ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١١/١٣ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ خلاصة الأمر الأول
■ الأمر الثاني: تقديم الأمارات على الأصول
■ الأمر الثالث: إنحصار الأصول العملية في أربعة
■ الأمر الرابع: الشك التكليف على أقسام ثمانية
■ الأمر الخامس: موضع النزاع بين الأخباريين والأصوليين في مسألة البراءة
■ المقام الأول في مسألة البراءة (في أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف)
■ الآية الثانية الدالة على أصالةالبراءة
■ الأخبار الدالة على البراءة الشرعيّة (حديث الرفع)
■ هل الرفع بمعنى الدّفع
■ حكومة حديث الرفع
■ ما هو مصحح الإدّعاء في حديث الرفع
■ الإشكالات التي قيلت في حديث الرفع والإجابة عنها
■ ها هنا تنبيهان
■ هل يجري حديث الرفع في المعاملات
■ عود على بدء: من الروايات التي إستدل بها على أصالة البراءة (حديث الحجب)
■ حدیث السعة
■ حديث إرتكاب الأمر بجهالة
■ أحاديث الإحتجاج
■ حديث الحلّية
■ الدليل الثالث: الإجماع
■ الدليل الرابع: العقل - براءة العقلية (قبح عقاب بلا بيان)
■ قول الإخباري في وجوب الإحتياط
■ الأول: الآيات
■ الثاني: الروايات التي ورد فيها التعليل للوقوف عند الشبهات
■ الثالث: العقل
■ تنبيهات البراءة :
■ التنبيه الأول
■ التنبيه الثاني
■ التبيه الثالث (أخبار من بلغ)
■ التبيه الرابع: موارد الإختلاف في جريان أصالة البراءة
■ التنبيه الخامس: دوران الأمر بين الواجب التعيني أو التخييري.
■ التنبيه السادس: في دوران الأمر بين الواجب العيني والواجب الكفائي
■ التنبيه السابع: الإحتياط حسن
■ التنبيه الثامن: هل تجري البراءة في الشبهات التحريمية الموضوعية
■ فصل : أصالة التخيير
■ هل تجري الأصول الشرعية في دروان بين المحذورين
■ هل يجري الإستصحاب في دوران الأمرين المحذورين
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

فصل : أصالة التخيير

فصل أصالة التخيير

قال المصنف (قدس سره): (إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته لعدم نهوض حجة على أحدهما تفصيلاً، بعد نهوضها عليه إجمالاً، ففيه وجوه:)

أقول: يقع الكلام في أصالة التخيير وهو من الأصول العملية الأربعة المعروفة ومجراه عند الشك في دوران الأمر وتردده بين المحذورين أي الوجوب والحرمة مع العلم بجنس التكليف ولم يمكن فيه الإحتياط ، ولا يخفى أن منشأ الدوران ـ كما عند شيخنا الأعظم (قدس سره) ـ إمّا لفقدان النّص على تعيين أحدهما، بعد قيام الدليل والنص على أصل الإلزام الدائر بينهما أي يلزمه أن يأخذ بأحدهما إذ لا ثالث له، كما لو إختلفت الأمة على قولين، مع العلم بعدم قول ثالث.

أو لإجمال النّص ويكون من جهتين: إمّا من جهة الهيئة كالأمر المردّد بين الإيجاب والتهديد الذي يدل على كون المتعلق منهياً عنه، وإمّا من جهة المادة، كما لو أمر بالتحرز عنه والإجتناب عمّا مر مردّد بين فعل الشيء وتركه.

وإمّا لتعارض النصين اللذين أحدهما يأمر به والآخر ينهى عنه.

والثاني: في الشبهة الموضوعية، كما إذا وجب إكرام العدول وحرم إكرام الفسّاق وأشتبه حال (زيد) من جهة الفسق والعدالة من جهة بعض الامور الخارجية مع وضوح مفهوم العدالة.

والمسألة ذات وجوه بل أقوال:

توضيح ذلك: يقع الكلام بدواً في المنشأ الأول وهو ما دار الأمر بين الوجوب والحرمة في الشبهة الحكمية من جهة فقدان النّص وعدم الدليل على أحدهما ومثاله الشرعي كما عند بعض الأعلام: لو كان الزوج مقطوع الذكر ويتعذَر عليه الإدخال فساحق زوجته ثم طلقها، فإن كانت المساحقة في حكم الدخول فالطلاق يكون حينئذٍ رجعياً، وعليه لو طلب منها الزوج الإستمتاع في العدّة وجبت عليها الإجابة إذ أنها بحكم زوجته أو زوجته واقعاً، وإن لم تكن المساحقة بحكم الدخول كان الطلاق بائناً، وليس له الإستمتاع بما بالرجوع بل لابّد من عقد جديد، فلو طلب منها الإستمتاع حينئذٍ حرم عليها الإجابة، فيدور الأمر في إجابة الزّوجة بين الوجوب والحرمة، فما هو المقدم وما وجه ذلك؟إختلف الأعلام على خمسة أقوال :

الأوّل: يحكم بالإباحة الظاهرية لجريان البراءة العقلية والبراءة الشرعية في مفروض المسألة.

بيان ذلك: أمّا العقلية المبتنية على قبح العقاب بلا بيان، فلتحقق موضوعها وهو عدم البيان، لأنّه لا بيان ولا نصّ على خصوص الوجوب والحرمة المحتملين كما هو مفروض المسألة من أنّ الشك في الدروان من جهة فقد الدليل والنّص، فالمؤاخذة حينئذٍ على كل من الفعل فيما لو كان واجباً والترك فيما لو كان محرماً ممّا يستقل العقل بقبحه، وأمّا العلم بأصل الإلزام بأحدهما إجمالاً ليس باعثاً للوجوب ولا زاجراً للحرمة، فتجرى قاعدة البراءة العقلية بلا مانع بعد وجود المقتضي وأمّا البراءة الشرعية المبثية على حديث الرفع وغيره، فلأن حدثني الرّفع والحُجب أعمّ من أن يكون أحد طرفي الشك في حرمة الشيء الإباحة كشرب التتن وهذا مختص بالشبهة البدويّة ومن أن يكون إذا علم جنس الإلزام إلّا أنّه لم يعلم النوع الخاص منه، كما في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة،ـ فالوجوب المشكوك فيه مرفوع بالحديث كرفع الحرمة المحتملة أيضاً.

فيقال حينئذٍ بالإباحة الظاهرية أعم من الوجوب والحرمة.

الثاني: إنّما يجب في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة هو الأخذ بأحد الإحتمالين تعييناً وهو الأخذ بجانب الحرمة والبناء عليه في مرحلة الظاهر أيضاً، تمسكاً بوجوه:

أولاً: تمسكاً بالأصل وهو قاعدة الإحتياط والإشتغال عند دوران الأمر بين التخيير والتعيين فمقتضى الأصل هو تقديم إحتمال التحريم والبناء عليه في مرحلة الظاهر، والمقام من موارد دوران الأمر بين المحذورين فيقدم إحتمال التحريم.

وثانياً: تمسكاً بالأخبار الآمرة بالتوقف عند الشبهة بمعنى عدم الدخول فيها والوقوف عندها، فتدل على وجوب ترك الحرمة نحو الشبهة وهذا معناه تقديم إحتمال الحرمة.

وثالثاً: بناء العقلاء وحكم العقل بتقديم دفع المفسدة على جلب المنفعة فيما لو دار الأمر بينهما، فعليه يقدم جانب المبرزة أي الحرمة وترك الفعل المشكوك حكمه، وإن إحتمل فوت المصلحة الملزمة الدافعية أتى في الأمر.

ورابعاً: الوصول إلى المقصود من الحرمة أتمّ من وصول الوجوب إلى المقصود منه، فإنّ المقصود من الحرمة ترك الواجب وهذا يجتمع مع كل فعل حتى في حال الغفلة، فإنّه يحصل منها الترك وإن لم يكن الحرام المحتمل تعبدياً، بخلاف الوجوب، فإنّ المقصود منه فعل الواجب وهذا لا يتأتى مع كل فعل في الغالب، ولهذا كان رعاية جانب الحرمة أرجح عند العقلاء من رعاية جانب الوجوب لأنها أبلغ في الوصول إلى المقصود.

وخامساً: بحسب الإستقراء يعلم من مذاق الشارع هو تقديم جانب الحرمة في موارد إشتباه الواجب بالحرام، وهذا يستدعي تقديم إحتمال الحرمة على إحتمال الوجوب كما هو واضح.

ولا يخفى ما في هذه الوجوه الخمسة من المناقشات، كما أشير إلى بعضها في مسألة إجتماع الأمر والنهي، وكما سنذكر إن شاء الله تعالى.


 

الثالث: القول بالتخيير الشرعي الظاهري بين الفعل والترك بمعنى لزوم الأخذ بأحد الإحتمالين تخييراً في الجملة ودليلهم على ذلك قياس ما في المقام بباب الخبرين المتعارضين، فإنّ أحدهما حجة شرعية تخييرية في حق المكلّف فيجب عليه الإلتزام بأحد الخبرين أما بالخبر الآمر فعليه الفعل حينئذٍ أو الخبر الناهي فعليه الترك، وهذا مفاد ما ورد في قوله× (بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك) (الوسائل: 18: 180 باب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 19).

وفي المقام يكون كذلك مخيراً بين الأخذ بإحتمال الوجوب فعليه الفعل والأخذ بإ حتمال الحرمة فعليه الترك، ويظهر من ذلك أنّه لابّد أن يأخذ بأحدهما، فإنّه من قبيل وجوب الأخذ بأحد الواجبين وبأيهما أخذ ، فإنّه أخذ بالحجة الشرعية، فلا يجوز له الرجوع إلى الإباحة، لأنه يعلم إجملاً بمخالفة الإباحة للإلزام المعلوم الدائر بين الوجوب والحرمة، وهذا هو المراد من القول بأصالة التخيير الشرعي المجعول للشاك في مسألة الدوران بين المحذورين، ويعّد من الأصول الأربعة العملية المعروفة.

الرابع: القول بالتخيير العقلي بين الفعل والترك فإنّه ثابت لعبد تكويناً في دوران الأمر بين الفعل والترك أن يأخذ بأحدهما وأما من ناحية الشرع فيقال بالتوقف في الحكم بمعنى عدم الحكم عليه شيء من التخيير أو الإباحة والبراءة لا ظاهراً ولا واقعاً.

فلا حرج حينئذٍ بين الفعل والترك بحكم العقل فهو مخير عقلاً وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح، وأمّا الدليل على هذا القول فهذا ما سيأتينا إن شاء الله تعالى مع بيان القول الخامس في المسألة.

والدليل على القول الرابع هو: أنّه لا يمكن الموافقة القطعية في الجمع بينهما كما أنّ المخالفة كذلك فكلاهما متعذران، وأمّا الموافقة الإحتمالية في أخذ أحدهما على التعين وإن كانت حاصلة إلّا أنها كالمخالفة الإحتمالية، وحيث لا ترجيح لإحتمالين على الآخر، فإنّ العقل حينئذٍ يستقل بالتخيير، ومعنى التخيير العقلي أنه لو فعل فلا يعاقب عليه، ولو ترك فكذلك لا يعاقب عليه.

وإنّما الشارع لا يحكم بالتخيير أو البراءة أو الإباحة في مرحلة الظاهر أي الإباحة الظاهرية هو من أجل جنس التكليف وهو وجوب الإلتزام بأحد الحكمين، فحينئذٍ الحكم بشيء من التخيير أو البراءة أو الإباحة الشرعية ولو في مرحلة الظاهر يتنافى مع ما علم إجمالاً من الحرمة أو الوجوب بإعتبار الإلتزام بأحدهما.

وبهذا تعرف الفرق بين هذا القول الرابع وبين القول الثالث وهو التخيير الشرعي، حيث في الحاكم يحكم الشارع بذلك بأن يؤخذ أحد الإحتمالين، ولكن في القول الرابع إنما في مقام العمل يكون مخيراً بينهما من دون الحكم به كما أنّ التخيير العقلي إنما يكون تكوينيّاً وفي الثالثي تشريعيّاً.

القول الخامس: التخيير العقلي بين الفعل والترك ولكن يحكم عليه شرعاً بالإباحة ظاهراً أي بالإ بحاحة الظاهرية، وهذا ما أختاره المحقق الخراساني قدس سره وحيث قال (أوجهها الأخير) فذهب المصنف أولاً إلى أن الحكم بالتخيير العقلي وليس الشرعي وثانياً على أنّ الحكم شرعاً على المورد هو الإباحة الظاهرية وإستدل على الأول بعدم الترجيح بين الفعل والترك فكان مخيراً بينهما عقلاً لإحتمال الموافقة في أخذ أحدهما كأحتمال المخالفة وحيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيتساويان فإنّه يقال بالتخيير العقلي، وإستدل على الثاني أي الحلية الظاهرية بشمول مثل حديث (كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام) وهذا بمنزلة المقتضي للإباحة الظاهرية فإنّ الحديث يدل على حلية المشكوك حرمته ظاهراً وأنها تبقى إلى أن يحصل العلم بخصوص الحرام، فإنّ موضوع حكم الشارع بالحلية الظاهرية هو ما شكّ في حرمته وغيرها.


 

عطفاً على ما سبق:

 في بيان مجرى أصالة التخيير بعبارة أخرى، فإنّ مجراه فيما إذا علمنا بخس التكليف وهو الإلزام في الجملة، إلّا أنّه لا يعلم نوعه كما لو تردّدنا بين المحذورين من الوجوب والحرمةولم يمكن الإحتياط في المقام. فهل تجري البراءة الشرعية أو العقلية بالنسبة إلى المحذورين أو عدم جريانهما أو القول بالتفصيل بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية، فتجري في الاول دون التالية، في المسألة وجوه بل أقوال كما مرّ تفصيل ذلك، وذكرنا أن منشأ دوران الأمر بين المحذورين في الشبهة الحكمية أما لفقدان النّص أو إجماله وتعارض النصين وفي الشبهة الموضوعية للأمور الخارجيّة، ونتيجة ذلك إنّ مسألة الدوران بين الممحذورين ستكون لها صور عديدة، فإنّه أما أن يكون الدوران في واقعة واحدة أو في وقائع متعددّة، والأمر أن أي الحكمان بالوجوب والحرمة إما توصليان أو تعبّد بأن أو مختلفان، وهما إما متساويان من جهة الأهمية أو غير متساويين وغيرها من الصور المحتملة في المقام.

ونكتفي ببيان أربع صور مما تقع مورداً للإبتلاء:

الصورة الأولى، فيما لو دار الأمر بين المحذورين كالوجوب والحرمة في واقعة واحدة وكان الحكمان من التوصلّيات من دون ترجيح لأحدهما على الآخر، ولا يمكن الموافقة القطعية وكذلك المخالفة القطعية، ولكن يمكن الموافقة الإحتمالية بإختيار أحدهما بعد القول بجريان أصل البراءة العقلية أو الشرعية في المقام.

ذهب المحقق النائيني (قدس سره)  إلى عدم جريان الأصول الشرعية العقلية في المقام أما العقلي، فلأن التخيير العقلي إنّما هو فيما إذا كان في طرفي التخيير ملاك لابّد من إستيفاء، ولم يتمكن المكلف من الجمع بين الطرفين كالتخيير الذي يحكم به في باب التزاحم والحال في دوران الأمر بين المحذورين ليس كذلك لعدم ثبوت الملاك في كلّ من طرفي الفعل والترك، فالتخيير العقلي في باب دوران الأمر بين المحذورين إنّما هو من التخيير التكويني، فإن ّ الشخص لا يخلو بحسب الخلقة من الأكوان الأربعة وهي الحركة والسكون والإجتماع والإقتران، فلم يكن من التخيير الذي ينشاء عن وجود الملاك في طرفي المحذور، فأصالة التخيير عند الدوران بين وجوب الفعل وتركه ساقطة([1]).

وأجيب عنه:

أولاً: لا إشكال في حكم العقل في دوران الأمر بين المحذورين بالتخيير بعد العلم بجنس التكليف وهو الإلزام أولاً، ويرى عدم إمكان الموافقة القطعية حتى يحكم بالإحتياط ثانياً، وعدم إمكان المخالفة القطعية حتى يمنع عنها ثالثاً، ويرى عدم ترجيح أحدهما على الآخر من حيث الأهمية إحتمالاً ومحتملاً رابعاً، ويدرك العقل بأنّ المكلف حينئذٍ في سعة بين الفعل والترك خامساً، وليس حكم العقل بالتخيير إلّا ادراكه كلّ ذلك ويجري مثل هذا الحكم العقلي في سائر الموارد.

وثانياً: ما قاله من حصر التخيير فيما إذا كان في طرفي التخيير ملاك كما كان في المتزاحمين فإنّه ممّا لا وجه ولا دليل عليه فإنّه يجري التخيير فيما إذا كان لأحدهما ملاك كما لو علم أنّ أحد الإنائين فيه خمر وفي الآخر ماء وإضطر إلى شرب أحدهما فإن العقل يحكم بإختيار أحدهما، مع أنه لم يكن في المقام إلّا ملاك واحد وهو في الترك بإعتبار الإناء الذي فيه الخمر.

وثالثاً: وإن صحّ القول بأن ّ الإنسان لا يخلو من أحد النقيضين أما ساكن وإما متحرك وإما مجتمع وإما مفترق وعدم إمكان رفعهما كما عدم إمكان جمعها لتناقضهما إلّا أنّ ذلك لا يوجب عدم إمكان إختبار الفعل أو الترك بل العقل يدرك أنه مختار بين الفعل والترك وبعبارة أخرى: أنّ العقل يدرك في الجملة عدم لزوم إتيان أحد الطرفين من المحذورين عند تساويهما وعدم الترجيح لأحدهما، وهذا معنى التخيير العقلي حينئذٍ، وكانها إختلط الأمر على المحقق النائيني (قدس سره) بين ما لا يكون تحت سلطنة العقل وإختياره وهو الأكوان الأربعة من إجتماعهما أو إرتفاعهما وبين ما يكون تحت سلطنته وإختياره وهو إدراك عدم لزوم خصوص الفعل أو الترك.

ورابعاً: لم يتضح ما قاله (قدس سره) من التخيير العقلي في الدوران بين المتزاحمين إنّما هو من التخيير التكويني، بإعتبار أنّ الشخص بحسب الخلقة لا يخلو من الأكوان الأربعة، فهذا لا يختص بالعقل، فإنّه كل جسم لا يخلو من هذه الأكوان الأربعة سواء أكان جماداً كالحجر أو نباتاً كالشجر أو حيواناً كالبقر أو إنساناً، فإنّ العقل لا حكم له بالتخيير في الحجر والشجر، ثم أي ربط بين التخيير ، ثم أي ربط بين التخيير العقلي وبين الأمر التكويني، فإنّ الجسم بحسب الخلقة الإلهية مطلقاً سواء أكان إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً فإنّه لا يخلو من أحد الأكوان الأربعة سواء كان في الدنيا عقل يدرك أو لم يكن، فالجمع بين التخيير العقلي والأمر التكويني مما يتعذّر دركه وفهمه.

نعم ربما نقول في توجيه كلامه أن لنا نحوين من التخيير فتارة في باب التزاحم وذلك لو كان في كلا الطرفين ملاك ويسمى بالتخيير العقلي وأخرى في غير باب التزاحم وهو ما كان الملاك في طرف واحد ويسمى بالتخيير العقلي التكويني، وحينئذٍ يرجع كلامه إلى تسميات جديدة.

والخلاصة: إنّ العقل في دوران الأمر بين المحذورين المتساويين من جميع الجهات يدرك بعدم وجود مؤنة خاصة لأحدهما على الآخر ونتيجة ذلك هو التخيير العقلي ولا فرق في ذلك بين ما كان في باب التزاحم وما كان في المقام، نعم إنّما في التزاحم بإعتبار وجود ملاكين في كل طرف ولكن في المقام بإعتبار ملاك واحد في طرف واحد، فتدبر.


 

عطفاً على ما سبق:

 في أصالة التخيير في ، لا لو دار الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة وكان الحكمان من التوصليات كما لو إضطر إلى الشرب بين إنائين أحدهما خمراً والآخر ماءً ولا يعلم بهما، فإنّه يخير في ذلك لأصالة التخيير أما تخييرياً عقلياً لو أجرينا البراءة العقلية وقبح العقاب بلا بيان حيث لا بيان خاص بأحد المحذورين، وأمّا البراءة الشرعية ورفع عن أمتي ما لا يعلمون وشمول مثل حديث (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام) للمقام، إلّا أنّه أشكل على البراءة العقلية المحقق النائيني وكذلك البراءة الشرعية وقد مر الكلام في الأوّل كما ترك المناقشات في مقولته.

وذهب المحقق العراقي أيضاً إلى عدم جريان التخيير في المقام إلّا أنه بنحو آخر.

بيان ذلك: إنّه ذهب إلى عدم جريان التخيير في المقام لعدم صلاحية ذلك، لأنّ الحكم التخييري مطلقاً سواء أكان شرعياً كما كان في باب خصال الكفارات، أو عقلياً كما في المتزاحمين في مقام الإمتثال إنّما يكون في مورد يكون المكلف قادراً  على المخالفة بمعنى أنه قادر بترك طرفي التخيير كان يترك الصيام والإطعام والعتق في كفارة إفطار شهر رمضان متعمّداً وحينئذٍ يصدق عليه أنه يمكنه أن يختار أحدهما، فكان الأمر التخييري من قبل المولى باعثاً على الإتيان بأحدها وعدم ترك الجميع وهذا يختلف عمّا نحن فيه الذي هو من التخيير بين النقيضين، فإنّه بعد القول بعدم خلو المكلّف تكويناً عن الفعل أو الترك كما لا يخلو من الأكوان الأربعة، فلا مجال حينئذٍ للأمر التخييري بينهما. وإذا أراد الشارع أن يقول بالتخيير فهذا ممّا يلزمه اللغوية، لأنه سيكون مبتلى بأحد الطرفين على كل حال سواء قال الشارع بالتخيير أو لم يقل، فالتخيير على كل حال واقع بإعتبار الإضطرار التكويني وبضميمة بطلان الترجيح بلا مرجح.

وأجيب عنه كما أجيب عن المحقق النائيني (قدس سره) : بأن ّ المضطر غليه من حيث التكوين والإختيار التكويني هو عدم إمكان الخروج عن أحد الطرفين وليس كلامنا في ذلك، وإنّما الكلام في الفعل والترك أي الواجب والحرام، فهذا لم يكن مضطراً إليه، فإنّه يكون  حينئذٍ بالخيار في إختبار الفعل أو الترك، فلو فرضنا كون الفعل كان واجباً في الواقع وقد تركه المكلف بإختبار جانب الحرام، أو كان الفعل حراماً في الواقع وقد فعل المكلف باعتبار الواجب ، فليس عدم الفعل أو الترك كان من أجل الإضطرار إليه بإعتبار أنّ إنتخاب الفعل في الأولاد والترك في الثاني مع المخالفة للواقع يكون معذوراً فيه بلا إشكال، بل من جهة قبح العقاب بلا بيان وهذا مفاد التخيير العقلي في المقام، فالعقل يدرك بأنّ المكلف عند دوران الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة لا يمكن الإحتياط فيهما لا جمعاً ولا تركاً، فإنّه يكون مخيراً في إختيار خصوص الفعل أو خصوص الترك، ولا يلزم اللغوية في مثل هذا الحكم العقلي.

عود على بدء:

لقد أشار المحقق النائيني (قدس سره) إلى أنه لا تجري أصالة البراءة العقلية في دوران الأمر بين المحذورين من جهة أخرى غير ما ذكر من قبل ، وهي: أنه لا موضوع للبراءة العقلية حتى يقال بجريانها أو عدمه فهي سالبة بإنتفاء الموضوع.

بيان ذلك: أنّه إنّما يقال بعدم جريان البراءة العقلية في المقام لعدم وجود الموضوع لها، لأنّ مدركها هو قبح العقاب بلا بيان وفي دروان الأمر بين المحذورين فيه البيان للقطع بعدم العقاب، لأنّ وجود العلم الإجمالي كعدمه لا يقتضي التخيير والتأثير بالبيان المتقدم، فالقطع بالمؤمن حاصل بنفسه بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان([2]).

وقريب منه ما أفاده المحقق العراقي (قدس سره) إلّا أنه في جميع الأصول العقلية والشرعية، بأنّ الأصول إنما تجري فيما إذا لم يكن ترخيص في الفعل والترك بملاك آخر كالإضطرار ونحوه، غير ملاك عدم البيان، فمع حصول الترخيص بحكم العقل بملاك الإضطرار كما في الإختيار التكويني، فلا يصل الأمر إلى الترخيص الظاهري بملاك عدم البيان الذي كان موضوعاً للبراءة العقلية أي قبح العقاب بلا بيان.

وأورد عليه: وهذا ما يأتينا إن شاء الله تعالى.


 

عطفاً على ما سبق:

 ذهب المحقق النائيني (قدس سره) إلى عدم جريان البراءة العقلية في دوران الأمر بين المحذورين، لأنّ البراءة العقلية في الطرفين والقول بالتخيير العقلي إنّما يتم فيما لو كان في طرفي التخيير ملاكاً يلزم إستيفاءه ولم يتمكن المكلف من الجمع بين الطرفين كما يقال في التخيير بين المتزاحمين، والحال ليس الأمر في دروان الأمر بين المحذورين كذلك لعدم ثبوت الملاك في كل من طرفي الفعل والترك، فالتخيير حينئذٍ يكون من التخيير التكويني لأنّ الشخص لا يخلو بحسب الخلقة من الأكوان الأربعة الحركة والسكون واإجتماع والإفتراق، وليس من جهة التخيير الناشئ عن ملاك يقتضي ذلك، فأصالة التخيير عند دوران الأمر بين وجوب الفعل وتركه ساقطة. وقد مرّ نقاشه من وجوه.

ثم قال بالمنع عن البراءة العقلية في دوران الأمر بين المحذورين من جهة أُخرى وهي: أنّه لما لا نقول بأصالة البراءة العقلية في الدوران لأنّ لا موضوع لها، فهي سالبة بإنتفاع الموضوع كقولنا أن رزقت ولداً فاختنه، لأنّ موضوع البراءة العقلية هو قبح العقاب بلا بيان، والحال في دوران الأمر بين المحذورين بيان لأنه يقطع بعدم العقاب، لأنّ وجود العلم الإجمالي بينهما يكون حينئذٍ كعدمه، فلا يقتضي التخيير، فالقطع بالمؤمَن وعدم العقاب على كل حال حاصل بنفسه، بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وفرائد الأصول: 3: 448.

وقال المحقق العراقي بذلك أيضاً بمفاد قريب منه وفي كلّ الأصول العقلية والشرعية وهو أنّ إختصاص جريان الأصول فيما إذا لم يكن هناك ما يقتضي الترخيص في الفعل والترك بمناط آخر كمناط الإضطرار أو التخيير التكويني، فإنّه مع وجوده وهو من الترخيص الواقعي لا مجال الترخيص الظاهري حينئذٍ بمناط عدم البيان في البراءة العقلية.

وبعبارة أخرى: إنّ الترخيص الظاهري بملاك ومناط عدم البيان كما في البراءة العقلية إنّما هو في طرف سقوط العلم الإجمالي عن التأثير، فإذا كان المسقط له من قبل هو حكم العقل أيضاً بمناط وملاك الإضطرار إلى أحدهما ولو تكويناً، فلا يبقى مجال حينئذٍ لجريان أصالة البراءة العقلية أو الشرعية، بإعتبار أنّ الترخيص حينئذٍ كان في الرتبة السابقة بحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك إضطراراً أو تكويناً.

وأجيب عن هذين الوجهين أيضاً: بما مرّ سابقاً من المناقشات وخلاصته: إنّ الذي لا يخلو الإنسان منه في عالم التكوين ويكون مضطر إليه عن الدوران بين المحذورين هو نفس الفعل والترك واختار أحدهما بنحو عام لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير بالنسبة إلى الموافقة القطعية والمخالفة القطعية كما مر، ولكن بالنسبة إلى خصوص الفعل أو خصوص الترك فإنّه لم يكن مضطراً إليه بل المضطر إليه هو أحدهما على العموم، فحينئذٍ من جهة الخصوصية لا مفرّ لنا إلّا القول بجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى خصوص كل واحد منهما، ومفاد هذا هو البراءة العقلية حينئذٍ، فإنّه لولا تلك القاعدة فأي مجوّز لإنتخاب الواجب وربما يكون في الواقع محرّماً، أو إنتخاب المحرم وربما يكون في الواقع واجباً، فالمصحّح لإختيار أحدهما مع إحتمال الآخر في الواقع هو قبح العقاب بلا بيان لا الإضطرار التكويني، فالترخيص حينئذٍ يكون ترخيصاً ظاهرياً، وعند المخالفة يكون معذوراً.

وبعبارة أخرى: من الواضح أنّ قضية (قبح العقاب بلا بيان) وهو مفاد أصالة البراءة العقلية لا علاقة لها بسقوط العلم.

الإجمالي عن تأثيره بإعتبار عدم إمكان الموافقة القطعية والمخالفة القطعية، لأنه مع ذلك يبقى للمكلف الإختيار في خصوص إختيار الفعل واختيار الترك وإنّ عموم الإختيار يسقط بسقوط العلم الإجمالي لعدم التّمكن من الموافقة أو المخالفة القطعيتين فلابّد للمكلف من إجراء قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى خصوصية كل من الطرفين، ولولا إحتمال عدم القبح عند ذلك لما حكم العقل بالتخيير وكأنما وقع خلط في مجرى ما أضطر إليه وهو أحدهما على نحو العموم بين مجرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو خصوص أحدهما ، ومجرد الإضطرار إلى أحدهما لا يوجب الإتيان بخصوص إختيار الفعل أو الترك عالم تجر قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فقول العملين بأنه يحصّل المؤمن في الترخيص في إختيار أحدهما قطعاً، لسقوط العلم الإجمالي أو للإضطرار والترخيص التكويني وأنه سابق في الرتبة على جريان اصالة البراءة العقليّة ممّا لا يمكن أن يعتمد عليه وهو المختار.

هذا بالنسبة إلى أصالة البراءة العقلية في دوران الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة، وأمّا البراءة الشرعيّة، فهل تجري في دوران الأمر بين المحذورين مطلقاً أو لا تجري مطلقاً، أو يقال بالتفصيل بين الأصول، في المسألة وجوه أقوال:

ذهب المحقق النائيني قدس سره إلى أنه لا مجال لجريان أصالة الإباحة والبراءة الشرعية وإستصحاب عدم الوجوب والحرمة في الدوران إلّا أنه ليس بملاك واحد، بل عدم جريان كل واحد من الإباحة والإستصحاب بملاك ومناطِ يخصه.

أما عدم جريان أصل الإباحة في دوران الأمر بين المحذورين فلوجوه:

الأول: إنّ أدلة أصالة الإباحة إنما هي مختصة بما إذا كان طرف الحرمة الإباحة والحل بإنه حرام أو حلال، وهذا غير الوجوب والحرمة اللذين في الدوران، فالظاهر من قوله (عليه السلام) (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال) (الفقيه: 3: 216) إنما هو في الحلال والحرام لا في الوجوب والحرمة، فلا تشمل صورة دوران الأمر بين المحذورين.

الثاني: إنّ دليل الحلّ والحرمة إنما هو مختص بالشبهات الموضعية فلا يقم الشبهات الحكمية كالوجوب والحرمة.

الثالث: أنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تتنافى مع المعلوم بالإجمال، لأن مفاد الإباحة الرخصة في الفعل والترك، وهذا يتناقض مع العلم بالإلزام في جنس التكليف المتصور في المحذورين كما مرّ تفصيله، وإن لم يكن لهذا العلم بالإلزام أثر عملي لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير، فكان وجوده كعدمه، إلّا أنه على كل حال العلم بثبوت الإلزام المولوي في الجملة حاصل بالوجدان ومع العلم به وجداناً لا يمكن جعل حكم ظاهي يناقض بمدلوله المطابقي نفس ما تعلق به العلم، لأنّ الحكم الظاهري إنّما يكون مع الجهل بالحكم الواقعي، والحال مع العلم به وجداناً لا يمكن جعل الحكم الظاهري المناقض بمدلوله المطابقي نفس ما تعلق العلم به فمن الواضح الفرق بين أصالة الإباحة وبين أصالة البراءة وأصالة الإستصحاب فتدبر.

الرابع: أن غاية ما في أصالة الإباحة هو العلم بالتكليف فكل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه، فالغاية العلم بالتكليف، ومعه لا مورد لأصالة الحل حينئذٍ لحصول الغاية، وفي دوران الأمر بين المحذورين نعلم بجنس التكليف الإلزامي في الجمعة فتكون الغاية حينئذٍ حاصلة فلا معنى لجعل أصالة الإباحة.



([1]).  فوائد الأصول: 3: 444 عند جواهر الأصول: 6: 100.

([2]). فرائد الأصول: 3: 448.