العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

زینب الكبری سلام الله علیها زینة اللوح المحفوظ

زینب الكبری زینة اللوح المحفوظ[1]

الحمدلله الذي زیّن الإنسان بالعلم، وعلّمه جوامع الكلِم، والصلاة والسلام علی أشرف خلق الله زین الكائنات وفخر الممكنات محمّد وآله الأطهار نور الأخیار وزینة الأبرار.

قال الله تعالی في محكم كتابه الكریم:

﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.[2]

البیّنة في مصطلح  الفقهاء بمعنی الشاهدین العادلین علی واقعة في مقام الشهادة تحمّلها وأدائها، وهذه تسمّی بیّنة شرعیّة وتشریعیة، وفي الكائنات بیّنات تكوینیة، ومن كلّ شيء خلق الله زوجین لیشهدا علی وحدانیة الله سبحانه وتعالی. ففي كلّ شيء له آیة وبیّنة یدلّ علی أنّه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم یلد ولم یولد، ولم یكن له كفواً أحد.

وقصّة عاشوراء والطف الحزینة، إنّما هي ولیدة الزوجین الزكیّین الطاهرین العلویّین الفاطمیّین مولانا الإمام الحسین بن علي سیّدالشهداء ‘، وسیّدة بني هاشم، عقیلة الطالبین سیّدتنا زینب الكبری.

فعاشوراء الإسلام محلّ ولادتها كربلاء الصامدة، أبوها سیّد الشهداء  الإمام الحسین× ومرّبیتها المجاهدة الثائرة زینب الطاهرة. لولاها لكانت عاشوراء الیتیمة تموت في صغرها. إلّا أنّ السیّدة زینب بنضالها وندائها الثوري‘ ربّت عاشوراء تلك الولیدة التي یجري في عروقها دمّ  الله وثاره. فتربّت عاشوراء الحسین في أحضان زینب‘ وترعرعت في جوارها وحجرها المبارك وجهادها الدؤوب، لتكون عاشوراء اُمّ الثورات التحرّریة بین الأجیال في كلّ عصر ومصر، إلی یوم القیامة، فهي المنطلق الثوري للنهضات الإسلامیة إلی یوم الموعود.

ولا یمكن لأحد سوی الله سبحانه والأنبیاء والأوصیاء^ أن یعرفوا مقام اُمّ عاشوراء ومنزلتها في الدارین، فإنّ المعرفة والعلم بالشيء لازمه الإحاطة به، ولا یمكن للناس أن یحیطوا بعاشوراء وجوهریّتها وفلسفتها، ولا بأیها واُمّها.

وزینب الكبری في أدوار حیاتها وسیرتها الذاتیّة[3] تخبرك عن أصالة سماویّة وشجرة نبویّة ودوحة هاشمیّة وترجمة قرآنیّة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهي زینة أبیها أمیرالمؤمنین أسدالله الغالب عليّ بن أبي طالب×، وإنّه لم یفتخر بكتابه العظیم (نهج البلاغه) الذي هو كتاب الحیاة وكتاب السعادة ولا یمكن للبشر أن یعرفوا ما فیه من العظمة والشموخ، إلّا أنّه یفتخر ویتیّن ببنته السیّدة زینب‘.

ولولا الخوف علی عقول الناس، لقیل في مدحها وثنائها ومعرفتها ما یبهر العقول، ویحیّر ذوي الألباب، وقلیل من عبادي الشكور الفكور الصبور.

ولا زالت زینب النبوّة والإمامة، زینب الولایة العظمی أسیرة الهوی، بالأمس كانت أسیرة الظالمین من بني اُمیّة الطغاة وأشیاعهم، والیوم أسیرة العقول الضعیفة، حتّی قالوا عنها: إنّها امرأة عادیّة؟!!

فما نطقت في معرفتها حرفاً، إلّا وتجد نفسك مقیّداً بسلاسل الافتراء والتهمة وأنّ القائل من الغلاة، فزینب العظمة لا زالت أسیرة العقول والأفكار المتخلّفة.

ولا نقول في وصفها وثنائها أنّها الربّ ـ والعیاذ بالله ـ ولكن نقول: هكذا خلقها الربّ جلّ جلاله.

إلّا أنّ الناس بین قالٍ وغال، بین إفراط وتفریط، فكما غالوا في أبیها حتّی قالوا باُلوهیّته ـ والعیاذ بالله ـ وقالوا في حقّه حتّی جعلوه كافراً أو كأحد المسلمین، ولا زال عليّ أمیرالمؤمنین سیّد المظلومین، قد ظلمه التأریخ كولده الحسین، بل وأولاده وذریّته.

وما زال صوته الحزین یدوّي في ضمیر الإنسانیة:

«فیا عجباً  للدهر إذ صرت یقرن بي من لم یسع قدمي».

«أنزلني الدهر حتّی قالوا علي ومعاویة».

وهذه الصرخة الألیمة تسري في كلّ الأزمنة وعلی مدی العصور والألحقاب، حتّی قال ابن أبي الحدید المعتزلي في بیان مقولة أمیرالمؤمنین× أنّه: «أطلق القول إطلاقاً عاماً  مستغرقاً لكلّ الناس أجمعین».

ولا یزال عليّ المرتضی مجهولاً، ولا یزال كلامه القیّم یهتف: «سلوني قبل أن تفقدوني»، وإنّه لا یختصّ بالمسلمین بل هو للبشریة كافة كأخیه النبيّ الأعظم رسول الله|.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ[4].

وعليّ أمیرالمؤمنین نفس رسول الله بنصّ آیة المباهلة، فظلموه وهو یقول: «اللهمّ إنّي أستعیذك علی قریش ومن أعانهم، فإنّهم صغّروا عظیم منزلتي وأجمعوا علی منازعتي أمراً هو لي»[5].

وهكذا ظلموا علیاً وظلموا أولاده، وظلموا زینب بجهلهم بمقامهم الشامخ ومنزلتهم العظیمة.

ولابدّ من حیاة جدیدة لضمیر المجتمع الإسلامي، حتّی یعرف علیّاً وأبناءه  الكرام.

حتّی یعرف النبيّ محمّداً وقرآنه، وعلیّاً ونهجه، وفاطمة ومظلومیّتها، والحسن وسیاسته، والحسین وثورته، وزینب وعاشوراءها، والسجّاد وصحیفته، وهكذا حتّی یعرف المهدي الموعود وفلسفة الانتظار ودولته العالمیة.

كلّ هذه المعرفة إنّما تتمّ بالإیمان بالله سبحانه والعشق بعظمته، وجماله المتجلّي في الكائنات والتعبّد والتسلیم لأمره.

وما نعرفه من زینب الیوم لیس إلّا شبحاً من قدسیّتها وعظمتها، ومن الواضح أنّ الشبح لا یعطي معرفة تمام الشيء وحقیقته.

ثمّ أعداء الإسلام عرفوا أنّ الهجوم العسكري علی البلاد الإسلامیة لتهدیم عقائد المسلمین لا ینفع أو لا یكفي، بل لابدّ من الهجوم الثقافي من الغرب والشرق، بل لابدّ باسم الدین ضرب الدین، وباسم المذهب هدم المذهب من أساسه، حتّی تفقد الاُمّة أصالتها ومجدها العریق ومعتقداتها الصحیحة، فتركن إلی الغرب أو الشرق، مستجدیة متسوّلة متسكعة.

وهذا ما یریده الاستكبار العالمي، فتسمع بین آونة واُخری نغمات ضدّ المعتقدات الدینیة والضرورات المذهبیة، والعجب أنّه من لسان رجال الدین والمتلبّسین بزيّ أهل العلم!!

وأمّا زینب الإسلام فقدرتها تغني حكومة الأخلاق والفداء والتضحیة، وتربیتها یعي الحبّ والعشق الإلهي والذوبان في الله جلّ جلاله، وثقافتها تعني سلامة الفطرة وحكومتها في كلّ مجالات الحیاة علی الصعیدین الفردي و الاجتماعي.

والعشق الإلهي[6] المتجلّي في ثورة عاشوراء إنّما هي شجرة طیّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كلّ حین بإذن ربّها، ثمرتها العصمة، وورقها لإخلاص، وجذورها الطهارة، ودوحتها الجمال، وبهاؤها الجلال .

والعشق إنّما ینبع من سویداء القلب، والقلب حرم الله وعرش الرحمن، والفطرة إنّما تدعوا القلب إلی أن یعرف صاحبه ومالكه وهو الله سبحانه، إلّا أنّ هذا الشیطان الرجیم یسرق بیت الله، وهو قلب المؤمن فإنّه حرم الله وعرشه، فیسرقه ویعشقش فیه ویبیّض ویفرّخ، فیكون عشّ الشیطان وأبنائه وأعوانه وحزبه، فیتنزّل القلب ویعصي الربّ، حتّی ینتكس، فلا یكون وعاء للرحمة الإلهیة وعلم الله سبحانه، ثمّ یموت القلب، فیفقد الإنسان إنسانیّة، فیكون كالحجارة أو أشدّ قسوة، وكالأنعام بل أضلّ سبیلاً.

وكربلاء الحسین وزینب‘ إنّما هي مصارع العشّاق، كما قالها أمیرالمؤمنین علي× حینما جاوز كربلاء: «ها هنا مصارع العشّاق».

وعاشوراء الحسین وزینب‘ إنّما هو كتاب العاشقین الواهین في حبّ الله وجماله.

وزینب بطلة كربلاء، معلّمة العشق الإلهي جیلاً بعد جیل، ترفع إلی السماء جسد أخیها المضرّج بالدماء، محزوز الرأس، مهشّهم الأضلاع، وتقول بكلّ سكنیة ووقار: «اللهمّ تقبّل هذا القربان من آل محمّد|».

ومن یعیش في رحاب زینب العشق یمتلیء قلبه شوقاً للقاء معبوده جلّ جلاله، فیكون لسانه میزان الحكمة، ویده مائدة الكرم، ویحبي بعشق الله، ویرجع القلب إلی مالكه الأصلي التكویني والتشریعي، كلّ هذا ببركة رسالة زینب الرسالیة، رسالة الدم والدموع، رسالة المقاومة والفداء.

زینب الكبری عقیلة بني هاشم اُمّ المصائب وقرینة النوائب، العصمة الصغری والناموس الأكبر، محبوبة المصطفی وزینة المرتضی وشقیقة المجتبی وشریكة الحسین سیّدالشهداء×.

زینب الإنسیة الحوراء بنت سیّدة النساء فاطمة الزهراء ‘، نتیجة النبوّة المحمّدیة وحصیلة الولایة العلویة، وآیة العصمة الفاطمیة، ومرآة المحاسن الحسنیّة، وانعكاس المصائب الحسینیّة، لقد بلغت في المجد غایة حدّها.

والعصفور بقدر همّته یصفق جناحیه لیحلّق في السماء، فما نقول في زینب الحرّة إلّا ما نفهمه بعقولنا القاصرة.

فزینب الدین رضیعة ثدي الرسالة، ربیبة العلم والبسالة، من أنوار المحشر بنت ساقي الكوثر، سیّدة البطحاء خلاصة الخمسة النجباء، ملكیة العرب.

فلو كان النساء بمثل هذي                     لفضّلت النساء علی الرجال

فما التأنیث عیب للشموس                             ولا التذكیر فخر للهلال

ومن ألقابها العلیاء وخصائصها السمحاء[7]: الصدّیقة، العصمة الصغری، ولیّة الله العظمی، ناموسی الكبری، الراضیة بالقدر والقضاء، أمینة الله، عالمة غیر معلّمة، فهیمة غیر مفهّمة، محبوبة المصطفی|، قرّة عین المرتضی×، نائبة الزهراء‘، شقیقة الحسن المجتبی×، شریكة سیّدة الشهداء×، الزاهدة، الفاضلة، العاقلة، الكاملة ، العاملة، العابدة، المحدّثة، المخبرة، الموثّقة، كعبة الرزایا، المظلومة، الوحیدة، عقیلة قریش، الباكیة، الفصیحة، البلیغة، الشجاعة، عقیلة خدر الرسالة، رضیعة ثدي الولایة، روحي أرواح العالمین لها الفداء.

یكفیها شرفاً وفخراً شهادة إمام زمانها سیّد الساجدین وزین العابدین الإمام عليّ بن الحسین×، حیث قال: «بحمدلله إنّك عالمةٌ غیر معلّمة، وفهمیة غیر مفهمّة».

وهذا ممّا یدلّ علی عصمتها، فإنّ العصمة عن الذنوب والمعاصي وكلّ ما یشین ویزري بالإنسان إنّما یكون بالعلم، بأن یعلم منشأ الذنوب، وأنّها تصدر من الجهل والظلمة، كما یعلم نتائجها وآثارها، من الآثار الوضعیّة في الدنیا والعقاب الاُخروي، وهذا العلم یكون بلطفٍ خاصّ من الله سبحانه في الأنبیاء والأوصیاء وفاطمة الزهراء‘، فهم معصومون بعصمة ذاتیّة كلیّة، تمنعهم عن المحارم اختیاراً لا علی نحو القهر والجبر، وفي غیرهم ممّن یحذو حذوهم وینهج منهجهم ویرثهم في علومهم ومعارفهم وأخلاقهم، یعصمون أنفسهم بعصمة أفعالیة كسبیة جزئیّة. فمثل الشهید عليّ الأكبر× والسیّدة زینب الكبری وفاطمة المعصومة بنت الإمام موسی بن جعفر بقم المقدّسة یحملون هذه العصمة.

فسیّدة النساء فاطمة الزهراء‘ هي العصمة الكبری، والسیّدة زینب‘ هي العصمة الصغری، لأنّها عالمة غیر معلّمة، فعلمها من الله سبحانه، یعصمها من الآثام والقبائح، فهي تنوب اُمّها الزهراء‘ في فضائلها وفواضلها وخصالها وخصائصها وعصمتها وعفّتها ونورها وشرفها وبهائها، فكانت تنطق بالحكمة والعلم والأدب والمعرفة والعصمة من محاسن خلالها، فلم یُرَ أكرم منها أخلاقاً ولا أنبل فطرةً ولا أطیب عنصراً ولا أخلص جوهراً في النساء بعد اُمّها سیّدة العالمین.

فهي مجمع الفضائل ومنبع المكارم، حازت من الصفات الكریمة والسجایا الحمیدة ما لم یحزها بعد اُمّها أحد حتّی حقّ أن یقال: هي الصدّیقة الصغری، فهي من الصبر والثبات وقوّة الإیمان والتقوی یضرب بها المثل الأعلی. وخیر شاهد حیاتها الطیّبة وسیرتها الذاتیّة المباركة ورباطة جأشها في قصّة كربلاء ویوم عاشوراء.

إنّ المقامات  العرفانیّة الخاصّة بزینب‘ تقرب من مقامات الإمامة، فإنّها لمّا رأت حالة زین العابدین× حین رأی أجساد أبیه وإخوته وعشریته وأهل بیته علی الثری صرعی مجزّرین كالأضاحي وقد اضطرب قلبه واصفرّ وجهه، أخذت‘ في تسلیته تصبّره قائلةً: «ما لي أراك تجود بنفسك یا بقیّة جدّي وأبي وإخوتي، فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلی جدّك وأبیك، ولقدأخذ الله میثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في السماوات أنّهم یجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة، فیوارونها وینصبون بهذا الطفّ علماً لقبر أبیك سیّدالشهداء لا یدرس أثره ولا یمحی رسمه علی كرور اللیالي والأیّام، ولیجتهدنّ أئمّة الكفر وأتباع الضلال في محوه وتطمیسه فلا یزداد أثره إلّا علوّاً»[8].

وقد ائتمنها الإمام علی أسرار الإمامة، وهذایدلّ علی عصمتها، كما لم یذكر التأریخ رغم كثرة أعداء أهل البیت^ ما یشین بها وینقص من شأنها ویبطل عصمتها، فهي بنت الوحي وربیبة الرسالة، تربّت في مدرسة الأعظم وأمیرالمؤمنین وسیّدة نساء العالمین وسیّدي شباب أهل الجنّة^، ومن تعلّمت في مثل هذه المدرسة الإلهیّة كیف لا تكون معصومة في أفعالها وحیاتها؟ فسلام الله علیها أبد الآبدین، من بدو الخلق إلی یوم الدین.

ومن خصائصها، حملتها اُمّها كرهاً ، كإخوتها^، فالزهراء من حین حملها إلی یوم ولادتها كانت مهومة، وقد اُخبرت من قبل بمصائبها، وما یجري علیها من الآلام والمحن.

روي أنّ زینب بنت عليّ بن أبي طالب× لمّا ولدت اُخبر بذلك رسول الله| فجاء إلی منزل فاطمة‘ وقال: یا بنتاه، ایتیني ببنتك المولودة، فلمّا أحضرتها أخذها رسول الله| وضمّها إلی صدره الشریف، ووضع خدّه المنیف علی خدّها، فبكی بكاءً عالیاً، وسال الدمع علی محاسنه الشریفة جاریة، فقالت فاطمة: لماذا بكاؤك، لا أبكی الله عینیك یا أبتاه؟ فقال|: یا بنیّه فاطمة، اعلمي أنّ هذه البنت بعدك وبعدي تبتلي بالبلایا، وترد علیها المصائب شتّی ورزایا، فبكت فاطمة‘ عند ذلك، ثمّ قالت: یا أبَ، فما ثواب من یبكي علیها وعلی مصائبها؟ فقال: یا بضعتي وقرّة عیني، إنّ من بكی غلیها وعلی مصائبها كان ثواب بكائه كثواب من بكی علی أخویها، ثمّ سمّاها زینب[9].

وزینب اشتقّ من زَنِبَ ـ كفرِح ـ بمعنی السمن، وسمن كلّ شيء بنسبته، فسمن الحیوان بمعنی كثرة لحمه، وسمن النبات بمعنی نظارتها وكثرة ثمراتها، وسمن الإنسان بمعنی حمله صفات الكمال والجمال.

أو زینب بمعنی الشجرة الطیّبة الحسنة الصورة، أو بمعنی زین أب، ولكثرة الاستعمال اُسقط الألف، وعند بعض أهل المعرفة إنّما اُسقط الألف لعدم الفصل بینها وبین أبیها. فزینب زینة أبیها أمیرالمؤمنین بكمالاتها وخصائصها وخصائلها.

وأبوها أسدالله الغالب عليّ بن أبي طالب× إنّما هو زینة الكون، وزینة الوجود وما خلقه المعبود، فزینب زینة الزینة لهذا العالم الرحب، وكانت كاُمّها الزهراء «اُمّ أبیها» فصارت «زینة أبیها» ورثت اُمّها في عصمتها وعلومها ومصائبها.

والأسماء تنزل من السماء، إلّا أنّ الله قد شرّف بعض أولیائه وأنبیائه أنّ سمّاهم بنفسه، كآدم ویحیی ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً[10]، وعیسی المسیح ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى[11] والنبيّ الأكرم ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [12] وعلي اشتقّ من العليّ والحسن والحسین وزینب الكبری.

كما ورد في الخبر الشریف عندما قدّمت فاطمة بنتها إلی زوجها أمیرالمؤمنین لیسمّیها فقال: لا أسبق رسول الله|، ولمّا كانت بین یدي الرسول لم یسمّها لكي لا یسبق الله سبحانه، فنزل جبرئیل الأمین وقال: إنّ الله یقرئك السلام ویقول: سمّها زینب، كما سمّیت في اللوح المفحوظ.

فزینب زینة اللوح المحفوظ، كما أنّ أباها أمیرالمؤمنین علي× زینة عرش الله.

یا ربّ جوهر علمِ لو أبوح به                 لقیل لي: أنت ممّن یعبد الوثنا

رضینا بقسمة الجبّار فینا                       لنا علمٌ وللأعداء مال

وآخر دعوانا أن الحمدلله ربّ العالمین.



[1] محاضرة إسلامیة ألقاها الكاتب في حسینیة النجف الأشرف بقم المقدّسة لیلة میلاد السیّدة زینب الكبری‘ في احتفال بهیج (5 جمادی الاُولی سنة 1419هـ).

[2] الذاریات: 49.

[3] لقد ذكرت حیاتها ولقطات من سیرتها المباركة في كتاب (عقبات الأنوار)، مطبوع، فراجع.

[4] الأنبیاء: 107.

[5] منهاج البراعة؛ للخوئي 10: 128، الخطبة 171.

[6] عظمة الإنسان إنّما هو بنفسه الناطقة ـ القوّة العاقلة ـ القابلة للتحلّي بالصفات الكمالیة والملكات الجمالیة بالفطرة السلیمة المباركة والعقل الدرّاك السلیم. ولما یحمل الإنسان من الصفات الحیوانیة والسجایا الانسانیة التي تتجلّی فیها الخلافة الإلهیة في أسماء الله وصفاته، فإنّه بین أن یكون في أعلی علّیین بعبادته وتقرّبه إلی صانعه، وبین أن یكون في أسفل السافلین قلبه كالحجارة أو أشدّ قسوة، وهو كالأنعام بل أضلّ سبیلاً. والمحاسن والكمالات إمّا أن تكون تكوینیة أو تشریعیة، وكلّ واحدة إمّا جسمانیة أو روحانیة، فما تعلّق بالهیئة الصوریة أعني الخلقة البشریة جسمانیة، وما تعلّق منها بالنفس الناطقة فهي روحانیة، كالعلم والعشق والحلم وما شابه ذلك.

وبهذه الكلمات الروحیة یتشرّف الإنسان بقوله تعالی: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ویتزیّن بقوله تعالی:  ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ لا بالجمال الظاهري الجسمي.

ویا للأسف إنّ أكثر الناس لا یفقهون ولا یعلمون، فقد صرفوا عمرهم وهمّهم في تجمیل أجسادهم، وقد نسوا أنفسهم، ونسوا الله عزّوجلّ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾.

[7] جاء شرح وبیان هذه الخصائص في كتاب (الخصائص الزینبیّة) للآیة العظمی السیّد نور الدین الجزائري الحائري المتوفّی سنة 1384 هـ ق، وقد ترجم إلی اللغة العربیّة، كما صحّحه أوّلاً: م ق تاج الدین وطبع من قبل مكتبة الإمام المهدي×، وصحّحه وعلّق علیه أیضاً الفاضل المعاصر الشیخ ناصر الباقري البیدهندي وطبع بطباعة جیّدة  من قبل مسجد جمكران بقم المقدّسة.

[8] كامل الزیارات: 261.

[9] الخصائص الزینبیّة: 155، وعندنا روایات كثیرة في فضل البكاء علی سیّدالشهداء×، فقد ورد في الصحیح: من بكی أو تباكی علی الحسین فقد وجبت له الجنّة. وقال أبوعبدالله× في حدیث طویل له: ومن ذكر الحسین× عنده فخرج من عینیه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه علی الله عزّوجلّ، ولم یرضَ له بدون الجنّة. وورد أنّ الحسین× علی یمین العرش ینظر إلی زوّاره، وإنّه ینظر إلی من یبكیه فیستغفر له ویسأله أباه الاستغفار له یقول: أیّها الباكي لو علمت ما أعدّ الله لك لفرحت أكثر ممّا حزنت، وإنّه لیستغفر له من كلّ ذنب وخطیئة. وقال أبوعبدالله×: من ذكرنا عنده ففاضت عیناه ولو مثل جناح الذباب غفر له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر (كامل الزیارات: 201، الباب 32).

[10] مریم: 7.

[11] الصفّ: 6.

[12] آل عمران: 45.