ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١٢/١٨ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ اعتبار العلم بالمحاذاة على الإمكان ومع عدمه يرجع إلى العلامات والأمارات المفيدة للظن.
■ مع فقد الأمارات السماوية لا يجوز العمل بالظن بل يصلّي إلى أربع جهات مع الإمكان
■ مسائل الامارات السماوية
١ ـ الأمارات المحصلة للظن التي يجب الرجوع إليها عند عدم الإمكان العلم
٢ ـ إذا لم يمكن العلم بالقبلة يجب تحصيل الظن بها
٣ ـ لا فرق في وجوب الإجتهاد بين الأعمى والبصير
٤ ـ لا يعتبر أخبار صاحب المنزل إذا لم يفيد الظن
٥ ـ إذا كان إجتهاده مخالفاً لقبلة المسلمين فالأحوط تكرار الصلاة
٦ ـ إذا حصر القبلة في جهتين بأن عَلِمَ أنها لا تخرج عن أحدهما وجب تكرار الصلاة
٧ ـ إذا إجتهد لصلاة وظن بالقبلة تكفي لصلاة أُخرى ببقاء الظن.
٨ ـ إذا ظن بعد الإجتهاد أنها في جهة فصلّى إليها ثم تبدل ظنّه إلى جهة أخرى وجب عليه أتيان الأمر
٩ ـ إذا إنقلب ظنه في أثناء الصلاة إلى جهة أُخرى إنقلب إلى ما ظنه
١٠ـ يجوز لأحد المجتهدين المختلفين في الإجتهاد والإقتداء بالآخر.
١١ ـ إذا تعسّر الإجتهاد والظن لجهة وتساوت الجهات صلى إلى الأربع.
١٢ ـ إذا لم يقدر على الإجتهاد أو لم يحصل له الظن بكونها في جهة صلى إلى أربع جهات إن وسع الوقت
١٣ ـ لو كان عليه صلاتان فالأحوط أن يكون الثانية إلى جهات الأولى
١٤ ـ في كيفية الترتیب بین الصلاتين
١٥ ـ من عليه صلاتان مع كون وظيفته التكرار إلى أربع
١٦ ـ لا تجب الإعادة على من وظيفته التكرار إذا تبيّن أن القبلة في جهة صلّى إليها.
١٧ ـ يجري الحكم العمل بالظن والتكرار إلى الجهات الأربع في الصلوات اليومية وغيرها
١٨ ـ إذا صلّى من غير فحص عن القبلة إلى جهة غفلة أو مسامحة يجب إعادتها.
■ فصل فيما يستقبل له (يجب الإستقبال في مواضع)
■ فصل في أحكام الخلل في القبلة
■ فصل في الستر والساتر
١ ـ الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر سواء كان من الرجال أو من المرأة
٢ ـ يحرم النظر إلى ما يحرم النظر إليه في المرآة
٣ ـ مستثنيات الساترية الصلاة للمرأة
٤ ـ لا يجب على المرأة حال الصلاة ستر ما في باطن الفم من الأسنان واللسان ولا ما على الوجه من الزينة
٥ ـ يجب على المرأة ستر المستثنيات إذا كان من ينظر إليها بريبة
٦ ـ يجب على المرأة ستر رقبتها حال الصلاة
٧ ـ الأمة كالحرة في جميع ما ذكر من المستثنى والممستثنى منه
٨ ـ المبعضة كالحرة في الستر
٩ - لا فرق في وجوب التستر بین انواع الصلوات الواجبة والمستحبة
١٠ ـ يشترط ستر العورة في الطواف أيضاً
١١- اذا بدت العورة في اثناء الصلاة لم تبطل
١٢- اذا نسي ستر العورة ابتداءاً او بعد الکشف في اثناء فالاقوی صحة الصلاة وان کان الاحوط الاعادة
١٣- یجب الستر مع جمیع الجوانب
١٤- یجب الستر عن نفسه
١٥- هل اللازم ان یکون ساتریتة في جمیع الاحوال حاصلاً من اول الصلاة الی اخرها
١٦- الستر النفسي والستر الصلاتي والفرق بینهما
■ فصل في شرائط لباس المصلّي
■ الثالث من شرائط لباس المصلّي (أن لا يكون من إجزاء الميتة)
■ الرابع من شرائط لباس المصلّي (أن لا يكون من أجزاء ما لا يؤكل لحمه)
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

1 ـ الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر سواء كان من الرجال أو من المرأة

فصل في الستر والساتر

إعلم أنّ الستر قسمان: ستر يلزم في نفسه، وستر مخصوص بحالة الصلاة، فالأول يجب ستر العورتين  ـ القبل والدبر ـ على كلّ مكلف من الرجل والمرأة عن كلّ أحد من ذكر أو أنثى ولو كان مماثلاً، محرماً أو غير محرم، ومحرم على كل منهما أيضاً النظر إلى عورة  الآخر، ولا يستثنى من الحكمين إلّا الزوج والزوجة، والسيد وال والامة إذا لم تكن مزوجة ولا محلّلة، بل يجب الستر عن الطفل المميز خصوصاً المراهق. كما يحرم النظر إلى عورة الطفل المراهق، بل الأحوط ترك النظر إلى عورة المميّز ، ويجب ستر المرأة تمام بدنها عمن عدا الزوج والمحارم إلا الوجه والكفين مع عدم التلذذ والريبة، وأما معهما فيجب الستر ويحرم النظر حتى بالنسبة إلى المحارم وبالنسبة إلى الوجه والكفن.

أقول: يقع  الكلام في الشرط الثاني من شرائط الصلاة وهو مستر العورتين إلّا أن المصنف+ إستطراداً للباب يذكر مسألة الستر بصورة عامة أولاً ثم يدخل في صلب الموضوع في بيان الماترية في الصلاة.

أما الحديث عن الستر بصورة عامة فاعلم أن الستر على قسمين: الأول: ستر يلزم في نفسه وهو من الوجوب النفسي، وستر خاص بحالة الصلاة وهو وجوب غيري وشرطي.

أمّا الأول: فيجب ستر العورتين ـ القبل والدبر ـ مطلقاً إلّا ما خرج بالدليل عن كلّ مكلّف من الرجال والنساء وعن كل أحد من ذكر أو أنثى، لو كان مماثلاً كالرجل للرجل والمرأة للمرأة، فيجب أن يستر الرجل عورتيه عن الرجل الآخر وكذلك المرأة بالنسبة إلى المرأة الأخرى، ولا فرق في ذلك كذلك بين المحرم أي من المحارم وغير الأجنبي وكالأخ والأخت أو غير المحارم ومن الأجانب.

هذا في وجوب الستر ويلحق به حرمة النظر فيحرم على كل منهما ـ من الذكر أو الأنثى ـ النظر إلى عورة الآخرة، ولا يستثنى من الحكمين وجوب الستر ورحمة النظر إلّا الزوج والزوجة، والسيد والأمة بشرط أن لا تكون بزوجة ولا محللّة، بل ولا ذات عدّة كالمطلقة الرجعيّة.

ويلحق بذلك ـ بوجوب الستر وحرمة النظر ـ الستر عن الطفل المميز الذي يميز بين الواجب والمستحب أو بين الخير والشّر أو الجيد والردئ كمن بلغ عشر سنوات بل خصوصاً إذا كان مراهقاً كمن قرب من سنّ البلوغ، كما أنه يحرم النظر إلى عورة المراهق، بل الأحوط ترك النظر إلى عورة المميز أيضاً، وأما أدلة هذا الوجوب وهذا التحريم فقد مرّ تفصيل ذلك في أحكام التخلّي، فراجع ولاحظ.

ثم يتعرض المصنف + إلى كون المرأة كلّها عورة ولا يختص بالقبل والدّبر، فيجب ستر المرأة تمام بدنها مطلقاً إلّا عن الزوج في تمام بدنها مطلقاً سواءاً كان بتلذذ وشهوة أو غيرها، وكذلك على المحارم إلّا القبل والدّبر، وفي غير الزوج والمحارم فيجب ستر بدنها إلّا الوجه والكفين مع عدم التلذذ  والريبة، وأما معهما ـ  أي مع النفوذ والريبة ـ فيجب السر أولاً، كما يحرم النظر ثانياً مطلقاً حتى بالنسبة إلى الوجه والكفين، فلابّد من الفقه والحجاب.

ويدل على ذلك وجوه:

الأول: تسالم الأصحاب والشهرة الفتاوئية، ودعوى الإجماع بقسميه ودم الخلاف فيه، بل وضرورة من الدين الثاني: ويدل عليه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ...﴾ (النور: 31).

وقوله تعالى: (والقواعد من النساء اللآتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جُناح أن يضعن يابهن غير متبرجات بزينه..) (النور: 60) .

وجه الإستدلال:

هاتان الآيتان تدلان على وجوب الحجاب على المرأة وحرمة السّفور، فإنّ الآية الأولى ظاهرة الدلالة في حرمة التبّرج والسفور، كما ورد في صحيحة الفضيل([1]) تفسيرها بأن ما دون الخمار وما دون السوار يعدّ من الزينة التي يجب ستره عن غير الزوج والمحارم.

والآية الثانية دلّت على نفي الجناح عن النساء القواعد أي اللاتي تعدن عن النكاح لكبر سنهنّ وعجزهن، وإن كنّ يرغبن في النكاح، فإنّ المرأة لا تشبع من الرّجل كما لا تشبع الأر ض من الماء ولا العين من النظر كما ورد في الخبر، ولعلّ ـ كما أشار إليه بعض الأعلام المعاصرين ـ التعبير بـ (لا يرجون) بدل لا يرغبن إشارة إلى أن القواعد لازلن راغبات في ا لنكاح ولا يكرهنه قط، إلا أنه ربما ييئسن من أن يرغب فيهن أحد، فهنّ لا يرجون النكاح حينئذٍ لا أنه  لا يرغبن فيه.

وإذا كان عدم الجناح على القواعد خاصة فإنه يقتضي ثبوته حينذٍ لغيرهن ممن يرجون النّكاح، ثم المراد من الثياب كما ورد في تفسيرها في صحيحة الحلبي وغيره([2]). (هو خصوص الخمار والجلباب لا مطلق الثياب : فلا يجوز وضع غيرهما للقواعد أيضاً.

الثالث: الأخبار المستفيضة في ابواب متفرقة، ولأجل وضوح الحكمين في وجوب الستر وحرمة النظر لم يتعرض أكثر النصوص لهما إلا عرضاً بإعتبار حكم الموارد التي إستثبت من الحكمين أو توهم إستثناء ذلك كالقواعد من النساء، والمملوك والصبية والوجه والكفين ومن يريد تزويجها، ونساء أهل تهامة، نحوهن ممّن لا ينتهين إذا نهي، والمرأة التي تموت وليس منها محرم وغير ذلك من المدار والمتفرقة، والتي منها صحيحة البزنطي عن الإمام الرضا×:

قال: سألته عن الرّجل سجل له أن ينظر إلى شعر أخت إمرأته ؟ فقال: لا، إلّأ أن تكون من القواعد، قلت له: أخت إمرأته والغربية سواء؟ قال: نعم... ([3]).

ثم يقع الكلام في مستثنيات وجوب الشر وحرمة النظر، فمنها: لا يجب على الزوجين ستر بدنهما عن الآخر مطلقا، كما يجوز النظر إلى بدن كل منهما مطلقاً، كما وهذا ممّأ تسالم عليه أهل القبلة كما هو واضح الأدلة.

ومنها: وجوب الستر مطلق على غير المحارم من الأجانب إلّا الوجه والكفين مع عدم التلذذ والريبة، والمسألة خلافية وهذا ما سنذكره في المستقبل إن شاء الله تعالى.


 

قال المصنف+: (ويجب ستر المرأة تمام بدنها عمّن عدا الزوج والمحارم إلّا الوجه والكّفين مع عدم التلذذ والريبة وأما معهما فيجب السّتر ويحرم النظر حتى بالنسبة إلى المحارم وبالنسبة إلى الوجه والكفين، والأحوط سترها عن المحارم من السّرة إلى الركبة مطلقاً، كما أنّ الأحوط ستر الوجه والكفين عن غير المحارم مطلقاً).

أقول: يقع الكلام عطفاً على ما سبق في الستر والساتر، وأنّ السّتر على قسمين: الأول: ستر يلزم في نفسه، والثاني ستر مخصوص بحالة الصلاة. وقد مرّ الكلام في القسم الأول من القول بوجوب ستر العورتين القبل والدبر عن كل مكلّف من الرجل والمرأة، عن كل أحد من ذكر أو أنثى ولو كان مماثلاً محرماً أو غير محرم، كما يحرم النظر على كل منهما إلى عورة الآخر إلّا الزوج والزوجة والسيد والأمة إذا لم تكن مزوجة ولا محللّة.

ثم يتعرّض المصنف+ التي ما يجب على المرأة من السّتر وتفصيل الكلام يقع في مقامات الأول يجب عليها ستر تمام بدنها إذ أنها كلّها عورة ويدل على ذلك وجوه الأول: الكتاب في قوله تعالى ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ (النور: 31) وقوله تعالى: الآية ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ (النور: 60) .

والثاني: السَّنة في أخبار معتبرة، منها: صحيحة الفضيل:

عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾؟ قال×: نعم ([4]).

ومنها: صحيحة البزنطي.

لا تغطي المرأة رأسها من الغلام حتى تبلغ ([5])، وصحيحته الأخرى عن الرضا× قال: سألته عن الرّجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت إمرأته؟ فقال: لا الأذن تكون من القواعد، قلت له: أخت إمرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم ([6]).

ونحوهما غيرهما من الأخبار الواردة في هذه الأبواب وفي المستثنيات كالقواعد والمملوك والخص والأعمى وعند العلاج والصبي والصبية، ومن يريد تزويجها والمرأة التي تموت وليس معها محرم لتغسيلها وغير ذلك.

والثالث: الإجماع بقسميه، بل من ضروريات الدين مما يوجب إنكاره إنكار الآيات المستلزم لإنكار النبوة والرّدة.

والرابع: ما ورد من الأخبار في حرمة النظر إلى الأجنبية (الوسائل: باب 104 من ابواب مقدمة النكاح) بناءً على القول بالملازمة بين حرمة النظر ووجوب السّتر كما هو في ظاهر الفتاوى والنّصوص.

المقام الثاني: يستثنى من الحكم الأول في وجوب ستر المرأة تمام بدنها عن كلّ مكلّف عدا الزوّج مطلقاً كما هو واضح، والمحارم بتفصيل كما سيأتي، وهذا ما لا خلاف فيه كما يدل عليه ما جاء في الآية الكريمة (في سورة النور آية: 31) إلّا أنّ الآية الكريمة إستثنت من المحارم ابني الأخ والأخت إذ تكون لهما عمّة وخالة من دون أن يستثنى الأعمام والأخوال بالنسبة إليها ولكن يلحق بإبني الأخ والأخت.

أولاً: للسيرة القطعية بين المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين^.

وثانياً: يمكن إستفادة الحكم من الآية نفسها، فإنّه عند إستثناء إبني الأخ والأخت يستثنى العم والخال أيضاً  لوحدة النسبة بالنسبة إليهما، فإنّ المرأة إذا لم يجب تستّرها عن إبن أخيها وإبن أُختها وهي عمة له أو خالة، لم يجب تستّرها عن عمّها وخالها، لوحدة النسبة بينهما، نعم إنّما الإختلاف والتبّدل في طرفي النسبة، وكأنه إستغني عن ذكر العم والخال إعتماداً على ذكر إبن الأخ وإبن الأخت.

ويلحق بالمحارم كذلك الأصهار فإنّ المرأة لا يجب أن تستر نفسها عن زوج إبنتها، ويدل عليه:

أولاً: السيرة القطبية المتصلة بعصر المعصومين^.

وثانياً: الأخبار التي دلّت على أنّ المرأة الميتة يغسلها محارمها وهذا يدل على جواز نظر المحارم إلى المرأة ولازم ذلك عدم وجوب تسترها منهم في حياتها.

وثالثاً: لا ريب أنّ الصهر من المحارم كما يشهد به قوله تعالى: (وأمهات نساءكم) (النساء: 23).

المقام الثالث: لا ريب أنه لا يجوز النّظر إلى كل إمرأة حتى المحارم عدا الزوجة والمملوكة إذا كان عن ريبة وتلذذ وشهرة، كما أنّ عدم الجواز يسري إلى الوجه والكفين كذلك، وهذا ما لا خلاف فيه، بل ولعلّه من ضروريات الفقه: كما يدل عليه جملة من الأخبار المعتبرة، منها خبر علي بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد الله×: قال: سمعته يقول: النظرة سهم من سهام إبليس سموم..) ([7]).

وجه الإستدلال: أما السّند فقد رواه الكليني بسنده إلى عقبة وهو سند صحيح كما رواه الصدوق بإسناده عن هشام بن سالم عن عقبة وطريقه صحيح. إلّا أنّ الكلام في عقبه نفسه فإنّه لم يوثق، وذهب السيد الخوئي إلّا أنها موثقة لوقوع عقبة في كامل الزيارات إلّا أنّه هذا بإعتبار نظره السابق من كون رواة الكامل ثقات، بإعتبار التوثيق العام أو ما قاله إبن قولوية+ في مقدمة كتابه، إلّا أنّه إشتهر عن السيد الخوئي+ وأنه رجع عن ذلك في أخريات حياته الشريفة.

وأمّا الدلالة فواضحة، فإنّ إتصاف النظرة بكونها من سهام إبليس مما يدل على أنها صدرت بتلذذ وشهوة وريبة، وأن الله يلعم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومثل هذه النظريات الإبليسية مما توجب الإفتنان والوقوع فيما هو أعظم من ذلك كالزّنا والعياذ بالله، فالإفتتان ملازم للإلتذاذ والريبة المذكورة في فتاوى الأصحاب، كما يؤيده الروايات الأخرى الواردة في هذا الباب كقولهم زنا العين النظر اللازم للشهوة كما ورد في المرسل: (ما من أحد إلّا وهو يصيب حظاً من الزنا، فزنا العينين النظر، زنا الفم القبلة، وزنا اليدين اللّمس...) ([8]).

وكما ورد في صحيحة علي بن سويد قال: قلت لأبي الحسن×: إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها فقال: يا علي لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، وإياك والزنا فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين.

والمقصود واضح فيحرم النظر مع عدم صدق النية إلى ما كان بشهوة وريبة.


 

يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

المقام الرابع: في إستثناء الوجه والكفين، قال المصنف: (ويجب ستر المرأة تمام بدنها عمن عدا الزوج والمحارم ـ أي عن الإجانب ـ إلّا الوجه والكفين مع عدم التلذذ والريبة، فأستثني الوجه والكفين فلا يجب على المرأة سترهما عن الأجانب، ولا يحرم النظر إليهما مع عدم التلّذذ والريبة، وهذا ما ذهب إليه جمع من الاعلام كما عن الشيخ في النهاية والتبيان والتهذيب والإستبصار، وكما عند بعض المتأخرين وقد إختاره شيخنا الأعظم+ في شرح كتاب النكاح من الإرشاد وذهب المشهور إلى المنع، ومنهم العلامة في التذكرة، وقواه في الجواهر وأصرّ عليه (الجواهر: 29: 77) ، وقيل في النظر بالتفصيل بين النظرة الأولى فهي لك والنظرة الثانية فهي سهم مسموم من سهام إبليس جمعاً بين الأخبار المتعارضة في الباب، وقيل بالإحتياط الوجوبي في ستر الوجه والكفين، وقيل بالإحتياط الإستحبابي كما عند بعض المعاصرين. فالمسألة خلافية ذات أقوال أربعة كما مرّ.

وإستدل القائل بالجواز بطائفة من الروايات منها:

1 ـ خبر علي بن جعفر× المروي في قرب الإسناد.

عن الرّجل ما يصلح له أن ينظر من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال×: الوجه والكفّان وموضع السّوار ([9]).

وجه الإستدلال: واضح فإنّه يحلّ النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الأجنبية، ولازمه عدم وجوب تسترهما عليها.

للملازمة بين حرمة النظر ووجوب التستر، والرواية معتبرة السند كما في المستند.

2 ـ رواية مسعدة بن زياد: سمعت جعفراً× ـ وسُئل عمّا تظهر المرأة من زينتها ـ ؟ قال×: الوجه والكفين ([10]).

وفي السند هارون بن مسلم ومسعدة وكلاهما من الثقات كما أشار إليه النجاشي وفي العلامة في الخلاصة، ووجه الإستدلال واضح.

3 ـ ومرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله×: قلت له: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال×: الوجه والكفان والقدمان ([11]).

والسند وإن كان مرسلاً إلّا أنّ مروك قيل فيه أنه شيخ صدوق، وربما إرساله لا يهّم، لأنّ في السند أحمد بن محمد بن عيسى، وهذا قد أخرج البرقي من قم لأنه كان يعتمد في نقله على الضعفاء ويروي المراسيل، ومثل هذا لا ينقل الخبر المرسل، فتأمّل، ووجه الإستدلال واضح كذلك.

4 ـ وخبر زرارة:

عن أبي عبد الله×: في قول الله عز وجل: (إلّا ما ظهر منها) قال×: الزينة الظاهرة الكحل والخاتم ([12]).

قيل في السند القاسم بن عروة، وقد أخدش في وثاقته، إلّا أنه منهم من صحّح حديثه في المواقيت فتأمل.

5 ـ وخبر أبي بصير نحو ما مرّ إلّا أن فيه الخاتم والمسكة وهي القُلب (و القلب بالضّم السوار).

وفي السند سعدان بن مسلم وقد توقف البعض فيه إلّا أنّه رواية الكثير من الأجلاء عنه ممّا يوجب إعتبار حديثه والدلالة واضحة.

6 ـ خبر المفضل بن عمر

في المرأة تموت في السّفر مع رجال ليس فيهم ذو محرم؟ قال×: ولا يكشف لها شيء من محاسنها التي أمر الله سبحانه بسترها، قلت: فكيف يصنع بها؟ قال×: يغسل بطن كفيها، ثم يغسل وجهها، ثم يغسل ظهر كفّيها ([13]).

وفي السند عبد الرحمن بن سالم ولم يوثق إلّا أن في السند أيضاً أحمد بن محمد بن عيسى الذي أخرج البرقي من ثم لإعتماده على الضعفاء ونقله المراسيل.

7 ـ وفي صحيحة وارد بن فرقد: (يغسلون كفيها) ([14]).

8 ـ وقريب منه خبر جابر ([15]).

9 ـ وخبر أبي سعيد: في الرّجل يموت مع نسوة ليس فيهن له محرم، فقال أبو عبد الله×: بل يحلّ لهن أن يمسسن منه ما كان يحلّ لهن أن ينظرن منه إليه وهو حيّ) ([16]).

وجه الإستدلال: أن الرواية وإن وردت في الرّجل إلّا أنه بناء على القول بعدم الفصل بين المرأة والرّجل يجري الحكم كذلك للمرأة، فلا يرى الرجل منها إلّا ما كان يحلّ له أن ينظر إليه في حياتها من الوجه والكفّين.

10 ـ ويؤيد ذلك كلّه ما ورد من نظر سلمان المحمدي رضوان الله تعالى لكفّ فاطمة الزهراء’ دامية من أثر الرّحى والطحن ([17]).

في بحار الأنوار (ج: 43: ص28) روي أن سلمان قال: كانت فاطمة÷ جالساً قدامها رحى تطحن بها الشعير وعلى عمود الرّحى دم سائل والحسين× في ناحية الدار يتضوّر من الجوع، فقلت يا بنت رسول الله دبرت كفاك...).

11 ـ وكذلك نظر جابر الأنصاري إلى وجهها ’ وأنه أصغر تارة وأحمر أخرى.

12 ـ كما يؤيد ما مرّ من جواز النظر إلى الوجه والكفين ما لم يكن بتلذذ وريبة ما ورد في جملة من الأخبار من الموارد التي يظن أنها من المستثنيات للذراعين والشعر والرأس من دون التعرض إلى الوجه والكفين، والحال لو كان من موارد فطنّة الإستثناء لكان الأولى التعرض إليه لأنه مورد الانيّلاء في الأعم الأغلب، وعدم


 

التعرض غليه ممّا يوجب الإطمئنان بوضوح حكمها وهو الجواز.

13 ـ وكذلك من المؤيدات ما ورد في جملة من الاخبار من كشف وجهها في الإحرام ([18]).

هذه الطائفة الأولى من الروايات الدالة على عدم وجوب تستر المرأة وجهها وكفّها، كما دلّت على جواز النظر إليهما ما لم يكن بريبة وشهوة وتلذّذ.

وأمّا المشهور القائل بالمنع فإستدل على قوله بوجوه من الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع واقعل.

وهذا ما يأتينا بيانه إن شاء الله تعالى.

بسم الله: يقع الكلام عطفاً على ما سبق:

فيما ذهب إليه المشهور من القول بالمنع في كشف المرأة وجهها وكفيّها، وإستدلوا على ذلك بوجوه:

الأول: قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..﴾ (النور: 30).

وجه الإستدلال: أنّ الأمر في قوله تعالى ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا .. ﴾ يدل على وجوب الغضّ وأنه مطلق فيشمل الوجه والكفين، فلا يجوز النظر إلى أي جزء من أجزاء بدن المرأة الأجنبية حتى الوجه والكفين.

وأورد على الإستدلال بها:

أولاً: عدم ظهور الآية الكريمة في تحريم النظر، لعدم ظهور الغض في غمض العينين وإطباق الجفنين، وربما يكون المراد من الغض كناية عن التجاوز والكف عن المرأة الأجنبية وعدم القرب منها حتى لا يقع في مثل الزّنا، فإنه يمتنع حمل الغض على معناه المطابقي في الآية الكريمة لعدم وجوب ذلك بالضرورة، فيدور المعنى حينئذٍ بين كونه كناية عن المنع عن إيقاع النظر على المرأة فيصرف نظره عنها كأن ينظر إلى فوق أو إلى الأرض أو إلى أحد الجانبين حتى لا يقع نظره عليها كما هو دأب المتقين والمؤمنين عند التحدث مع المرأة الأجنبية، وبين الاعراض عنها وعدم الدنو منها حتى لا يقع في مقدمات الزّنا من النظرة والإبتسامة والموعد واللقاء ثم الزنا، فيكف بصره مطلقاً، وليس المعنى الاول أولى من الظن الثاني، ومع الإحتمال يبطل الإستدلال.

وثانياً: مع غض النظر عن الإشكال الأول، فإنّه مع ذلك لا يمكن أن يؤخذ بإطلاقها لتشمل حرمة النظر الوجه والكفين كذلك لأنّه يجوز النظر غلى كثير من الموجودات من السماء والأرض وما فيهما وما بينهما، ولو قيل بتخصيص النظر بهذه الموجودات دون المرأة الأجنبية، فإنّه يلزمه التخصيص بالأكثر المستهجن، ويكون مثل من يقول أكلت تفاح البستان كله إلّا تسعة وتسعين تفاحة في البستان مأة تفاحة، فيعني أنّه أكل تفاحة واحدة، فلا يبقى تحت العام إلّا فرد واحد كما في المقام وهذا من القبيح المستهجن، فلابّد أن يكون المقصود من غض البصر هو عمّا حرمه الله سبحانه، وهذا ما يعلم من خارج الآية، وأنّه يحرم النظر إلى المرأة الأجنبية إلّا ما خرج بالدليل كالوجه والكفين، وتكون الآية حينئذٍ مجملة بالنسبة إلى الوجه والكفين فلا يمكن الإستدلال بها حينئذٍ.

وثالثاً: لا عموم في متعلق الأمر بالغض، فغضوا ليس متعلقة عاماً حتى يعمّ جميع بدن المرأة ومنه الوجه والكفان.

وحذف المتعلق لا يقتضي العموم ولا الإطلاق، فإنّ حمل المتعلّق على العموم لكل شيء ممتنع، ويدلّ عليه ما ورد في قوله تعالى (من أبصارهم) فإنّ كلمة (من ) ظاهرة في التبعيض، والظاهر كون التبعيض بلحاظ المتعلق، ثم تقدير كل شيء من بدن المرأة يكون متعلق الأمر بالغض  ممّا لا قرينة عليه، بل من باب تناسب الحكم مع الموضوع بإعتبار ما بعد الآية من لفظ الفروج أن يكون متعلّق الأمر بالغض الفروج وليس مطلق البدن حتى الوجه والكفين، ثم كون المراد من الغض هو غمض العينين غير ظاهر كما مر.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ (النور: 31).

وجه الإستدلال: فإنّ الآية دلّت على حرمة الإبداء فإنّ النهي بظاهره يدلّ على الحرمة، ثم حرمة الإبداء لازمها عدم جواز النظر، وإطلاقه يعّم الوجه والكفين.

وأورد عليه:

أولاً: أنّه قد إستثنى في الآية نفسها الزينة الظاهرة لقوله تعالى: (إلّا ما ظهر منها) وليس المقصود من إظهار الزينة الظاهرة  إظهار نفس الزينة من الثياب ونحو ذلك لعدم المنع من إظهارها في حدّ نفسها بالضرورة، كما أنّه بعيد عن سياق الآية هذا المعنى، بل المراد من إظهار الزينة مواضعها، فلا يبدين ذلك إلّا ما ظهر، وهو ما كان في الوجه والكفين كالكحل والخاتم كما ورد هذا المعنى في النصوص في تفسير الآية الكريمة، منها: صحيحة الفضيل ([19]).

قال: سألت أبا عبد الله عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال الله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلّا لبعولتهن) قال: نعم ما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين.

فدّلت على أنّ حرمة إبداء الزينة ما كان تحت الخمار وما تحت السوارين فيجب على المرأة سترها وأمّا ما ظهر فهو الوجه والكفان فلا يجب على المرأة سترها. وفي معتبرة زرارة عن أبي عبد الله× في قوله تعالى (إلّا ما ظهر منها) قال: الزينة الظاهرة الكحل والخاتم.

ونحوها: رواية أبي بصير عن أبي عبد الله× قال: سألته عن قول الله عز وجل (ولا يبدين زينتهن إلّا ما ظهر منها) قال: الخاتم المسكة وهي القلب ـ بضمّ القاف ـ أي السوار فإنّ النظر إلى الخاتم لا نيلك عن النظر إلى الكف كما هو ظاهر.

ونحوها: موثقة مسعدة بن زياد ـ كما مرّ ـ قال سمعت جعفراً وسئل عمّا تظهر المرأة من زينتها ثم قال: الوجه والكفين ([20]).

وثانياً: لما لم يعلم المراد من حرمة الإبداء من الزينة أنّه نفس الزينة أو مواضعها، فإن لازمه الإجمال في مفاد الآية، ومع الإجمال يبطل الإستدلال بها.

الثالث: قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللّاتي لا يرجون نكاحاً ) (النور: 60).

وجه الإستدلال: من باب الإطلاق في الآية أيضاً، بأنها دلّت على المنع عن وضع الثياب بالنسبة إلى غير القواعد من النساء فيجب عليهن التستر حينئذٍ، كما يحرم النظر إلى أبدانهن للملازمة بين وجوب التستر وحرمة النظر كما مرّ، وإطلاقه يشمل الوجه والكفين وأورد عليه: إنّ المراد من الثياب ليس مطلق الثياب فإنه غير معقول بل المراد الخمار والجلباب كما ورد في النصوص تفسير الآية بذلك، فيجوز النظر إلى شعر القواعد ورؤوسهن، وأما غير القواعد فلا يجوز ذلك، ولم تتعرض الآية إلى الوجه والكفين وخلاصة الكلام: إنّ الآيات التي إستدل بها المشهور على وجوب تستر الوجه والكفين في المرأة وحرمة النظر إليها قاصرة الدلالة.

ثم قوله تعالى: (وليضربن بخمورهن على جيوبهن) مشعر بإختصاص الحكم بالجيوب فلا يعمّ الوجوه.

 


 

عطفاً على ما سبق:

في كشف المرأة وجهها وكفيها وإختلاف الأعلام والقول بوجوب السّتر والمنع عن الكشف كسائر أجزاء البدن كما يحرم النظر إليهما، وقيل بجواز الكشف وقيل بالستر إحتياطاً وجوبياً وقيل بالإستحباب.

ومن قال بالمنع فتمسك بوجوه: الأول: بآيات من كتاب الله الكريم وقد مرّ الإستدلال بها ومناقشة الإستدلال.

وأمّا الوجه الثاني: تمسكاً بالإجماع الذي ادّعاه الفاضل المقداد في التنقيح الرائع (3: 22) فقد أطبقت الفقهاء على أن المرأة تمامها عورة فلا يجوز النظر إليها، ومن ثم يجب عليها التستر وعدم كشف وجهها وكفيّها أيضاً.

وأورد عليه: أولاً أنّه من الإجماع المنقول وهو من الظن المطلق عند المحققين كالشيخ الأعظم+ فليس بحجة، وثانياً: أنه موهون الدعوى أن أراد به التستر حتى الوجه والكفين لذهاب جماعة من الأعلام كالشيخ الطوسي+ والشيخ الأعظم+ إلى جواز ذلك كما مرّ تفصيله، ومعه كيف يمكن دعوى الإطباق والإتفاق، وإن أراد دون الوجه والكفين فهو وإن كان إلّا أنه أجنبي عن المقام، فدعوى الإجماع على وجه لا يتم على وجه آخر لا ينفع.

وأمّا الوجه الثالث: دعوى قيام السيرة العلمية من المتشرعة المتصلة بعصر الأئمة الطاهرين^ من باب الإستصحاب القهقرائي، فالنساء تتسترن عن الأجنبي حتى في الوجه والكفين ممّا يدل على وجوب ذلك وحرمة النظر كما مرّ.

وأجيب عنه: أولاً: أنّ السيرة ممنوعة من الأصل، فإنّه في مثل القرى والأرياف والقصبات بل وحتى البلدان والمدينة لم يتلزمن النسوة بالحجاب حتى الوجه والكفين، وربما الأمر بالعكس في السيرة المتشرعة في كشف الوجه والكفين، فتأمل فإنّ الجيل الجديد والمعاصر ربما لفتوى الجواز كشف عن الوجه والكفين دون الإجيال السابقة، وحينئذٍ ربما الجيل السابق فما كان تستر للفتوى أيضاً، فإنّ المشهور ذهب إلى المنع.

وثانياً: ربما عدم كشف الوجه والكفّين أنها عند النساء المجللات كبيوت العلماء وطلبة العلوم الدينية كما في عصرنا هذا لإحتشائهن، ولكن ربما تسترهن عن الأجانب خاصة دون الأقرباء وإن لم يكونوا من المحارم كزوج الأخت أو أخي الزوج أو إبن العم ونحو ذلك ممن يسكنون في دار واحدة، فإنّهن في الأعم الأغلب لا يتسترن عن مثل هؤلاء الأقرباء مع أنهم من الأجانب شرعاً وإن لم يكونوا كذلك عرفاً، ومن الواضح عدم الفرق في وجوب التستر إن كان بين الأجنبي الشرعي والأجنبي العرفي، كما مرّ في صحيحة البزنطي عن الإمام الرضا× من المساواة بين شعر أخت الزوجة والغريبة وهذا يدل على أنّ السيرة المتشرعة في حشمة النساء بعدم كشف الوجه واليدين لا من جهة المنع الشرعي وإلّا لو كان ذلك لكان مقتضاه عدم الفرق بين الموارد.

وثالثاً: لو سلّمنا بالسيرة المتشرعة إلّا أنه لم نحرز يقيناً إتصالها بزمن المعصومين^، فربما كان المستند عندهم فتوى المشهور القائل بالمنع، وربما لم تكن السيرة قبل المنع، فلم تصل إلى زمن المعصومين^ من يحتج بها بعدم ردعها، فتكون حجة.

ورابعاً: لو سلّمنا إتصالها بالمعصومين وعدم ردعهم إلّا أنه لا يدل على وجوب التستر، بل سيرة المتدينين أعم من وجوب التستر وإستحبابه، فإنّ غاية السيرة تدل على عدم الحرمة، والسيرة القائمة على الترك غاية دلالتها إنما تدل على عدم وجوبه، فلا تدل على الوجوب في الأول والتحريم في الثاني، فغاية السيرة في المقام دلالتها على أصل الجواز من دون الدلالة على وجوبه.

وأمّا الوجه الرابع: على وجوب التستر ما حكم به العقل السليم، فإنّه من الظاهر أنّ عمدة محاسن المرأة ومفاتنها إنّما هو في الوجه، وبما أنّ النظر إلى وجهها الفاتن يوجب الفتنة ويؤدي إلى الوقوع في المفاسد الأخلاقية والشرعية كالزنا وما فيه المبغوضية عند الشارع والمذمة عند العقلاء، فإنّ العقل يحكم حينئذٍ بعدم جواز النظر إلى الوجه والكفين على الإطلاق قطعاً وحسماً لمادة الفساد الإجتماعي والأخلاقي، وإذا حرم النظر فلازمه وجوب التستر على المرأة حينئذٍ كما مرّ تكراراً ومراراً.

وأورد عليه: أولاً: أنّه كان ما ذكر من باب العلة والمعلول، فربما يقال ينتفي المعلول بإنتفاء علّته، كما يوجد بوجوده لعدم الإنفكاك بينهما، ولكن ما ذكر من ترتب المفاسد على الوجه الفاتن إنما هو من باب الحكمة فلا يدور الحكم مدارها ولا يجب الإطراد فيها، وكم لهذا الأمر من نظير، حتى قيل ما ذكره الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه علل الشرايع إنّما هو من باب التسامح في التعبير، فإنّ ما ذكر في الأخبار إنّما هو من باب الحِكَم وليس من باب العلل ، فتدبّر.

وثانياً: ثم إستكشاف الحكم الشرعي من طريق عقلي لم يكن على نحو الإطلاق، بل ما يكشف الملاكات في الأحكام الشرعية من وجود المصالح في الأوامر والمفاسد في النواهي إنما هو من جهة أوامر المولى ونواهيه، فلا سبيل للعقل لإدراك الملاكات التامة وفي المقام المستقبلة لحرمة النظر.

وثالثاً: ما ذكر من الإفتتنان بالوجه لكون حسن المرأة في وجهها، فهذا من الوجه الإعتباري ولا يصلح أن يكون علّة للحكم وإلّا لكان لازمه المنع عن النظر إلى بعض المحارم، فإنّ النظر إلى بعضهم وغن كان مأموناً من الإفتتان كالأم والبنت والأخت، فإنه لا يتفق النظر النهي يكون بشهوة إلّا من كان مريض النفس، إلّا أنّ البعض الآخر ليس كذلك كأم الزوجة والأخت من الرضاعة ونحو ذلك ممّأ يحتمل الإلتذاذ في النظر إليهن فيلزم المنع منه وحرمة النظر لقطع مادة الفساد.

فإنّ النظر فيه معرض للإفتتان في الغالب، ولكن كما ترى ممّا لا وجه له.

فلا يمكن أن يستند في حرمة النظر على الوجه والكفين إلى هذا الوجه العقلي بعدم جواز النظر إلى الأجنبية حتى لا يقع في الفتنة فيقال بعدم الجواز مطلقاً حتى مع الأمن من الفتنة وعدم كون النظرة بقصد الشهوة والريبة كما هو مفروض الكلام.

وأمّا الوجه الخامس: وهو العمدة في الباب طائفة من الروايات مع إختلاف ألسنتها، فمنها:

1 ـ الروايات  المتضمنة لجواز النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها كصحيحة هشام وحمّاد وحفص كلّهم عن أبي عبد الله× .

قال: لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها أما كيفية الإستدلال بها ومناقشة الإستدلال فهذا ما يأتينا إن شاء الله تعالى.


 

عطفاً على ما سبق:

في بيان الروايات التي يستدل بها على وجوب تستر المرأة ووجهها وكفيها كما تستر تمام بدنها، وحرمة النظر إلى وجهها وكفيها كما يحرم النظر إلى تمام بدنها والروايات على طوائف:

الأولى: الروايات المتضمنة بجواز النظر إلى المرأة لمن يريد تزويجها، فمنها وهي أتمها سنداً ودلالة صحيحة هشام وحماد وحفص كلّهم عن أبي عبد الله×.

قال: لا بأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوجها ([21]).

وجه الإستدلال: إذا كان عدم البأس في النظر إلى الوجه والعصم لمن أراد التزويج فإنّ مفهومه فيه البأس لمن لم يقصد التزويج فتدل الرواية مفهوماً على عدم جواز النظر إلى الوجه والمعاصم ـ وهي الكفّان أو السواران المستلزم للنظر إلى الكفين ـ إذا لم يكن قاصداً التزويج، وإذا حرم النظر وجب على المرأة التستر للملازمة كما مرّ.

وأجيب عنه: أولاً: كون الرواية أجنبية عن المقام إذ النظر المجاز بقصد الزواج من وراءه الشهوة والإلتذاذ بحسب ما يقتضيه طبع النظر بقصد الزواج، فإنّ قاصد الزواج ينظر إلى محاسنها وجمالها بنظرة خاصة من وراءها الشهوة والإلتذاذ، فمفهومها يمنع عن هذه النظرة الشهوانية لمن لم يقصد الزواج، وأين هذا من النظرة العادية العارية عن الريبة والشهوة، فتأمل.

وقيل يؤيد ما ذكر ما ورد في رواية الحسن بن السريّ قال: قلت لأبي عبد الله× الرجل يريد أن يتزوج المرأة يتأملها وينظر إلى خلفها وجهها، قال: نعم، لا بأس أن ينظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها ينظر إلى خلفها وإلى وجهها ([22]).

وجه الإستدلال: إنّ التعبير بالتأمل لا ينفك عن التلذذ في الأعم الأغلب، فهو كالصريح فيما ذكر، فتأمل.

وقد ناقش سيدنا الخوئي+ في سنده وإنه حسن لولا الحسن، فإنّه لم يثبت وثاقته فراجع ([23]).

وثانياً: لو سلّمنا دلالتها مفهوماً على المنع عن النظر مطلقاً ولو لم يكن عن شهوة وإلتذاذ، إلّا أنها تحمل على الكراهة حقاً بين الأدلة والأخبار، فإنّ آية الإبداء (النور: 31) صريحة في جواز النظر إلى الزينة الظاهرة، بضميمة الأخبار المفسّرة لها بالوجه والكفين كما تقدّم.

إشكال ورفع:

ربما يقال: أنّ غاية ما يستفاد من الآية الكريمة (إلّا ما ظهر) عدم وجوب التستر على المرأة بالنسبة إلى وجهها وكفيّها، وهذا لا يستلزمه جواز النظر إليهما، حتى يحمل لأجله النهي المستفاد من الرواية والصحيحة على الكراهة والنهي التنزيهي، فإنّ عدم وجوب التستر على المرأة أعم من جواز النظر وعدمه.

كما في الرّجل، فإنّه يجب عليه التستر لبدنه دون عورته مع أنه يحرم على المرأة النظر إلى بدنه، وكما في الأمرد، فإنّه يحرم النظر إليه بشهوة مع عدم وجوب التستر عليه، فلا ملازمة بين وجوب التستر وحرمة النّظر.

وأُجيب عنه: إنّما يتم هذا الإشكال لو تضمنت الآية على عدم وجوب التستر فيما ظهر، والحال ليس الأمر كذلك بل إنّما دلّت على جواز الإبداء فيما ظهر وهو بمعنى الإظهار والإراءة، وظاهر مثل هذا التعبير أنه يدل على جواز النظر، وهذا التعبير ليس بمستوى التعبير بعدم وجوب التستر، ولعل الفرق بين التعبيرين واضح، فتأمل.

الطائفة الثانية: من الروايات ما تضمنت على أنّ النظر سهم مسموم من سهام إبليس اللّعين وأن زنا العينين النظر، وأنّه ما من أعد إلّا يصيب حظاً من الزنا فزنا العين النظر ([24])، فإنه بإطلاقها تعّم النظر إلى الوجه والكفين، فإذا حرم النظر إليهما لكونها سهم مسموم، فإنّه يجب على المرأة تستر الوجه والكفين للملازمة كما مرّ.

وأجيب عنه: أولاً: إنّ هذه الروايات وإن كان بعضها صحيحة السند إلّا أنّها قاصرة الدلالة، فإنّ التعبير بالسهّم إنّما يتناسب مع النظرة التي من وراءها الإفتتان الذي هو من وساوس الشيطان ومقدمة للوقوع في الحرام كالزنا وذلك من باب  ابن الحكم مع المؤمنين وثانياً: أن التعبير عنها بالزنا يقتضي وجود جامع بينهما وهو اللذة والشهوة حتى يصدق أنها من زنا العينين، من باب الحكومة والتوسعة في مفهوم الزنا إلّا أنّ الحقيقي منه ما كان بالمقاربة الجنسية والمجازي والتنزيلي ما كان بالنظر، وهذا خارج عن المقام.

وثالثاً: لم يذكر متعلق النظر في الأخبار، فلازم إطلاقه أنّه يحرم النظر إلى كل شيء ثم يخصص ذلك بالأشياء كلها إلّا النظر إلى الأجنبية فيكون من العام ذات الفرد الواحد وهو من التخصيص المستهجن كما مرّ.

ورابعاً: حمل الأخبار على خصوص الأجنبية بتمام بدنها حتى الوجه والكفين مما لا شاهد عليه، فلعل المراد خصوص النظر إلى العورتين لكل من الرجل والمرأة ، ولازمه حينئذٍ أن يكون متعلق حرمة النظر مجملاً ولا قرينة على التعيين فلا يصحّ الإستدلال بها، فإنّه إذا جاء الإحتمال بطل الإستدلال.

الطائفة الثالثة: مكاتبة الصفار إلى ابي محمد× في الشهادة على المرأة، هل يجوز أن يشهد عليها من وراء الستر وهو يسمع كلامها إذا شهد عدلان بأنها فلانة بنت فلان أو لا تجوز له الشهادة حتى تبرز من بيتها بعينها، فوقع×: تتنقب وتظهر للشهود ([25]).

وجه الإستدلال: الظاهر من الأمر بالتنقيب هو الوجوب، فيجب على المرأة حينئذٍ أن تستر الوجه بالنقاب.

وأورد عليه: أنّ النقاب عادة لا يستر تمام الوجه، بل يستر من الذقن إلى ما فوق الأنف، فتظهر العينان والحاجبان والجبهة مكشوفة، ولا يحتمل أن يكون فرق في وجوب تستر الوجه بين تمامه أو بعضه، فيظهر من تنقبها حينئذٍ أنه من الأمر الإرشادي وليس المولوي الشرعي حتى يدل على الوجوب أو حرمة الكشف، فيكون المقصود من التنقيب حينئذٍ أن تظهر للرجال مكشوفة الوجه لمنافاته مع العفاف المرغوب فيه، فتأمل.

وخلاصة القول: ما ذكر من الأدلة على وجوب التستر للوجه والكفين قابل للنقاش سنداً ودلالة كما أشار إلى ذلك الشيخ الأعظم والشيخ الأنصاري في كتاب النكاح، ثم ذهب إلى القول بالجواز كما مرّ تفصيل ذلك.

 


 

عطفاً على ما سبق:

بعدما ذكرنا أدّلة المجوزين في كشف المرأة وجهها وكفيّها وعدم وجوب تسترها وأدلة المانعين ومناقشته الأدلة، فإنّه يناقش أدلة المجوزين كذلك، فإنّه ـ كما مرّ تفصيل ذلك ـ إستدلوا بوجوه، والعمدة فيها الأخبار الدالة على الجواز والتي منها الواردة في تفسير الزينة الظاهرة في الآية الكريمة (إلّا ما ظهر منها) بالكحل والخاتم وما وراءهما من الوجه والكفين وفيها صحيحة السند واضحة الدلالة، ومنها ولو كمؤيد ما ورد من نظر جابر إلى وجه مولاتنا فاطمة الزهراء’ وإنه أصفر من شدة الجوع، فدعا رسول الله‘ فصار أحمر (الوسائل: 20: 215) أو نظر سلمان لكفّ الزهراء داميّة (البحار: 43: 28).

وقد أورد على الإستدلال بها بأنها ضعيفة السند أولاً، ولا يمكن الإستدلال بها ثانياً، فإنّه لا يمكن لنا التصديق بخروج الزهراء عليها السلام سافرة الوجه عند جابر وسلمان وغيرهما من الأجانب، فمثل هذا لا يصدر عن إمرأة عادية عفيفة فضلاً عن مولاتنا سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة التي هي معدن الفقه والحياء، وإذا كان إبنتها زينب الكبرى عصمى الله الصغرى لم تكن تخرج إلى قبر رسول الله‘ إلّا ليلاً عند ما لم يكن أحد يرى شخصها بل ولا شجها فما بالك بأنها الصديقة الكبرى.

ولكن يبدو والله العالم إنّ ما ذكر إنما هو من الإستحسانات الظنيّة إلى من وراءها الولاء والحبّ وعظمة الزهراء’ ولكن لاشك أنها حجّت بيت الله الحرام، وأنه يحرم ستر الوجه للنساء في حال الإحرام فتكون معرضاً للرؤية إلّا أن يقال بأنها تحاط في مشيها بالنساء كما يذكر ذلك عند خروجها من بيتها للدفاع عند بعلها أمير المؤمنين وخطاباتها في المسجد والله العالم بحقائق الأمور.

ثم قيل العمدة فيما يستدل على الجواز صحيحة علي بن سويد ـ كما تقدّم ـ قال: قلت لأبي الحسن الرضا×: إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي لا بأس إذا عرف الله من نيتك الصدق، وإياك والزنا.

وجه الإستدلال: إنّ الخبر كالصريح في جواز النظر مع سلامة النية والصدق أي النظرة التي ليس من ورائها الشهوة واللذة بل النظر العادية بحيث لا تؤدي إلى الزنا ومقدماته.

ولازم الخبر وقوع المعارضة بينه وبين ما تقدّم من الأدلة المانعة عن النظر الدالة على حرمته، ولما كان الجمع مهما أمكن أولى من الطرح فيجمع بينهما بحمل النهي في الأدلة المانعة على النّهي التّنزيهي، فيدلّ على كراهة النظر حينئذٍ.

ولكن الإشكال فيما ذكر من الوجوه المحتملة في فقه الحديث مما يجعل الخبر مجملاً فلا يستدل به حينئذٍ.

بيان ذلك: في قوله: (إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها) إحتمالات:

الأول: ما ذهب إليه صاحب الجواهر+ (الجواهر: 29: 79) بحمل الإبتلاء في الخبر على الصدفة والإتفاق من دون تعمّد وقصد، والمراد من النية الصادقة ونفي البأس إذا كان صادقاً فيما يدّعيه من الإبتلاء بهذا المعنى.

ولكن قيل ببعد هذا الإحتمال جداً، فإنّه يتنافى مع قوله (فيعجبني النظر إليها) فإنّ ظاهره تحقق الإعجاب في حال النظر وهذا لا نيتك عن القصد، فلا يتلائم مع النظر الصدفة ولا تنافي ومن غير قصد وعمد.

قيل: بحمل الإعجاب بعد النظر الإتفاقي إلّا أنه كما ترى ممّا لا وجه له، فإنّه خلاف ما يترأى من إسناد الإعجاب إلى النظر نفسه الظاهر أنّ الإعجاب متحقق حال النظر لا من بعده.

الثاني: يحمل لفظ الإبتلاء (إني مبتلى) على الإبتلاء الإضطراري الرافع للتكليف، وإنّما يسأل لما يدخله من الإعجاب بعد النظرة الإضطرارية.

ويرده: أنّه خلاف الظاهر فإنّ إطلاق الإبتلاء على الإضطرار غير معهود في المحاورات العرفية، فهو إستعمال غير مأنوس فلا يحمل عليه ظاهر اللفظ.

الثالث: يحمل الإبتلاء على الإبتلاء النفساني، من جهة غلبه النفس الأمارة بالسوء وغلبة القوة الشهوية حتى يرى نفسه قد إبتلى وخضع لميولاته النفسانية والشهوية.

ويردّه: إنّ الإبتلاء بهذا المعنى من عمل الفاسقين ويجلّ مثل علي بن سويه الذي هو من ثقات أصحاب الإمام الرضا× عن ذلك ثم كيف الإمام يقرّه على الفسق، ثم أي معنى لعرفان الله وهو في هذه الحال من الفسق من نيته الصدق؟.

الرابع: ما إحتمله الشيخ الطوسي ونعم الإحتمال، هو أنّ إبتلاءه بالنظر إلى النساء من جهة مقتضى شغله لذلك كمن كان بائع الأقمشة أو صائغ الذهب أو بيع ملابس النساء ونحو ذلك ما يرجع إليه النسوة كثيراً فيبتلى بالنظر إليهن بطبيعة الحال وطبيعة العمل، وقد يتطرقه عند النظر من الإعجاب بهن والتمتع بجمالهن كما هو مقتضى طبع الإنسان وفطرته فإنّ÷ يحب الجمال والكمال والخير فيتلذذ بالشيء الجميل إلّا أنه ليس كل لذة تكون من الشهوة بل ربما ينظر الوالد لولده ويعجب به ويتلذذ بالنظر إليه من دون أي شهوة وإنّما هي نظرات بريئة وطاهرة وإن كان من وراءها الإعجاب واللذة الروحية لا الشهوانية، والإمام× أشار إلى ذلك بأنّ النظر تارة تكون بريئة وصادقة وأخرى عن شهوة تجّر إلى الزّنا، فأحال ذلك إلى الله سبحانه فإنّه العالم بالنوايا والخفايا، فإن عرف الله من نيتك الصدق أي إذا كنت صادقاً في نظراتك هذه فلا بأس بذلك وإلّا فلا، والإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وستاره.

وأخيراً علم ممّا سبق من أدلة المجوزين وأدلة المانعين أنّ المسألة  من حيث الأدلة قابلة للنقاش من الطرفين، ولكن مقتضى الجمع بينهما هو القول بالجواز كما ذهب غليه الشيخ الأنصاري إلّا أنه نختار في المقام القول بالإحتياط الوجوبي في حرمة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها كما يحرم فتوى النظر إلى تمام بدنها، ولازم حرمة النظر كما مر هو القول بوجوب التستر على المرأة حينئذٍ، وقد إهتم الشارع المقدس بأعراض المسلمين ونواميسهم غاية الإهتمام فيسلم من مذاقه الحجاب التام بعدم كشف الوجه واليدين للأجانب أيضاً.

وممّا يدل على هذا المذاق الشرعي ما ورد من نهين التنزيهي عن خروجهن للجمعة والجماعات (الوسائل: 7: 34).

مع ما للجماعات والجمعة من الفضل والمثوبات، ونهيهن عن الإختلاط مع الرجال في الأسواق (الوسائل: 20: 335).

والنهي عن مجالستهن ومحادثتهن وسماع صوتهن فإنّه يقبلما القلب (الوسائل: 20: 197) والنهي عن التسلم عن المرأة الشابة (الوسائل 20: 334) وغير ذلك من الموارد المتفرقة ممّا يدل على إهتمام الشارع بالأعراض والنواميس فكيف يحكم بجواز النظر إلى الوجه والكفين وعدم وجوب سترهما والوجه وضع الإفتتان مركز الجمال وستار الفتنة فلا يسعنا إلّا القول بالإحتياط الوجوبي في ترك النظر ولزوم التستر كما هو المختار والله العالم.


 

عطفاً على ما سبق:

في جواز كشف الوجه والكفين للمرأة والمنع عنه والمختار كما مرّ الأحوط وجوباً المنع، ويحرم النظر إليهما كذلك وفي المسألة قول آخر فعَن المحقق الحلّي في الشرايع والعلامة الحلّي في أكثر كتبه: التفصيل بين النظرة الأولى فيجوز، والثانية فيحرم، والوجه في ذلك جمعاً بين الأخبار بين المجوزة والمانعة، ويشهد على هذا الجمع التبرعي ما ورد في الخبر النبوي الشريف: (لا تتبع النظرة بالنظرة، فإنّ الأولى لك والثانية عليك)([26]).

وفي الوسائل: (فإنّ لك الأولى وليس لك الأخيرة).

وقريب منه مرسلتا الفقيه ([27])، وخبر الكاهلي: (النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة) ([28])، إلّا أنته أورد عليه: أنّ ما يقتضيه الجمع هو التأمل في أدلة المثبتين المجوزين والنافين المانعين وتقديم جانب الجواز في ا لظاهر لمناقشة أدلة المانعين إلّا أنّه من باب الإحتياط الوجوبي قلنا بالمنع.

وأمّا النبوي فالنظر فيه بحمل المتعلق وكذك في مرسلتي الصدوق في الفقيه وخبر الكاهلي مع ضعف السند، ولا يبعد أن يراد من النظرة الأولى هي النظرة العفوية غير العمدية.

وإعلم أنّ ما ذكره الاعلام المعاصرين من تقريب القول بالجواز والمناقشة في دليل المنع كما في مستمسك سيدنا الحكيم (قدس سره) وشرح عروة الوثقى سيدنا الخوئي (قدس سره) إنما هو مذكور في كلام الشيخ الأعظم الشيخ الأنصاري (قدس سره) في كتاب النكاح، وإختار القول بالجواز كما إختاره الشيخ الطوسي من القدماء وصاحب الحدائق وغيرهم من الأعلام ولا سيما المعاصرين منهم، إلّا أنّ الخروج به عن مرتكزات المتشرعة المتدينين في غير النساء المبتذلات لا يخلو من إشكال فإنّ المراد من حجاب المرأة هو الحجاب الكامل بعدم كشف الوجه واليدين أيضاً، والله العالم بحقائق الأمور.

ثم قال المصنف (قدس سره) بعد قوله: (ويجب ستر المرأة تمام بدنها عمن عدا الزوج والمحارم، إلّا الوجه والكفين مع عدم التلذذ والريبة، وأمّا معهما فيجب السّتر ويحرم النظر حتى بالنسبة إلى المحارم وبالنسبة إلى الوجه والكفين)، فإذا كان التلذذ والريبة فإنّه يجب على المرأة الستر وعلى الرجل حرمة النظر، ويدل عليه طائفة من الروايات كما عليه الإجماع المحقق كما ادعاه جماعة كثيرة على ما حكي عن بعضهم، ومن الأخبار:

خبر سعد الاسكان وخبر الكاهلي وخبر ما تضمن صرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجه الفضل عن الخثعمية بإعتبار ما جاء فيه من التعليل بخوف أن يدخل الشيطان بينهما (المستدرك باب 80 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 7) وما جاء في العلل والعيون: (وحرم النظر إلى شعور النساء المحجوبات بالأزواج وإلى غيرهن من النساء لما فيه من تهيج الرّجال، وما يدعو إليه التهيج من الفساد والدخول فيما لا يحل ولا يحمل وكذلك ما أشبه الشعور...) ([29])، وغيرها من الأخبار الدالة على حرمة النظر بريبة وتلذذ.

والمقصود من الريبة كما فسّره الشهيد في المسالك هو خوف الوقوع في الحرام، وجعل خوف الفتنة عبارة أخرى عن ذلك إلّا أنه حكي عن العلامة في التذكرة أنّ الريبة غير خوف الإفتتان، وفي كشف اللثام: فسّر الريبة بما يخطر بالبال عند النظر، وأنّه فرق بين الريبة وبين خوف الإفتتان كما هو الظاهر.

وأياً كان فيكفي ما جاء في خبر الفضل مع الخثعمية من إثبات جميع المعاني للريبة وخوف الإفتتان، فإنّ في جميعها يخاف من الشيطان ووساوسه في الصدور.

وعمدة الأدلة على تحريم النظر إن كان بريبة هو تسالم الأصحاب أضف إلى ما هو المرتكز عند المتشرعة على وجه لا يقبل الشك والإرتياب.

ثم المصنف في نهاية المطاف قال: (والأحوط سترها عن المحارم من السّرة إلى الركبة مطلقاً، كما أنّ الأحوط ستر الوجه والكفين عن غير المحارم مطلقاً).

أمّا الإحتياط الأول وظاهره الإحتياط الوجوبي فالوجه فيه:

أولاً: يحرم النظر إلى عورة المرأة مطلقاً إلّا الزوج، وفسّرت عورة المرأة ما بين الركبة والسّرة فيحرم النظر إليها حتى للمحارم، وأمّا دليل كون العورة ما بين السرة والركبة فلما جاء في ذيل خبر الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: (إذا زوّج الرجل أمته فلا ينظرنّ إلى عورتها، والعورة ما بين السّرة والركبة) ([30]).

فيكون الخبر حينئذٍ مفسّراً للعورة التي ورد في الأخبار الكثيرة الأخرى الدالة على حرمة النظر إلى عورة المحارم.

إلّا أنّه وقع إختلاف في سند الخبر بعد وضوح دلالته، فمنهم من قال بضعف السند لكون الحسين بن علوان عامي المذهب ولم يوثق كما ذهب غلى هذا المحقق الهمداني (قدس سره) في مصباح الفقيه كتاب الصلاة (ص: 153 السطر 28) وغيره، إلّا أنّ السيد الخوئي (قدس سره) في شرح العروة (12: 83) يذهب غلى توثيقه لتوثيق النجاشي على ما يظهر من عبارته في قوله: (الحسين بن علوان الكلبي مولاهم كوفي عامي وأخوه الحسين يكنّى أبا محمد ثقة...) (ورجال النجاشي: 52) فالظاهر قوله (ثقة يرجع إلى الحسين لكونه هو الذي عنده كتاب دون الحسن الذي لا كتاب له كما صرّح به في ذيل العبارة، كما يدل على تربيته أيضاً تصريح بن عقدة بأنّ الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا (حكاه عنه في الخلاصة 338) فالتعبير بالأفضل ممّا يدل على إشتراكهما في الفضل والوثاقة والحمد.

وذهب المشهور إلى خلاف ذلك، فجمعاً بين ما ورد من تفسير العورة في الخبر وما عند المشهور على أنّ العورة خصوص القبل والدبّر يقال بالإحتياط الوجوبي في ترك النظر إلى ما بين السّرة والركبة كما هو المختار.

ولا يخفى أنّ المسألة في تحديد العورة بالنسبة إلى المحارم خلافية، فالمختار ما بين السرة والركبة للإحتياط الوجوبي، وقيل: ليس للمحرم التطلع في العورة والجسد عارياً، وعن ظاهر التنقيح: المنع عنه إلّا الثدي حال الإرضاع، وعن بعض: المنع في غير المحاسن وهو مواضع الزينة.

وذهب السيد الحكيم في المستمسك (5: 248) إنّ دليل الجميع غير ظاهر بعدما دلّ الكتاب الشريف على جواز إبداء الزينة غير الظاهرة للمحارم ويؤيده رواية السكوني الدالة على جواز النظر إلى شعر الأم  والأخت والبنت، كما أنّ الجواز في غير ذلك هو مقتضى الأصل عند الشك ، مضافاً إلى التسالم عليه فيما بينهم فتأمل وتدبّر وراجع. وأمّا الإحتياط الوجوب الثاني فيظهر وجهه ممّا سبق والله العالم.

 

 


 

عطفاً على ما سبق: وها هنا تنبيهات:

التنبيه الخامس: يجوز للمرأة أن تنظر إلى جسد زوجها ظاهراً وباطناً حتى العورة من القبل والدبّر بتلذذ أو ببعضه، كما يجوز لها أن تنظر إلى محارمها عدا العورة مع عدم التلذذ والريبة، بلا خلاف في شيء من ذلك بل هو من الضروريات كما أشار إلى ذلك صاحب الجواهر+ (29: 73) وإن كان الأحوط وجوباً أن لا تنظر ما بين السرة والركبة كما لا ينظر المحرم إلى محارمه من النسّاء وما بين السّرة والركبة، بل ربما يقال بعدم النظر إلى تمام الجسد إلّا مواضع الزينة وما دونها تمسكاً برواية أبي الجارود (المستدرك الباب 84 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 3) عن أبي جعفر× المروي عن تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلّا ما ظهر منها) (النور: 31) فهو الثياب ولكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار، والزينة ثلاث: زينة للناس وزينة للمحرم وزينة للوج، فأما زينة الناس فقد ذكرناه فما ظهر منها كالكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار، والزينة ثلاث: زينة للناس وزينة للمحرم وزينة للزوج، فأما زينة الناس فقد ذكرناه فما ظهر منها كالكحل والخاتم ـ وأمّا زينة المحرم فموضع القلادة، أي الصدر فما فوقها، والدملج وما دونه، والخلخال وما سفل منه، وأما زينة الزوج فالجسد كلّه، ولكن هذا محمول على خصوص الزينة بعنوان الأولوية أي الأولى أنّه يقال بالجواز بمقدار ما ظهر من الزينة كما هو واضح ولا يدل على حرمة النظر بالنسبة إلى المحرم لتمام الجسد إلّا العورة من القبل والدّبر، والأحوط الإجتناب عن ذلك إلّا ما ظهر من الزينة.

السادس: لقد ورد في روايات أنّ المرأة كلّها عورة حتى صدتها كما هو المشهور لوجوه مذكورة في كتاب النكاح، ومنها: قال الصادق× في خبر (الوسائل باب 31) من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 1 و2 قال وأمير المؤمنين×: ولا تبتدؤوا النساء بالسّلام ولاتدعوهن إلى الطعام، فإنّ النبي‘ قال: النساء عيّ وعورة، فأستروا عيبهنّ بالسكوت واستروا عوراتهن بالبيوت وربما يقال من أراد أن يستفيد من هذه الأخبار وجوب ستر الوجه والكفين فتوىً لا من باب الإحتياط الوجوبي كما هو المختار، ولكن الظاهر من هذه الأخبار كونها كلها عورة من الوجه والكفين انها عورة وإن كانت متسترة، ويدل على ذلك سترهن في البيوت فتدبر.

السابع: ربما يقال لمن قال بالتحريم ووجوب الغض تمسكاً بالآية بعدم وجوب الفض على الرجال بالنسبة إلى وجه المرأة وكفيها بمجرد إحتمال وقوع نظره على وجه أجنبية وكفيها، بل حتى مع مظننة الوقوع للعسر والحرج، وإن وجب عليه ذلك بالنسبة إلى باقي بدنها، أي لو إحتمل أو ظن أن يقع بصره على تمام الدين فيجب عليه أن يغض بعبره ، كما يجب عليه ستر عورته بإحتمال وجود الناظر الإتفاقي ومظننة وجوده.

ها هنا مسائل

مسألة 1 ـ الظاهر وجوب ستر الشعر الموصول بالشعر سواء كان من الرّجل أو المرأة، وحرمة النظر إليه، وأمّا القرامل من غير الشعر وكذا الحلي ففي وجوب سترهما وحرمة النظر إليها مع مستورية البشرة إشكال وإن كان أحوط.

أقول: من النساء من يوصلن شعراً بشعرهنّ أو يتزيّن بالحلي والقرّامل، والأول: يكون بنحوين تارة بزرعن الشعر كما يفعل الرّجال ذلك في عصرنا الحاضر، وأخرى مجرد الوصل بالشعر مثل ما يسمى في يومنا هذا في العراق (الباروكة) فإن كان الأول فربما يقال: انه يعّد من الشعر الأصلي فحكم حكم الشعر في ترتب الأحكام عليه كغسله في غسل الجنابة، والمسح عليه في الوضع وعدم كشفه للمرأة وغير ذلك وغن ذهب شيخنا الإستاذ الشيخ جواد التبريزي+ (تنقيح مباني العروة 2: 17) إلى عدم الفرق بين الشعر المزروع أو الوصول، فإنّه لا يعّد من الشعر الأصلي المحرم النظر إليه، فتأمل فإن العرف يرى الفرق بينها المزروع أو الوصول فإنه لا يعّد من الشعر الأصلي المحرم النظر إيه، فتأمل فإنّ العرف يرى الفرق بينهما وإن كان الثاني فقد إختلف الإسلام في ذلك فمنهم من قال بأن حكم حكم الشعر الأصلي فيجب على المرأة ستره، ومنهم قال بعدمه، ولا يخفى إن المراد بالموصول تارة من شعرها لو إنفصل منها وتوصله مرة أُخرى وأخرى من شعر غيرها كالأجنبية أو في شعر رجل أو حيوان فذهب المصنف إلى أن الظاهر ووجوب ستر الشعر الموصول بالشعر مطلقاً سواءاً كان من الرجل أو المرأة، كما يحرم النظر إليه للملازمة وللوجوه التي مرّت، إلّا أنه لا يخلو من الإشكال عند بعض الأعلام من المعاصرين، لأنّ ما ورد من النهي عن النظر إلى الشعر والأمر بستره كما في صحيحة البزنطي من الإمام الرضا× كما مر في شعر أخت الزوجة وأنها والغريبة سواء في وجوب ستره وحرمة النظر إليه إنما ظاهره في الشعر الأصلي فلا يعّم الموصول، أو بعبارة أخرى ظاهر الإضافة أي إضافة الشعر للمرأة هي الإضافة الفعلية، أي ما هو شعر الأجنبية بالفعل لا ما كان سابقاً كذلك سابقاً لا من المرأة نفسها ولا من غيرها، فلا يصدق عنوان الشعر عليه إلّا بنحو المجاز والعناية بإعتبار ما كان، وهذا خلاف ظاهر الكلام وإنه يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الفعلي فليس حال هذا الشعر الموصول إلّا حال الخيط المشدود بالشعر الأصلي وهو أجنبي عن المرة أصلاً، فدليل المنع ووجوب الستر قاصر الدلالة وقاصر الشمول لهذا المقام.

وقد ذهب سيدنا الحكيم+ في (المستمسك: 5: 249) إلى القول بالتفصيل بين الشعر الموصول المأخوذ من غيرها ومن غير الأجنبية كالمأخوذ من المحارم أو الرّجال أو الحيوان فيجوز النظر إليه ، لعدم المقتضي للمنع، وبين ما كان مأخوذاً منها ومن أجنبية يحرم النّظر إلى شعرها، فإنّه يقال بالحرمة كذلك تمسكاً بالإستصحاب للمنع الثابت حال الإتصال بشعرها أو شعر الأجنبية.

وأجابه سيدنا الخوئي+ في شرح العروة (12: 86) أولاً: عدم جريان الإستصحاب في الشبهات الحكمية كما هو الحق، وثانياً: لا مجال للإستصحاب لإختلاف الموضوع جزماً، لأنّ الحرام هو الشعر المضاف إلى المرأة أو الأجنبية بإضافة فعليّة من دون عناية ومجاز كما عرفت، وهذا الموضوع قد إرتفع يقيناً بمجرد الإنفصال، ولهذا لا إشكال في جواز النظر إليه بعد الإنفصال وقبل الوصول بإمرأة أخرى كما لو كان مطروحاً على الأرض وحينئذٍ يلزمه الشك بعد الإتصال في ثبوت حكم جديد، والأصل البراءة دون الإستصحاب لإنتقاضه باليقين الآخر، فيسقط هذا التفصيل عن الاعتبار، والصحيح أن يكون حكم هذا الشعر الموصول حكم الحلّي والقرامل كما سيأتي.

وأمّا الثاني: وهو وصل القرامل من غير الشطر بالشعر وكذا الحلي، فذهب المصنف إلى إختلاف الأقوال في المسألة على أن الذي يجب ستره هو البشرة والشعر الأصيل، فوجوب ستر القرامل والحلّي بالنسبة للمرأة وحرمة النظر إليهما بالنسبة إلى الرّجل مع مستورية البشرة إشكال، وأن كان الأحوط التستر وعدم النظر.

وربما وجه الإشكال أنه من الزينة التي يجب سترها لشمولها آية الإبداء (النور: 31) لها، فإنّها من الزينة المحرَم إبداءها ولكن يظهر عدم الناس من النظر إلى القرامل فليس حكم، أكثر من حكم الشعر الموصول، وإذا جاز النظر إلى الوصول ولم يجب على المرأة ستره، فإنّ÷ بالأولى يجوز الكشف عن القرامل فإنه ليس من الشعر ويعّد كالخيوط المتصلة بالشعر، نعم ربما بالنسبة إلى الحلّي يقال انها من الزينة التي يجب سترها عن الأجنبي لشمول إطلاق الآية الإبداء لها.

ولكن أورد عليه: إنّما يصدق ذلك لو كان المراد من الزينة التي يحرم إبداءها نفس ما يتزين به أي الجسم الخارجي وهو آلة التزين كالقلادة والقرط والسّوار والخاتم ونحو ذلك، والحال لم يكن المقصود من تحريم إبداء الزينة هذه الآلات بنفسها لأنه من الواضح عدم إحتمال المنع عن الإبداء مثل ذلك، فإنّه لو كان فكيف يجوز بيعه وشراؤه ويتداول في الأسواق وتنتقل من يد رجل إلى رجل، بل تبادر المرأة لشرائها من الرجال من دون الإنكار عليها، فليس المراد من إبداء الزينة هي إظهار نفس الآت الزينة بما هي الآلات، بل المراد ما يحصل من الحالة عند المرأة لما تتزين بهذه الآلات لأن الزينة إسم مصدر من التزين، والفارق بين المصدر وإسمه، أن المصدر هو المعنى الحدثي من دون أن يقترن بأحد الأزمنة وأنه يلاحظ إنتسابه إلى الفاعل كالصوم، ولكن إسم المصدر ما كان مجرداً عن الإنتساب وأنه الحالة التي يحصل عليها الفاعل بعد تلبسه بالمصدر كالصيام، فالمصدر يتعلق بظاهر الفاعل وإسمه بباطنه، وربما يشتركان في الصبغة ويعلم أحدهما عن الآخر بالإعتبار، وإن كان الغالب إختلافهما في الصيغة، فالمصدر في ما نحن فيه هو التزين وإسمه هو الزينة.

وحينئذٍ بعدما زينت المرأة نفسها بما يتزين به كالقلادة، والمعضد وما شابه ذلك فإنّه يعتريها خاصة تتجلّى معها ويعبر من هذه الحالة بعد التزين بالزينة، ولا ينفك اطهار هذه الحالة عن إظهار مواضع الزينة، وإلّا فإظهار نفس الآلات بما هي الآلات من دون إبراز الحالة الباطنية لا يعد من الزينة، فالتحلّي والزينة الحاصلة لها إنما يتحقق بقيام هذه الآلات بمواصعها، فإبداء الآلات يستلزم إبداء المواضع.

ونتيجة ذلك: إنّ الشعر الموصول والقرامل والحلّي إذا كان إبداءها يستلزم إبداء المواضع فهذا من الزينة التي يجب سترها عن الأجانب، وإن لم يستلزم ذلك فلا وجه لتحريم إبداءها لقصور الأدلة عن شمولها، فلا يجب عليها سترها كما لا يحرم النظر إليها، وربما يقال إنّ المراد من الزينة التي يحرم إبداءها للأجنب ما كان يوجب جلب النظر إلى المرأة المتزينة وحينئذٍ لا فرق في ذلك بين الشعر الموصول والقرامل والحلّي كما يستفاد ذلك من قوله سبحانه ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: 31) ولا يعتبران يكون موضع التزين من البشرة ظاهراً، بل يكفي في ذلك ظهور وجههن أو أيديهن أو حتى مع عدم ظهور شيء من ذلك والأحوط إستحباباً أن لم يكن وجوباً كما هو المختار التي  أن يجتنب من النظر إليها مطلقاً والله العالم.


 

تنبيهات

عطفاً على ما سبق: ههنا تنبيهات: الأول:

فيما ذكره المصنف+ من أن الأحوط الوجوبي ستر المرأة عن المحارم من السّرة إلى الركبة مطلقاً لما ورد في ذيل موثقة الحسين بن معدان عن جعفر عن أبيه× قال: إذا زوّج الرجل أمته فلا ينظران إلى عورتها، والعورة ما بين السرة والركبة فالرواية هذه تكون مفسّرة كما ورد في الروايات الأخرى من لفظ العورة والمانعة من النظر إلى عورة المحارم.

والرواية معتبرة السند وواضحة الدلالة إلّا أن الأصحاب لم يفتوا على ضوءها بل ربّما المتسالم عليه على خلافه فإنّ العورة عندهم القبل والدّبر، فالاحوط الوجوبي حينئذٍ أن تستر المرأة عن محارمها ما بين السّرة والركبة كما هو المختار.

هذا في المرأة ونظر محارمها إليها، وأما عكس ذلك أي في نظر المرأة إلى ما بين السّرة والركبة من الرجل المحرم لها، أو نظر الرجل إلى مثله فيما بين ذلك، فهل يجب على الرجل أن يستر ذلك ويحرم على الآخر النظر إليه للملازمة بين وجوب الستر وحرمة النظر.

الظاهر عدم المنع بل نقول بالجواز لعدم الدليل المانع عن ذلك، وما ورد في موثقة الحسين بن علوان لا إطلاق فيها ليشمل المقام، فهي قاصرة الدلالة لشمولها هذا المورد أيضاً، بل من قرينة المقام يفهم أنّ المراد من العورة خصوص عورة النساء، والقرينة في لو تكرر المعرّف فإنه لا يراد بالثاني منه إلّا الأول، فقوله (فلا ينظرن إلى عورتها) ثم قال: (والعورة ما بين سُرة الركبة) فإنّ العورة المعرفة والمتكررة إنما يقصد منها المعنى الأوّل أي عورة الجارية التي زوجها، فليختص بالنساء، فتأمل وربّا يقال بالمنع وعدم الجواز تمسكاً بروايتين.

الأولى: ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن أمير المؤمنين علي× في حديث الأربعمأة، قال: إذا تعرّى أحدكم ـ الرّجل ـ نظر إليه الشيطان فطمع فيه، فاستتروا، ليس للرّجل أن يكشف ثيابه عن فخذيه ويجلس بين قوم ([31]).

وجه الإستدلال: على الرجل أن يستر فخذيه وهما ما بين السّرة والركبة، ومن باب الملازمة يحرم حينئذٍ للمأرة أن تنظر إلى ما بين سرة الرجل وركبته وإن كان محرماً.

وأرد على الإستدلال بالخبر:

أولاً: بضعف السند لمكان القاسم بن يحيى والحسن بن راشد، فقد ورد تضعيفهما إلّا أنّ سيدنا الخوئي على مبناه القديم فيمن وقع في سنده من الزيارات يعّده موثقاً فقال بتوثيقهما لوقوعهما في سند كامل الزيارات وإنه لا يعبأ بتضعيف إبن الغضائري للحسن بن راشد لعدم الإعتماد على توثيقاته وتضعيفاته.

وثانياً: بصور الدلالة لإشتمال الحديث على غير واحد من الآداب والسنن والمكروهات، فلا يبعد أن يكون ما ذكر من ستر الرجل فخذيه بين القوم من هذا الباب فيبتني على الآداب والأخلاق في المستمع الإسلامي دون الوجوب الشرعي .

ويؤيد هذا المعنى الأخلاقي جلوسه بين القوم، فلو كان محرّماً مطلقاً لما كان التحريم مختصاً بهذه الحال، فتأمل فمن باب تناسب الحكم مع الموضوع يكون المراد من التستر للرجل بين القوم هو مراعاة الأدب الحضوري تحفظاً على كرامة الرجل ووقاره، فإن كشف الفخذ بين القوم مما يوجب مهانته وخفته عند القوم.

الثانية: رواية بشير النّبال، قال: سألت أبا جعفر× عن الحمام؟ فقال: تريد الحمام؟ قلت: نعم، فأمر بإسخان الماء ثم دخل فأتئزر بازار ففطي ركبتيه وسرته ـ إلى أن قال ـ ثم قال: هكذا فاضل) ([32]).

وجه الإستدلال: ظاهر قوله× (هكذا فاضل) يدلّ على الوجوب، فاستر في مثل الحمام يكون ما بين السرة والركبة ممّا يدل على كونه من العورة، وإذا وجب الستر على الرجل حرم النظر على المرأة للملازمة كما مر.

وأورد عليه: أولاً: بضعف السند فإنّ فيه من المجاهيل والضعفاء كإسماعيل بن يسار وعثمان بن عفاة السدويس وبشير النبال فلا تصلح الرواية بالإستدلال بها.

وثانياً: يحتمل أن يكون ذلك من الآداب أيضاً المختص بالحمامات، تبدل على الإستحباب وليس لزوم الستر ووجوبه .

وثالثاً: قيام السيرة القطعية على الكشف عن الفخذ، بل ما عدا القبل والدبر في الحمامات، وكذلك في الملاحين والفلاحين حال العمل، فإنهم لم يستشروا عن ذلك، وهم بمرأى ومنظر من المتذبذين والمتشرعين، ولم يعهد الرّدع عنهم.

ورابعاً: قد ورد في كثير من الروايات تفسير عورة الرجل بالقبل والدّبر كما مرّ تفصيل الكلام في بحث التحلّي.

فالمختار عدم كون ما بين السرة والركبة للرجال من العورة، وإن كان الأحوط إستحباب تستر ذلك من قبل الرجال وعدم النظر من قبل النساء.

الثاني: فيمن قال بجواز كشف الوجه والكفين للمرأة، فإنّه يجوز ذلك فيما إذا لم يكن عدم سترهما معرضاً لجلب نظر الأجانب إليها كما لم يكن من قصدها إظهار جمالها وحسنها، وإلّا فالأقوى كما هو المختار لزوم سترهما أيضاً كما هو سيرة المتدينين من النساء المتشرعة، وربما يستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: 31) فإن ضربهن بأرجلهن المترتب عليه العلم بزينتهن وسماع صوت الخلخال يوجب جلب الأنظار إليهن، فتدبر.

الثالث: كما يجب على المرأة ستر تمام بدنها عن الأجانب دون الزوج والمحارم، فإنّه كذلك يحرم على الأجنبي أن ينظر إليها من دون حجابها، وإذا وقع نظره عليها لا بقصد بل عفوياً فإنّه معذور في ذلك، وهذا ما يفسّر به ما ورد في الأحاديث الشريفة أن النظرة الأولى لك والثانية سهم من سهام إبليس مسموم فهي عليك، فيحرم النظر إليها مطلقاً سواء أكان بشهوة أو دونها فهو نظير النظر إلى عورة المؤمن فإنه يحرم ذلك مطلقاً، وليس ذلك من باب قوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ حتى يقال بعدم عمومه وإطلاقه وأن القدر المتيقن منه هو النظر بالإلتذاذ أو الريبة الموجبة لتحريك الشهوة، بل لأن المتفاهم العرفي من الأمر للنساء بالستر وعدم إبداء زينتهن إلّا لأزواجهن ومحارمهنّ هو عدم جواز النظر إلى جسدها مطلقاً ولو لم يكن في البين لذّة وريبة، ويشهد ذلك إبداء زينتهن للمحارم، فلو كان مختصاً بالنظرة الشهوانية لكان المفروض أن تستر فدعى المحارم أيضاً ويكون المستثنى من إبداء زينتهن أزواجهن فقط.

والخلاصة: أن مفاد وجوب الستر في معرض وجود الناظر الأجنبي هو حرمة النظر كما هو الحال في ستر عورة الرّجل، فإنما يجب عليه الستر لوجود ناظر، وهذا يدل على حرمة النظر حينئذٍ بالنسبة إلى الناظر وهذا معنى الملازمة بين وجوب الستر وحرمة النظر.

أضف إلى ذلك إطلاق ما ورد في المنع عن النظر كما في صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر.

عن الإمام الرضا× قال: سألته عن الرّجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أخت إمرأته؟ فقال: لا، ألّا أن تكون من القواعد، قلت له: أخت إمرأته والغريبة سواء؟ قال: نعم،  قلت: فمالي من النظر إليه منها؟ فقال: شعرها وذراعها) ([33]). السؤال الثاني بالنسبة إلى القواعد من النساء فيجوز أنه ينظر إلى شعرهن وذراعهن.

وجه الإستدلال: جعل الغريبة وأخت الزوجة بمنزلة سواء بأن لا ينظر إلى شعرهما ممّا يدل على حرمة النّظر فإنّ الظاهر من النهي أن يكون تحريمياً، ثم لا يحتمل من البزنطي الجليل أن يسأل عن شعر أخت الزوج بأن ينظر إيه بتلذذ وشهوة أو يكون السؤال الثاني عن شعر القواعد وذرعهن فإنه يجوز النظر إليهنّ بشهوة ولذة، بل السؤال عن النظرة العادية وإلا فالنظر الشهوانية مفروغ عنها من حرمتها مطلقاً، فتدبّر.

الرابع: ذهب بعض الأعلام إلى عدم وجوب ستر الوجه والكفين على لمرأة مطلقاً، كما يجوز للرجل أن ينظر إليهما ما دامت النظرة عادية ومن دون لذّة، وريبة إفتتان تمسكاً بصحيحة علي بن سويد ـ كما مر ـ قال: قلت لأبي الحسن× إني مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة فيعجبني النظر إليها، فقال: يا علي لا بأس إذا عرف الله من نبيك الصدوق وإياك والزنا فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين.

ولكن في هذه الدعوى نظر من حيث إطلاقها نظر، فإنه له يدلّ الخبر على أنه يبتلى بالنظر في غير مقام الضرورة فإنّ ظاهره الإبتلاء بالنظر لضرورة كما في الطبيب، فإنّه يرى المرأة ويرى جمالها فيعجب بها بطبيعة الحال، فإن كان عن شهوة فيحرم وإن لم يكن فلا بأس بذلك، ويدل عليه تفصيل الإمام×، فإنّه إذا عرف الله من نيتك الصدق أي النظر العادي وإن كان فيه الإعجاب إلّا أنه ليس لشهوة وريبة، فتكون النظرة حينئذٍ لغاية رفع الضرورة فلابأس به مع تحذيره عن الإفتتان والريبة لأن لو كان معنى الإعجاب هو الإلتذاذ الجنسي لكانت الرواية مخالفة للقرآن الكريم الدال على الأمر بالغض من البصر وتحفظ الفرج.

الخامس:

 



([1]).الوسائل باب 109 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 1.

([2]).الوسائل باب 110 من أبواب مقدمات النكاح الحديث : 2 وغيره.

([3]).الوسائل باب 107 من ابواب  من أبواب النكاح الحديث: 1.

([4]).الوسائل باب 19 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 1.

([5]).الوسائل باب 126 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 4.

([6]).الوسائل باب 107 من ابواب  مقدمة النكاح الحديث 1.

([7]).الوسائل باب 104 من أبواب مقدمات النكاح.

([8]).الوسائل باب 104 من ابواب  مقدمة النكاح الحديث 2.

([9]).قرب الإسناد: 1: باب ما يجب على النساء في الصلاة.

([10]).الوسائل : باب 109 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 5.

([11]).الوسائل باب 109 من ابواب مقدمة النكاح الحديث : 2.

([12]).الوسائل باب 109 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 3.

([13]).الوسائل باب 22 من أبواب غسل الميت: الحديث: 1.

([14]).الوسائل باب 22 من أبواب غسل الميت: الحديث 2.

([15]).الوسائل باب 22  من أبواب غسل الميت: الحديث: 8.

([16]).الوسائل باب22 من أبواب غسل الميت: الحديث : 10.

([17]).الوسائل باب 120 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 3.

([18]).الوسائل باب 48 و 59 من أبواب تروك الإحرام.

([19]).الوسائل باب 109 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 1.

([20]).الوسائل باب109 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 5.

([21]).الوسائل باب 36 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 2.

([22]).الوسائل باب 36 من أبواب مقدمات النكاح الحديث: 3.

([23]).شرح العروة الصلاة: 12: 74.

([24]).الوسائل باب 104 من أبواب مقدمة النكاح: الحديث: 2.

([25]).الوسائل باب 43 من أبواب الشهادات الحديث: 2.

([26]). الوسائل: باب 104 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 14.

([27]). الوسائل: باب 104 من أبواب مقدمة النكاح الحديث 8 و 9.

([28]). الوسائل: باب 104 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 6.

([29]). الوسائل: باب 104 من أبواب مقدمة النكاح الحديث: 12.

([30]). الوسائل: باب 44 من أبواب نكاح العبيد والإماء: الحديث: 7.

([31]).الوسائل باب 10 من أبواب أحكام الملابس الحديث 34 والخصال: 630.

([32]).الوسائل باب 5 من أبواب آداب الحمام الحديث الأول.

([33]).الوسائل الباب 107 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه: الحديث الأول.