العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الولاية لغةً واصطلاحآ

الولاية  لغةً  واصطلاحآ

 

 

قبل الدخول في صلب الموضوع لا بدّ أوّلا، من تسليط الضوء على كلمة الولاية لغةً واصطلاحآ.

فهي لغةً  : بمعنى تولّي الأمر، من ولي بمعنى قرب ولصق وما كان مرادفآ وردفآ للغير من دون حاجب وفاصل ، فالولاء والتوالي هو أن يحصل شيئان فصاعدآ حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلک للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ، ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد[1] .

 

فالوليّ هو القريب ، فيقال : هذا يلي هذا أي يقرب منه .

واصطلاحآ : بمعنى القرب الخاصّ ، ويعني : التقرّب إلى الله سبحانه في مقام المحبّة والطاعة . فوليّ الله المحبّ لله، والواله فيه ، والمطيع له ، والمتابع له فيما يحبّه ويرضاه ، ويبغضه ويسخطه .

فيمكن أن نذهب إلى أنّ الولاية بمعنى القرب الخاصّ في الاُمور المعنويّة والروحيّة والقلبيّة ، فهي باعتبار الإنسان من الأفعال الجوانحيّة التي تظهر آثارها
على الجوارح . وربما من هذا المنطلق كان لوليّ الطفل من حقّ التصرّف في أمواله ما

ليس لغيره لقربه منه ، وكذلک وليّ الميّت ، فإنّه في الفقه الإسلامي جعل أقرب الناس للميّت ، فوجّب عليه ما لم يوجّب على أحد غيره ، إلّا أنّ الولاية في الأحياء ولا سيّما ولاية الوليّ الإمام تختلف جوهريّآ مع ولاية وليّ الميّت ، كما هو ثابت في محلّه ، فأصل الولاية بمعنى القرب .

ويتّضح هذا المعنى عندما يقال : «الله وليّ عباده » فإنّه يعني أنّه أقرب من كلّ قريب إليهم  :

(وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَريدِ)[2] .

 

والمراد من قرب الله والتقرّب إليه هو القرب المعنوي والروحاني ، وليس المادّي والجسمي ، فإنّه سبحانه وتعالى منزّه عن المكان والجسم والتركيب ، لغناه في ذاته .

فالمقصود من «الله وليّ عباده » أنّه يدبّر اُمورهم ، ويصلح شأنهم في حياتهم الدنيويّة من توفيق وهداية ، كما في الآخرة من عفو ومغفرة وعلوّ مقام ودرجات .

وإذا قيل : «النبيّ وليّ المؤمنين » فهو يعني الحكومة عليهم ، وأنّه أولى بهم في التصرّف ، فهو حاكم من حيث التدبير والتوجيه والإرشاد والتعليم والتربية ، كما هذا المعنى يصدق على الإمام المعصوم الذي يستخلف النبيّ في حفظ الرسالة من الضياع والعدم ، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم  :

(إنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسولَهُ وَالَّذينَ آمَنوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبونَ )[3] .

 



فالوليّ الأوّل المطلق هو الله سبحانه ، ثمّ رسوله  9، ثمّ الأئمّة الهداة  :،

ومن يتبعهم ويتولّاهم في كلّ شيء على نحو الإطلاق لما عندهم من العصمة المطلقة ، فإنّه يكون من حزب الله ومن حزبهم ، وهم الغالبون ، وإلّا فمن قصّر في التولّي ، بأن لم يتولّ الله أو لم يتولّ الرسول أو لم يتولّ المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، وهو أمير المؤمنين علي  7 كما جاء في التفاسير والأحاديث والتأريخ الإسلامي ، كما يشهد بذلک الفريقان ـالسنّة والشيعة ـ فإنّه ناقص في إيمانه وإسلامه، وفي ولايته لله سبحانه ولرسوله  9.

فقوله تعالى : (وَلِيُّكُمُ ) شمل ولاية الله عزّ وجلّ ، وولاية الرسول ، وولاية الذين آمنوا.

فهذه الولايات كلّها واحدة ، بدليل (حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبونَ )، فيدلّ على أنّ ولاية النبيّ  9 والذين آمنوا إنّما هي من سنخ ولاية الله عزّ وجلّ ـفإنّ السنخيّة علّة الانضمام كما عند الفلاسفة ـ.

وهذه الولاية منحصرة وحقيقة واحدة لمكان (إنَّما) الدالّة على الحصر ـكما في علم اللغة والأدب العربي ـ فلو كانت الولاية المشتركة هنا مختلفة المعنى في المشتركين ، لكان المفروض أن تجمع كلمة (وَلِيُّكُمُ ) ويقال (أولياؤكم )، أو تفرد الولاية لله عزّ وجلّ ثمّ للاخرين ، تأمينآ عن اللبس في معناها، كما في مقام الإطاعة في قوله تعالى  :

(يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الأمْرِ مِنْكُمْ )[4] .

 

فإنّ الإطاعة الاُولى عقليّة وإرشاديّة ، ولكن الثانية شرعيّة ومولويّة .


والمقام في آية الولاية مقام الحصر، وقد عطف الله تعالى على ولايته ولاية الرسول والذين آمنوا، وهذا يدلّ بقوّة على وحدة الولاية .

والولاية ـكما مرّـ بمعنى تولّي الأمر، فالرسول الأكرم ووصيّه  8 لهما حقّ ولاية الأمر على الناس ، فيطلق على كلّ واحد منهما وليّ المؤمنين .

والوليّ والمولى يستعملان في ذلک ، كلّ واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي ، وفي معنى المفعول أي الموالى ، فيقال للمؤمن : هو وليّ الله، ولم يرد مولاه ، ويقال : الله وليّ المؤمن ومولاه .

ومعنى الولاية بين الشيئين هي المتابعة ، فلمّـا كان الرسول والإمام الوصيّ  8 أولياء المؤمنين ، كان حقّآ عليهم موالاتهم ومتابعتهم الكاملة بالقول والفعل ، في الظاهر والباطن ، وإبراز الطاعة المطلقة لهما لعصمتهما.

فالناس كلّهم تحت ظلّ ولاية الله عزّ وجلّ المطلقة أوّلا، فالكلّ متعلّق به تعالى ، فإنّ الإنسان في وجوده يعيش الفقر بكلّ معانيه ، وإن تصوّر الغنى أحيانآ، ويطغى أن رآه استغنى ، فهو تصوّر خاطئ ، ويصاحب هذا الفقر والتعلّق بالله الخالق سبحانه وتعالى أنواع العنايات الربّانية المفاضة على الدوام على الإنسان ، وبها يعيش هذا الكائن الضعيف ، ويطلّ على الحياة ويشرف على طبيعتها، فلولا تلک العنايات لهلک الإنسان من لحظته ، لأنّه كما في أصل وجوده وحدوثه متوقّف على الله سبحانه ، فكذلک في بقائه وحياته متّصل برحمة الله تعالى ، فلإمكانه الذاتي يفتقر إلى علّة محدثة ومبقية ، ففي واقعه وباطنه منقطع إلى الله سبحانه ومفتقر إليه ، وهذا معنى العبوديّة لله جلّ جلاله ، ومعنى الدعاء حقيقة ، كما هو ثابت في محلّه .

قال عزّ من قائل  :


(نَحْنُ أوْلِياؤُكُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا وَفي الآخِرَةِ )[5] .

 

فالواجب على الإنسان بحكم العقل والفطرة ، كما في كلّ الشرائع السماوية أن يوالي الله سبحانه ويعترف ويتمسّک بولاية الله تعالى ، ولكن بسبب النفس الأمّارة بالسوء، ومتابعة الشيطان وغلبة الأهواء والاغترار بالأباطيل والمنى ، وما إلى ذلک من أسباب خروج الإنسان من ولاية الحقّ تعالى ، ليتبع ولايات اُخرى مزيّفة لا واقع لها، كولاية الشيطان والطاغوت وما شابه ذلک ، ولكن يبقى في صميم نفسه وواقعه يحسّ بالحرمان والفقر الروحي  :

(أنْتُمُ الفُقَراءُ)[6] .

 

ومن المعلوم أنّ المحتوى الأصيل والنافع لكمال الإنسان إنّما هو الإعداد الروحي وما يختزله الإنسان من روح في عمقه ووجوده ، ولكن مع ابتعاده عن الله عزّ وجلّ يبقى متعلّق به ، لأنّ الافتقار والاحتياج لإمكان الإنسان يلازمه ، كملازمة الشعاع للشمس والزوجية للأربعة  :

(يُحْيي وَيُميتُ وَما لَكُمْ مِنْ دونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ)[7] .

 

فإنّ هذه الآية الشريفة تشير إلى التعلّق الدائمي والافتقار الأبدي .

فيصحّ أن يقال أنّ الإنسان عندما يلتقي بربّه الكريم ، ويطلّ على أحكامه وشرائعه ، فإنّه يكون قد انفتح بكلّ وعيه على ربّه وخالقه ، ودخل في ولاية الله سبحانه وتعالى ، فتشمله الرحمات الإلهية والعنايات الربّانية والنظرات الملكوتية ،
ليقفز بخطوات واعية وعميقة وسريعة وكبيرة نحو الهدف الأسمى في موكب الكمال ومسيرة التكامل ، وكذلک عندما يعلن ولائه ومتابعته لرسل الله والأوصياء والأولياء.

كما يصحّ عكس ذلک ، فكلّما ابتعد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى ، فإنّه يخرج عن ولايته العنائية رويدآ رويدآ، إلى أن يلتقي مع الخطوط التي تصطدم مع فكرة التوحيد، فيلتقي مع ولاية الشيطان ، ومن هذا المنطلق يتّجه نبيّ الله إبراهيم الخليل  7 في حواره مع عمّه آزر الذي يعدّ عند العرف بمنزلة الأب  :

(يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّکَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيَّآ)[8] .

 

فالإنسان بين ولايتين : إمّا ولاية رحمانية أو ولاية شيطانية ، وإذا خرج عن ولاية الله فإنّه يدخل تحت ولاية الشيطان من الجنّ والإنس ، فينفتح على ولاية اُناس غير شرعيّين تمثّل بهم الشيطان فيواليهم ، قال سبحانه  :

(آتَّخَذوا الشَّياطينَ أوْلِياءَ مِنْ دونِ اللهِ)[9] .

 

(أفَحَسِبَ الَّذينَ كَفَروا أنْ يَتَّخِذوا عِبادي مِنْ دوني أوْلِياءَ)[10] .

 

ثمّ لا يخفى أنّ الانخراط والانسلاک في ولاية الشيطان وحزبه يقود الإنسان إلى الصنميّة والتحجّر ومصادرة الإرادات والحرية الإنسانية ، واضمحلال وذوبان الصفات البشريّة ، حتّى يؤول الأمر إلى أن يكون الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات ـوقد جعله الله خليفته في الأرض ـ كالأنعام ، بل أضلّ سبيلا.


ثمّ يبيّن سبحانه وتعالى تلک الولايات الزائفة والباطلة التي لا تحمل في عمقها أي معنى من معاني الكمال والقوّة ، كما هو الحال في ولاية الله عزّ وجلّ بأنّها كبيت العنكبوت  :

(مَثَلُ الَّذينَ آتَّخَذوا مِنْ دونِ اللهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبوتِ آتَّخَذَتْ بَيْتآ وَإنَّ أوْهَنَ البُيوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبوتِ )[11] .

 

إنّها ولاية أرهف من خيوط العنكبوت ، إنّها تختزل في واقعها الفشل والمأساة والانحطاط .

أجل ، إنّ مسألة الولاية مسألة المصير والمستقبل ، فهناک الولاية التي تقودک إلى الانهيار والخلود في النار وإلى عالم الضباب في حياة مجهولة ، وهي ولاية الطواغيت والشياطين من الجنّ والإنس  :

(وَالَّذينَ كَفَروا أوْلِياؤُهُمُ الطَّاغوتُ يُخْرِجُهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ )[12] .

 

فهي ولاية الظلمات بعضها فوق بعض .

(يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا اليَهودَ وَالنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللهَ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمينَ فَتَرى الَّذينَ في قُلوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعونَ فيهمْ يَقولونَ نَخْشى أنْ تُصيبَنا دائِرَةُ فَعَسى اللهَ أنْ يَأتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَصْبَحوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمينَ وَيَقولُ الَّذينَ آمَنوا أهؤُلاءِ الَّذينَ أقْسَموا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فَأصْبَحوا خاسِرينَ يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأتي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبَّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ
يُجاهِدونَ في سَبيلِ اللهِ وَلا يَخافونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِکَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليمٌ إنَّما وَلِيَّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسولَهُ وَالَّذينَ آمَنوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبونَ
)[13] .

 

(هُنالِکَ الوَلايَةُ للهِ الحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابآ وَخَيْرٌ عُقْبآ)[14] .

 

(لا تَتَّخِذوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلـْقونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ )[15] .

 

كما هناک الولاية الحقّة التي تسوقک إلى الخير والجنان وحياة سعيدة ملؤها السرور والحبور ويسودها العدل والنور :

(اللهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ)[16] .

 

(ألا إنَّ أوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ الَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وَفي الآخِرَةِ لا تَبْديلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِکَ هُوَ الفَوْزُ العَظيمُ )[17] .

 

وإنّما تتمّ الولاية لله لو تبرّأ المؤمن من الولايات المزيّفة ، فإنّه يعيش الولاء والعداء، الرفض والإيجاب ، التولّي والتبرّي .

التولّي لله ولمن أمر بولايته ، والتبرّي من أعداء الله جلّ جلاله ، ولمن أمر الله بعدائه وبغضه ومحاربته .

ولخطورة مسألة التولّي والتبرّي أعدّها الفقهاء الأعلام من فروع الدين ،
وجاء التأكيد عليها ضمن النصوص الشرعيّة خصوصآ في الزيارات والأدعية .

يكفيک شاهدآ زيارة عاشوراء لسيّد الشهداء الإمام الحسين  7، فإنّه في مقاطع كثيرة تؤكّد مسألة الموالاة والبرائة ، الموالاة لخطّ الإمام الحسين  7 الذي يمثّل الحقّ والولاية الإلهيّة ، والبراءة من خطّ الباطل والولاية الشيطانية التي يمثّلها يزيد الفاسق ومن دار في فلكه : «برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم يا أبا عبد الله، إنّي سلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم ، ووليّ لمن والاكم ، وعدوّ لمن عاداكم إلى يوم القيامة ... إنّي أتقرّب إلى الله وإلى رسوله وإلى أمير المؤمنين وإلى فاطمة وإلى الحسن وإليک بموالاتک وبالبرائة من أعدائک وممّن قاتلک ونصب لک الحرب ، وبالبرائة ممّن أسّس أساس الظلم والجور... برئت إلى الله وإليكم منهم وأتقرّب إلى الله ثمّ إليكم بموالاتكم وموالاة أوليائكم وبالبراءة من أعدائكم ... اللهمّ إنّي أتقرّب إليک في هذا اليوم وفي موقفي هذا وأيام حياتي بالبراءة منهم واللعنة عليهم وبالموالاة لنبيّک وآل نبيّک عليهم السلام ...».

وهناک المئات بل الاُلوف من النصوص الدينية[18]  التي تؤكّد هذه المسألة  

المصيرية في حياة الإنسان ، فإنّه عندما يعلن ولائه إلى جهة وبراءته من اُخرى ، فإنّه بذلک يريد أن يوسّع نطاق الاُولى ويحجّم الثانية . والمؤمن لا يمكنه أن يعلن ولائه لأهل البيت  : ولخطّ الحسين  7 وليزيد السفّاک اللعين في نفس الوقت ولأعداء أهل البيت  :، فهذا من المستحيل  :


(وَما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قِلـْبَيْنِ في جَوْفِهِ )[19] .

 

قلب يحمل الولاء للحقّ وقلب يحمل الولاء للباطل ، قلب يحبّ هؤلاء وقلب يحبّ أعداءهم ، فهذا أمر لا يعقل ، كما جاء في الأخبار المرويّة عن أهل البيت  : أنّه لا يمكن أن يجمع بين حبّهم وحبّ عدوّهم[20] ، لتعارض الولايتين ، فلا يمكن جمع

المتناقضات ، إلّا في حالة النفاق ، والمنافق في الدرک الأسفل من النار.


 

 



[1] ()  مفردات الراغب : 572.

[2] ()  ق : 16.

[3] ()  المائدة : 55 ـ 56.

[4] ()  النساء: 59.

[5] ()  فصّلت : 31.

[6] ()  فاطر: 15.

[7] ()  التوبة : 116.

[8] ()  مريم : 45.

[9] ()  الأعراف : 30.

[10] ()  الكهف : 102.

[11] ()  العنكبوت : 1.

[12] ()  البقرة : 257.

[13] ()  المائدة : 51 ـ 56.

[14] ()  الكهف : 44.

[15] ()  الممتحنة : 1.

[16] ()  البقرة : 257.

[17] ()  يونس : 62.

[18] ()  لقد ذكرت تفصيل ذلک في كتاب (هذه هي البراءة ـالتبرّي واللعن على ضوء القرآنوالسنّة ـ)، فراجع .

[19] ()  الأحزاب : 4.

[20] ()  لقد ذكرت تفصيل ذلک في كتاب (الأصل حبّنا أهل البيت  :)، فراجع .