو اسقاط شرائط حجية الخبر في باب المستحبات وأنه لا يعتبر فيما ما كان يعتبر في الواجبات والمحرمات من العدالة والوثاقة في الرّواة، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالتسامح في أدلة السنن.

الثالث: أن يكون مفادها أن إتيان العمل برجاء المطلوبيّة وللحصول على الثواب المترتب عليه إنّما هي من العناوين التي إذا انطيت على أمر وعمل بجعل ذلك الأمر مستحباباً ومطلوباً.

وبعبارة أخرى: أن يكون العمل حينئذٍ مستحباً بالعنوان الثانوي الطارئ عليه وهو عنوان بلوغ الثواب عليه، بمعنى أنّ عنوان بلوغ اثواب مما يوجب حسن الفعل وتغير حكمه فيكون عنواناً ثانوياً كعناوين الضرر والإضطرار والعسر والنذر وأمر الوالد وما شابه ذلك، فعنوان الإنقياد حينئذٍ يكون ممّا يوجب تبدّل عنوانه الأولى الذي في الواقع وصيروته مستحباً.

فاختلف الاعلام في إختيار واحد من هذه المحتملات والظاهر بإعتبار ما أشتهر بين الفقهاء من القول بالتسامح في أدلة السنن هو اختيار الإحتمال الثاني،إلّا أنّه أورد عليه: بأنه بعيد عن ظاهر الأخبار غاية البعد.

والوجه في ذلك وبيانه: أنّ لسان الحجيّة إنّما هو إلغاء احتمال الخلاف من عند ما نقول ثبت هذا بالحجة والدليل فمعناه ان خلافه ليس بحجة وأنه ملغي فالمقصود من الحجيّة هو أنّ مودي الطريق والحجة هو الواقع كما في أدلة الطرق والأمارات، فليس المفروض حينئذٍ عدم ثبوت مودّى الحجة إلى الواقع  كما حول أنّ هذه الأخبار، فهذا لا يتناسب لبيان حجيّة الخبر الضعيف في باب المستحبات، ولا أقل من عدم دلالتها عليها.

وكذلك يرد على الإحتمال الثالث، فإنّه لا دلالة للأخبار المذكورة على أنّ عنوان البلوغ ممّا يوجب حدوث مصلحه في العمل بهذه المصلحة يكون العمل حينئذٍ مستحباً، فقاعدة التسامح ممّا لا أساس لها.

وإنّما يتعين الإحتمال الأول إلّا أن الثواب المترتب على الإنقياد ولم يكن من باب الإستحقاق بل تفضلاً من الله سبحانه، فإنّه يعطي الثواب للعامل بما بلغه أو سمعه من الثواب وأن لم يكن ذلك في الواقع ونفس الأمر وفي علم الله سبحانه، وهذا لا يعني أنّ العمل بنفسه يصير مستحباً من أجل طروء عنوان البلوغ عليه كما لا يدل على إسقاط شرائط حجيّة الخبر في باب المستحبات.

والمختار وإن كان الإحتمال الأول قريباً وربما يقال بإستحقاق الثواب حينئذٍ كاستحقاقه في الإطاعة والمطابقة للواقع إلا أن الأقرب هو الإحتمال الثاني، وأمّا الثالث فهو بعيد إذ يلزم القول بإنقلاب الحرام مندوباً في بعض الأحيان، كما غذا أتى بالحرام في الواقع وأن لم يعلم به بنية الإنقياد بزعم كونه مطلوباً عند بلوغه وسماعه إياه وهذا كما ترى مما لا يصّح القول به.


 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق

 في بيان مفاد روايات من بلغ فقد أشرنا غلى ثلاث إحتمالات قد ذكرها الأعلام في دلالة الأخبار ومفادها، وكان المختار صحة الإحتمال الأول وإن كان الأقرب هو الإحتمال الثاني، ويترتب على هذا المختار ما يطرح في المقام من السؤال التالي: هل يوجب بلوغ الثواب على عمل أو سماعه أن يكون العمل بنفسه وذاته مستحياً، أي ينقلب ما في الواقع غلى عمل مستحب ذاتاً؟ في المسألة وجهان وربما قولان.

توضيح وبيان ذلك: إنّ المستحب الأولي الثابت بدليل معتبر هو ما يترتب فيه الثواب على إتيان نفس العمل وذاته لوجود مصلحة في الجملة ورجحان ذاتي فيه، وإذا ترتب الثواب على عمل إلّا أنّه ليس لذاته بل من أجل الوصول إلى أمر آخر مطلوب لذاته، فلا يلزم أن يكون العمل المقدّمي مستحباً حينئذٍ، وإلّا للزم فيما إذا جعل الثواب المقدمات العلمية كما في الإحتياط من أجل إدراك الواقع والبراءة اليقينية أن يكون تلك المقدمات مستحبة، وهذا كما ترى.

وفي الباب والمقام فإنّه على الإحتمال الثاني ومن باب التسامح في أدلة السنّن حيث أنّ ترتب الثواب لم يكن الخصوصية ومطلوبية في نفس العمل الذي بلغه أو سمعه لأنه ربما يكون في الواقع ونفس الأمر محرماً أو مكروهاً أو مباحاً فلم يكن في ذاته الرجحان والمصلحة حتى يكون مستحباً ذاتياً، بل إنّما رتب الثواب عليه من أجل التحفظ على الواقع في الجملة والوصول إلى المطلوبات الواقعية إجمالاً.

فالشارع المقدس إنّما جعل الثواب على نفس إتيان العمل من أجل الترغيب إلى إتيان جميع ما أدى إليه الأخبار الدالة على السنن والمندوبات، لعلمه بأنّ كثير من السنن والمستحبات الواقعية موجودة في هذه الأخبار، فلم يكن ترتب الثواب لخصوصية في نفس العمل وذاته وجرمه، فترتب الثواب وإن كان لنفس إتيان العمل برجاء المطلوبيّة، إلّا أنّه من أجل الحفاظ على الواقع والوصول إلى السنن الواقعية في الجملة، لا لخصوصية في نفس العمل وذاته، وهذا المعنى يصدق كذلك على الإحتمال الأول فإنّ ترتب الثواب على الإنقياد لا يوجب أن يكون ذات العمل مستحباً كما هو واضح.

وذهب المحقق الخراساني في كفايته من أنه لا يبعد أن تكون دلالة بعض أخبار من بلغ على إستحباب نفس العمل الذي بلغه، فإنّه في صحيحة هشام بن سالم ـ كما مر ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من بلغه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له، وإن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقله، فإنّ ظاهرها إنّ الأجر والثواب إنها يترتب على نفس العمل الذي بلغه عنه صلى الله عليه وآله وسلم، فهو صاحب الثواب.

ولكن بما ذكرنا يظهر ضعف هذا القول، فإنّ المستحب بالحكم الأولي ما كان مطلوباً ومحبوباً لذاته بذاته لا لأمر آخر، والحال في المقام وفيما بلغه من الثواب على عمل ليس من أجل ذات العمل يكون مستحباً بل من أجل الحفاظ والتحفظ على الواقع في الجملة والوصول إلى السنن الواقعية إجمالاً كما في الإحتمال الثاني أو لمجرد الإنقياد كما في الإحتمال الأول ولا يلزم من ذلك حينئذٍ أن يكون ذات العمل مطلوباً نفسياً.

ويمكن توجيه ما ذهب إليه المحقق الخراساني، بأنّ مراده من العمل المستحب ليس المستحب المصطلحي وهو أن يكون ذات العمل فيه رجحاناً، ومصلحة في الجملة، بل مقصوده ما يترتب عليه الثواب على فعله مطلقاً أعم من أن يكون من أجل كونه محبوباً في ذاته ولنفسه أو من أجل الحفاظ على ما هو المحبوب في الواقع، فتأمل.

ثم يقع الكلام في جهة من جهات البحث في أخبار من بلغ وهو سؤال يطرح نفسه بأنه هل لأخبار الباب إطلاق يشمل مطلق البلوغ أو السماع ولو لم يكن بطريق  عقلائي، فيعمّ مطلق الخبر الواصل والمسموع حتى لو كان مكتوباً على ورقة طرحت في الدار أو الشارع أو المراد من بلوغ الثواب وسماعة أن يكون بطريق متعارف عليه عند العرف والعقلاء.

الجواب: إنّ العنوان الذي أخذ في ابار من بلغ كان على نحوين: فتارة عنوان البلوغ كما هو في أكثر روايات الباب وأخرى بعنوان السماع كما في صحيحة هشام بن سالم، والظاهر كما قيل بالفرق بين البلوغ والسماع، فإنّ الأول إنّما المتبادر منه ما كان وصوله بطريق متعارف عليه، وهو ما كان بنحو يطمئن أو يعتقد أنّه ممّا قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلّا بمجرد الرواية عن رسول الله ولو كان من طريق وهب بن وهب الذي هو أكذب البرية، فإنّ خبره وإن كان محتمل الصدق إلّأ أنّ العقلاء لا يأخذون بخبره وأنّه وصل إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالظاهر من البلوغ ما كان معقولاً ومتعارفاً عليه، فحينئذٍ يشكل أن يكون الأخبار شاملة للخبر الضعيف، بل لابّد أن يكون شاملاً لشرائط الحجية والإعتبار عند العرف والعقلاء، وحينئذٍ غاية ما تقتضيه الأخبار أنه عند قيام خبر معتبر على الثواب، فإنّه ثياب على ذلك حتى لو لم يطابق الخبر بما في الواقع.

ولكن عنوان السماع فإنّه أعم من البلوغ، فإنّه يشمل اخبار كل أحد لم يعلم كذبه إجمالاً فيشمل ضعيف الخبر حينئذٍ، ولما كان السّماع في صحيحة هشام فإنّه يصّح الإستناد إليها حينئذٍ بادخال الخبر الضعيف في أخبار من بلغ وهذا ما يقصده من التسامح في أدلة السنن، ولا يشترط أن يكون السماع حقيقة بأنّ يقرء الخبر حتى يصدق السمع، بل لا خصوصية للقراءة والسمع ، فمع الغاء الخصوصية يكون المقصود هو نقل الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو بنحو الكتابة، وإنّما عبّر بالسماع من أجل أنّه كان المتعارف عليه آنذاك وعند صدور الأخبار فتأمل.

مقولة المحقق النائيني قدس سره ومناقشته:

ذهب المحقق النائيني قدس سره إلى أنّ المحتمل في اخبار من بلغ وجوه ثلاثة ثم رجح وجهاً من الوجوه الثلاثة وخلاصة ما رجحّه هو: إنّ ما جاء في الأخبار من قوله (عليه السلام) (فعمله) أو (ففعله) إنّما هي جملة خبرية إلّا أنه بمعنى الإنشاء وبمعنى جعل الحجيّة واعتبار قول المبلغ مطلقاً سواء أكان واحداً لشرائط الحجيّة أو لم يكن، فيرجع مفاد أخبار من بلغ إلى اعطاء الحجيّة للخبر الضعيف الذي لا يكون جامعاً وواجداً لشرائط الحجيّة وشرائط الخبر المعتبر، وهذا يعني أنّ أخبار من بلغ تكون بمنزلة القيد والتخصيص للأدلة التي دلّت على إعتبار الوثاقة والعدالة في الخبر والمخبر، وأنّها تختص بالخبر القائم على وجوب الشيء أو حرمته، وأمّا الخبر القائم على الإستحباب فلا يعتبر فيه ذلك ([6]).

ثم يشير إلى وهم في المقام ويدفعه وهذا ما سنذكره إن شاء الله تعالى ثم ما ورد من المناقشة على قوله.


 

في مناقشة قول المحقق النائيني (قدس سره):

عطفاً على ما سبق يقع الكلام في ما ذهب إليه المحقق النائيني في محتملات روايات من بلغ ومفادها وما هو المختار عنده، فإنّه في (فرائد الأصول: 3: 412) ذكر ثلاثة إحتمالات في مفاد الأخبار وأختار واحد منها، وخلاصة ما اختاره ورجحّه على الإحتمالين الآخرين أنه: ما ورد في الأخبار من قوله (عليه السلام) (فعمله) أو (فعله) فأنهما من الجملة الخبرية إلّا انها بمعنى الإنشاء وجعل الحجية واعتبار قول المبلّغ مطلقاً سواء أكان واجداً لشرائط الحجيّة أو لم يكن، فيكون مفاد الأخبار حينئذٍ مسألة اصولية لكونها تدار مدار الحجيّة ورجوعها إلى حجيّة الخبر الضعيف الذي خالٍ عن شرائط الحجيّة وهذا ما يعبر عنه بالتسامح في أدلة السنن.

وبعبارة أخرى: أنّ أخبار من بلغ تكون بمنزلة التحصيص لما دلّ على إعتبار العدالة والوثاقة في الخبر كما في الواجبات والمحرمات، فتلك الأدلة الدالة على إعتبار العدالة والوثاقة إنّما هي مختص بالخبر القائم على وجوب الشيء أو حرمته، وأمّا الخبر القائم على الإستحباب فلا يعتبر فيه ذلك بل يتسامح فيه لروايات من بلغ.

توهم ودفعه:

وربما يتوهم في المقام أنّ النسبة بين أخبار من بلغ وما دلّ على إعتبار الشرائط في حجيّة الخبر إنّما هي عموم وخصوص من وجه، فإنّ ما دل على إعتبار الشرائط يعّم الخبر القائم على الوجوب أو الإستحباب، ومفاد أخبار من بلغ وإن كان مختصاً بالإستحباب إلّا أنّه أعّم من أنّ الخبر القائم عليه جامعاً لشرائط الحجية أو غير جامع، ومورد إجتماعهما في الخبر القائم على الإستحباب الفاقد للشرائط، وحينئذٍ في مقام التعارض لا وجه لرجحان وتقديم أخبار من بلغ على ما دلّ على إعتبار شرائط الحجيّة في الخبر.

فأجاب المحقق أنه هذا وهم مدفوع:

أولاً: يمكن أن تكون أخبار من بلغ ناظرة إلى إلغاء الشرائط في الأخبار القائمة على المستحبات فتكون حاكمة على ما دلّ على إعتبار شرائط الحجيّة في الخبر، ومع الحكومة لا تلاحظ النسبة حينئذٍ، حتى يقال في مقام الجمع والتعارض بعدم رجحان أحد العمومين على الآخر.


 

وثانياً: إنّما يرجّح أخبار من بلغ في مقام تعارض العمومين عند إجتماعهما في مورد وذلك بإعتبار عمل المشهور بها، وبنائهم في الفقه على التسامح في أدلة السنن.

وثالثاً: لو قيل في مقام التعارض بين العمومين، أي عموم أدلة حجية الخبر مع إجتماع الشرائط وعموم روايات من بلغ من كون الخبر الدال على الإستحباب يؤخذ به وغن لم يكن جامعاً للشرائط وكان خبراً ضعيفاً بتقديم العموم الأول أي ما دل على إعتبار الشرائط في الخبر، فإنّه لم يبق حينئذٍ مورداً لأخبار من بلغ بخلاف لو قدمنا عموم أخبار من بلغ، فإنّ الواجبات والمحرّمات تبقى مشمولة لما دل على إعتبار الشرائط في الخبر إنتهى كلامه رفع الله مقامه.

وأورد عليه: أولاً: أنّ لسان أخبار من بلغ تأبى عن جعل الحجيّة لمثل الخبر الضعيف، لأنّ معنى الحجيّة أي ما يصّح أن يحتج به هو جعل علم تعبّدي في عالم التشريع ويسمى بالعلم العادي كحجيّة خبر الثقة يوازن العلم الوجداني الذي في القطع من جهة كونها يكشفان عن الواقع، فلابّد أن يكون لكل منهما ما بأراءه في الواقع، إلّا أنه في العلم العادي التعبدي إنّما يكون في الأعم الأغلب مطابقاً للواقع وإن خالف في بعض الموارد فيكون معذوراً فيه لوجود مصلحة طريقية أو سلوكية في إتباع الخبر الثقة والأخذ به. فلابّد في الحجّة من واقع محفوظ في الجملة يطابقه الطريق المجعول تارة ويخالفه أُخرى.

والحال لسان أخبار من بلغ آبية عن مثل هذا المعنى فإنّها ناظرة إلى جعل الثواب على نفس ما بلغ وليس جعل الحجية على الطريق، فالمقصود من الأخبار هو إعطاء الثواب بمجرد العمل لو بلغه أو سمعه عن رسول الله وأن لم يقله سواء طابق الواقع أم لم يطابقه وإعطاء الثواب تفضلاً ينافي جعل الحجيّة في الطريق كما في لسان أخبار الثقة، والجمع بين اللسانين مما لا تناسب فيه، كما أنّ إعتبار عدم الصدور مع جعل الحجيّة له من الأمر المستهجن بل المتناقض.

وثانياً: ما قاله من جعل الخبر بمعنى الإنشاء في أمثال المقام مما يخالف صناعة الأدب في المقام، فإنّه لو كان قوله (عليه السلام) (فعمله) بمعنى الإنشاء فيكون حينئذٍ بمعنى فعل الأمر الذي هو من أقسام الإنشاء فمعناه فليعمل، ويكون حينئذٍ هو الجزاء لقوله (عليه السلام): من بلغه شيء من النبي فليعمله، وحينئذٍ لا يكون معنى لقوله (كان أجر...) إلى آخره بعنوان الجزاء.

وثالثاً: لقد مرّ أنّ مقتضى النسبة والجمع بين ما دل على إعتبار عدالة الراوي ووثاقته مطلقاً في الواجبات والمستحبات وما دل على إعتبار روايات المستحبات مطلقاً سواء أكان من طريق موثق أو غيره هو الحكومة أي حكومة الثاني الثابت بروايات من بلغ على الأول ونتيجة ذلك تضيق دائر والأول بأنه في الواجبات يلاحظ العدالة الوثاقة في الرواة دون المستحبات، فلو كان مفاد أخبار روايات من بلغ هو إعطاء الحجيّة لطريق الخبر، فحينئذٍ لا وجه لدعوى حكومة روايات من بلغ على روايات إعتبار العدالة والوثاقة لعدم وجود ملاك الحكومة، لأنّ÷ أخبار من بلغ حينئذٍ لم تتعرّض لحال ما دل على إعتبار الوثاقة من توسعة وتضييق ممّا يلزم به قوام الحكومة.

ورابعاً: لقد مرّ أنّ مفد روايات من بلغ إنّما كان ذات إحتمالات ثلاثة، فعمل المشهور بروايات من بلغ لا يعدّ مرجحاً على غيرها، إذ لا علم لنا لماذا عمل المشهور بذلك فربما للإحتمال الأول وهو الإنقياد وليس من باب التسامح في أدلة السنن.

وخامساً: ما قاله المحقق النائيني قدس سره من أن النسبة بين عموم إعتبار العدالة الوثاقة وعموم من بلغ هو عموم وخصوص من وجه، فلو قدم العموم الاول لم يبق مورد للثاني بخلاف لو قدم الثاني فيكون خلاصة الجمع بينهما في مورد الإجتماع هو في الواجبات لابّد من ملاحظة العدالة والوثاقة دون المستحبات، فجوابه أنه لو كانت النسبة عموماً من وجه فلابّد من التخالف في مورد من كلّ من الطرفين، فإنّ العموم من وجه يرجع إلى قضيتين جزئيتين سالبتين لإختلافهما وقضية جزئية موجبة لإجتماعهما كما عند القدماء أو إلى أربع قضايا ثنآن سالبتان جزئيتان وثنتان موجباتان جزئيتان كالطير والأبيض كما عند الشيخ الطفر في منطقة، فلابّد حينئذٍ من التخالف بينهما في موردين.

وزبدة المخاض: إنّ المستفاد من روايات من بلغ ليس إستحباب نفس العمل ولا إستحباب العمل لو أتى به بقصد رجاء المطلوبية أو للإحتياط، بل المستفاد هو ترتب الثواب إستحقاقاً أو تفضلاً على ما إذا أتى بعمل بقصد رجاء المطلوبيّة وهذا ما يظهر من قوله (عليه السلام): (فعمله إلتماس ذلك الثواب أو طلب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يترتب الثواب على ما إذا أتى بالعمل لغرض آخر.



([1]). الكافي: 2: 87 وسائل الشيعة: 1: 81.

([2]). المحاسن: 1: 25.

([3]). المحاسن: 1: 25.

([4]). الكافي: 2: 87.

([5]). ثواب الأعمال: 160.

([6]).  فرائد الأصول: 3: 412 ـ 414.