العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ اعتبار العلم بالمحاذاة على الإمكان ومع عدمه يرجع إلى العلامات والأمارات المفيدة للظن.
■ مع فقد الأمارات السماوية لا يجوز العمل بالظن بل يصلّي إلى أربع جهات مع الإمكان
■ مسائل الامارات السماوية
١ ـ الأمارات المحصلة للظن التي يجب الرجوع إليها عند عدم الإمكان العلم
٢ ـ إذا لم يمكن العلم بالقبلة يجب تحصيل الظن بها
٣ ـ لا فرق في وجوب الإجتهاد بين الأعمى والبصير
٤ ـ لا يعتبر أخبار صاحب المنزل إذا لم يفيد الظن
٥ ـ إذا كان إجتهاده مخالفاً لقبلة المسلمين فالأحوط تكرار الصلاة
٦ ـ إذا حصر القبلة في جهتين بأن عَلِمَ أنها لا تخرج عن أحدهما وجب تكرار الصلاة
٧ ـ إذا إجتهد لصلاة وظن بالقبلة تكفي لصلاة أُخرى ببقاء الظن.
٨ ـ إذا ظن بعد الإجتهاد أنها في جهة فصلّى إليها ثم تبدل ظنّه إلى جهة أخرى وجب عليه أتيان الأمر
٩ ـ إذا إنقلب ظنه في أثناء الصلاة إلى جهة أُخرى إنقلب إلى ما ظنه
١٠ـ يجوز لأحد المجتهدين المختلفين في الإجتهاد والإقتداء بالآخر.
١١ ـ إذا تعسّر الإجتهاد والظن لجهة وتساوت الجهات صلى إلى الأربع.
١٢ ـ إذا لم يقدر على الإجتهاد أو لم يحصل له الظن بكونها في جهة صلى إلى أربع جهات إن وسع الوقت
١٣ ـ لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن يكون الثانية إلى جهات الأولى
١٤ ـ في كيفية الترتیب بین الصلاتين
١٥ ـ من عليه صلاتان مع كون وظيفته التكرار إلى أربع
١٦ ـ لا تجب الإعادة على من وظيفته التكرار إذا تبيّن أن القبلة في جهة صلّى إليها.
١٧ ـ يجري الحكم العمل بالظن والتكرار إلى الجهات الأربع في الصلوات اليومية وغيرها
١٨ ـ إذا صلّى من غير فحص عن القبلة إلى جهة غفلة أو مسامحة يجب إعادتها.
■ فصل فيما يستقبل له (يجب الإستقبال في مواضع)
■ فصل في أحكام الخلل في القبلة
■ فصل في الستر والساتر
١ ـ الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر سواء كان من الرجال أو من المرأة
٢ ـ يحرم النظر إلى ما يحرم النظر إليه في المرآة
٣ ـ مستثنيات الساترية الصلاة للمرأة
٤ ـ لا يجب على المرأة حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان واللسان ولا ما على الوجه من الزينة
٥ ـ يجب على المرأة ستر المستثنيات إذا كان من ينظر إليها بريبة
٦ ـ يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة
٧ ـ الأمة كالحرة في جميع ما ذكر من المستثنى والممستثنى منه
٨ ـ المبعضة كالحرة في الستر
٩ - لا فرق في وجوب التستر بین انواع الصلوات الواجبة والمستحبة
١٠ ـ يشترط ستر العورة في الطواف أيضاً
١١- اذا بدت العورة في اثناء الصلاة لم تبطل
١٢- اذا نسي ستر العورة ابتداءاً او بعد الکشف في اثناء فالاقوی صحة الصلاة وان کان الاحوط الاعادة
١٣- یجب الستر مع جمیع الجوانب
١٤- یجب الستر عن نفسه
١٥- هل اللازم ان یکون ساتریتة في جمیع الاحوال حاصلاً من اول الصلاة الی اخرها
١٦- الستر النفسي والستر الصلاتي والفرق بینهما
■ فصل في شرائط لباس المصلّي
■ الثالث من شرائط لباس المصلّي (أن لا يكون من إجزاء الميتة)
■ الرابع من شرائط لباس المصلّي (أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه)
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

1 ـ كيفية استقبال القبلة في الصلوات

فصل فيما يستقبل له

قال المصنف +: يجب الإستقبال في مواضع:

أحدها: الصلوات اليوميّة أداءً وقضاءً وتوابعها من صلاة الإحتياط للشكوك وقضاء الإجزاء المنسية، بل وسجدتي السّهو، وكذا فيما لو صارت مستحبة بالعارض كالمعادة جماعة أو إحتياطاً، وكذا في سائر الصلوات الواجبة كالآيات، بل وكذا في صلاة الأموات، ويشترط في صلاة النافلة في حال الإستقرار لا في حال المشي  أو الركوب، ولا يجب فيها الإستقرار والإستقبال وإن صارت واجبة بالعرض نبذر ونحوه.

أقول: لا ريب أنّه يجب إستقبال القبلة في مطلق الصلوات الواجبة فإنّ إشتراط القبلة وإستقبالها من الشروط الواقعة في الصلاة في الجملة ويدل عليه إجماع أهل القبلة، بل ربما يكون من ضروريات الدين كما يدل عليه الكتاب المبين في قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وما ورد في تفسيرها من النصوص الكثيرة التي كادت أن تكون متواترة فضلاً عن إستفاضتها، ومنها: صحيحة  زرارة في قوله× (لا صلاة إلّات إلى القبلة) وحديث لا تعاد الصلاة إلّأ من خمس ومنها القبلة) ([1]).

وغيرها الكثير أداءً وقضاء تمسكاً بالإطلاقات، وكذلك في توابع الفرائض كصلاة الإحتياط وقضاء الأجزاء المنسيّة، فكل هذه الموارد يصدق عليها عنوان الصلاة مطلقاً سواء أكانت داخل الوقت أو خارجها، وكانت في محلّها أو في غير محلّها ولا فرق كذلك فيما لو صارت الفريضة مستحبة في مقام الإعادة كما لو صلى فرادى ثم أراد الجماعة فإنّه الجماعة، فإنّ÷ يستحب له ذلك فلابّد أن يستقبل القبلة فيها كذلك.

ثم يجري الحكم من وجوب الإستقبال في غير الصلوات اليومية من الصلوات الواجبة الأخرى كصلاة الآيات تمسكاً بالمطلقات وأنّه لا صلاة إلّا إلى القبلة.

وكذلك الأمر في صلاة الأموات وإن قيل بإنصراف عنوان الصلاة عنها لعدم الركوع والسجود فيها، إلّا أنّه ما ورد في كليلة وضع الميت على الأرض ووقوف الصملي (الوسائل: الباب 32 من أبواب صلاة الجنازة الحديث 3 و 7) على أنّ الميت قدّامه ومقتضاه اعتبار القبلة في الصلاة عليه.

وأمّا سجدتا السّهو فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.


فيما يستقبل له

يقع الكلام عطفاً على ما سبق فيما يستقبل القبلة له فذكر المصنف الماتن + جملة من الموارد التي يشترط فيها إستقبال القبلة كالصلوات المفروضة اليومية أداءً وقضاءً وصلاة الإحتياط للشكوك في الصلاة مطلقاً سواء قيل بأن ركعة الإحتياط جزء من الصلاة حقيقة إلّا أنّه تأخر ظرفها تعبّداً والتسليم الزائد مغتفر شرعاً، أم قيل بأنّها ركعة مستقلة يتدارك بها النقص المحتمل في الصلاة المشكوكة كما لو شك بين الثلاث والأربع، فربما في الواقع صلّى ثلاثاً، فإنّه بركعة الإحتياط يكمل النقص المحتمل، وعلى كلا القولين لابّد من إستقبال القبلة فيها، أمّا الأول فإعتبار الإستقبال فيها ظاهر، فإنّها جزء الصلاة حقيقة، وأمّا الثاني فإنّ مفهوم الإنجبار لا يتحقق إلّا مع مراعاة كل ما يعتبر في الركعة المنجبرة من الأجزاء والشرائط والتي منها إستقبال القبلة.

وإذا قيل: قد ورد في بعض الأخبار التعبير عن ركعة الإحتياط بالنافلة على تقدير عدم النقص كما لو أتى بأربع ركعات وتبين ذلك بعد ركعة الإحتياط، فإنّ ركعته هذه تكون بمنزلة النافلة له، والمفروض عدم إعتبار الإستقبال في النافلة حتى في حال الإستقرار.

فيقال في الجواب: لا ضير في ذلك ولا منافاة، فإنّ الحكم عليها بالنافلة لو وقعت على صفحة الصحة على كل تقدير، والحال مع عدم الإستقبال لا تتصف بالصحة على تقدير النقص واقعاً، فلابّد حينئذٍ أولاً من الفراغ عن صحتها وذلك برعاية شرط الإستقبال ثم الحكم عليها بكونها نافلة عند إنكشاف عدم النقص.

وأمّا الأجزاء المنسية من الصلاة كالسجدة والتشهد فكذلك يشترط فيها إستقبال القبلة، لأنّ السجدة المقضية هي السجدة الصلاتية بنفسها إلّا أنّها تغيّر محلّها للنسيان، فيشترط فيها ما يشترط في السجدة التي تكون في محلّها وموضعها عند الإلتفات وهذا من باب أن المركب من ماهية الصلاة ليس إلّا نفس الأجزاء كلّها سواء أكان الجزء في محلّه أو في غير محلّه فتأمل.

وأمّا سجدتا السّهو فذهب المشهور ومنهم المصنّف إلى أنّه يشترط فيها كذلك إستقبال القبلة تمسكاً بالروايات المتضمنة لسهو النبي الأكرم‘.

قال×: فإستقبل القبلة وكبّر وهو جالس ثم سجد سجدتين ([2]).

وقد تنظر المصنف في بحث الخلل في وجوب ذلك وأورد على الإستدلال بهذا الخبر.

أولاً: بضعف السّند.

وثانياً: تشتمل على القول بسهو النبي وهذا ما أنكره معظم الشيعة الكرام من تجويز السهو على النبي، فإنّه لم يقل به إلّا الشيخ الصدوق وقيل القول بسهو الصدوق أولى من القول بسهو النبي.

وثالثاً: قاصرة الدلالة على المطلوب، فإنّها يحكي عن فعل النبي أنّه سجد سجدتين ولا لسان له حتى يقال بوجوبه، بل غاية ما فيه رجحان العمل وإستحبابه ولا إشكال في رجحان الإستقبال في هاتين السجدتين بل الأحوط ذلك وربما من الإحتياط الذي لا ينبغي تركه.

ورابعاً: بعد عدم الإستدلال بالخبر لضعفه سنداً ودلالة يكون إشتراط القبلة في السجدتين ممّا لا دليل عليه، وعدم الدليل دليل العدم .

وخامساً: لا دليل لنا على أنّهما من أجزاء الصلاة حتى يدل على إعتبار الإستقبال فيها أيضاً كما في الأجزاء المنسية بل هما عمل مستقل شرّعهما الشارع لإرغام أنف الشيطان كما ورد في جملة من الأخبار، فإنّ النسيان والشكوك في الصلاة من الشيطان فيؤتى بسجدتي السّهو ليرغم أنف الشيطان، فإنّه يتدارك ما نسي أو شك بأبغض الأشياء إلى الشيطان وهو السجود كي لا يعود، ومن ثم ورد عند سجود المؤمن الشاب يقول: يا ويلتي سجد لله وصيت الله في السّجود، ومن ثم تسمى سجدتا السّهو بالمرغمتين كما جاء في الأخبار، ولا دليل لنا على إعتبار الإستقبال فيهما، وعدم الدليل دليل العدم، فتأمل.

وأمّا صلاة النوافل فإنّه في حالة الإستقرار يجب إستقبال القبلة فيها أيضاً ، وإذا لم يكن مستقراً كما في حال السير والمشي أو الركوب في السفر والحضر، فإنّه لا يشترط فيها إستقبال القبلة.

فيقع الكلام في محورين:

الأول: في اشترط  القبلة في النوافل حال الإستقرار كما نسب إلى المشهور  وذهب إليه المصنف+ إلّا أنّ المحكي عن الشهيد في الذكرى إنّ جماعة كثيرين من القدماء والمتأخرين ذهبوا إلى عدم الإشتراط (الذكرى: 3: 86) وهذا يدل على المسألة ذات قولين مشهورين أو من دون شهرة في البين، وإن كان الظاهر شهرة القول الأول كما عن غاية المراد نسبته إلى الأكثر، وفي كشف اللثام: أنّه المشهور، وجاء في مفتاح الكرامة قوله: (وبه صرّح في جميع كتب الأصحاب).

والمقصود بيان الوجه والدليل في كلّ من القولين:

ولا يخفى أن الدليل كالعلّة التامة ، إنّما يتحقق بوجود المقتضي وعدم المانع بعد الفراغ من وجود المقتضي.

فمن قال بالإشتراط بإستقبال القبلة في النوافل فقد إستدل على وجود المقتضي بوجوه:

الأول: توفيقية العبادات: فمشروعيتها في اجزائها وشرائطها وموانعها متوقفة على إذن من الشارع المقدّس، فما لم يثبت من قبل الشارع في الإتيان بها بكيفية خاصة لا دليل لها للحكم بمشروعيته حينئذٍ، والقدر المتيقن من مشروعية النوافل إتيانها مستقبل القبلة مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل كحال المشي، فيكون حال الإستقرار مشروطة بالإستقبال. وبمقتضى أصالة التوقيفية نحكم بعدم مشروعية النوافل عند عدم الإستقبال حال الإستقرار.

وأجيب عنه: كما في علم اصول الفقه أنّه عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية في الدوران بين الأقل والأكثر الإرتباطيين يرجع إلى أصالة البراءة، وإعتبار الإستقبال  في النوافل مشكوك فيه فيندفع بالبراءة، وبها نثبت مشروعيتها حينئذٍ ولا محال لدعوى التوقيفية مع أصالة البراءة الشرعيّة أي المأذون فيها شرعاً مما يدل على أنّ عدم إشتراط الإستقبال في النوافل مشروعاً.

الثاني: إرتكاز المشرعة: فإنّهم يقطعون ببطلان صلاة من يستدبر القبلة ويصلي جالساً أو قائماً مستقراً، بنحو لا يمكن ردعهم عن ذلك، وإنّ القاعدة الأولية المرتكزة في أذهان المتشرعة تقتضي مشاركة النوافل مع الفرائض في جميع الخصوصيات ما لم يخرج بالدليل ولم يرد تنصيص على الخلاف، ومقتضى ذلك اعتبار الإستقبال في النافلة حال الإستقرار كما في الفريضة.

وبعبارة أخرى: مقتضى القاعدة إلحاق النوافل بالفرائض ومشاركتهما في جميع الخصوصيات ما لم يخرج بالدليل ولم يثبت الخلاف.. فماهية الصلاة في الفرائض والنوافل واحدة، فما قاله الشارع من الأجزاء والشرائط في الفريضة فإنّه يراعى ذلك كذلك في النافلة حتى يثبت الخلاف .

الثالث: حديث لا تعاد.. والرابع: صحيحة زرارة: (لا صلاة إلّا إلى القبلة) وهذا ما يأتنيا بينه إن شاء الله تعالى.

 

قال المصنف+: (ويشترط في صلاة النافلة في حالة الإستقرار لا في حال المشي والركوب ولا يجب فيها الإستقرار والإستقبال، وإن صارت واجبة بالعرض بنذر ونحوه).

أقول: يقع الكلام عطفاً على ماسبق في إشتراط إستقبال القبلة في الصلوات فتعرض المصنف أولاً إلى الصلوات الواجبة، كالصلوات اليومية أداءً وقضاءً وما يلحق بها من توابعها كصلاة الإحتياط للشكوك وقضاء الأجزاء المنسية وغيرها، ثم يتعرض إلى إستقبال القبلة في النوافل، ويقع الكلام في مقامين الأول: في إعتبار الإستقبال في النافلة حال الإستقرار، والثاني: في إعتباره حال المشي والركوب في السفر والحضر.

أما المقام الأول: فقد إختلف الاعلام في ذلك، فنسب إلى المشهور ومنهم المصنف وفي غاية المراد نسبته إلى الأكثر إعتبار الإستقبال وفي مفتاح الكرامة: (وبه صرّح في جميع كتب الأصحاب إلّا ما قل) ([3]).

إلّا أن المحكى عن الشهيد الأول في ال1كرى (3: 86) إلى أنّ جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين ذهبوا إلى عدم الإشتراط، وظاهر حكاية أن المسألة ذات قولين مشهورين إلّا أنّ الأول أكثر شهرة للكثرة القائل به وظاهر إطلاق المحقق في الشرائع (1: 80) وصرح المحقق الهمداني في مصباحه في كتاب الصلاة (ص108) إلى الثاني.

وأما الوجوه التي يستدل بها المشهور، فقد مرّ الكلام فيها وما أشار إليه بعض الأعلام المعاصرين من أنّ الكلام يقع تارة في وجود المقتضي نذكر أربع وجوه وأخرى في وجود المانع بعد تحقق المقتضي، والأول من الوجوه الأربعة: كون العبادات توفيقيّة، والقدر المتبقي في النوافل إستقبال القبلة حال الإستقرار، إلّا أنّه يندفع بأصالة البراءة عند الشك في الجزئية أو الشرطية أو المانعية في الدوران بين الأقل والأكثر الإرتباطيين.

والثاني من الوجوه: قاعدة إلحاق النوافل بالفرائض ومشاركتها في جميع الخصوصيات ما لم يثبت الخلاف، فلما شرع الشارع الصلاة الواجبة وإشترط فيها إستقبال القبلة، فإنّه لو قال بصلاة النافلة يتبادر إلى الذهن إستقبال القبلة أيضاً كإشتراطية الطهارة في النافلة كما في الواجبة، مع أنه يرو في خصوص النافلة إشتراط الطهارة، فالمرتكز عند المتشرعة مشاركة النفل مع الفرض في جميع الخصوصيات إلّا ما خرج بالدليل كعدم إستقبال القبلة في النافلة في حال المشي أو الركوب كما سيأتي.

وأمّا الثالث من الوجوه: فحديث لا تعاد، فإنّ الإخلال بالقبلة يوجب إعادة الصلاة وإطلاق الدليل يوجب عدم الفرق بين الفريضة والنافلة، إلّا أنّ÷ أورد عليه أنّ الحديث الشريف لم يرد في مقام التشريع حتى يقال بإطلاقه، وإنّما سبق لبيان الإطلاق والتقييد في أجزاء الصلاة وشرائطها بالإضافة إلى حالتي الإختبار والإضطرار، فإنّها تختلف من هذه الجهة، ففي الخمسة المستثناة فيها الإطلاق دون الأجزاء الأخرى المختصة بحال التّمكن.

وأمّا الرابع من الوجوه، وهو العمدة في المقام صحيحة زرارة عن الإمام الباقر× قال: (لا صلاة إلّا إلى القبلة، قال قلت: أين حدّ القبلة؟ قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه، فإنّها تشمل الفريضة والنافلة في إشتراط القبلة، فإنّ الظاهر من النفي (لا صلاة...) هو نفي الحقيقة وعدم الصحة لصلاة فقدت إشتراطية القبلة، فالشرط يكون واقعياً حينئذٍ وإطلاقه شامل للفريضة والنافلة إلّا ماخرج بالدليل كحال العجز وحال السير في المشي أو الركوب.

ولكن أورد على الإستدلال بإطلاق الحديث في صدره أنّ الذيل يقيد ذلك بقوله× (يعيد) وهذا مختص بالفريضة لعدم وجوب إعادة النافلة لو أخلّ بشرطها أو جزئها، فالذيل قرينة على تخصيص الصدر، كما يزيد هذا المعنى إشتمال الذيل على الوقت، وهو مختص بالفريضة دون النافلة.

وأجيب عنه: أوّلاً أنّه إنّما يتّم ذلك لو كان المقصود من كلمة (يعيد) هو الوجوب المولوي حتى يختص بالفريضة ولكن الظاهر ـ والظواهر حجة ـ انه إرشادي غلى فساد الصلاة، فلا يختص بالفريضة.

وثانياً: تخصيص الذيل بدليل منفصل لا يوجب تخصيص الصدر به أيضاً، فلا يكون مقيّداً للصدر.

وثالثاً: ما ذكر من التأئيد بإشتراط الوقت بالفريضة مردود بالنقض، فإنّ لنا من النوافل ما هي مشروطة بالوقت أيضاً كالنوافل المرتبة اليوميّة، فلا يختص التوقيت بالفرائض حينئذٍ.

ورابعاً: ظاهر الذيل إستقلاله عن الصدر، بنحو لو لم يذكر فإنّ الصدر يبقى على حاله وعلى إطلاقه من دون خلل في المقام فالذيل بسؤال وجواب مستقل فلم يكن من قسمات الصدر، فلا مقتضى لتخيص الصدر به، فتأمّل.

في بيان مقولة المحقق الهمداني ومناقشته:

لقد أشكل المحقق الهمداني مصباح الفقيه (الصلاة: ص110 السّطر 2) من عدم ظهور الصحيحة في الإطلاق حتى يشمل الفريضة والنافلة.

بيان ذلك إجمالاً:

أولاً: إن ّ العموم والإطلاق على نحوين، فتارة عموم افرادي كما  في قولنا: (اكرم كلّ عالم) فإنّ لفظ وأداة العموم كقوله (كلّ) إنّما تدل على شمول الحكم وسريانه لكل فرد فرد، وأخرى عموم أحوالي كسريان وجوب الاكرام في إنتقال لكل فرد في كل حال من الأحوال وهذان قد يكون مع تعدّد الدال والمدلول وقد يكون مع وحدة الدّال وإن تعدّد المدلول.

وأمّا الأول فإنه من مدلولات ألفاظ العموم ويدل على ذلك بالدلالة الوضعية اللفظيّة ، وأمّا الثاني فهو خارج عن الدلالة الوضعية اللفظية، ولا تكاد تتكفله أداة العموم، إذ مفاد الأداة ليس إلّا وجوب الإكرام في المثال في الجملة وبنحو الموجبة الجزئية.

نعم إنّما نستفيد العموم الاحوالي من دال آخر وهي مقدمات الحكمة ـ لو كانت ـ فإنّها تفيد الإطلاق.

ويترتب على ذلك: أنّه لو ورد في دليل آخر عدم وجوب إكرام زيد أو إكرام كلّ عالم في يوم الجمعة، فإنّه لم يكن منافياً للعموم لعدم التنافي بين الموجبة الجزئية والسالبة الجزئية، فيمكن أجتماعها من جهتين، نعم إنّما يكون منافياً للإطلاق فيتقيد به، فلا مقتضى لإرتكاب التخصيص في العام وإخراج الفرد عن تحتّه، ويأتينا تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.


 

في مقولة المحقق الهمداني ومناقشته:

يقع الكلام عطفاً على ما سبق في ما إستدل به المشهور القائل بإشتراط وإعتبار إستقبال القبلة في النوافل أيضاً في حال الإستقرار دون المشي والركوب تمسكاً بصحيحة زرارة عن الإمام الباقر× في قوله: (لا صلاة لا إلى القبلة، قلت: أين حد القبلة؟  قال×: ما بين المشرق والمغرب قبلة كلّه، قلت: فمن صلّى لغير القبلة أو في يوم غيم في غير الوقت، قال×: يُعيد([4]).

تمسكاً بإطلاق الصدر، فإنه يدل بظاهره على نفي الحقيقة ممّا يدل على الشرط الواقعي الذي إذا إنتفى إنتفى المشروط فلا صلاة مطلقاً في الفرائض والنوافل إلّا إلى القبلة إلّا ما خرج بالدليل كما في النوافل حال المشي والركوب فلا يشترط الإستقبال إلّا أنّه أشكل على إطلاقه المحقق الهمداني في كتابه القيم مصباح الفقيه في كتاب الصلاة ما خلاصة كما أفاده سيدنا الخوئي في مستنده (12: 14): أن تعلّق الحكم في قولنا مثلاً أكرم كل عالم في العموم بأفراد الطبيعة على سبيل الإستغراق بحيث يتضمّن العموم الافرادي والأحوالي قد يكون تارة مع تعدّد الدال والمدلول، وأُخرى مع وحدة الدّال وإن تعدد المدلول.

أمّا الأول: فكما في ألفاظ العموم كلفظة (كل) في قولنا (أكرم كل عالم) فإنّ أداة العموم (كلّ) بإعتبار الدلالة الوضعية للفظيّة لا تدل إلّا على شمول الحكم وهو وجوب الإكرام وجريه لكل فرد فرد، وأمّا وجوب الإكرام لكل فرد في كل حال من أحواله والمسمّى بالعموم الأحوالي، فهذا خارج عن الدلالة الوضعيّة، أي اللفظ بنفسه لا يدّل على ذلك بحسب وضع الواضع، ولا تتكفلّه أداة العموم، لأن مفادها ليس إلّا وجوب الحكم في الجملة، أي إجمالاً، وبنحو الموجبة  الجزئية، نعم إنّما يستفاد العموم الأحوالي من دالّ آخر وهو مقدمات الحكمة ـ لو كانت ـ التي تفيد الإطلاق وحينئذٍ لو ورد في دليل آخر، عدم وجوب إكرام زيد أو عدم إكرام كل عالم في يوم الجمعة، أي في حال من الأحوال  من حيث الزمان أو من حيث المكان أو الأحوال الشخصيّة، فإنّ هذا لم يكن معارضاً للعموم المستفاد من أداة العموم لعدم التنافي بين الموجبة الجزئية التي هي الوجوب في الجملة المستفادة من أداة العموم وبين السالبة الجزئية (لا تكرم زيد) وإنما يكون معارضاً للإطلاق، وحينئذٍ يستوجب ذلك التقييد به، وهذا يكون في العموم الإحوالي وليس العموم الأفرادي، فلا مقتضى لإرتكاب التخصيص في العام وإخراج الفرد عن تحته، هذا في تعدّد الدال والمدلول.

وأمّا الثاني في وحدة الدال وتعدّد المدلول فكما في النكرة الواقعة في سياق النفي كقوله× (لا صلاة إلّا إلى القبلة) فإنّ العموم الأفرادي والعموم الأحوالي كلاهما مستفاد من دال واحد، وهو تسليط النّفي على الطبيعة على نحو الإطلاق بمعنى ملاحظة الطبيعة فانية في أفرادها، ولا وجود لها  إلّا بوجود أفرادها بنحو تكون الطبيعة عنواناً مشيراً إلى الأفراد، ثم تغلق النفي بكل فرد فرد، وحينئذٍ لابّد أن يكون الحكم (لا صلاة) منفياً عن كل فرد أولاً وفي كل حال ثانياً، فدال واحد بمدلولين العموم الأفرادي والعموم الأحوالي، وإلّا لم يكن ذلك نفياً للطبيعة بما هي طبيعة ثانية في الأفراد، وليس له دال  آخر وراء ما دلّ على العموم الأفرادي.

ثم لا يخفى أنّ الخصوصيات الطارئة على الأفراد والملابسة معهم تكون الصلاة مثلاً في حال الإستقرار أو المشي والركوب أو الجلوس والقيام أو في حال الإضطرار والإختيار أو غير ذلك من الأحوال المختلفة والمتلبسة مع الأفراد فإنّما هي من أحوال أفراد العام وليس من أفراد نفس العام، لأنّه من الواضح ليس الفرد بإعتبار الحالين كالقيام والجلوس مثلاً فردين من العام، بل فرد واحد ذو حالين وفي حالين.

وعلى هذا المبنى لو ثبت من الخارج بدليل عدم إعتبار الإستقبال في النافلة حال السيّر والمشي مثلاً، فإنّه يصطدم مع دلالة الكلام في قوله× (لا صلاة إلّا إلى القبلة) ويتنافى مع ظهوره الوجداني في العموم الافرادي والأحوالي، فيلزم التعارض بين ما دل على نفي الإستقبال كما في نافلة الماشي وما دل على وجوب الإستقبال مطلقاً، وحينئذ لابّد من إرتكاب أحد التقييدين:

إمّا الإلتزام بأنّ المراد بـ (لا صلاة) الصلاة الواجبة فقط فتخرج النافلة عنها رأساً فيخصص عمومها الإفرادي حينئذٍ.

وأمّا الإلتزام بتقييد الصلاة بحال الإستقرار، ففي حال الإستقرار لا صلاة إلّا إلى القبلة، فنحافظ على العموم الإفرادي ونلتزم حينئذٍ بالتقييد في الإطلاق الأحوالي.

وليس التقييد الثاني أولى من التقييد الأوّل إن لم نقل بأنّ الأول هو المتعين بمقتضى القرائن الداخلية والخارجية.

وكيف ما كان إن لم نقل بتعيين أحد التقييدين فإنّه لا اقل نقول بالإجمال في الصحيحة وعدم ظهورها في الإطلاق الإفرادي بحيث يشمل الفريشة والنافلة، ومن ثم مع إجمال الخبر يسقط عن الإعتبار ولا نقول بإشتراط الإستقبال في النافلة حال الإستقرار.

اشكال وجواب:

ثم  قد س سره في  مقام الإشكال والجواب على ما إختاره وذهب  إليه يقول:

ولقائل أن يقول: إنّ ما ذكر إنّما يتمّ لو كانت الصلاة المنفيّة في قوله× (لا صلاة إلّا إلى القبلة) قد لوحظت بنحو النكرة وفناء الطبيعة في الأفراد، فيجري ما ذكر من دوران الأمر بين أحد التقييدين من دون ترجيح لأحدهما على الآخر، ولكن لو كانت الصلاة المنفية ملحوظة بنحو إسم الجنس، وإنّ طبيعة الصلاة لا تتحقق في الخارج إلّا مع الإستقبال فيكون الكلام حينئذٍ مسبوقاً لنفي الجنس المستلزم للعموم السرياني بإعتبار الطبيعة السارية وليس العموم الإفرادي ولا الأحوالي مفلا يدل على نفي الفرد حتى يكون له عموم افرادي وأحوالي حتى يدور الأمر بين التصرف في أحدهما بالتقييد والإطلاق.

نفي الفرد حتى يكون له عموم افرادي وأحوالي حتى يدور الأمر بين التصرف في أحدهما بالتقييد والإطلاق.

وعليه فالرواية الصحيحة تدلّ بظاهرها على إنتفاء ماهية الصلاة وجنسها مطلقاً عند إنتفاء شرطها وهو الإستقبال فلا يرفع إليه عن إطلاق الصحيحة إلّا ما خرج بالدليل وهو النافلة في حال المشي فلا يشترط فيها الإستقبال، وأمّا الباقي من الفريضة والنافلة حال الإستقرار فيبقى تحت الإطلاق.

فأجاب عن ذلك: بأنّ لا النافية وإن كانت نافية للجنس إلّا أنّ الحمل على الجنس في هذه الصحيحة وبهذا التركيب خلاف المتبادر، بل المنسبق إلى الذهن عرفاً في مثل قولنا (لا رجل في الدار) أن الواقع في حيّز النفي هو النكرة دون الطبيعة بما هي طبيعة، والمعنى حينئذٍ لا شيء من أفراد الرجل في الدار، وليس طبيعة الرجل غير موجودة في الدار حتى يكون من العموم الرّباني إنتهى كلامه رفع الله مقامه.

وقد أورد على الجواب كما يأتينا تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

 

عطفاً على ما سبق : في بيان ما ذهب إليه المحقق الهمداني+ من عدم الإطلاق في صحيحة زرارة في الشرائط وإعتبار إستقبال القبلة في الفرائض والنوافل حال الإستقرار، لأنّ العموم الافرادي والأحوالي تارة مع تعدد الدال وتعدد المدلول كما في (اكرم كل عالم) فإنّ الافرادي منه بإعتبار دلالة كلّ بدلالة وضعيّة لفظيّة ووجوب الحكم فيه بمنزلة الموجبة الجزئية والأحوالي بدلالة  مقومات الحكمة، فإذا قيل لا تكرم زيداً فلا منافاة بينه وبين العموم الافرادي الذي بمنزلة الموجبة الجزئية حكماً وإجمالاً  إذ لا منافاة بين الموجبة الجزئية والسالبة الجزئية، ولكن مع وحدة الدال وتعدد المدلول كما في النكرة في سياق النفي، فإنّ المقيد تارة يكون لعمومه الافرادي واخرى لعمومه الأحوالي ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فيلزمه إجمال الخبر وسقوطه عن الإعتبار في دلالة على الإطلاق، ولا تدل النكرة في سياق النفي في مثل هذا التركيب على العموم السرياني، فإنّ المتبادر والمنسبق إلى الزمن منه هو العموم الافرادي والأحوالي بإعتبار فناء الطبيعة في أفرادها، ومن الواضح أنّ الخصوصيات الملابسة للإفراد من أحوال أفراد العام وليس من أفراد نفس العام، إذ ليس الفرد بإعتبار الحالين فردين من العام كما لا يخفى.

وأورد عليه:

أولاً: كأنه قد إختلط الأمر عليه مع جلالته وعظمته بين الجواهر والأعراض، فإنّ الجوهر وهو الموضوع لا في موجود واحد لا يتعدّد بإختلاف الطوا رئ والحالات، فإنّ زيد فرد واحد لطبيعي الإنسان في جميع حالاته وعوارضه من الزمان والمكان والحركة والسكون وغير ذلك مما يلحقه ويتصف به، فإنّه في الجميع لا يخرج عن كونه فرداً واحداً للطبيعة.

وهذا بخلاف العرض الموجود في موضوع فإن طروء الحالات عليه يوجب تمدّد الأفراد الغرضي لا أفراد الجوهر، فإنّ الجلوس في الدار فرد جلوسي مغاير مع الجلوس في المسجد، وإن كان الجالس من حيث الجوهر واحد كزيد إلّا إنّ جلوسه متغاير، ومن ثمّ الصلاة عند السير فرد مغاير معها عند الإستقرار.

والسّر في الفرق بين الجوهر الذي لا يتعدد وبين الاعراض المتعددة أن الجوهر له ثبات وقرار لوحدانيته في الموضوعية والمصداقية فلا يتعدد بتعدد حالاته وعوارضه بخلاف العرض، فإنّه لمكان تصرفه وإنقضاءه وعدم ثباته وقراره، فإنّه كل حالة تطرأ عليه يوجب إحداث فرد عرضي جديد للطبيعة مغاير للفرد العرضي السابق، ففرق بين الفرد الجوهري والفرد العرضي فلا تعدّد في الأول عند إختلاف الحالات والطوارئ دون الثاني.

ومن الواضح أنّ المقام وما في الصحيحة من قبيل الثاني الموجب لتعدد الأفراد، فإنّ الصلاة في قوله (لاصلاة إلّا إلى القبلة) عرض من الأعراض وهو الإستقبال بجميع الخصوصيات الملابسة لها من كونها مع الإختيار أو الإضطرار ومع الإستقرار أو المشي والركوب أو غير ذلك توجب تعدّد الأفراد كتعدد الفرائض والنوافل.

وعليه فليست حالتا الإستقرار والسير العرضيين الطارئتان على النافلة حالتين لفرد واحد كي يدور الأمر بين تقييد العموم الافرادي والعموم الأحوالي، وانه لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيلزمه إجمال الخبر، بل كل ذلك افراد لطبيعة الصلاة، والعموم في مثلها افرادي لا غير، فلابّد حينئذٍ في التقييد من أن نقتصر على مقدار دلالة الدليل وهو النافلة  حال السير فلا يعتبر فيها الإستقبال لخروجه بالدليل وأما غير ذلك فإنّه يبقى تحت الإطلاق مطلقاً فلا فرق في ذلك بين أن تكون النكرة واقعة في سياق النفي أو من جهة أداة العموم والدلالة الوضعية اللفظيّة.

وثانياً: لو سلّمنا بما قاله في الأول إلّا أنّ المتبادر من مثل هذه التراكيب ليس الحمل على الطبيعة الفانية في الأفراد  من الحمل على الجنس والطبيعة السارية والتي من ورائها العموم السرياني دون النكرة، فإنّ المنسبق إلى الذهن من الألفاظ في الجواهر والأعراض ـ كالإنسان والبياض ـ إنما هو الجنس، أي الطبيعة والماهية بما هي هي، وأمّا لحاظ الطبيعة فانية في الأفراد حتى تكون نكرة بمعنى (شيء) فهذا ما يحتاج إلى مؤونة زائدة وعناية خاصة لا يقال بها بدون القرينة الدالة على ذلك.

فالإنصاف أن دلالة الصحيحة على الإطلاق الشامل للفريضة والنافلة إلّا ما خرج بالدليل غير قاصرة، وهي سليمة عن شوائب الإشكال، وحينئذٍ بمقتضى الصحيحة يحكم باعتبار الإستقبال مطلقاً ما لم يمنع عنه مانع، كما لو كانت معارضة بأخبار أخرى كما سيأتي.

ثم من الوجوه التي إستدل بها المشهور أيضاً على إعتبار إستقبال القبلة في الصلاة مطلقاً سواء الفريضة أو النافلة إلّا ما خرج بالدليل قوله تعالى (وحيث ما كنت فولّ,ا وجوهكم شطره) (البقرة: 144). أي شطر المسجد الحرام والكعبة المشرفة، فانها بمقتضى الإطلاق دلّت على وجوب الإستقبال في عامة الصلوات وحيث ما كان المكلف، إلّا أنّه خرج بدليل خاص النافلة حال السير من المشي والركوب فيبقى الباقي تحت الإطلاق.

ولا يقال: إنّ مورد الآية هي الفريضة، فإنّه يقال: ان المورد لا يخصص الحكم بعد إنعقاد الإطلاق.

وأورد على الإستدلال بها:

أوّلاً: أن الآية الكريمة لم تكن بصدد بيان إعتبار الإستقبال حتى يتمسك بإطلاقها، وإنّما هي في بيان موضوع آخر يتعلّق بتحويل القبلة من بيت المقدس قبلة الأولى للمسلمين إلى المسجد الحرام.

وثانياً: لو كانت بصدد بيان حكم الإستقبال في الصلوات لكان مقتضاها لزوم الإستقبال في كلّ الأحوال وعامّة الأفعال مطلقاً من الصلوات وغيرها تمسكاً بإطلاق قوله تعالى (حيث ما كنتم) وهذا بديهي البطلان.

وثالثاً: كما ذكرنا أنّ الآية بصدد بيان تحويل القبلة كما في شأن نزولها والآيات الأولى الدالة على ذلك في قوله تعالى ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...﴾ فليست الآية بصدد بيان اعتبار الإستقبال في الصلوات حتى يتمسك بإطلاقها، فتدبر.

فالمختار كما عند المشهور والمصنف إعتبار إستقبال القبلة في الفرائض والنوافل حال الإستقرار، إلّا أنّ من قال بعدم الإعتبار في النافلة مطلقاً تمسك بعدّة من الروايات، وانها بمنزلة المانع عن ما تقضيه الروايات الأخرى المعارضة كصحيحة زرارة فيبقى حينئذ أن نتعرض للروايات المعارضة وكيف لا تقاوم الطائفة الأولى لضعفها في السند أو الدلالة.

فمنها: صحيحة زرارة ـ التي رواها المشايخ الثلاثة ـ عن مولانا أبي جعفر× انه قال له: إستقبل القبلة بوجهك ولا تقلب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ الله عز وجل يقول لنبيّه في الفريضة: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ فإنه عليه السلام قيد ذلك بالفريضة ممّا يدل على إختصاص الإعتبار بها دون النافلة مطلقاً ولكن أورد على هذا الإستدلال كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.


 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق: في بيان ما إستدل به بعض الأعلام على عدم وجوب وإعتبار إستقبال القبلة في النّوافل مطلقاً وهو وجوه:

الأول: الأصل أي عندما نشك في وجوب إستقبال القبلة في النوافل، فإنّ الأصل عدم وجوب ذلك وهذا ما يدل على البراءة من حكم الوجوب ـ إعتبار وإشتراط الإستقبال.

الثاني: طائفة من الروايات وفيها صحيحة الإسناد، ومنها:

1 ـ صحيحة زرارة:

عن أبي جعفر× أنّه قال: إستقبل القبلة بوجهك، ولا تقلّب بوجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ الله عز وجل يقول لنبيّه في الفريضة: (فولّ وجهك شطر المسجد الحرام) (البقرة: 144).

وجه الإستدلال: إنّ ظاهر الصحيحة كقوله× (في الفريضة، إختصاص في الحكم بها، فلا يتعدّى منها إلى النافلة إلّا بدليل، وعدم الدليل دليل العدم.

2 ـ عن قرب الإسناد بإسناده عن أمير المؤمنين علي×: عن الرجل يلتفت في صلاته، هل يقطع ذلك صلاته؟ فقال×: إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته، فيعيد ما صلّى ولا يعتد به، وإن كانت نافلة لم يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود([5]).

وجه الإستدلال: واضح للفرق بين الفريضة والنافلة في قاطعية الإلتفات ممّا يدل على إشتراط وإعتبار الإستقبال في الفريضة دون النافلة.

3 ـ ونحو ذلك ما رواه إبن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن جامع البزنطي عن الإمام الرضا×([6]) قال: سألته عن الرجل يلتفت في صلاته هل يقطع ذلك صلاته؟ قال: إذا كانت الفريضة والتفت إلى خلفه فقد قطع صلاته فيعيد ما صلّى ولا يعتد به وإن كانت نافلة لا يقطع ذلك صلاته ولكن لا يعود.

4 ـ وكذلك مصححة الحلبي أو صحيحته:

عن أبي عبد الله× قال: إذا إلتفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الإلتفات فاحشاً.

وجه الإستدلال: كما في السابق فإنّ الإلتفات الفاحش كاستدبار القبلة في التفاتة بوجهه فإنّه يفسد الصلاة وعليه الإعادة، وهذا ممّا يدل على إشتراط الإستقبال في المكتوبات أي الفرائض دون النوفل.

5 ـ وما عن تفسير العياشي: (الصلاة في السفر في السفينة والمحمل سواء... إلى أن قال: فأتوجه نحوها في كلّ تكبيرة فقال×: أمّا في النافلة فلا، إنّما تكبّر على غير القبلة: الله أكبر، ثم قال×: كلّ ذلك قبلة للمتنفّل: (أينما تولوا فثم وجه الله ([7]). وجه الإستدلال: ما جاء في الذيل (كل ذلك قبلة للمتنفّل) وإستشهاده بالآية الكريمة إنما هو من باب تطبيق كبرى كلية على المقام من دون خصوصية للمورد، فقبلة المتنقل حيث ما توجه، وكان التنفل في السفر من مصاديق تلك الكبرى، فالحكم يعمم المسافر والحاضر.

هذا ولا يخلو الجميع من الإشكال والمناقشات:

أمّا الأصل فإنّه دليل من لا دليل له، فلا مجال له مع وجود الدليل كما في المقام كصحيحة زرارة المتقدمة تمسكاً بإطلاقها كما مرّ.

وأمّا صحيحة زرارة الثانية فمقتضاه إختصاص الآية بالفريضة، وليس إختصاص الحكم وهو وجوب الإستقبال بالفريضة دون النافلة، كما انها في صدد بيان قاطعية الإلتفات غلى الخلف أو اليمين أو الشمال أثناء الصلاة ولو في غير حال الإشتغال بالذكر وانه هل تبطل الصلاة مطلقاً أو أنّه مختص بالفريضة فقال الإمام× بالتفصيل، فليس الرواية بصدد حكم إستقبال القبلة حتى يتمسك بموردها.

وأمّا عن قرب الإسناد، فإنّه ضعيف السند أولاً كما قاصر الدلالة ثانياً، فإنّه إنما يدل على عدم قدح الإلتفات في الأثناء وهذا أعم من جواز اصلاة إلى غير القبلة في النافلة، وثالثاً: قد ورد جواز الإلتفات إلى الجانبين في الفريضة كما يدل عليه ما ورد أنّه إذا إلتفت إلى الخلف فسدت صلاته وقطعها فيعيدها، وأمّا الإلتفات إلى الجانبين فلا ضير فيه.

وأمّا المذكور في تفسير العياشي، فإنّه ضعيف السند في نفسه أولاً، كما لا إطلاق له ثانياً لإختصاص مورده بالسفينة، وأمّا الإستشهاد بالآية مع القول بعد إطلاقها، فإنّه حينئذٍ يقتصر فيه أعلى موردها، أي صلاة النافلة في السفينة.

ورابعاً: لا يبعد أن يكون المراد من قوله تعالى (تولوا) أي تذهبوا، من ولّى مدبراً، وليس المراد تولّوا وجوهكم حتى يستفاد منها إستقبال القبلة، فتختص الآية بحال السّعي مطلقاً سواء أكان في سفينة أو على دابة أو ماشاياً، فتأمل.


 

قال المصنف+ : (لا في حال المشي والركوب).

يقع الكلام في تتمة المسألة السابقة في إعتبار وإشتراط إستقبال القبلة في النوافل في حال الإستقرار كما ذهب إليه المشهور وكان المختار، وأمّا في حال المشي والركوب فذهب المشهور ومنهم المصنف إلى عدم إعتبار إستقبال القبلة إلّا أنّ المسألة ذات صور، إعتباران وقوع النافلة تارة في الحضر وأخرى في السّفر، وكل واحد منهما تارة حال المشي وأُخرى حال الركوب.

فالأولى: في السفر وحال الرّكوب، فلا خلاف في عدم إعتبار الإستقبال، ويدلّ عليه:

أولاً تسالم الأصحاب.

وثانياً: دعوى الإجماع عن غير واحد كما عن المعتبر والمنتهى.

وثالثاً: وهو العمدة جهة من النصوص المستفيضة بل المتواترة، وفيها الصحاح وغيرها، فمنها:

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم.

قال : قال لي أبو جعفر×: صلّ صلاة الليل والوتر والركعتين في المحمل([8]).

2 ـ ومنها: صحيحة الحلبي:

أنّه سأل أبا عبد الله× عن صلاة النافلة على البعير والدابة، فقال: نعم حيث كنت متوجهاً وكذلك فعل رسول الله‘([9]).

3 ـ ومنها: موثقة سماعة:

قال: سألته عن الصلاة في السّفر ـ إلى أن قال ـ وليتطوّع باللّيل ما شاء إن كان نازلاً، وإن كان راكباً فليصلّ على دابته وهو راكب، ولتكن الصلاة إيماءً، وليكن رأسه حيث يريد السجود أخفض من ركوعه([10]).

4 ـ ومنها: صحيحة يعقوب بن شعيب:

قال: سألت أبا عبد الله× عن الرّجل يصلّي على راحلته، قال: يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع([11]).

إلى غير ذلك من الأخبار، ووجه الإستدلال فيها واضح، فإنّها تدل على عدم إعتبار الإستقبال في حال الركوب أما صريحاً أو إيماءً وإشارة حيث أن جريان العادة يقتضي إنحراف المحمل أو الدابة أو الراحلة عن القبلة، بل وإستدبارها ممّا يدل على عدم إعتبار الإستقبال مطلقاً في النوافل في حال الركوب.

5 ـ ومنها: صحيحة إبراهيم الكرخي:

عن أبي عبد الله×: أنّه قال له: إني أقدر أن أتوجه نحو القبلة في المحمل؟ فقال×: هذا الضيق، أما لكم في رسول الله أسوة؟([12]).

وفي التهذيب: ما هذا الضيق؟

فهذه الأخبار وغيرها دلّت على عدم إعتبار إستقبال القبلة في النوافل حال الركوب في السّفر، وإن كان أكثرها ليست بصدد بيان تشريع عدم الإستقبال في النافلة، بل بصدد بيان عدم مانعية المشي والركوب في النوافل حال السّفر، وربما لا تجد صلاة نافلة في سفر حال الركوب إن يكون في تمامها مستقبل القبلة لإنحراف الدابة أو المحمل عن القبلة يميناً وشمالاً ولو في الأثناء في الأعم الأغلب، إلّا أنه عدم التعرض لإشتراط الإستقبال فيها يدل على عدم إعتباره.

تنبيه:

من الواضح أنّ مقتضى الإطلاق في هذه الروايات أنّه لا يشترط الإستقبال في حال الركوب في كلّ أجزاء الصلاة حتى تكبيرة الإحرام، إلّا أنّه قد يظهر من بعضها إعتبار ذلك في التكبيرة، كما في صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران:

قال: سألت أبا الحسن× عن الصلاة بالليل في السّفر في المحمل؟ قال إذا كنت على غير القبلة، فإستقبل القبلة، ثم كبّر وصلّ حيث ذهب بك بعيرك، قلت: جعلت فداك في أوّل الليل؟ فقال: إذا خفت الفوت في آخره([13]).

فقيل بتعارضها مع رواية الكليني بإسناده عن محمد بن سنان: (قلت: على البعير والدابة؟ قال: نعم حيث ما كنت متوجهاً، قلت: إستقبل القبلة إذا أردت التكبير؟ قال: لا، ولكن تكبّر حيث ما كنت متوجهاً، وكذلك فعل رسول الله‘([14]).

فقيل: بضعف سندها محمد بن سنان فلا تقاوم الصحيحة حينئذٍ، ومقتضى الصحيحة تقييد المطلقات، إلّا أنّه قيل إنّما يكون من الإطلاق والتقييد في الواجبات، وأمّا في المستحبات فهو من الأفضلية، فالأول كما هو الأحوط إستحباباً أن يستقبل القبلة في التكبير كما هو المختار.

الصورة الثانية: في السفر أيضاً حال المشي، فإنّه لا خلاف في عدم إعتبار الإستقبال كذلك ويدل عليه جملة من النصوص كما أُدّعى عليه الإجماع فمنها:

1 ـ صحيحة معاوية بن عمار:

 عن أبي عبد الله × قال: لا بأس أن يصلّي الرجل صلاة الليل في السّفر وهو يمشي، ولا بأس إن فاتته صلاة الليل أن يقضيها بالنهار وهو يمشي، يتوجه إلى القبلة ثم يمشي ويقرأ، فإذا أراد أن يركع حوّل وجهه إلى القبلة وركع وسجد ثم مشى([15]).

2 ـ ومنها صحيحة يعقوب بن شعيب:


 

قال: سألت أبا عبد الله× عن الصلاة في السّفر وأنا أمشي، قال: أوم إيماءً وإجعل السجود وأخفض من الركوع([16]).

وجه الإستدلال: واضح بأنه لا يعتبر إشتراط الإستقبال في النوافل في السّفر في حال المشي، إلّا أنّ صحيحة معاوية بن عمار دلّت على رعاية الإستقبال في حال الركوع والسجود أو هذا ما يدل على الأفضلية بقرينة الاخبار الأخرى الواردة في هذا الباب والدالة بالصراحة على عدم إعتبار ذلك كما هو المختار.

الصورة الثالثة والرابعة: في إتيان النافلة في حال الركوب والمشي في الحضر، فذهب المشهور إلى عدم إعتبار الإستقبال كذلك إلحاقاً بما جاء في السّفر، كما يدل عليه جملة من النصوص خلافاً لإبن أبي عقيل ومن تبعه فذهبوا إلى إعتبار الإستقبال مطلقاً في الحضر سواء الفرائض أو النوافل في حال الإستقرار أو غيره في الحضر.

وأمّا النصوص:

1 ـ فمنها: صحيحة حماد بن عثمان:

عن أبي الحسن الأول×: في الرّجل يصلي النافلة وهو على دابته في الأمصار؟ قال×: لا بأس([17]).

2 ـ وصحيحة بن الحجاج عن أبي الحسن×: قال: سألته عن صلاة النافلة في الحضر على ظهر الدابة... إلى أن قال×: إن صد ربك على الأرض أحبّ إليّ([18]).

وللحديث صلة:


 

تنبيهات:

وها هنا تنبيهات:

الأول: حُكي عن إبي عقيل وغيره من إعتبار إستقبال القبلة مطلقاً في الحضر سواء في الفرائض أو النوافل والثاني في حال الإستقرار أو غيره، وربما الوجه في ذلك.

أولاً: لما ورد في جملة من نصوص الباب المجوزة لعدم الإستقبال بذكر قيد السّفر، فيستشف منها خصوصية السّفر في عدم إعتبار الإستقبال حال الركوب أو المشي.

وثانياً: ما ورد في بعض الأخبار أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾إنها في النافلة وفي السّفر.

ولكن يرد عليه:

أوّلاً: لا تصلح الأخبار الواردة فيها قيد السّفر أن تكون مقيّدة لغيرها من الملطقات لعدم التنافي بينها.

وثانياً : إنّما ذكر السّفر من باب كونه الغالب في موارد الإبتلاء، وإلّا فلا خصوصية للمورد، كما لا مفهوم للوصف.

ورابعاً: إنمّا ذكر السّفر باعتبار شأن صدور الخبر ذلك، فإنّ السؤال عن النافلة في السّفر، فلا يدل على إختصاص الحكم بالسّفر.

ومن هذه الأجوبة يعرف جواب الوجه الثاني فتدبّر كما أن الروايات تعّرضت لبيان مورد نزول الآية لا لتخصيص الحكم به.

فلا مانع حينئذٍ من التمسك بإطلاقه لعدم كون المورد مخصصّاً، كما أن الروايات الواردة في تفسير الآية من المراسيل فلا تقاوم الصحاح المتقدمة.

الثاني: حكى عن الشيخ+ ، الإجماع على عدم إعتبار الإستقبال في الركوع والسجود، وأمّا الذي ورد في صحيحة معاوية المتقدمة من تحويل الوجه إلى القبلة فيهما، فإنّه محمول على الإستحباب، كما أنّه يستحب الجلوس نحو القبلة إلّا ما خرج بالدليل كحال التخلية فإنه يحرم إستقبال القبلة وإستدبارها، كما يستحب استقبال القبلة حين الوضوء وفي مواطن أخرى، فإنّه بطريق أولى تمكن من إستقبال القبلة في الركوع والسجود في النوافل في حال عدم الإستقرار، فإنه يراعي ذلك، إلّا أنّه لا يجب ذلك كما يشهد به صحيحة يعقوب المتقدمة وغيرها ممّا أهل فيها ذلك.

الثالث: كما مرّ أنه لا يشترط كذلك إستقبال القبلة في النوافل في حال الركوب والمشي في تكبيرة الإحرام، وما دل على ذلك فإنّه يحمل على الأفضلية والإستحباب كما ذهب إليه المشهور وكان المختار تمسكاً بالمطلقات كصحيحة الحلبي المروية في الكافي لزيادة (قلت: على البعير والدابة؟ قال×: نعم حيث ما كان تكبر حيث ما كنت متوجهاً، وكذلك فعل رسول الله‘.

وممّا ذكر يظهر ضعف ما ورد عن جماعة من وجوب الإستقبال في التكبيرة، تمسكاً بصحيحة معاوية المتقدمة ولما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران.

قال: سألت أبا الحسن× عن الصلاة بالليل في السّفر في المحمل؟ قال×: إذا كنت على غير القبلة فأستقبل القبلة ثم كبّر وصل حيث ذهب بعيرك..) ([19]).

فإنها تحمل على الإستحباب، ولا يقال بالإطلاق والتقييد، فإنّ المشهور عند الاعلام انهما في الواجبات دون المستحبات.

الرابع: حكى عن الصيمري كما هو ظاهر العلامة الحلي في جملة من كتبه، كما عليه جماعة من الفقهاء: أن قبلة الراكب هو طريقه الذي يمشي فيه ومقصده الذي يبغيه، وصرح الشهيد الأول في البيان وغيره ان قبلته رأس دابته، وذهب سيدنا الحكيم في مستمسكه (22205)أن الظاهر أن المراد واحد وهو وجوب إستقبال الجهة التي يمشي إليها، سواء أكان فيها المقصد أم لا وقد وقع النزاع بين الاعلام أن مقتضى الأدلة الدالة على سقوط الإستقبال في السّفر هل مقتضاها السقوط رأساً، فيجوز النافلة أي جهلة شاء، حتى لو كان إلى يمين الدابة أو يسارها أو خلفها كما لو ركبها مقلوباً أو إلى أحد جانبيها، أو أنه يجب إستقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة وكأنما يكون رأس الدابة بمنزلة القبلة في حقه، ولا يجوز الإتجاه نحو سائر الأطراف؟

ذهب المتأخرون إلى الأوّل من سقوط الإستقبال رأساً في التنفل في السّفر في حال الركوب.

تمسكاً بوجوه:

الأول: لعدم الدليل على القول الثاني، وعدم الدليل دليل العدم.

والثاني: ما ورد من الأدلة الخاصة المشار فيها إلى الدابة لا تقتضي خصوصية رأس الدابة ان تكون قبلة المسافر في حال ركوبه، بل مفادها إلغاء اعتبار الإستقال في هذا الحال مطلقاً.

الثالث: مع الشك في ذلك فالأصل البراءة.

وقال بعض الأعلام بالقول الثاني تمسكاً بظاهر ما ورد في الأخبار من قوله× (حيث ذهب بعيرك) (حيث كان متوجّهاً) و(حيث ما توجهت به) ونحوها، فإنّه يستفاد منها وجوب إستقبال الجهة التي تتوجه إليها الدابة، وعدم جواز الإنحراف عنها، فيكون توجه الدابة قبلة المسافر الراكب، ولا داعي لرفع اليد عن هذا الظهور، كما ورد صريحاً في صحيحة زرارة عن أبي جعفر×: في الرّجل يصلّي النوافل في السفينة؟ قال×: يصلّي نحو رأسها ([20]).

ومع هذا الدليل لا مجال لإصالة البراءة إذ أنها دليل من لا دليل له.

ولكن أولاً: الظاهر من الأخبار الوارد في المقام أنّه لا حاجة إلى توجيه الدابة إلى القبلة في حال الصلاة حتى في تكبيرة الاحرام، فإنّ قبلة المسافر الراكب حيث ما توجّهت دابته، ولو أريد أن قبلته الثانوية هو رأس دابته لكان المفروض أن يعبّر بهذا التّعبير (يصلي إلى حيث توجهت الدابة إلّا قوله×: (حيث ما توجهت به) أو (حيث ما كان متوجهاً).

وثانياً لو كان رأس الدابة قبلته، بمعنى أنّه لا يجوز له أن يصلّي إلى جانبي الدابة أو راكباً مقلوباً، لكان من مصاديق الضيق المنفي عنه وفي روايات المقام، كما أن الله يحبّ أن يوحّد برخصه كما يحبّ أن يُؤخذ بفرائضه.

وثالثاً: مع هذه الإحتمالات في توجيه الأخبار الواردة في الباب يلزم أن تكون مجملة، وعند الإجمال يرجع إلى أصالة البراءة كما لو كان النص مفقوداً أو متعارضاً بعد سقوطها، فلا يجب إستقبال الجهة التي توجهت إليها الدابة.

ورابعاً: ما ورد في تفسير قوله× (أينما تولوا..) بناء على أن معنى الآية: أينما تذهبوا، فإن المراد منها أن وجه الله تعالى يكون في كل جهة، لا أنه مختص بخصوص الجهة التي تتوجهون إليها، وتتوجه الدابة إليها لا غير، فالمختار لا بأس بالصلاة نافلة إلى أحد جانبي الدابة أو خلفها، كما قوى هذا المعنى صاحب الجواهر وسيلة النجاة كما ذهب إليه جملة من المحققين أصحاب الحواشي على وسيلة النجاة كما أشار إلى ذلك سيدنا الحكيم+.

الخامس: قال المصنف+: (ولا يجب فيها ـ في النوافل حال الركوب والمشي ـ والإستقرار والإستقبال، وإن صارت واجبة بالعرض بنذر ونحوه).

 


 

الخامس: قال المصنف+: (ولا يجب فيها الإستقرار والإستقبال وإن صارت واجبة بالعرض بنذر ونحوه).

أقول: يقع الكلام، عطفاً على ما سبق: فإنّه بعد سقوط إعتبار إستقبال القبلة في النوافل في حال عدم الإستقرار في السّفر والحضر لو كان راكباً أو ماشياً، فيا ترى لو نذر النافلة كنذر صلاة الليل فصارت واجبة عليه بالعرض فهل حكمها حكم الفريضة في وجوب إستقبال القبلة مطلقاً أو تبقى على حكمها الأوّلي لمن كان مسافراً أو حاضراً في حال المشي أو الركوب من سقوط الإستقبال بإعتبار كونها نافلة في الأصل وإن عرضها الوجوب فيتمسك فيها بإطلاق ما دلّ على سقوط الإستقبال في النافلة في حال الركوب والمشي.

إختلف الأعلام في ذلك.

فذهب المشهور ومنهم المصنف إلى عدم وجوب الإستقرار والإستقبال وإن صارت واجبة بالعرض بالنذر أو اليمين أو العهد، بأنها تبقى على حكمها الأوّلي ولا تتأثر بحكمها الثانوي.

تمسكاً بوجوه:

الأول: لأنّ النذر ونحوه لا يصلح لتشريع أحكام جديدة في النافلة غير أحكامها الثابتة لها لولا النّذر، فإذا كان من أحكامها جواز إتيانها من دون الإستقرار والإستقبال في حال المشي والركوب إختياراً فإنها تبقى على ذلك بعد النذر.

الثاني: أن تسريع العبد وغيجاب النافلة عليه ليس في عرض تشريع الله حتى يعارضه، ويقال بتقديم الوجوب العرضي على التشريع الأوّلي، بل تشريع العبد في في طول تشريع الله سبحانه ولا منافاة بينهما، فتأمل.

الثالث: إنصراف المطلقات الدالة على إعتبار الإستقبال في الفريضة والواجبة إلى الفرائض الأصليّة، وهي ما فرضه الله تعالى على العباد بحسب التشريع الأوّلي لا ما فرضه المكلف وشرعه على نفسه بنذره نحوه، فهذا خارج عن منصرف تلك الأدلة المطلقة.

الرابع: قيل أنّ النسبة بين الأدلة الأولى المطلقة الدالة على وجوب الإستقبال في الفرائض والواجبات مطلقاً سواء أكانت واجبة وأنية أو عرضية وبين ما دل على سقوط الإستقبال في النوافل حال المشي والركوب مطلقاً سواء أكانت مستحبة ذاتية أو واجبة عرضية نسبة العموم من وجه، فيكون بين عمومهما التعارض وبعد التساقط في مورد الإجتماع، أي النافلة المنذورة يرجع فيها إلى العموم الفوقاني وهو قوله× (لا صلاة إلّا إلى القبلة)  فيحكم فيها حينتئذٍ بوجوب الإستقبال، ولكن قد عرفت من عدم الإطلاقفي أدلة الفرائض لإنصرافها إلى الفرائض الذاتية دون العرضية، فيرجع إلى إطلاق أدلة النوافل السليمة عن المعارض.

الخامس: تمسكاً بما ورد في جملة من الروايات التي مرّت من أن النبي‘ كان يأتي بصلاة الليل وهو على راحلته، مع أنها واجبة عليه بالخصوص.

وذهب جمع إلى أن النافلة المنذورة حكمها حكم الفريضة الذاتيّة، وقال صاحب الجواهر+: (خلاف أجده فيه) تمسكاً بالمطلقات في أدلة الفرائض وعدم الإنصراف إلى الفرائض الذاتيّة على إطلاقها يعمّ الذاتية والعرضية، ولازمه التعارض مع إطلاق أدلة عدم الإستقبال في النوافل حال الركوب والمشي، وفي مورد إجتماعهما بعد التساقط أي في النافلة المنذورة يرجع فيها إلى العموم الفوقاني وقوله× (لا صلاة إلّا القبلة) فيقال حينئذٍ بوجوب الإستقبال والإستقرار في النافلة المنذورة كما في الفريضة الذاتية كالصلاة اليوميّة.

وقيل: لا معارضة بين المطلقات الأوليّة في الفرائض وبين إطلاق ما دل على عدم إعتبار الإستقبال في صلاة الليل الشامل لحال النذر أيضاً، وذلك للإنصراف ما ورد في صلاة الليل إلى حال كونها نفلاً كما هو الغالب، والإنصراف يكون من كثرة الإستعمال أو غلبته، ولكن لو سلّمنا بالتعارض فكما في الفرض الأول فإن الرجع هو العموم الفوقاني من وجوب الإستقبال مطلقاً.

وأجيب عنه:

أولاً: أن عنواني الفريضة والنافلة قد غلب عليهما المعنى الإسمي وليس الوضعي، فيتبادر منهما حينئذٍ ذوات الصلوات المخصوصة، فإنّ الإسم ما يدلّ على المسمى نفسه، لا بقيد وضعي النفل والفرض حتى يقال الفريضة أعم من الذاتية والعرضية فتشمل النافلة المنذور، فلا تعارض بين الأدلة.

وثانياً: يعارض العموم الفوقاني ما ورد في خير علي بن جعفر عن أخيه موسى الكاظم×.

قال سألته عن رجل جعل لله عليه ـ أي نذر ان يصلّي كذا أو كذا هل يجزئه أن يصلّي ذلك على دابته وهو مسافر؟ قال: نعم ([21]).

وجه الإستدلال: واضح، فإنّه نذر أن يصلي كذا أو كذا وأجاب الإمام بعد البأس بأن يصليها على دابته وهو مسافر، إلّا أنّ الكلام في السند، فمنهم من توقف فيه، لأنّ في سنده، محمد بن أحمد العلوي.

وهنا وقع النواع بين العلمين المعاصرين سيدنا الحكيم في مستمسكه (5 : 224) وسيدنا الخوئي في (مستنده: 12:30) .

فذهب السيد الحكيم إلى إعتبار السند وكفاية واثقة محمد بن أحمد العلوي بالأمور التالية:

أوّلاً: تصحيح العلامة لحديثه فيما عن المختلف والمنتهى.

وثانياً: عدم إستثناء القميين حديثه من كتاب نوادر الحكمة.

وثالثاً: وصف الصدوق له ـ فيما في إكمال الدين ـ بالدين والصدق.

ورابعاً: رواية جملة من الأجلاء عنه .

وكفى بهذا المقدار دليلاً على الوثاقة.

وخامساً: مضافاً إلى ما في الجواهر(7: 422) من رواية الشيخ الحديث أيضاً من كتاب إبن جعفر× وطريقه إليه صحيح.

وسادساً: يؤيده أو يعضده، ما روي من صلاة النبي‘ صلاة الليل وهو على راحلته، مع ما إشتهر من وجوبها عليه‘.

هذا كلّه لو نذر الصلاة النافلة أن يأتي بها صحيحة، أمّا لو نذر فعلها على الأرض فالنذر على ما نذر فيتبع قصد الناذر وهذا غير محل الكلام.


 

في مباني سيدنا الخوئي ومناقشتها

يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

في رواية محمد بن أحمد العلوي، فقد أخذ به سيدنا الحكيم، وردّ من قال بضعفه بما أورده من المباني التي يعتمد عليها توثيق الراوي، فذهب إلى ما ذهب إليه المشهور والمصنف كما هو المختار من بقاء حكم النافلة في حال حال غير الإستقرار كما في حال الركوب والمشي من عدم إعتبار إستقبال القبلة فيها وإن وجبت بالعرض كما لو وجبت بالناذر ونحو ذلك، إلّا أنّ سيدنا الخوئي+ أنكر عليه ذلك، إنّ الخبر ضعيف السند لإشتماله على محمد بن أحمد العلوي ولم يوثق فلا يمكن الإعتماد عليه في الخروج عن العموم الفوقاني (لا صلاة إلّا القبلة) الدالة بإطلاقه على إشتراط الإستقبال وإعتباره في النافلة المنذورة وقال: وقد حاول جمع من الأفاضل وعمدتهم الوحيد البهبهاني في حاشية المدارك لتوثيق الرّجل بذكروه كلها مزيفّة، وياليت لم يعبّر بمثل هذا التعبير الجارح بكونها مزيّفة، بل كان الاولى أن يقال كلها مدخولة أو يرد عليها الإشكال أو قابلة للنقاش.

الأول: رواية جملة من الأجلاء عنه، فلولا وثاقته بنظرهم لم يكن مجال لروايتهم عنه.

وهذا واضح الفساد، فإنّ رواية الأجلّاء عن أحد لا تدل على توثيقه بوجه من الوجوه، ويكفيك شاهداً شيخنا الكليني، فإنّه من الإخلاء بل من أعاظم الأجلاء يروى في الكافي عن الضعفاء كثيراً، ونحوه غيره.

والسّر في ذلك أنّ شأن الراوي ليس إلّا نقل الحديث عن كل من سمعه ثقة كان أم غيره، ولا فرق في ذلك بين الأجلاء وغيرهم، والسبب في ذلك أنّهم ليسوا إلّا كأحد الرواة ينقلون كل ما وصل إليهم من الأخبار.

أقول: ولكن هذا خلاف الانصاف أن يقال مثل هذا في حق الاجلاء ولا سيما في مثل شيخنا الكليني، فإنّه وإن نقل عن الضعفاء حسب ما عندكم من المباني في التوثيق والتضعيف، إلّا أنّه لم يكن من أولئك الذين همّهم فقط أن يقنل الرواية وحسب سواء كان الراوي ثقة أو ضعيفاً، بل اتّعب نفسه عشرون سنة في جمع الكافي لينقل عن الثقات، ومن ثمّ من الأعلام من يأخذ بما في الكافي إلّا النادر منه، فليس من الإنصاف أن يقال في حق الإجلاء كالكافي والصدوق والشيخ الطوسي قدس الله أسرارهم أنهم كأحد الرواة، فكم فرق بين الراوي بما هو راوى وبين من كان فقهياً أو خبيراً ويروين فإنّ النفس تطمئن بالثاني أكثر ما تطمئن بالأوّل وهذا ما يدل عليه الوجدان والبرهان والقرآن، فتدبّر.

الثاني: أنّ العلامة قد صحّح الحديث المشتمل سنده على هذا الرجل في المختلف والمنتهى.

وفيه: أولاً: أنّه لا عبرة بتوثيقات العلامة، لابتغائها على الإجتهاد والحدس دون الحسّ.

وثانياً: أنّ تصحيح السند من مثله لا يدل على توثيق رجاله، لما هو المعلوم من مسلكه + من الإعتماد على رواية كلّ شيعي إمامي لم يرد فيه قدح، عملاً بأصالة العدالة في كل أحد ما لم يثبت فسقه، ولا يرى ثبوت وثاقة الراوي شركاً في الصحة وبالجملة: مجرد كون الرواية حجة عند أحد لصحة السند عنده وبنظره لما عنده من المباني الخاصة به لا يدل على التوثيق العام، فلابّد من ملاحظة مسلكه في التصحيح، وإلّا لزم العمل بكلّ ما يرويه الصدوق في الفقيه، لما التزم به في صدر الكتاب من عدم روايته فيه إلّا ما يكون حجة بينه وبين ربّه، مع أنّه ترى منه انه نقل عن غير واحد من الضعاف.

ولكن يمكن أن يقال وان كان ما ذكره العلامة من التوثيق يبتني على إجتهاده وحدسه، والحال يشترط أن يكون عن حسٍ إلّا أنّه يقبل التوثيق عن الحدس الذي يكون قريباً من الحسّ أيضاً كما كان المختار في علم الرّجال، فالمسألة حينئذٍ تكون مبنوّية ولا مشاحة في المباني كما لا مشاحة في الألفاظ والمصطلحات.

وكذلك الأمر في مسلك العلامة في قبول الرواية من كل شيعي إمامي لم يرد فيه قدح، بناء على أصالة العدالة من كل أحد ما لم يثبت فسقه لا على مبنى أصالة التوثيق وإن كان فاسقاً غير عادل، وهذا أيضاً يرجع إلى إختلاف المباني، وكل واحد بما عنده من القطع والمباني يصحّح العمل، ويبقى القول بالتخطئة دون التصويب.

ثم ما المانع من كان مبناه في التوثيق مبنى الصدوق+ أن ينهج منهجه ويقول بصحة ما يروه وما كان حجة بينه وبين ربّه إلّا أنما نقول ذلك في الراوي المتأخر والذي ينقل عنه مباشرة دون المتقدم الذي ربّما يكون من الضعاف، فتدبّر.

الثالث: أن القميين تبعاً ـ لشيخهم محمد بن الحسن بن الوليد لم يستثنوا من روايات محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب نوادر الحكمة ما يروه عن هذا الرّجل، وهذا يكشف عن وثاقته لديهم، والإمكان المفروض أن يستثنى حينئذٍ كما استثنوا روايته عن غيره من الضعاف.

وفيه: ما عرفت آنفاً، فإن عدم الإستثناء لا يدل على التوثيق، بل غايته التصحيح، ومن الجائز أن يكون مسلكهم فيه كسلك العلامة مبنياً على أصالة العدالة.

وفيه: ما عرفته كذلك إن الإختلاف في المباني لا يدل على أرجحية القول، بل كان واحد يختار ما عنده من المبنى ويفتي على ضوءه.

الرابع: أنّ الرجل موثق لوصف الشيخ الصدوق في الباب الثاني والعشرين من كتاب! كمال الدين (ص: 239 ، باب 22 الحديث 229).

إياه بكونه شريف الدين ولأنه الصدوق ومثل هذين الوصفين يدلان على وثاقته.

قال الشيخ الصدوق: حدثنا الشريف الدين الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة بن عبد الله، وذكر نسبه إلى الإمام× وفي بعض النسخ (حدثنا شريف الدين الصدوق..)  فالنقل الأول من الوصفية والنقل الثاني جعل شرف الدين من اللقب له لا من الوصف وعلى كلا التقديرين فقد وصفه بالصدوق، وهذا لا ينطبق إلّا على الثقة.

وفيه: إنّ هذا الإستدلال من غرائب الكلام، فإنّ الوصف المزبور وإن وقع الإختلاف بين الأعلام انه هل من الألفاظ الدالة على التوثيق أو لا؟ ولكن عندنا أنه لا يلتفت إلى هذا الإختلاف لأنّه من أقوى أنحاء الدلالات على التوثيق، بل هو يتضمن التعديل أي القول بعدالة الرجل فضلاً عن التوثيق، فإنّ مثل هذه الصفات (شرف الدين الصدوق) لا ينطبق على غير العدل.

إلّا أنّ الإشكال ليس من هذه الجهة، بل من جهة أنه لا يعقل أن تكون هذه الأوصاف لمحمد بن أحمد العلوي، لعدم إحتمال أن يكون هذا هو المراد من قول الصدوق: حدثنا الشريف الدين الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن زيادة إلى آخره) لعدم إمكان رواية الصدوق عنه بعد ملاحظة ما بينهما من إختلاف الطبقة.

بيان ذلك أولاً: إنّ الكليني يروي عن أحمد بن محمد بن يحيى، وهو يروى عن محمد بن علي بن محبوب، وهو يروى عن محمد بن أحمد العلوي، وهذا يعني أن طبقة الرجل متقدمة على الكليني بثلاث مراتب، فإنّه يكون حينئذٍ شيخ الكليني ـ وكلّ طبقة يقدر بثلاثين عاماً لما أشار إلى ذلك سيدنا البروجردي+ في طرحه الجديد لمعرفة للطبقات في الرواة ـ فهذا يعني ما بين الكليني وبين محمد بن أحمد العلوي ما يقارب مأة سنة. فكيف يمكن أن يروى عنه الشيخ الصدوق بلا واسطة كما هو ظاهر قوله (حدثنا) بأن يكون الحديث عند بالمباشرة دون الوسائط.

وثانياً: أنّ طبقة الصدوق متأخرة عن طبقة الكليني أيضاً، فإنّه توفي الكليني+ سنة 329 من الهجرة،وكان وفاته في بغداد كما له قبر يزار، والحال ورد الصدوق بغداد سنة 359 أي بعد وفاة الكليني ثلاثين سنة وهو بعد شاب حدث السن وتوفي سنة 381 هـ فمن هذا نجزم بأنّ المراد بالمسمّى بهذا الإسم ـ محمد بن أحمد ـ شخص آخر غير العلوي.

وثالثاً: والذي يدل صريحاً على ما ذكر من التعدّد وإن محمد بن أحمد المذكور في مقولة الصدوق غير الرجل الذي يبحث عن وثاقته وضعفه وهو محمد بن أحمد العلوي المزبور جدّه إسماعيل كما نصّ عليه النجاشي في رجاله (303 / 828) صرّح بذلك في ترجمة العمركي، فهو محمد بن أحمد بن إسماعيل، مع أنّ من وصفه الصدوق بما ذكر هو محمد بن أحمد بن زيادة كما عرفت فهما رجلان قطعاً.

ولكن ربما يقال: قوله حدثنا وإن كان ينصرف إلى الحديث المباشر، إلّا أنّه يزول هذا الإنصراف بأدنى تأمل، فيمكن أن يؤخذ بإطلاقه فيعمّ المباشر وغيره، وكونه جدّه إسماعيل بما يكون من سقا النسّاخ وإن كان الأصل عدمه فتأمل.

الخامس: ما ذكره في الجواهر (7: 422) بأن الرواية لو سلّم ضفعها بهذا الطريق المشتمل على العلوي المنازع في وثاقته وضعفه، إلّا انها مروية بطريق آخر، وهو ما رواه الشيخ عن كتاب علي بن جعفر وطريق الشيخ إلى كتابه طريق صحيح يعتمد عليه فتصّح الرواية حينئذٍ بطريق الشيخ.

وفيه: أولاً: ما ذكر لو ثبت لصحة الرواية وثم الإستدلال، إلّا أنه لم يثبت ذلك، بل هذا سهو من قلمه الشريف، ولعلّه التبس الأمر عليه لدى الكتابة والتأليف فرآني رواية أخرى عن كتاب علي بن جعفر فتخيّل انها هذه الرواية، وإلّا فالرواية لم تنقل إلّا بالطريق الأول، المشتمل على العلوي، وأما الطريق الثاني فلم يوجد قطّ في شيء من الكتب بعد التتبع التام، فإنّ أرباب المجامع الروائية الثانية كالوسائل والواقع (1: 531) وكذلك في الحدائق (6: 410) وغيرها لم ينقلوا هذه الرواية عن الشيخ إلّا بالطريق الأول فلم يتلقوها بالطريق الثاني.

وثانياً: الشيخ الطوسي+ بنفسه لم ينقله عن علي بن جعفر في كتابيه التهذيب والإستبصار .

وثالثاً: كتاب علي بن جعفر أيضاً خال عن هذه الرواية فلاحظ وتأمل.


 

كيفية إستقبال القبلة في الصلوات

مسألة 1 ـ كيفية الإستقبال في الصلاة قائماً أن يكون وجهه ومقاديم بدنه إلى القبلة حتى أصابع رجليه على الأحوط، والمدار على الصدق العرفي . وفي الصلاة جالساً أن يكون رأس ركبتيه إليها مع وجهه وصدره وبطنه. وإن جلس على قدميه لابدأن يكون وضعهما على وجه يعدّ مقابلاً لها. وإن صلّى مضطجعاً يجب أن يكون كهيئة المدفون، وإن صلّى مستلقياً فكهيئة المحتضر.

أقول: بعد أن ذكر المصنف+ شرط أصل الإستقبال القبلة في الصلوات الواجبة والمندوبة، فإنّه بطبيعة الحال سيقع الكلام في كيفية الإستقبال وهذا ما أشار إليه المصنف في هذه المسألة، ولما كان المصلّي يختلف وضعه في حال الأختيار والإضطرار، فالمسألة ذات صور:

الأولى: لو كان مختاراً فإنّه في حال القيام كما في التكبيرة وقراءة الحمد والسّورة، فإنّ إستقباله للقبلة يكون بنحو أن يكون وجهه ومقاديم بدنه كصدره وبطنه وركبتيه إلى القبلة وهذا ما ذهب إليه المشهور، ثم احتاط المصنف أن تكون أصابع رجليه كذلك نحو القبلة، ثم أشار إلى أنّ المدار والملاك في تحقق الإستقبال شرعاً هو الصدق العرفي، فجعل تشخيص موضوع كيفية الإستقبال إلى العرف المتشرعي كما هو الظاهر.

ولا يخفى أنّ تشخيص الموضوعية والمصداقية الأحكام الشرعية تارة بيد الشارع وينص على ذلك، وأخرى بيد العرف فييحال إليهم، وفي كيفية الإستقبال لم يرد نصاً خاصاً يدل على ذلك، فيرجع فيه إلى العرف، والعرف ببابك.

والظاهر أنّ الكيفية تتحقق بمجرد أن يكون الوجه ومقاديم البدن البارزة كالصدر والبطن متجهاً إلى القبلة كما هو مقتضى العادة كما في قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: 144) فالإستقبال إنما يتقوم بذلك وهذا أمر واضح لا إشكال فيه.

وأمّا إعتبار الإستقبال بأصابع الرجلين، فهذا ممّا لا دليل عليه، وعدم الدليل دليل العدم، فإنّا لا نصّ على ذلك. كما هو لم يكن من المتعارف عليه، بل في الأعم الأغلب على خلاف طبيعة الإنسان حال الوقوف، فإن الغالب إنحراف الأصابع تارة إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، فلو إشترط ذلك لكان بتعّمد ومشقة وربما في بداية الصلاة يراعى ذلك إلّا أنه في الأثناء فإنّه يغفل عنه، لأنه على خلاف طبيعته حال القيام.

ثم لو كان واجباً شرعاً للزم التصريح به في نصّ لكونه ممّا يغفل عنه عامة الناس، ولو كان لبان، ولا يرجع فيه إلى العرف لقصورهم عند إدراك ذلك في الغالب كما هو ظاهر.

فالمختار عدم إعتبار ذلك.

الثانية: لو كان جالساً فكيفية إستقبال القبلة أن يكون رأس ركبتيه مع وجهه وصوره وبطنه إلى القبلة هذا ما ذهب إليه المصنف، إلّا أنّه ممّا دليل عليه لا نصاً ولا عرفاً، فإن الإنحراف فيهما حال الجلوس أو في الصلاة جالساً إلى اليمين واليسار هو أظهر مطلقاً سواء جلس على قدميه أو متوركاً أو متربعاً وفي الأخيرين حينئذٍ إلى المغرب والمشرق تقريباً، فحكم الركبتين جالساً حكم أصابع الرجلين قائماً ثم ليس الرجلان إلّا كاليدين موضوعاً وحكماً، والقيام والجلوس لا يختلفان من هذه الجهة ولا في غيرها.

ثم لا فرق بين أن يكون الجلوس على الرجلين أو على الأرض، فقول المصنف+ (لابد أن يكون..) فيه تأمل، والمختار عدم إشتراط ذلك وإن كان الأحوط الإستحبابي رعايته للخروج عن مخالفة من إشتراطه فتأمل.

الثالثة: إن يجلس على قدميه فذهب المصنف إلى أنّه لابّد أن يكون وضعهما على وجه يُعّد مقابلاً لها، إلّا أنه كما في الصورتين السابقتين ممّا لا دليل عليه ولو كان لبان، فلا نص كما لا يقرّ العرف بذلك، فلا يشترط ذلك كما هو المختار، وكما لا يعتبر المقابلة الخاصة عند الجلوس على الأرض فكذلك لا يعتبر عند الجلوس على القدمين.

الرابعة: أن يصلّي مضطجعاً نائماً فيجب أن يكون كهيئة الميت المدفون، بأن يضطجع على يده الأيمن ويستقبل القبلة بوجهه، وهذا ما يدل عليه النصوص كما مرّ تفصيل ذلك.

الخامسة: أن يصلّي مستلقياً على ظهره فقبلته كقبالة المحتضر بأن يكون باطن قدميه نحو القبلة كما مرّ تفصيل ذلك وهو المختار.

عود على بدء:

لقد ذكر المصنف في بداية الفصل فيما يستقبل له، بأنّه يجب الإستقبال في مواضع، فكان الأول للصلوات الواجبة والمندوبة على التفصيل الذي مرّ، أما باقي المواضع فكما يلي: ـ

(الثاني: في حال الإحتضار، وقد مرّ كيفيته) وهذا يتعلق بالميت المسلم وقد مرّ وجه وجوبها ذلك وكيفيته أن يستقبل بباطن قدمه القبلة.

(الثالث: حال الصلاة على الميت، يجب أن يجعل على وجه يكون رأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق)، وهذا يصدق فيما إذا كانت القبلة في الجنوب كما في العراق كما مرّ تفصيل ذلك، وإذا كانت الصلاة في الشمال كما لو كان في جنوب مكة فيجب الإستقبال بالميت بأن يكون رأسه إلى المشرق ورجلاه إلى المغرب، والأولى في الضابط أن يكون رأسه إلى يمين المصلي حينما يستقبل القبلة ورجلاه إلى يساره.

(الرابع: وضعه حال الدفن على كيفية مرت) وهذا أيضاً يتعلق بالميت وقد مرّ تفصيل ذلك بأن يوضع على يمينه ويستقبل القبلة بوجهه ويكون رأسه إلى المغرب ورجلاه إلى المشرق لو كان في الجنوب وعكسه لو كان في الشمال كما هو ظاهر.

(الخامس: الذبح والتّحر بأن يكون الذبح والمنحر ومقاديم بدن الحيوان إلى القبلة، والأحوط كون الذّبح أيضاً مستقبلاً، وإن كان الأقوى عدم وجوبه).

والوجه في كون الذبح والذبيحة مستقبل القبلة، فهذا ما دلّ عليه النصوص كما عليه الإجماع وتسالم الأصحاب، ومن النصوص قوله× (إستقبل بذبيحتك القبلة) ([22]).

وجه الإستدلال: أن الباء في قوله (بذبيحتك) إنّما هي للتعدية وليس بمعنى (مع ) وللمصاحبة كما عن جماعة فيكون ظاهره إيجاد الإستقبال في الذبيحة لا إستقبال الذابح مع إستقبال ذبيحته، فإذا قيل (ذهبت بزيد) فليس معناه ذهبت مع زيد بل مقصود تعّدي الفعل اللازم بباء التعدية بمعنى أوجد ذهاب زيد أعم من أن يذهب معه أو لم يذهب، إلّا أنّه لازم التعدية في مثل هذا التعبير لخصوصية المادة وهو الذهاب أن يذهب معه، فقولهم (إستقبل بذبيحتك القبلة) نظير قولهم (إستقبل بالميّت إلى القبلة) فيتعلق بالميت لا بالمستقبل، فلا دلالة في الروايات على أنّ الذابح يعتبر فيه إستقبال القبلة أيضاً.

وإذ قيل بإحتمال ذلك، فإنّه يؤخذ حينئذٍ بالإطلاق إلّا أنّه ينصرف لخصوص الذبح والمنحر وبمقاديم بدن الحيوان إلى القبلة، وإن كان الأحوط إستحباباً للخروج عن مخالفة من إعتبر وجوب ذلك أن يكون الذابح مستقبل القبلة أيضاً إلّا أنّه لا يجب ذلك كما هو المختار.


 



([1]).الوسائل: الباب 2 من أبواب القبلة الحديث: 9.

([2]).الوسائل: باب 19 من أبواب خلل الصلاة: الحديث: 9.

([3]).المستمسك: 5: 215.

([4]).الوسائل باب 2 من أبواب القبلة: الحديث: 9.

([5]).الوسائل باب 9 من أبواب القبلة: الحديث: 3.

([6]).الوسائل باب 3 من أبواب قواطع الصلاة: الحديث 8.

([7]).الوسائل باب 13 من أبواب القبلة: الحديث: 17.

([8]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 5.

([9]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 6.

([10]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 14.

([11]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 15.

([12]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث:2.

([13]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 13.

([14]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 7.

([15]).الوسائل باب 16 من أبواب القبلة: الحديث:  3 و 4.

([16]).الوسائل باب 16 من أبواب القبلة: الحديث: 3 و 4.

([17]).الوسائل باب 5 من أبواب القبلة: الحديث: 10.

([18]).الوسائل باب 5 من أبواب القبلة: الحديث: 12.

([19]).الوسائل باب 15 من أبواب القبلة: الحديث: 13.

([20]).الوسائل باب 13 من أبواب القبلة: الحديث: 2.

([21]).الوسائل باب 14 من أبواب القبلة: الحديث: 6.

([22]).الوسائل الباب 6 من أبواب الذبائح : الحديث الأول.