العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

المحاضرة الخامسة

المحاضرة الخامسة:

                                                    بسم الله الرحمن الرحیم

بعد البمسلة والحمد والصلاة:

لا زال الحدیث حول سیّدة نساء العالمین فاطمة الزهراء‘ بأنّها سرّ الوجود، وبناءً علی أنّ الإمام الحجّة# هو سرّ الوجود أیضاً، تكون فاطمة الزهراء‘ سرّ السرّ، لأنّ الحجّة×، هو قطب الأرض، ولولاه لساخت بأهلها وبالموجودات التي علی ظهرها، ولولاه لانعدمت البركات، ولولاه لما ثبتت الأرض والسماء، وبیُمنه رزق الوری، فهو إذن سرّ الموجودات، وسرّ الله تعالی في الكائنات، وعبرّنا بسرّ الله تعالی، لأنّ الوجود الحقیقي التامّ الأتمّ هو الحقّ سبحانه، فیكون الإمام الحجّة#نستمع إلی ما یقوله الإمام الحسن العسكري× فیقول: «نحن حجج الله واُمّنا فاطمة حجّة الله علینا»، وبهذا نعرف أنّ فاطمة الزهراء‘ سرّ السرّ للموجودات، وهذا هو معنی ما ورد في الحدیث الشریف: «ولولا فاطمة لما خلقتكما» كما تمّ بیان ذلك.

والیوم نتحدّث عن وظیفة الإنسان الذي یعرف فاطمة  الزهراء‘ بهذه المعرفة، وماذا یترتّب علی هذه المعرفة من وظیفة شرعیّة وسلوك أخلاقي وعقیدة قلبیة، فلقد تمّ  الاعتقاد بمقام فاطمة من خلال ما عرفناه عنها، فإذن لابدّ من العمل علی أساس هذه العقیدة الراسخة في القلب، ولكي اُبسّط البحث ویكون بلغة الجمهور، بعیداً عن الطریقة الحوزویة أقول:

إنّ الله تعالی كلّفنا بالاعتقاد والعمل معاً في اُصول الدین وفروعه، وعند الوقوف علی هذه الفروع العشرة التي هي: الصلاة والزكاة والخمس والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولّي والتبرّي، نلاحظ أنّ كلّ فرع من هذه الفروع لو أردنا العمل به فسیكون علی نحوین: عمل جوارحي أي مایتعلّق بالجوارح التي هي الید والرجل والعین والاُذن وغیر ذلك، فالید تعمل والرجل تسعی وهكذا، ونحو آخر هو العمل الجوانحي أيّ العمل الباطني مثلاً النیّة «نیّة المؤمن خیرٌ من عمله»[1]، هذه من أعمال القلب وكالحبّ لله ولرسوله ولأهل البیت وفاطمة الزهراء^ فهو أیضاً عمل جوانحي، وكذلك التولّي والتبرّي من أعمال القلب وتسمّي هذه الأعمال بالأعمال الجوانحیّة.

ومعنی التولّي لغةً: الاتباع بدون فاصلة بین الوليّ والمتوليّ، فمثلاً عندما یركب شخص خلف آخر علی فرس فیقال مثلاً: زید ولي عمر، فیما إذا كان زید خلف عمر ولم یكن بینهما فاصلة.

وأمّا معناه اصطلاحاً: هو أن یتولّی الإنسان ربّه تعالی فیكون تابعاً لربّه سبحانه وهو أقرب إلیكم من حبل الورید، أي لا فاصلة بینه وبین أولیائه، فذلك جاءت الآیات الكریمة تبیّن هذا المعنی كما في قوله تعالی:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[2].

﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾[3].

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[4].

فهذه الآیات صریحة في بیان مدی العلاقة بین المؤمن وربّه تعالی، فالمؤمن قریب من ربّه تعالی والله سبحانه أقرب من ذلك، ثمّ یتولّی المؤمن رسول الله| ویتولّی وصیّة ویتولّی أولیاء الله تعالی، فبهذا الولاء یحبّ الله ورسوله وأولیائه، ولازم هذا الحبّ الإطاعة، فنجد الآیة الكریمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[5].

تؤكد هذا اللازم وتبیّن المصادیق التي وجبت طاعتها ثمّ تأتي آیة اُخری تحصر الولاء والحبّ والإطاعة بنفس المصادیق التي بیّنتها الآیة السابقة، فتقول:

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[6].

فلازم الولایة الحبّ، ولازم الحبّ الإطاعة، وهذا كلّه عمل قلبي جوانحي، ولكن هذا العمل الجوانحي یستلزم إظهاره بواسطة الجوارح، فمن كان محبّاً لأمیرالمؤمنین× سیكون مطیعاً له، وهذا ماأكده الإمام الصادق×: «عجبت لمن یدّعي حبّ الله كیف یعصي الله»، فإنّ المحبّ لمن أحبّ مطیع، وعلی هذا یكون التولّي عمل قلبي، وبما أنّ القلب هو سلطان البدن فبصلاحه تصلح الجوارح وبفساده تفسد، وهذا مشابه للملك والرعیّة، فإذا صلح الملك صلحت  الرعیّة لأنّ الناس علی دین ملوكها، فإذا كان القلب یتولّی الله ورسوله وأولیاءه فیحبّهم فیطیعهم فیمتثل البدن للقلب، ویظهر الطاعة علی قدر طاعة القلب وحبّه وانقیاده.

وأمّا التبرّي الذي هو الجناح الثاني في السیر والسلوك إلی الله تعالی، ولكي یصل الإنسان إلی ربّه تعالی لابدّ له من جناحین، أوّلهما التولّي وثانیهما التبرّي.

فالتولّي لله ولرسله ولكتبه ولأولیائه، والتبرّي من أعداء الله ورسوله وأولیائه ومن أعداء فاطمة الزهراء‘، فالذي یعرف فاطمة بأنّها سرّ الوجود لابدّ له أن یتولّاها ویتبرّأ من أعدائها، وممّن ظلمها، وممّن ضربها وأسقط جنینها.

ولهذا قال أمیرالمؤمنین×: «كذب من زعم أنّه یحبّني ویحبّ عدوّي»، وهذا القول الذي صدر من الإمام المعصوم موافق لقوله تعالی:

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾[7].

فلذلك نعجب ممّن یدعي حبّ عليّ× وحبّ عدوّه معاً، ونعجب ممّن یقول إنّ الرجوع إلی أمیرالمؤمنین× وإلی عدوّه هو الرجوع إلی الإسلام، هذا كلام ما أنزل الله تعالی به من سلطان وهو خلاف المنطق، كیف یكونا علی طرفي نقیض والرجوع إلیهما رجوع إلی الإسلام. التولّي والتبرّي عملان قلبیّان، فالأوّل حبّ باطني، والثاني بغض باطني، والأوّل هو حبّ لله ولرسوله ولأمیرالمؤمنین×، والثاني بغض لعدوّ الله ورسوله وعدوّ أمیرالمؤمنین×، فلا یجتمع في قلب واحد حبّ الطیّب وحبّ الخبیث، وحبّ الله تعالی وحبّ عدوّه، لأنّها نقیضان، إن طاب قلبك بحبّ أمیرالمؤمنین× فإنّه یخبث بحبّ عدوه، وهذا القلب لا یمكن أن یكون طیّباً وخبیثاً في آن واحد، فلهذا نجد التركیز في الشریعة الإسلامیة علی التولّي والتبرّي، فلا یمكن أن یدّ,ي أحد التولّي دون أن یبغض عدوّ من یتولّي، لأنّه لو كان یمكن ذلك لصحّ أن نتصالح مع الشیطان ونحبّه، وبما أنّ للشیطان أولیاء فلنحبّ أولیاءه أعداء أولیاء الله تعالی منذ الیوم الأوّل، ومنذ بدء الخلیقة، فالشیطان عدوّ لله تعالی لأنّه تكبّر علی آدم وعصی أمر الله تعالی، فآدم الذي عكس الصفات الإلهیّة والأسماء الحسنی ظهر له عدوّه من لحظة وجوده.

فحبّ الجمیع وعدم كراهیة أحد من الناس هذه مقولة شیطانیة، لأنّ من الناس من هم أولیاء للشیطان، بل هم من شیاطین الإنس، وهذه المقولة تسرّ الشیطان وتفرح حربه، وهذه المعقولة تعمل علی تخریب عقائد البسطاء من الناس، وهذه المقولة من تزیین الشیطان، فتراهم یحسبون أنّهم یحسنون صنعاً وهم لا یعلمون بأنّ هذا خلاف قول أمیرالمؤمنین× الذي قاله في حقّ الأصدقاء فقال×:

«الأصدقاء ثلاثة: صدیقي وصدیق صدیقي وعدوّ عدوّي، والأعداء ثلاثة: عدوّي وعدوّ صدیقي وصدیق عدوّي»[8]، فصدیق عدوّي یعادیني لأنّه صدیق العدوّ، وعدوّ صدیقي یعادیني لما بیني وبین عدوّه من صادقة وهذه مسألة وجدانیة فطریّة حسّیة، وهذا قول أمیرالمؤمنین× وهو الحقّ لأنّ علیاً هو الحقّ والحقّ مع عليّ یدور الحقّ حیثما یدور علي، وهذا لا یمكن إنكاره، فإذا كان الحقّ مع علي فهو قسیم الجنّة والنار، وهو سفینة النجاة، وهو الذي یقول للنار هذا عدوّي فخذیه وهذا ولیّي فدعیه، فإذن الذي ینجو بولایة عليّ× ثلاث طوائف:

أوّلهم ـ صدیق عليّ× أي الذي یصدق مع عليّ× في كلّ شيء كسلمان المحمّدي (رضوان الله علیه) الذي قیل في حقّه: «سلمان منّا أهل البیت»، فلقد كان صدیقاً لأمیرالمؤمنین، بل هو تالي تلو أمیرالمؤمنین× وخیر شاهد علی ذلك هذه القصّة التي ذكرناها سابقاً[9]. وهي عندما أراد الأصحاب أن یدخلوا المسجد ویسبقون سلمان بالحضور إلی جوار عليّ× فلم یتوقّفوا لذلك، إلّا أنّهم في یم ما نظروا إلی الطریق فلم یروا إلّا آثار أقدام عليّ× ففرحوا بذلك وعندما ذهبوا مسرعین وجدوا سلمان عنده فاندهشوا من ذلك وسألوه: من أین أتیت یا سلمان؟ هل نزلت من السماءأم خرجت من الأرض؟ فأجابهم سلمان بكلّ هدوء: إنّي أتیت من نفس الطریق الذي جاء به أمیرالمؤمنین× وكنت أضع قدمي علی موضع قدم أمیرالمؤمنین× لأنّني أعلم أنّه لا یرفع قدماً ولا یضعها الّا بحكمة وعلم، فإنّه یری أنّ خطوات أمیرالمؤمنین× صادقة حتّی في مثل هذا الموقف، فلذلك صار من أهل البیت ومن أهل النجاة.

وأمّا الطائفة الثانية ـ هي «صدیق صدیقي»، أي من كان صدیقاً لسلمان ومن یحذو حذوه، النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، فعندها سیكون محبّاً لأمیرالمؤمنین× ویكون شیعیاً خالصاً مخلصاً، فلو نظرنا إلی الروایات التي تتحدّث عن صفات  الشیعي نجد تقصیراً واضحاً لدینا، لأنّ من صفات الشیعي أنّهم خمص البطون من الجوع، عمش العیون من البكاء، صفر الوجوه من السهر، ومن صفات محبّي أهل البیت^ حبّ العلم والعمل الصالح وبغض الدنیا والسخاء، فهي من صفات المتیقّن الذین إمامهم عليّ×، وهذه صفات الطائفة الثانية فأین نحن من هذه الصفات وهل فینا منها؟

فإذن لا یبقی لدینا أن ننتسب إلی الطائفة الثالثة وهي طائفة «عدوّ عدوّي» هذه لنا ونستطیع أن ندّعي أنّنا أعداء لعدوّ أمیرالمؤمنین× ونطالبه بذلك في یوم القیامة، لاسیّما إنّنا كثیراً ما نقول في زیارة عاشوراء «اللهمّ ألعن أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد وآل محمّد وآخر تابع له علی ذلك»، فهذه برائة معلنة من أعداء آل محمّد| نتقرّب بها إلی الله تعالی، فنأمل النجاة بهذه الرتبة، ولكنهناك من ینجو بالولایة إذا كان من أهلها، وینجو بالطاعة إذا كان من أهل العبادات، أمّا من كان مثلي فكیف یمكن له أن ینجو یوم القیامة؟ لیس له إلّا التبرّي من أعداء أمیرالمؤمنین×، فلا نستمع إلی الأقلام المأجورة ولا نستمع إلی الألسن المرتزقة التي تحاول أن تلمّع شخصیات صدأت، بل هي لیست بشيء منذ الیوم الأوّل للإسلام، وما هي إلّا شیاطین الإنس التي عادت أمیرالمؤمنین وعادت الزهراء وأولادهم^، فكیف لهذه الأقلام الهزیلة تحاول أن تظهر عدوّ أهل البیت بأنّه خدم الإسلام؟ فلا تنجرّوا وراء أفكار سقیمة، ونفوس جشعة، وعقول سطحیة لا تتعمّق في علوم أهل البیت^، فعلیكم بالبراءة وعلیكم بالولایة، وأظهروا مظاهر هذه الولایة، وهذا الحبّ، وعظّموا الشعائر الحسینیة، فإنّها من مظاهر الولایة والبرائة.

والتزموا شعار الولایة الذي هو الصلاة علی محمّد وآل محمّد، فإنّ الصلاة علیهم دعاء لهم لیرع الله تعالی درجاتهم، وكما ورد في الزیارة الجامعة «وصلواتنا علیكم، طهارة لأنفسنا وكفّارة لذنوبنا»[10]، والتزموا أیضاً شعار البرائة الذي هو «لعن أعداء أهل البیت^» وأعداء فاطمة الزهراء‘ وهذا اللعن أیضاً دعاء ولكنّه علی أعداء أهل البیت^ لأنّ معنی اللهمّ العن فلان أي أبعده عن رحمتك، لأنّه لا یستحقّ الرحمة الإلهیة، ولهذا نجد في كلّ زیارة بجانب السلام والتحیّة لهم^ لعناً لأعدائهم وأحیاناً یقدّم اللعن علی السلام، لأنّه بغض، والبغض تخلیة، والحبّ تحلیة، والتخلیة تقدّم علی التحلیة، فعندما نتكلّم عن عظمة الزهراء وعن مظلومیّتها، لأنّ رضا فاطمة رضا الله وغضبها غضب الله، وهذا ما ورد في صحیح البخاري عن الرسول الأعظم|: «من أرض فاطمة فقد أرضاني، ومن أرضاني فقد أرضی الله، ومن أغضب فاطمة فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله»[11]، وتقرأ في نفس الصحیح: «إنّ فاطمة ماتت وهي واجدة علی فلان وفلان»، یعني ماتت سلام الله علیها وهي غاضبة علیهما، فإذن حلّ علیهما غضب الله تعالی، ومن حلّ علیه غضب الله تعالی فهو ملعون بصریح القرآن، ویلعنه الله ویلعنه اللاعنون، لأنّه آذی الله ورسوله وأمیرالمؤمنین×[12]، فهذا هو الحقّ، وعلیك بمعرفة الحقّ لكي تعرف أهله، فاعرف الحقّ تعرف أهله، ولا یُعرف الحقّ بالرجال، بل یُعرف الرجال بالحقّ، فلا تبهر بفلان وفلان، اعرف الحقّ وانظر إلی الحقّ وانظر إلی ما قال لا إلی مَن قال.

ثمّ التبرّي موجود عند كلّ المسلمین، إلّا أنّهم اختلفوا في المصادیق، لأنّ الأمر اشتبه علیهم، ولو عرفوا الحقّ لاتّبعوه،إلّا من كان في قلبه مرض فزادهم الله مرضاً.


 



[1] الحدیث عن أبي عبدالله× قال: قال رسول الله|: «نیّة المؤمن خیرٌ من عمله، ونیّة الكافر شرّ من عمله، وكلّ عامل یعمل علی نیّته» (اُصول الكافي 2: 89).

[2] الحدید: 4.

[3] الأنعام: 127.

[4] ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.

[5] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(النساء: 59).

[6] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة:55)، فإنّ الآیة حصرت الطاعة لله ولرسوله ولعليّ أمیرالمؤمنین لأنّه هو الذي أعطی الزكاة إلی ذلك الفقیر في مسجد رسول الله| وهو في حالة الركوع فأشار بإصعبه إلیه ـ في قصّة مفصّلة، وقد حدث هذا لكلّ الأئمّة، والآیة تعمّ جمیع الأئمة الاثنا عشر كما هو ثابت عندنا ـ وهذا متّفق علیه في كتب التفسیر عند الفریقین.

[7] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: 4).

[8] نهج البلاغة.

[9] جاءت في (عصمة الحوراء زینب‘).

[10] مفاتیح الجنان: زیارة الجامعة الكبری.

[11] صحیح البخاري، الجزء الرابع باب مناقب فاطمة‘.

[12] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: 61)، فالذي یؤذي رسول الله| في نفسه أو في من كنفسه وأعني بذلك علیاً× أو الذي یؤذیه في روحه وأعني بذلك فاطمة لأنّها روحه التي بین جنبیه كما ورد في الحدیث أو في أهل بیته، فإنّه ظالم ومتجاسر ومعتدي فیستحقّ اللعن بصریح القرآن الذي یقول: ﴿ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 18)، ثمّ صرّحت الآیة القرآنیة الكریمة بلعن من آذی الله ورسوله فقالت: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾(الاحزاب: 57).