ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/١٢/٢١ السیرة الذاتیة کتب مقالات الصور دروس محاضرات أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

المحاضرة الاُولی

المحاضرة الاُولی:

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدلله ربّ العالمین، والصلاة والسلام علی أشرف خلق الله محمّد وآله الطاهرین، واللعن الدائم علی أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعین من الآن إلی قیام یوم الدین.

بعد أن توقّفنا للحدیث عن عصمة زینب الكبری حبانا الله سبحانه بلطفٍ آخر حیث یسرّ لنا الحدیث عن الصدّیقه الكبری وسیّدة النساء فاطمة الزهراء‘، من أجل إحیاء أمرها بإقامة العزاء علیها في أیّام شهادتها‘، وهذا التیسیر ینمّ عن وجود ید غیبیّة أرادت ذلك، وكما تمّ لنا معرفة الله تعالی ورسوله والأئمّة الأطهار وعقیلتهم اُمّ المصائب زینب صلوات الله علیهم أجمعین، بمعرفة جمالیة آن الأوان لمعرفة سرّ الوجود ومجمع النورین النبوي والعلوي[1]، فاطمة اُمّ أبیها‘[2]، بنفس تلك المعرفة ولكي یتسنّی لنا الحدیث بما یلیق بهذا السرّ الكوني لابدّ لنا من مقدّمة فنقول:

من الأسئلة التي یطرحها جمیع البشر تبعاً لما في فطرتهم من حبّ الاطلاع، ولأنّ الانسان متكوّن من بُعد مادّي وآخر مجرّد نجده یتسائل عن سرّ خلقته وفلسفة وجوده، فیسأل نفسه أوّلاً لماذا خُلقنا؟ وقبل الخوض في جواب هذا السؤال نرید أن نقول: إنّ الروحانیة المجرّدة التي یحملها الإنسان تدعوه أن یهتمّ بما وراء الطبیعة، أي بما وراء  المادّة والتي تسمّی باصطلاح الفلاسفة «المیتافیزیقیا» فتمیل به إلی معرفة سرّ الوجود وفلسفة الخلقة ویذهب متسائلاً: هل إنّ علاقتي بالمادّة وقوانیها فحسب أم أنّ هناك ارتباطاً یتجاوز هذه الحدود البلهاء والمادّة الصمّاء؟ أي هل إنّ لي ربّاً وإلهاً وراء المادّة أم لا؟ فیأتي الجواب من صمیم الفطرة التي جُبل علیها، نعم إنّ لك إلهاً وخالقاً لا شریك له في أیجادك، ولا ندّ له في الوجود، فیشترك بهذا الجواب الفطري المؤمن والكافر علی حدّ سواء وهذا لا خلاف فیه وإن تظاهر الكافر بإنكاره، فإنّه كما في قوله تعالی:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾[3].

فهو جاحد لما استیقن ومنكر لما ثبت في الوجدان. فالسؤال الفطري الذي یطرحه الجمیع هو: من أین؟ وإلی أین؟وفي أین؟ وماذا یراد منّي؟ فبهذه الكلمات جُمع فیها علم الأوّلین والآخرین، وكلّ الكتب السماویة والأدیان الإلهیة جاءت لتثبیت هذا التساؤل، ومن ثمّ الإجابة علیه بجواب صریح وكلام مبین، بأنّك من الله وإلی الله تعالی، وهذا التساؤل الذي ینقدح في ذهن السائل یدعوه إلی التفكر، ومن خلال تفكیره تنفتح له آفاق جدیدة في سیره وسلوكه وعقائده وأعماله فیخرج من حالة الغفلة والسكر التي یعیشها الناس إلی حالة الیقظة والانتباه.

ولو بحثنا في كتاب الله الكریم الذي نزل مهیمناً علی غیره من الكتب التي سبقته، لوجدنا فیه آیات تبیّن فلسفة الخلقة وسرّ الوجود، ففي آیةٍ یبیّن سبب خلق الكون فیقول عزّ من قائل:

﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾[4].

فسخّر لنا ما في السماوات والأرض لكي نصل إلی كمالنا، وكأنّ هذا الوجود خلق لأجل مخلوق فیه ألا وهو الإنسان[5]، فكان العالم التكویني هو الإنسان الكبیر كما كان الإنسان هو العالم الأكبر، وهذا المخلوق هو أكرم من في الوجود وأشرف المخلوقات، فلذا امتدح الخالق نفسه عندما خلق هذا الإنسان، فقال تعالی:

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[6].

فهذا یدلّ علی عظمة الإنسان وكرامته علی الله تعالی، حتّی صرّح في كتابه الكریم بهذه الكرامة، فقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[7].

فترتیب هذه الآیات الكریمة  التي هي كلام الحقّ سبحانه وتعالی یظهر لنا أنّ سرّ وجود الكون هو خدمة الإنسان، وإنّما استحقّ هذه الخدمة لأنّه أشرف المخلوقات وأكرمها، ولكن ما هي الحكمة من صیرورة الإنسان أشرف وأكرم من في الوجود؟ فیأتي الجواب قرآنیاً في آیة صریحة تبیّن سرّ وجود الإنسان وفلسفة خلقته فیقول أحسن الخالقین:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾[8].

فاتّضح بهذه الآیة الكریمة سرّ الوجود جمیعه وفلسفة الخلقة لهذا الخلق العجیب.

إذن وجد الإنسان لیعبدالله سبحانه، ولازم عبادة الله أن یكفر بالطاغوت، ولازم العبادة المعرفة، فقوله تعالی: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ أي لیعرفون، كما ورد عن الإمام الباقر×، فالمقصود من خلق الإنسان هو أن یعرف ویتكامل ویصل إلی قاب قوسین أو أدنی من ربّه[9]، لأنّه محبوب لربّه، وهذا ما أشار إلیه الحدیث القدسي: «خلقت الأشیاء من أجلك وخلقتك من أجلي»، فطوبی لمن عرف قدر نفسه، وطوبی لمن وقف علی الحقیقة فترك الغفلة وعاش في ذكر ربّه لیلاً ونهاراً.

وإنّ ذكر الله تعالی یبدأ بذكر الموت الذي هو الطریق إلی لقاء الله سبحانه، فلا ننسی هادم اللذّات[10]، ولا نفرّ من ذكره لأنّ في ذكره حیاة القلوب والخروج من الغفلة والیقظة من النوم فلذا نجد الآیات القرآنیة الكریمة تؤكد هذا المعنی في أكثر من موضع في الكتاب الكریم كقوله تعالی:

﴿ا ِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[11].

ففیها إشارة إلی نهایة المطاف، فالله تعالی هو الغایة بعد أن كانت منه البدایة، فهذه الآیات الصریحة في ظاهرها والعمیقة في باطنها لا تنفك عن ذكر المنتهی ولا تقصر في بیان السلوك إلی الله تعالی، فآیة تتكلّم عن المنتهی فتقول:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾[12].

وآیة تبیّن حركة وسیر الإنسان فتقول:

﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾[13].

فإذن لابدّ من لقاء  الله تعالی، فإذا أیقنت النفس بذلك فما علیها إلّا أن نعدّ العدّة ونتأهّب لهذا اللقاء، ولا یضیع العمر هباءً منثوراً، فإنّ في عدم التأهّب وإعداد العدّة خوف ورهبة[14]، وفي ذكر الموت والتهیّؤ للقاء خالق الموت والحیاة اطمئنان للقلوب واطمئنان للنفوس، فتصل النفوس إلی درجة الاطمئنان العلیا[15]، وهي الیقین بالفوز وأنّي لنا ذلك ونحن بعد لم نصل إلی درجة أصحاب الیقین، ولكنّ لنا عزاء في حبّنا للنبيّ وأهل بیته الأطهار مع شيء من العمل الیسیر، فنرجو الله تعالی بذلك ونفرح لحبّنا لهم^ فنكون كما قال هذا الرجل لرسول الله|: یا رسول الله، لیس لي عمل صالح إلّا الشهادتین وحبّك، فقال له الرسول: أبشر بالجنّة، فإنّ المرء مع من أحبّ، فلمّا سمع المسلمون ذلك فرحوا فرحاً لا یدانیه إلّا فرحهم بالإسلام[16]،فالحبّ لأهل البیت^ فیه ینال المحبّ أعلی درجات الجنّة إذا اقترن بالعمل الصالح، لأنّ الأخبار الشریفة تؤكد هذا «كذب من زعم أنّه یحببنا ولا یعمل بأعمالنا»، لأنّ المحبّ لمن أحبّ مطیع كما یروي هذا القول للإمام الصادق×، ثمّ في قول أحدهم^: «عجبت لمن یدّعي حبّ الله كیف یعصي الله؟»[17]، إلّا أنّ الحبّ كلّي تشكیكي وله مراتب، فلذا نجد شخصاً محبّاً إلّا أنّه یعصي الله تعالی، فحبّه هذا في أوّل مرتبة من مراتبه، ولكن كلّما ازداد حبّاً ازداد عملاً لرضا المحبوب، لرضا الله تعالی ورسوله وأهل بیته وفاطمة الزهراء^.

فعندما نقف امام آیات القرآن الكریم نجد آیة تتكلّم عن التسخیر أي عن الرحمة الإلهیة، وآیة اُخری تتكلّم عن تحصیل العلم:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾[18].

وآیة اُخری تتكلم عن عبادة الله سبحانه، ففي هذه الآیات الثلاثة تتبیّن فلسفة الخلقة الكونیة، ولكنّ العبادة التي ذكرت في الآیة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾[19]، المراد منها المعرفة لأنّ المعرفة تدلّ الإنسان علی العمل وتدعوه إلی أنواع العبادات والتي علی رأسها الدعاء، فلذا یذكرون أنّ أمیرالمؤمنین × كان رجلاً دعّاءً[20]، لأنّ الدعاء مخّ العبادة[21]، كما ورد في الحدیث الشریف، فالعبادة هي الطریق إلی الله تعالی، ولا یفتح هذا الطریق إلّا بالمعرفة والعلم لأنّ الجهل یقصم الظهر كما ورد عن أمیرالمؤمنین×: «قصم ظهري اثنان: جاهل متنسّك فإنّه یفرّ الناس بجهله...»[22]، فالعبادة مع العلم هي التحلیق في سماء الفضائل حتّی یصل بها المرء إلی ربّه، فیكون قاب قوسین أو أدنی دنوّاً واقتراباً من العليّ الأعلی. فبالإیمان والعمل الصالح یكون السلوك إلی الله تعالی، وهناك أكثر من سبعین آیة یقرن ربّ العالمین بین الإیمان والعمل الصالح، وبهذا یقول سبحانه أنّه لا یكفي المرء أحدهما، فلابدّ من الإیمان والعمل معاً حتّی نجد هذا المعنی أیضاً جلیّاً في الحدیث الشریف: «العلم یهتف بالعمل، فإن أجابه وإلّا ارتحل»[23]، أيّ أنّ العمل وحشي إن تركته یمشي، فبالرحمة الإلهیة یتمّ هذا، فلذا نجد الأسماء الحسنی جمیعها معاني للرحمة، إلّا بعض الأسماء التي تعبّر عن الغضب الإلهي كاسم المنتقم والقهّار وغیرهما، ولكن التي تعبّر عن الرحمة كثیرة كاسم الودود، الحنّان، الشفیق، اللطیف... وغیرها من الأسماء التي بها أراد الله تعالی الخیر لعباده، وأراد لهم سعادة الدنیا والآخرة، وأراد لهم الكمال، والله تعالی إنّما أراد لهم الكمال لأنّه تعالی هو الكمال المطلق ومطلق الكمال[24]، ومن كماله أن یظهر كماله، ولنا شاهد بالوجدان علی ذلك، فإنّه عندما نری شخصاً یتّصف بصوت جمیل تجده فطریاً یظهر هذا الصوت الجمیل، إمّا بصوت الرحمن فیتلو به القرآن، وإمّا بصوت الشیطان فیطلقه في الغناء، وكلّ مراده هو إظهار كمال صوته، فكذلك تعالی له الكمال المطلق الذي لا تحیط به العقول، فلا یلیق بكماله المطلق إلّا أن یظهر كماله، وإلّا لزم النقص وهو تعالی منزّه عنه، فمن كمال الكمال ظهور وإظهار الكمال، ولهذا جاء في الحدیث مع غضّ النظر عن المناقشة في سنده ودلالته: «كنت كنزاً مخفیّاً فأحببت أن اُعرف فخلقت الخلق لكي اُعرف»، فحبّه للمعرفة لكماله المطلق، وهذا یسمّی بسرّ الخالق إن صحّ التعبیر، وأمّا سرّ المخلوق فهو عبارة عن الرحمة الإلهیة والعلم والعبادة، فخلقه تعالی للخلق كافّة هو من باب الكمال لا للاحتیاج، فیندفع الإشكال في ذلك، فخلق الخلق لأنّه فیّاض لا لحاجته للمظهر والمعرّف، وهذا ما أشار إلیه الامام الحسین× في دعاء عرفة وهو من توحید الصدّیقین: «ألغیرك من الظهور ما لیس لك حتّی یستدلّ به علیك، أنت الذي دللتني علیك»[25]،فبالله أعرف الله تعالی، أي بالعلّة أعرف المعلول لا بالمعلول أعرف العلّة[26]، فظهور الخلق من الله لوصول المخلوقات إلی كمالها، فهذه المخلوقات تسبّح بحمده فهي في مقام الجلال، وتحمده فتكون في مقام الجمال، فقولنا في سورة الحمد «فاتحة الكتاب الكریم» الحمدلله: أي له الثناء كلّه وله الحمد كلّه، فهو المستحقّ لذلك لانّه الجمال المطلق ومطلق الجمال وإنّه یحبّ الجمال، وهذا معنی قول العقیلة زینب الكبری‘ عندما قالت في جواب ابن زیاد اللعین عندما أراد أن یجرح شعورها ویقرح قلبها: «كیف رأیت صنع الله بأخیك الحسین» فقالت: «ما رأیت الّا جمیلاً»، فإنّ قتل الحسین وإخوته وأولاده وأصحابه عندما ینسب إلی الله تعالی فهو جمیل، وعندما ینسب إلی یزد فهو قبیح، فالخلق عاشق لربّ العالمین علی حدّ تعبیر صدر المتألّهین في الأسفار[27]، فالكون في حركة كمالیة والله تعالی یفیض فیضه علی الخلق كلّه سواء كان كافراً أو مؤمناً، فإنّه تعالی یطعي الجمیع ومثله تعالی عن ذلك: «مثل الفلّاح الذي یسقي الشجر ومراده الثمر، ولكن یشرب كلّ ما في الأرض حتّی الحشائش الغیر مقصودة بالذات، فالكون بمثابة بستان الله تعالی ومراده من هذا البستان أشجار عدودة، ولكنّ الرحمة الإلهیة تنال الجمیع.

فالشجرة المحمّدیة[28] والدوحة العلویة هي التي تستحقّ الفیض الإلهي ومن یسیر علی نهجهم، وباقي الناس كالحشیش یطؤه المارّة بأقدامهم«عليّ الدرّ والذهب المصفّی وباقي الناس كلّهم تراب»، فالذي یستظلّ بهذه الشجرة هو الذي فكر وعرف الحقّ، وصار تفكیره في ساعة خیر من عبادة سبعین عاماً، فبالتفكر تفتح الآفاق الجدیدة، وبالتأمّل تذهب الغفلة، وبالتعقّل یذكر الإنسان ربّه.


 



[1] . فاطمة الزهراء‘ هي التي جمعت بین نور النبوّة ونور الإمامة، أي أنّها المرأة الوحیدة التي لها المكانة الاُولی في فلب النبّي| ولا یدانیها أحد في ذلك لا لأنّها ابنته فحسب، بل لأنّها سیدة نساة العالمین والعلّة الغائیّة للوجود، وهي التي أزهرت السماوات والأرض بنورها الذي هو من نور عظمة الله تعالی، فلا كفؤ لها من الرجال من آدم فما دون إلّا عليّ بن أبي طالب× فزوّجها الله تعالی في السماوات وقال لرسوله: إنّي زوّجت النور من النور وأمره بتزویجها علیه× فصارت بذلك تحمل نور النبوّة ونور الإمامة.

[2] . هذه إشارة إلی الحدیث الشریف الوارد في كتب الفریقین، فلقد جاء في (اُسد الغابة 5: 520)  من كتب الجمهور في ترجمة فاطمة بنت رسول الله|، قال: وكانت فاطمة تكنّی اُمّ أبیها اعترفاً بالحدیث الوارد في حقّها بأنّها اُمّ أیبها‘، كما ورد في أحادیث أصحابنا.

[3] النمل:14.

[4] الجاثیة: 22، وفي هذه الآیة یصرّح فیقول سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾(البقرة:29).

[5] إشارة إلی الآیة الكریمة: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الجاثیة: 13).

[6] المؤمنون: 14.

[7] الإسراء: 70.

[8] الذاریات: 56.

[9] إشارة إلی الآیتین القرآنیتین الكریمتین: ﴿ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾(النجم: 8 ـ 9).

[10] إشارة إلی الحدیث الشریف عن أمیرالمؤنین×، یقول: كان رسول الله| كثیراً ما یوصي أصحابه بذكر الموت فیقول: أكثروا ذكر الموت فإنّه هادم اللذّات، حائل بینكم وبین الشهوات (القلب السلیم: 63).

[11] البقرة: 156.

[12] (النجم: 42)، وآیة تقول: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (الشوری: 53)، وهناك آیة اُخری تقول: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾(آل عمران: 28، النور: 42، فاطر: 18).

[13] الانشقاق: 6.

[14] ولذلك نجد الإمام زین العابدین× یقول في دعائه: «أستجیر یا ذا العفو والرضوان من الظلم والعدوان ـ إلی أن یقول: ـ ومن انقضاء المدّة قبل التأهّب والعدّة» (مفاتیح الجنان: 23).

[15] هذه إشارة إلی قوله تعالی: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾(الفجر: 27 ـ 28).

[16] وورد في حبّهم عن عليّ بن الحسین عن أبیه عن جدّه أنّ رسول الله| «أخذ بید حسن وحسین^ وقال: من أحبّني وأحب هذین وأباهما واُمّهما كان معي في درجتي یوم القیامة» (كشف الغمّة 1: 89)، عن مسند أحمد بن حنبل 1: 7.

[17] وحدیث آخر في معناه عن الإمام الصادق×: «ما أحبّ الله من عصاه» قصار الجمل 2: 40.

[18] الطلاق: 12.

[19] الذاریات: 56.

[20] إشارة إلی الحدیث الشریف عن أبي عبدالله×: «قال: وكان أمیرالمؤمنین× رجلاً دعّاءً» اُصول الكافي 2: 457.

[21] هذه اشارة إلی الحدیث الشریف عن أمیرالمؤمنین×: «الدعاء مخّ العبادة» الوسائل 2: 1087.

[22] نهج البلاغه ـ قصار الجمل.

[23] قصار الجمل؛ للمشكیني 2: 59.

[24] أي أنّه تعالی هو الكمال الحقّ الذي لا نهایة له ولا حدّ ولا مقیّد بقید، كما أنّ له كلّ الكمال، وكلّ كامل غیره ناقص.

[25] دعاء عرفة للإمام الحسین×، مفاتیح الجنان: أعمال یوم عرفة.

[26] هناك معرفتان: معرفة للعلّة من خلال المعلول ویسمّی هذا بالبرهان اللمّي، ومعرفة المعلول بالعلّة ویسمّی بالبرهان الإنّي.

[27] الأسفار 7: 148.

[28] هذه إشارة إلی الحدیث الذي صدر عن النّبي| وقد ذكره الشهید نور الله التستري في الجزء الخامس، الصفحة 256، وذكر الحدیث عن كتب العامّة كما في المستدرك للحاكم النیسابوري والخطیب البغدادي فلیراجع إلی إحقاق الحقّ 5: 256.

ونصّ الحدیث «عن جابر بن عبدالله رضی الله عنه قال: سمعت رسول الله| یقول لعليّ: یا عليّ، الناس من شجر شتّی وأنا وأنت من شجرة واحدة...».