العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الولاية في السنّة الشريفة 1

 

 

 

 

الولاية  في  السنّة  الشريفة

 

 

ويسألونک عن الولاية ، فقل  :

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم  :

(وَمَنْ يُؤْتى الحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْرآ كَثيرآ)[1] .

 

  ـ  وقد ورد في الخبر الصحيح عن مولانا الإمام الناطق جعفر بن محمد الصادق  7: أنّ الحكمة والخير الكثير هي ولاية عليّ بن أبي طالب والأئمة المعصومين من ولده الأطهار  :، وأمّا ما سواها فهي الدنيا الدنيّة التي يقول عنها ربّ العالمين  :

(وَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ قَليلٌ )[2] .

 

فالولاية خيرٌ كثير، والدنيا متاع قليل .

وإنّ المسافر إنّما يحمل متاعآ بمقدار سفره ، والدنيا إنّما هي دار ممرّ، وليست دار مستقرّ، وإنّ الإنسان ذاهب إلى ربّه الكريم وكادح إليه فملاقيه ، ويدخل جنان
الله وينال رضوانه ، وترفع درجاته بالإيمان والعلم ، وبالمعرفة والولاية ، وإنّها روح

الدين وحقيقته ، كما هي قمّة الكمال وذروته ، وقيمة الإنسان وعظمته وكرامته وشرفه بعلمه ومعرفته ، فقيمة كلّ امرئ ما يحسنه ، وطوبى لمن عرف قدر نفسه .

فما هذه الولاية التي تعدّ من الخير الكثير، والتي تقابلها الدنيا وما فيها لتكون من المتاع القليل ؟

وما مرتبة الولاية في حياة المؤمن الدنيوية والاُخروية ؟ فهل تعدّ من أهمّ أركان الدين ؟ بل هي حقيقة الدين ! ولولاها لضاع الإنسان وتاه في ظلمات الحياة وفي غياهب الضلالات ، وخسر الدنيا والآخرة وذلک هو الخسران المبين .

فما هذه الولاية ؟ هل تعني الأولى بالتصرّف ؟ أو الطاعة ؟ أو الحبّ والمودّة ؟ أو الإتمام ؟ أو أنّها سرّ من أسرار الله؟ أو ذكر فضائل أحبّاء الله ومثالب الأعداء؟ أو المعرفة ؟ أو غير ذلک ؟ أو كلّ هذه المعاني ؟

فما هذه الولاية العظمى التي تشرّف بها أنبياء اُولي العزم ؟ أو أصبحت حصن الله الحصين ؟

وما هذه الولاية الكبرى التي من اعترف بها وتقبّلها بقبولٍ حسن ، شرف وعظم وحَلى ، ومن أنكرها خبث وذلّ وأصبح مرّآ؟

  ـ  فما هذه الولاية التي يقول عنها رسول الله  6: الروح والراحة والفلح والفلاح والنجاح والبركة والعفو والعافية والمعافاة والبشرى والنضرة والرضا والقُرب والقرابة والنصر والظفر والتمكين والسرور والمحبّة من الله تبارک وتعالى على من أحبّ عليّ بن أبي طالب ووالاه وائتمّ به وأقرّ بفضله وتولّى الأوصياء من بعده[3] .

 



  ـ  وما هذه الولاية التي يقول عنها الإمام الصادق 7: والله ما استوجب

آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلّا بولاية عليّ بن أبي طالب  7، ولا كلّم الله موسى تكليمآ إلّا بولاية عليّ  7، ولا أقام الله عيسى بن مريم آيةً للعالمين إلّا بالخضوع لعلي  7[4] .

 

  ـ  وما هذه الولاية التي من مات عليها مات شهيدآ، وغُفرت له ذنوبه ، واُدخل الجنّة .

  ـ  وإنّا على جنازة الميّت من الموالين لأهل البيت  : في التكبيرة الرابعة من صلاته نقول : «اللهمّ اغفر لهذا المسجّى قدّامنا فإنّا لا نعلم منه إلّا خيرآ»، أي الخير الكثير الذي هو عبارة عن الحكمة التي هي الولاية ، ففي تلک اللحظة لا نعلم منه إلّا هذا الخير، وأمّا ذنوبه فربما غفرها الله سبحانه ، فإنّه يغفر الذنوب جميعآ إلّا ما اُشرک به .

وأمّا إذا كان الميّت من المخالفين للولاية فإنّه يقال على جنازته في التكبيرة الرابعة : «اللهمّ العن هذا المسجّى قدّامنا»[5] ، أي أبعده عن رحمتک الإلهية الواسعة

لإنكاره الولاية ، وإنّه يحشر مع الكفّار والمشركين في جهنّم وبئس المصير، وإن كان يحكم عليه في حياته الدنيا بأحكام المسلمين من الطهارة والزواج والوراثة وما شابه ذلک .

فما هذه الولاية التي توجب الرحمة ، وإنكارها يستوجب اللعن والطرد عن الله سبحانه وتعالى ؟


  ـ  فما هذه الولاية التي نادى بها جبرئيل في غزوة حينما ضاق صدر النبيّ  9 فقال : «نادِ عليّآ مظهر العجائب ، تجده عونآ لک في النوائب ، كلّ همّ وغمّ سينجلي بولايتک يا عليّ يا عليّ يا عليّ»[6] .

 

فالهمّ إنّما هو على المستقبل المجهول ، والغمّ على ما فات ، وهما يوجبان الهرم السريع والشيخوخة قبل أوانها، إنّما يزول الهمّ والغمّ وينجلي بالولاية ، حتّى لمثل أشرف مخلوقات الله سبحانه ، الذي لولاه لما خلق الله الأفلاک ، ذاک النبيّ المصطفى أشرف خلق الله وسيّد المرسلين محمد  9.

  ـ  فما هذه الولاية التي ورد في الخبر الصحيح في الحديث القدسي عن الله سبحانه : «ولاية عليّ بن أبي طالب حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي »[7] ؟

كما ورد في الخبر الشريف الصحيح «كلمة لا إله إلّا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي »[8] ، فأيّ علاقة وثيقة بين حصن التوحيد وحصن الولاية ؟ وهل

هي إلّا من صميم التوحيد وحقيقته ؟!!

فكلمة «لا إله إلّا الله حصني » و«ولاية عليّ بن أبي طالب حصني » مع حذف الحدّ الوسط المتكرّر تكون النتيجة «لا إله إلّا الله ولاية عليّ» وعكسها «ولاية عليّ لا إله إلّا الله»، وهذا يعني أنّ حقيقة التوحيد هي الولاية ، كما أنّ حقيقة الولاية هي التوحيد، فالتوحيد باطن الولاية ، والولاية ظاهر التوحيد، ولا تتمّ معرفة الله سبحانه إلّا بمعرفة أولياء الله محمّد وآله الطاهرين الأئمة المعصومين  :،
فالتوحيد الكامل إنّما يكون كماله بالولاية ، ولولاها لكان كالحصن المنهدم جدار منه ، فلا يكون آمنآ، ويدخل فيه الكفر والشرک والعذاب ، فكمال التوحيد وتمامه بالمعرفة والولاية .

ثمّ يا هذا، إنّ جبل عقيق من بين جبال الأرض أوّل من أقرّ بالولاية ، فتشرّف على الجبال ، حتّى استحبّ التختّم به ، ولا تردّ اليد التي فيها من العقيق من الإجابة .

وإنّ الفاكهة إنّما حلت وصارت لذيذة شهيّة بقبولها الولاية ، وأمّا التي صارت مرّة وخبثت فلعدم قبولها الولاية .

  ـ  قال أمير المؤمنين  7: إنّ الله تبارک وتعالى طرح حبّي على الحجر والمدر والبحار والجبال والشجر، فما أجاب إلى حبّي عذب وطاب ، وما لم يجب إلى حبّي خبث ومرّ[9] .

 

  ـ  فعن أبي عبد الله  7 قال : خرج الحسين بن علي  8 على أصحابه فقال : أيّها الناس ، إنّ الله عزّ وجلّ ذكره ، ما خلق العباد إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه . فقال له رجل : يا بن رسول الله، بأبي أنت واُمّي ، فما معرفة الله؟ قال : معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته .

قال الشيخ الصدوق عليه الرحمة : يعني بذلک أن يعلم أهل كلّ زمان أنّ الله هو الذي لا يخلّيهم في كلّ زمان من إمامٍ معصوم ، فمن عبد ربّآ لم يقم لهم الحجّة فإنّما عبد غير الله عزّ وجلّ .


وقال العلّامة المجلسي عليه الرحمة : لعلّه  7 إنّما فسّر معرفة الله بمعرفة الإمام لبيان أنّ معرفة الله لا يحصل إلّا من جهة الإمام ، أو لاشتراط الانتفاع بمعرفته تعالى بمعرفته  7[10] .

 

  ـ  وعن أبي حمزة عن أبي عبد الله  7 قال : منّا الإمام المفروض طاعته ، من جحده مات يهوديآ أو نصرانيآ، والله ما ترک الله الأرض منذ قبض الله عزّ وجلّ آدم إلّا وفيها إمام يُهتدى به إلى الله، حجّة الله على العباد، ومن تركه هلک ، ومن لزمه نجا، حقّآ على الله.

  ـ  وعن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله ذات يوم جالسآ وعنده نفر من أصحابه فيهم عليّ بن أبي طالب  7، إذ قال : «من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة ». فقال رجلان من أصحابه : فنحن نقول : لا إله إلّا الله. فقال رسول الله: إنّما تقبل شهادة أن لا إله إلّا الله من هذا وشيعته الذين أخذ ربّنا ميثاقهم . فقال الرجلان : فنحن نقول : لا إله إلّا الله. فوضع رسول الله يده على رأس عليّ  7، ثمّ قال : علامة ذلک أن لا تحلّا عقده ، ولا تجلسا مجلسه ، ولا تكذبا حديثه .

قسمآ بمكّة والحطيم وزمزم         والراقصات وسعيهنّ إلى منى

بغض الوصيّ علامة مكتوبة         كتبت على جبهات أولاد الزنا

من لم يوالِ في البريّة حيدرآ         سيّان عند الله صلّى أم زنا

فهذه هي الولاية التي ندعو الخلائق والإنسانية على مرّ العصور والأحقاب إليها، فهل من مدّكر؟!

  ـ  فما هذه الولاية ؟ هل الذكر الذي يقول عنه أمير المؤمنين علي  7 :
ذكرنا أهل البيت شفاء من العلل والأسقام ووسواس الريب
[11] .

 

  ـ  أو قال عنه رسول الله  9: «زيّنوا مجالسكم بذكر عليّ بن أبي طالب  7»[12] .

 

  ـ  وقال  9: ألا وإنّه لم يمشِ فوق الأرض بعد النبيّين والمرسلين أفضل من شيعة عليّ  7 ومحبّيه الذين يظهرون أمره وينشرون فضله ، اُولئک تغشاهم الرحمة وتستغفر لهم الملائكة[13] .

 

  ـ  وقال : إنّ الله تبارک وتعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب  7 فضائل لا تحصى كثرة ، فمن ذكر فضيلة من فضائله ـمقرّآ بهاـ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلک الكتابة رسم أو أثر[14] .

 

  ـ  وعن أبي جعفر  7 عن آبائه  : قال : قال رسول الله  9: إنّ الله عهد إليّ عهدآ فقلت : ربِّ بيّنه لي ، قال : اسمع ، قلت : سمعت . قال : يا محمّد، إنّ عليّآ راية الهدى بعدک ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، فمن أحبّه فقد أحبّني ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، فبشّره بذلک[15] .

 

  ـ  وما هذا الحبّ الذي يعدّ من أشعّة الولاية ومظاهرها، ويقول فيه
رسول الله لعمّه العباس : إنّ شأن عليّ
 7 عظيم ، إنّ حال عليّ  7 جليل ، إنّ وزن علي  7 ثقيل ، وما وضع حبّ عليّ  7 في ميزان أحد إلّا رجح على سيّئاته ، ولا وضع بغضه في ميزان أحد إلّا رجح على حسناته . فقال العباس : قد سلّمت ورضيت[16] .

 

  ـ  الله الله في الولاية ، فما هذه الآية الكبرى التي يخبرنا جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله  9 في حديث ولادة أمير المؤمنين علي  7 وأنّه ليلة أن حملت اُمّه فاطمة بنت أسد به ارتجّت الأرض وزلزلت بهم أيّامآ، حتّى أتى بهم أبو طالب جبل قبيس فجعل يرتجّ ارتجاجآ، فلمّـا أبصروا بذلک قالوا: لا طاقة لنا بما حلّ بنا، فصعد أبو طالب الجبل وهو غير مكترث بما هم فيه ، فقال : يا أيّها الناس ، إنّ الله تبارک وتعالى قد أحدث في هذه الليلة حادثة وخلق فيها خلقآ، إن لم تطيعوه ولم تقرّوا بولايته وتشهدوا بإمامته ، لم يسكن ما بكم ، ولا يكون لكم بتهامة مسكنآ. فقالوا: يا أبا طالب ، إنّا نقول بمقالتک . فبكى أبو طالب ورفع إلى الله تعالى يديه وقال : «إلهي وسيّدي ، أسألک بالمحمّدية المحمودة وبالعلويّة العالية والفاطميّة البيضاء إلّا تفضّلت على تهامة بالرأفة والرحمة »، قال جابر: قال رسول الله: فوالله الذي خلق الحبّة وبرأ النسمة لقد كانت العرب تكتب هذه الكلمات ، فتدعو بها عند شدائدها في الجاهلية ، وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها[17] .

 

فما هذه المحبّة والطاعة وأنّهما من مظاهر الولاية ؟

  ـ  وتقول فاطمة بنت أسد رضي الله عنها حينما وضعت أمير المؤمنين
علي
 7 في جوف الكعبة وأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها: فلمّـا أن أخرج هتف بي

هاتف : يا فاطمة ، سمّيه عليّآ، فهو عليّ، والله العليّ الأعلى يقول : إنّي شققت اسمه من اسمي ، وأدّبته بأدبي ، وأوقفته على غامض علمي ، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي ، وهو الذي يؤذّن فوق ظهر بيتي ، ويقدّسني ويمجّدني ، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه ، وويلٌ لمن أبغضه وعصاه[18] .

 

  ـ  وفي خبر آخر: فطوبى لمن أحبّه ونصره ، والويل لمن عصاه وخذله وجحد حقّه[19] .

 

  ـ  فما هذه الولاية التي من آثارها الاُنس بالنظر إلى اسم صاحبها، كما قال رسول الله  9: يا علي ، إنّي رأيت اسمک مقرونآ باسمي في أربعة مواطن ، فآنست بالنظر إليه[20] .

 

  ـ  ومن آثارها كفاية الشرّ كما قال أمير المؤمنين  7 لكميل : يا كميل ، سمّ كلّ يوم باسم الله، وقل : لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وتوكّل على الله واذكرنا وسمّ بأسمائنا وصلّ علينا وأدر بذلک على نفسک وما تحوطه عنايتک ، تكفّ شرّ ذلک اليوم إن شاء الله[21] .

 

  ـ  وروي عن رسول الله  9: من أراد أن يستمسک بالعروة الوثقى في الدنيا والآخرة فليقل : لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله[22] .

 



  ـ  وعن الإمام أبي جعفر الباقر  7 قال : إنّ الشيطان إذا سمع مناديآ

ينادي يا محمّد يا عليّ ذاب كما يذوب الرصاص[23] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9: من صاغ خاتمآ من عقيق فنقش فيه : محمّد نبيّ الله وعليّ وليّ الله، وقاه الله ميتة السوء، ولم يمت إلّا على الفطرة[24] .

 

  ـ  وقال الإمام علي بن محمد الهادي  7 لمن أراد السفر: يكون معک خاتم فضّة عقيق أصفر عليه : ما شاء الله لا قوّة إلّا بالله أستغفر الله، وعلى الجانب الآخر: محمد وعليّ. فإنّه أمان من القطع ، وأتمّ للسلامة ، وأصون لدينک[25] .

 

  ـ  وقد هبط جبرئيل على يعقوب  7 فقال : يا يعقوب ، ألا اُعلّمک دعاءً يردّ الله عليک به بصرک ويردّ عليک ابنيک ؟ قال : بلى . قال : قل ما قاله أبوک آدم فتاب الله عليه ، وما قاله نوح فاستوت به سفينته على الجودي ونجى من الغرق ، وما قاله أبوک إبراهيم خليل الرحمن حين اُلقي في النار، فجعلها الله عليه بردآ وسلامآ. فقال يعقوب : وما ذاک يا جبرئيل ؟ فقال : قل : «يا ربّ ، أسألک بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين  : أن تأتني بيوسف وابن يامين جميعآ وتردّ عليّ عيني ». فما استتمّ يعقوب  7 هذا الدعاء حتّى جاء البشير، فألقى قميص يوسف عليه فارتدّ بصيرآ[26] .

 

  ـ  فما هذه الولاية التي يليّن الله الحديد باسم صاحبها أمير المؤمنين
علي
 7 وينقلب الحجر ذهبآ في يد عمّـار بن ياسر[27] .

 

  ـ  ولا يدخل الفقر بيتآ فيه اسم عليّ[28] .

 

  ـ  وقال رجلٌ للإمام الرضا  7: أصلحک الله، إنّي خلّفت امرأتي وبها حبل ، فادعُ الله أن يجعله غُلامآ. فأطرق  7 إلى الأرض طويلا ثمّ رفع  7 رأسه فقال له : سمّه عليّآ فإنّه أطول لعمره[29] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9: من كان له حمل فنوى أن يسمّيه محمّدآ أو عليّآ، ولد له غلام[30] .

 

  ـ  وقال الإمام السجّاد  7: إنّ أبي  7 كان إذا أبطأت عليه جارية من جواريه قال لها: يا فلانة ، أنوي عليّآ، فلا تلبث أن تحمل منه غلامآ[31] .

 

  ـ  فبأمير المؤمنين علي  7 تاب الله على آدم ونجّى يوسف من الجبّ ، وبأسماء أصحاب الولاية يستجاب الدعاء، فإنّ رسول الله  9 يقول : والله لو أقسم أهل الأرض بهذه الأسماء لأجابهم . والأسماء هي : اللهمّ أسألک بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين  :[32] .

 


  ـ  ولمّـا تاب آدم إلى الله وأقرّ بالولاية ودعا بحقّ الخمسة الذين كتبت أسماؤهم على عرش الله ـمحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين  :ـ غفر الله له خطيئته .

  ـ  هذه وأمثالها التي لا تعدّ ولا تحصى كلّها من مظاهر الولاية وآثارها في الدنيا والآخرة .

فما أدراک ما الولاية التي يقول عنها رسول الله  9: النظر إلى عليّ ابن أبي طالب  7 عبادة وذكره عبادة ، ولا يقبل إيمان عبدٍ إلّا بولايته والبراءة من أعدائه[33] .

 

  ـ  وقال  9: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب  7[34] .

 

  ـ  وقال  9: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى إبراهيم في خلّته وإلى موسى في مناجاته وإلى عيسى في سنّته وإلى محمّد في تمامه وكماله ، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل . قال الراوي : فنظر الناس متطاولين فإذا بعليّ ابن أبي طالب  7، فكأنّما ينقلع من صبب وينحطّ من جبل[35] .

 

  ـ  وعندنا مثل هذه الأخبار الشريفة العشرات والمئات ، فما هذه الولاية والمحبّة التي يقول فيها رسول الله  9: إنّ الله تبارک وتعالى خلق من نور وجه عليّ
ابن أبي طالب
 7 ملائكة يسبّحون ويقدّسون ويكتبون ثواب ذلک لمحبّيه ومحبّي ولده  :[36] .

 

  ـ  وكانت الملائكة المنزلون لنصرة رسول الله  9 يوم بدر كلّهم على صورة عليّ  7 ليكونوا في قلوب الكفّار أهيب[37] .

 

  ـ  ولقد كان يُسئل الجريح من المشركين فيقال له : من جرحک ؟ فيقول  : علي بن أبي طالب ، فإذا قالها، مات[38] .

 

  ـ  وعن عبد الله بن عمر، قال : سمعت رسول الله  9 وقد سُئل : بأي لغةٍ خاطبک ربّک ليلة المعراج ؟ فقال  9: خاطبني بلغة علي بن أبي طالب  7، فألهمني أن قلت : يا ربّ ، أنت خاطبتني أم عليّ؟! فقال تعالى : يا أحمد، أنا شيء لا كالأشياء، ولا اُقاس بالناس ، ولا اُوصف بالأشياء، خلقتک من نوري ، وخلقت عليّآ من نورک ، فاطّلعت على سرائر قلبک فلم أجد إلى قلبک أحبّ من عليّ بن أبي طالب ، فخاطبتک بلسانه كي يطمئنّ قلبک[39] .

 

هذه هي الولاية !!

  ـ  روي أنّ عليّآ  7 مرّ برجلٍ يخيط وهو يغنّي ، فقال  7 له : يا شابّ ، لو قرأت القرآن لكان خيرآ لک . فقال : إنّي لا اُحسنه ، ولوددت أنّي اُحسن منه شيئآ. فقال  7: اُدن منّي . فدنا منه ، فتكلّم  7 في اُذنه بشيء خفيّ، فصوّر الله
القرآن كلّه في قلبه بحفظه كلّه
[40] .

 

  ـ  وهذه قطرة من فضائله وولايته ، فإنّ رسول الله  9 يقول لأمير المؤمنين علي  7 لمّـا قدم بفتح خيبر: لولا أن تقول فيک طائفة من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح ، لقلت اليوم فيک مقالا لا تمرّ بملأ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميک ، ومن فضل طهورک يستشفون به[41] .

 

  ـ  وكان أمير المؤمنين  7 مع بعض أصحابه في مسجد الكوفة ، فقال له رجل : بأبي أنت واُمّي ، إنّي لأتعجّب من هذه الدنيا في أيدي هؤلاء القوم وليست عندكم . فقال  7: يا فلان ، أترى نريد الدنيا فلا نُعطاها؟! ثمّ قبض  7 قبضةً من الحصى فإذا هي جواهر. فقال  7: ما هذا؟ فقال : هذا من أجود الجواهر. فقال  7: لو أردنا لكان ، ولكن لا نريده ، ثمّ رمى  7 بالحصى فعادت كما كانت[42] .

 

  ـ  هذه هي الولاية ، التي ترجع نور البصر إلى الأعمى كما يحدّثنا بذلک مالک الأشتر يقول : دخلت على أمير المؤمنين  7 في ليلة مظلمة فقلت : السلام عليک يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . فقال  7: وعليک السلام ، ما الذي أدخلک عليّ في هذه الساعة يا مالک ؟! فقلت : حبّک يا أمير المؤمنين وشوقي إليک . فقال  7: صدقت والله يا مالک ، فهل رأيت ببابي أحدآ في هذه الليلة المظلمة ؟! قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، رأيت ثلاثة نفر. فقام أمير المؤمنين  7 فخرج
وخرجنا معه ، فإذا بالباب رجل مكفوف ورجل زمن ورجل أبرص . فقال أمير المؤمنين
 7: ما تصنعون ببابي في هذا الوقت ؟ فقالوا: جئناک يا أمير المؤمنين لتشفينا ممّـا بنا. فمسح  7 عليهم جميعآ، فقاموا لا من عمى ولا زمانة ولا برص[43] .

 

وهل هذا إلّا من آثار الولاية ؟

  ـ  ويقول رسول الله  9: من صافح عليّآ  7 فكأنّما صافحني ، ومن صافحني فكأنّما صافح أركان العرش ، ومن عانقه فكأنّما عانق الأنبياء كلّهم ، ومن صافح محبّآ لعليّ  7 غفر الله له وأدخله الجنّة بغير حساب[44] .

 

  ـ  ومن آثارها قال رسول الله  9: يا عليّ، من مات وهو يحبّک ختم الله عزّ وجلّ له بالأمن والإيمان ، ومن مات وهو يبغضک لم يكن له في الإسلام نصيب[45] .

 

  ـ  وفي خبر آخر: أماته الله ميتة الجاهلية[46] ، وفي حديث آخر: لا يتمّ

إيمان عبد إلّا بحبّه وولايته[47] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7: يا أبا الحسن ، مثلک في اُمّتي مثل (قُلْ هُوَ اللهُ أحَدْ) فمن قرأها مرّة قرأ ثلث القرآن ، ومن قرأها مرّتين فقد قرأ ثلثي القرآن ، ومن قرأها ثلاثآ فقد ختم القرآن ، فمن أحبّک بلسانه وقلبه فقد كمل له
ثلثي الإيمان ، ومن أحبّک بلسانه وقلبه ونصرک بيده فقد استكمل الإيمان
[48] .

 

  ـ  وما هذه الولاية التي يحسّ بها الإنسان المؤمن طعم الإيمان ، كما قال رسول الله  9 لبعض أصحابه ذات يوم : يا عبد الله، أحبّ في الله وابغض في الله ووالِ في الله وعادِ في الله، فإنّه لا تنال ولاية الله إلّا بذلک ، ولا يجد رجلٌ طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتّى يكون كذلک ، وقد صارت مؤاخاة الناس ـيومكم هذاـ أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون وعليها يتباغضون ، وذلک لا يغني عنهم من الله شيئآ. فقال الرجل : يا رسول الله، فكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله؟ ومن وليّ الله حتّى اُواليه ؟ ومن عدوّه حتّى اُعاديه ؟ فأشار له رسول الله إلى عليّ  7 فقال : أترى هذا؟ قال : بلى . قال : وليّ هذا وليّ الله فواله ، وعدوّ هذا عدوّ الله فعاده ، ووالِ وليّ هذا ولو أنّه قاتل أبيک (وولدک )، وعادِ عدوّ هذا ولو أنّه أبوک أو ولدک[49] .

 

  ـ  أجل ، ما هذه الآثار الدنيوية والاُخروية لمن كان متمسّكآ بعروة الولاية ؟ فقد قال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7: بشّر شيعتک ومحبّيک بخصالٍ عشر: أوّلها طيب مولدهم ، وثانيها: حُسن إيمانهم ، وثالثها: حبّ الله لهم ، والرابعة  : الفسحة في قبورهم ، والخامسة : نورهم يسعى بين أيديهم ، والسادسة : نزع الفقر من بين أعينهم وغنى قلوبهم ، والسابعة : المقت من الله لأعدائهم ، والثامنة : الأمن من البرص والجذام ، والتاسعة : انحطاط الذنوب والسيّئات عنهم ، والعاشرة : هم معي في الجنّة وأنا معهم ، فطوبى لهم وحسن مآب[50] .

 



  ـ  وقال  9: ما لمحبّک حسرة عند موته ولا وحشة في قبره[51] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ ان يتمسّک بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، فليتمسّک بولاية أخي ووصيّي علي بن أبي طالب  7، فإنّه لا يهلک من أحبّه وتولّاه ، ولا ينجو من أبغضه وعاداه[52] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ عليآ  7 استغفرت له الملائكة[53] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ عليآ  7 كان رشيدآ مصيبآ، ومن أبغضه لم ينل من الخير نصيبآ[54] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ عليّآ  7 وتولّاه أكرمه الله عزّ وجلّ وأدناه ، ومن أبغض عليّآ وعاداه مقته الله وأخزاه[55] .

 

  ـ  عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر  7 قال : قال رسول الله  9: الكرّة المباركة النافعة لأهلها يوم الحساب ولايتي واتّباع أمري ، وولاية عليّ والأوصياء من بعده ، واتّباع أمرهم يدخلهم الله الجنّة بها معي ومع عليّ وصيّي والأوصياء من بعده ، والكرّة الخاسرة عداوتي وترک أمري وعداوة عليّ والأوصياء من بعده ، يدخلهم الله بها النار في أسفل السافلين[56] . والحديث تفسير قوله تعالى : (قالوا



تِلـْکَ إذآ كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ).

  ـ  ومبغض عليّ لا محالة في النار، فقد روي عن ابن الجوزي أنّه قال  : ويسمّى أمير المؤمنين علي  7 يعسوب النحل ، لأنّ يعسوب أمير النحل ، وهو أحزمها يقف على باب الكوارة كلّما مرّت به نحلة شمّ فاها، فإن وجد منها رائحة منكرة ، علم أنّها رعت حشيشة خبيثة فيقطعها، ويلقيها على باب الكوارة ليتأدّب بها غيرها، وكذا علي  7 يقف على باب الجنّة ، فيشمّ أفواه الناس ، فمن وجد منه رائحة بغضه ألقاه في النار.

  ـ  وقال  9 ذات يوم لأمير المؤمنين  7: يا أبا الحسن ، هذا حبيبي جبرئيل يخبرني عن الله جلّ جلاله ، إنّه قد أعطى شيعتک ومحبّيک سبع خصال  : الرفق عند الموت ، والاُنس عند الوحشة ، والنور عند الظلمة ، والأمن عند الفزع ، والقسط عند الميزان ، والجواز على الصراط ، ودخول الجنّة قبل سائر الناس ، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم[57] .

 

  ـ  وقال  9 لمعشر الأنصار: يا معشر الأنصار، ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ؟ هذا عليّ بن أبي طالب  7، فحبّوه كحبّي ، والزموه كإلزامي ، وأكرموه كإكرامي ، فمن أحبّه فقد أحبّني ، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أحبّ الله أباحه جنّته وأذاقه برد عفوه[58] .

 

ولكن أيّها القارئ الكريم ، ما يحرق القلب ويقطع أنياطه ، أنّ الأنصار والمهاجرين خذلوا أمير المؤمنين علي  7 بعد رحلة الرسول الأكرم وانقلبوا على
أعقابهم وارتدّوا عن ولايته ، إلّا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ـكما يحدّثنا التأريخ بذلک ـ

فإنّ الدنيا قد غرّت ، وحبّ الرئاسة أعمى الناس عن الحقّ ، عمي بكم صمّ فهم لا يفقهون .

  ـ  ورسول الله  9 يقول في فضائل الولاية وآثارها: من أحبّ عليآ بعث الله إليه ملک الموت يرفق به ، ودفع الله عزّ وجلّ عنه هول منكر ونكير، ونوّر قلبه وبيّض وجهه[59] .

 

  ـ  وقال : إنّ ملک الموت يترحّم على محبّي علي بن أبي طالب  7 كما يترحّم على الأنبياء  :[60] .

 

فالولاية التي توجب القرب إلى الله سبحانه ، ولا تختصّ بالإنس والجنّ بل تعمّ الملائكة .

  ـ  كما قال رسول الله  9: يا عليّ، إنّ الملائكة لتتقرّب إلى الله تقدّس ذكره بمحبّتک وولايتک[61] .

 

  ـ  ويقول  9: حبّ عليّ بن أبي طالب  7 سيّد الأعمال ، وما تقرّب به المتقرّبون من طاعة ربّهم إلّا بحبّ عليّ  7[62] .

 

  ـ  لِمَ لا ورسول الله يقول : يا عليّ، حبّک تقوى وإيمان ، وبغضک كفر ونفاق[63] .

 



فأمير المؤمنين علي  7 والأئمة المعصومين ميزان الحقّ ، والفاروق بين الكفر

والإيمان ، ومعرفة الأخيار من الأشرار.

  ـ  كما قال رسول الله  9: يا عليّ، بمحبّتک يعرف الأبرار من الفجّار، ويميز بين الأشرار والأخيار، وبين المؤمنين والكفّار[64] .

 

هذه هي الولاية وآثارها الخالدة من الروح والريحان والجنّة والرضوان .

  ـ  فقد قال رسول الله  9: من أحبّ عليّآ  7 هوّن الله عليه سكرات الموت ، وجعل قبره روضة من رياض الجنّة[65] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9: ليلة اُسري بي إلى السماء الرابعة ، رأيت صورة علي بن أبي طالب  7، فقلت لجبرئيل : هذا أخي علي  7؟ فاُوحي إليّ: إنّ هذا ملک خلقه الله على صورة علي بن أبي طالب  7 يزوره كلّ يوم سبعون ألف ملک يسبّحون ويكبّرون وثوابهم لمحبّي علي بن أبي طالب  7[66] .

 

  ـ  فما هذه الولاية التي تتجلّى بالمحبّة التي من آثارها يقول رسول الله  9 : من أحبّ عليآ لا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر، ويأكل من طوبى ، ويرَ مكانه في الجنّة[67] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ عليآ  7 قضى الله له كلّ حاجة[68] .

 



  ـ  وقال  9: حبّ عليّ  7 حقّ ، إنّ الله تعالى يحبّ محبّيه[69] .

 

  ـ  وقال  9: كنت ذات يوم جالسآ فهبط عليّ جبرئيل وقال لي : إنّ الله يقرئک السلام ويقول لک : يا محمّد، آليت على نفسي بنفسي ، وأقسمت عليّ بي ، أنّي لا اُلهم حبّ عليّ  7 إلّا من أحببته أنا، فمن أحببته ألهمته حبّ عليّ  7[70] .

 

  ـ  وقال  9 لأمير المؤمنين  7: يا عليّ، من أحبّک ووالاک أحببته وواليته ، ومن أبغضک وعاداک أبغضته وعاديته[71] .

 

  ـ  وقال  9: حبّ عليّ  7 حسنة لا تضرّ معها سيّئة ، وبغضه سيّئة لا تنفع معها حسنة[72] .

 

  ـ  وقال  9: من أحبّ عليّآ  7 أثبت الله في قلبه الحكمة وأجرى على لسانه الصواب وفتح الله عليه أبواب الرحمة[73] .

 

  ـ  وقال  9: لو أبغض عليّآ  7 أهل السماوات والأرضين لأهلكهم الله ببغضه ، ولو أحبّه الكفّار أجمعون لأثابهم الله على محبّته بالخاتمة المحمودة ، بأن يوفّقهم للإيمان ، ثمّ يدخلهم الجنّة برحمته[74] .

 



  ـ  وقال لرجل : أحبّ عليّ بن أبي طالب  7، فإنّ حبّه خير الدنيا والآخرة[75] .

 

  ـ  وقال  9: من أحبّ عليّآ  7 قبل الله صلاته وصيامه وقيامه واستجاب له دعائه[76] .

 

  ـ  وقال  9: يا عليّ، من أحبّک ووالاک سبقت له الرحمة ، ومن أبغضک وعاداک سبقت له اللعنة[77] .

 

  ـ  وقال  9: يا عليّ، قل لأصحابک العارفين بک ، يتنزّهون عن الأعمال التي يقارفها عدوّهم ، فما من يوم وليلة إلّا ورحمة من الله تبارک وتعالى تغشاهم فليجتنبوا الدنس[78] .

 

  ـ  وقال أمير المؤمنين علي  7: أما إنّه ليس عبد من عباد الله ممّن امتحن الله قلبه للإيمان إلّا وهو يجد مودّتنا على قلبه فهو يحبّنا، وليس عبد من عباد الله ممّن سخط الله عليه إلّا وهو يجد بغضنا على قلبه فهو يبغضنا، فأصبح محبّنا ينتظر الرحمة ، وكان أبواب الرحمة قد فتحت له ، وأصبح مبغضنا على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم ، فهنيئآ لأهل الرحمة رحمتهم ، وتعسآ لأهل النار مثواهم[79] .

 

  ـ  وقال  9: من أحبّ عليّآ  7 فقد أحبّني ، ومن أحبّني رضي الله عنه ،
ومن رضي الله عنه كافأه الجنّة
[80] .

 

  ـ  وقال  9: من أحبّ عليّآ  7 ومات على حبّه صافحته الملائكة وزاره الأنبياء، وقضى الله عزّ وجلّ له كلّ حاجة[81] .

 

  ـ  وقال  9: هذا جبرئيل يخبرني أنّ السعيد كلّ السعيد حقّ السعيد من أحبّ عليّآ  7 في حياته وبعد موته ، وإنّ الشقيّ كلّ الشقيّ حقّ الشقيّ من أبغض عليّآ  7 في حياته وبعد وفاته[82] .

 

  ـ  وقال  9: أيّها الناس ، ألا وإنّي إن أدلّكم على سفينة نجاتكم وباب حطتكم ، فمن أراد النجاة بعدي والسلامة من العين المردية ، فليتمسّک بحبّ عليّ بن أبي طالب  7[83] .

 

  ـ  وقيل لرسول الله  9: يا رسول الله، أخبرنا عن عليّ  7، أهو أفضل أم ملائكة الله المقرّبون ؟ فقال رسول الله  9: وهل شرفت الملائكة إلّا بحبّها لمحمّد وعليّ وقبولها لولايتهما، إنّه لا أحد من محبّي عليّ  7 وقد نظف قلبه من قذر الغشّ والدغل والغلّ ونجاسات الذنوب ، إلّا وكان أطهر وأفضل من الملائكة[84] .

 

فما أعظم مقام الولاية التي تشرّفت بها الملائكة ، وازداد بها الإنسان المؤمن
الموالي النظيف شرفآ، فهي الصراط المستقيم ، كما جاء في تفسير قوله تعالى  :

(آهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ ).

  ـ  فهذه هي الولاية التي يقول فيها رسول الله  9: يا عليّ، طوبى لمن أحبّک وصدّق بک ، وويلٌ لمن أبغضک وكذّبک ، محبّوک معرّفون في السماء السابعة والأرض السابعة السفلى وما بين ذلک ، هم أهل الدين والسمت ـالطريقة الحسنة ـ الحسن والتواضع لله عزّ وجلّ ، خاشعة أبصارهم وجلة قلوبهم لذكر الله، وقد عرفوا حقّ ولايتک ، يدينون لله بما أمرهم به في كتابه وجائهم به البرهان من سنّة نبيّه ، عاملون بما يأمرهم به اُولو الأمر منهم ، متواصلون غير متقاطعين ، متحابّون غير متباغضين ، إنّ الملائكة لتصلّي عليهم وتؤمّن على دعائهم وتستغفر للمذنب منهم وتشهد حضرته وتستوحش لفقده إلى يوم القيامة[85] .

 

  ـ  الله الله بمثل هذه الولاية التي يستلزمها طهارة المولد كما قال رسول الله  9: قال لي جبرئيل ليلة المعراج : يا محمّد، يحشر الناس كلّهم يوم القيامة حفاة عراة إلّا شيعة عليّ  7، ويدعى الناس بأسماء اُمّهاتهم إلّا شيعة عليّ  7، فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم . فقلت : حبيبي جبرئيل وكيف ذاک ؟ قال : لأنّهم أحبّوا عليّآ  7 فطاب مولدهم[86] .

 

  ـ  وقال  9: يا عليّ، لا يحبّک إلّا من طابت ولادته ، ولا يبغضک إلّا من خبثت ولادته[87] .

 



  ـ  وعن جابر الأنصاري ، قال : قال أبو أيّوب الأنصاري : اعرضوا حبّ

عليّ  7 على أولادكم فمن أحبّه فهو منكم ومن لم يحبّه فاسألوا اُمّه من أين جاءت به ؟! فإنّي سمعت رسول الله  9 يقول لعليّ بن أبي طالب  7: لا يحبّک إلّا مؤمن ، ولا يبغضک إلّا منافق أو ولد زنية أو من حملته اُمّه وهي طامث[88] .

 

  ـ  فيما وعظ به أمير المؤمنين  7 نوفا البطالي أنّه قال : يا نوف كذب من زعم أنّه من ولد حلال وهو يبغضني ويبغض الأئمة من ولدي .

  ـ  عن ابن عباس وغيره قال النبيّ  9: لا يحبّک إلّا طاهر الولادة ، ولا يبغضک إلّا خبيث الولادة ـومثله بأسانيد كثيرة ـ.

  ـ  عن الإمام الصادق  7 قال : قال رسول الله  9: من أحبّنا أهل البيت فليحمد الله على أوّل النعم ، قيل : وما أوّل النعم ؟ قال : طيب الولادة ، ولا يحبّنا إلّا من طابت ولادته .

  ـ  عن الإمام الباقر  7: من أصبح يجد برد حبّنا على قلبه فليحمد الله على بادئ النعم ، قيل : وما بادئ النعم ؟ قال : طيب المولد.

  ـ  قال رسول الله  9: يا عليّ، من أحبّني وأحبّک وأحبّ الأئمة من ولدک فليحمد الله على طيب مولده ، فإنّه لا يحبّنا إلّا من طابت ولادته ، ولا يبغضنا إلّا من خبثت ولادته .

  ـ  عن المفضّل قال : سمعت الصادق  7 يقول لأصحابه : من وجد برد حبّنا على قلبه فليكثر الدعاء لاُمّه فإنّها لم تخن أباه .

  ـ  قال رسول الله  9: من لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث : إمّا منافق
وإما لزنية ، وإمّا امرؤ حملت به اُمّه في غير طهر.

  ـ  قال أبو جعفر  7: إنّما يحبّنا من العرب والعجم أهل البيوتات وذوو الشرف وكلّ مولود صحيح ، وإنّما يبغضنا من هؤلاء كلّ مدنّس مطرّد[89] .

 

  ـ  فما أروع الولاية والمحبّة التي تستلزم الفرح والحبور في الدنيا والآخرة ، ورسول الله  9 يقول : يا عليّ، ما بين من يحبّک وبين أن يرى ما تقرّ به عينه ، إلّا أن يعاين الموت[90] .

 

  ـ  وقال : من أحبّک فاز، ومن أبغضک هلک[91] .

 

  ـ  والولاية توجب قبول الأعمال كما قال الرسول المختار  9: من أحبّ عليّآ قبل الله صلاته وصيامه واستجاب له دعائه[92] .

 

  ـ  وقال : من أحبّ عليّآ تقبّل الله حسناته وتجاوز عن سيّئاته .

وقال  9: من أحبّ عليّآ  7 وضع الله على رأسه تاج الكرامة وألبسه حلّة العزّ والكرامة[93] .

 

  ـ  فما هذه المودّة والحبّ الولائي المخزون تحت العرش الإلهي كما قال
رسول الله لأمير المؤمنين : لا تلومنّ الناس على حبّک ، فإنّ حبّک مخزون تحت العرش ، ولا ينال حبّک من يريد، إنّما ينزل من السماء بقدر
[94] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9 مبشّرآ شيعة أمير المؤمنين  7: يا عليّ، إخوانک يفرحون في ثلاثة مواطن : عند خروج أنفسهم ـوأنا شاهدهم وأنت ـ وعند المسائلة في قبورهم ، وعند العرض الأكبر، وعند الصراط إذا سُئل الخلق عن إيمانهم فلم يجيبوا[95] .

 

  ـ  هذه هي الولاية التي توجب النجاة والفوز، ويقول أمير المؤمنين علي  7: ينجو فيّ ثلاثة : المحبّ الموالي ، والمعادي لمن عاداني ، والمحبّ لمن أحبّني[96] .

 

  ـ  تعال لنستمع إلى ما يقول حبيب الله النبيّ المصطفى في شأن شيعة أمير المؤمنين  7 الذين حملوا الولاية في وجودهم فقال  9: إنّ الله عزّ وجلّ راضٍ عنهم وإنّه يباهي بهم ملائكته وينظر إليهم في كلّ جمعة برحمته ، ويأمر الملائكة أن تستغفر لهم[97] .

 

  ـ  وقال  9: حبّ علي  7 نعمة ، واتّباعه فضيلة ، دان به الملائكة وحفّت به الجنّ الصالحون[98] .

 



  ـ  وقال  9: أنا سيّد الأوّلين والآخرين ، وعليّ بن أبي طالب  7 سيّد

الوصيّين ، وهو أخي ووارثي وخليفتي على اُمّتي ، ولايته فريضة واتّباعه فضيلة ، ومحبّته إلى الله عزّ وجلّ وسيلة[99] .

 

  ـ  وقال  9: من أحبّه هداه الله، ومن أبغضه أضلّه الله[100] .

 

  ـ  وإنّ حبّ أمير المؤمنين لتنفع حتّى لمن كان من الكتابيين من اليهود والنصارى ، فعن جابر الأنصاري قال : كان لأمير المؤمنين  7 صاحب يهودي قال : وكان كثيرآ ما يألفه ، وإن كانت له حاجة أسعفه فيها، فمات اليهودي ، فحزن عليه أمير المؤمنين  7 واستبدّت وحشته له . قال : فالتفت إليه النبيّ  9، وهو ضاحک ، فقال له : يا أبا الحسن ، ما فعل صاحبک اليهودي ؟ قال : قلت : مات . قال  9: أغممت به واستبدّت وحشتک عليه ؟ قال : نعم يا رسول الله. قال  : فتحبّ تراه محبورآ؟ قال : نعم ، بأبي أنت واُمّي . قال : ارفع رأسک ، وكشط به عن السماء الرابعة ، فإذا هو بقبّة من زبرجدة خضراء معلّقة بالقدرة . فقال له  : يا أبا الحسن ، هذا لمن يحبّک من أهل الذمّة من اليهود والنصارى والمجوس ، وشيعتک المؤمنون معي ومعک غدآ في الجنّة[101] .

 

  ـ  وأيّ ولاية هذه التي يقول فيها رسول الله  9: ولاية عليّ بن أبي طالب ولاية الله، وحبّه عبادة الله، واتّباعه فريضة الله، وأولياؤه أولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، وحربه حرب الله، وسلمه سلم الله عزّ وجلّ[102] .

 



  ـ  وقال رسول الله  9 في قوله تعالى : (ألـْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنيدٍ) :

الكافر من جحد نبوّتي ، والعنيد من جحد بولاية عليّ بن أبي طالب وعترته ، والجنّة لشيعته ولمحبّيه[103] .

 

  ـ  وما هذه الولاية التي لها مظاهر كالحبّ الذي يقول فيه رسول الله  9 : كنت جالسآ بعدما فرغت من جهاز عمّي حمزة إذ هبط عليّ جبرئيل  7 وقال  : يا محمّد، الله يقرؤک السلام ويقول لک : قد فرضت الصلاة ووضعتها عن المعتلّ والمجنون والصبيّ، وفرضت الصوم ووضعته عن المسافر، وفرضت الحجّ ووضعته عن المعتلّ ، وفرضت الزكاة ووضعتها عن المعدم ، وفرضت حبّ عليّ بن أبي طالب فرضت محبّته على أهل السماوات والأرض فلم اُعطِ أحدآ رخصته[104] .

 

  ـ  وما هذه السعادة العظمى في الولايه ورسول الله يقول : يا علي ، أنت أخي وأنا أخوک ، أنا المصطفى للنبوّة وأنت المجتبى للإمامة ، وأنا صاحب التنزيل وأنت صاحب التأويل ، وأنا وأنت أبوا هذه الاُمّة . يا علي ، أنت وصيّي وخليفتي ووزيري ووارثي وأبو ولدي ، شيعتک شيعتي وأنصارک أنصاري وأولياؤک أوليائي وأعداؤک أعدائي . يا عليّ، أنت صاحبي على الحوض غدآ، وأنت صاحبي في المقام المحمود، وأنت صاحب لوائي في الآخرة ، كما إنّک صاحب لوائي في الدنيا، لقد سعد من تولّاک وشقي من عاداک ، وإنّ الملائكة لتتقرّب إلى الله تقدّس ذكره بمحبّتک وولايتک ، والله إنّ أهل مودّتک في السماء لأكثر منهم في الأرض[105] .

 



  ـ  وعن أبي جعفر الثاني جواد الأئمة  :، عن موسى بن القاسم ، قال  : قلت لأبي جعفر الثاني  7: قد أردت أن أطوف عنک وعن أبيک ، فقيل لي : إنّ الأوصياء لا يطاف عنهم ، فقال لي : بل طُف ما أمكنک ، فإنّ ذلک جائز. ثمّ قلت له بعد ذلک بثلاث سنين : إنّي كنت أستأذنتک في الطواف عنک وعن أبيک فأذنت لي في ذلک ، فطفت عنكما ما شاء الله، ثمّ وقع في قلبي شيء فعملتُ به . قال : وما هو؟ قلت : طُفتُ يومآ عن رسول الله  9. فقال ثلاث مرّات : صلّى الله على رسول الله، ثمّ اليوم الثاني عن أمير المؤمنين ، ثمّ طُفت اليوم الثالث عن الحسن ، والرابع عن الحسين ، والخامس عن علي بن الحسين ، والسادس عن أبي جعفر محمد بن علي ، واليوم السابع عن جعفر بن محمد، واليوم الثامن عن أبيک موسى ، واليوم التاسع عن أبيک علي ، واليوم العاشر عنک يا سيّدي ، وهؤلاء الذين أدينُ الله بولايتهم . فقال  : إذن والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره . قلت : وربما طفت عن اُمّک فاطمة ، وربما لم أطف . فقال : استكثر من هذا، فإنّه أفضل ما أنت عاملُه إن شاء الله[106] .

 

  ـ  وعن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر، قال : سألت أبا الحسن 7 عن قول الله عزّ وجلّ : (كَمِشْكاهٍ فيها مِصْباحٌ ) قال : المشكاة فاطمة ، والمصباح الحسن ، والحسين الزجاجة ، (كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) قال : كانت فاطمة كوكبآ درّيّآ من نساء العالمين ، (يوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) الشجرة المباركة إبراهيم ، (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) لا يهوديّة ولا نصرانيّة ، (يَكادُ زَيْتُها يُضيءُ) قال : يكاد العلم أن ينطق منها، (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نورٌ عَلى نورٍ)، قال : فيها إمام بعد إمام ، (يَهْدي اللهُ
لِنورِهِ مَنْ يَشاءُ
) قال : يهدي الله عزّ وجلّ لولايتنا من يشاء[107] .

 

  ـ  في حديث الإسراء: يا محمّد، إنّي خلقتک وخلقت عليّآ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن جحدها كان عندي من الضالّين (الظالمين )، يا محمّد، لو أنّ عبدآ من عبيدي عبد حتّى ينقطع ، أو يصير كالشنّ البالي ، ثمّ أتاني جاحدآ لولايتكم ، ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم .

يا محمّد، أتحبّ أن تراهم ؟ قلت : نعم يا ربّ . قال : التفت . فالتفتّ عن يمين العرش فإذا أنا باسمي وباسم علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والمهدي في وسطهم كأنّه كوكبٌ درّي . فقال  : يا محمد، هؤلاء حججي على خلقي ، وهذا القائم من ولدک بالسيف والمنتقم من أعدائک[108] .

 

  ـ  عن النبيّ  9 قال : لمّـا خلق الله الجنّة خلقها من نور وجهه ، ثمّ أخذ ذلک النور فقذفه فأصابني ثلث النور، وأصاب فاطمة ثلث النور، وأصاب عليآ وأهل بيته ثلث النور، فمن أصابه من ذلک النور اهتدى إلى ولاية آل محمد، ومن لم يصبه من ذلک النور، ضلّ عن ولاية آل محمد  9[109] .

 

  ـ  عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنّا جلوسآ عند رسول الله  9 إذ أقبل إليه رجلٌ فقال : يا رسول الله، أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ لإبليس  :
(أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالينَ )، من هم يا رسول الله الذين هم أعلى من الملائكة المقرّبين ؟ فقال رسول الله  9: أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، كنّا في سرادق العرش نسبّح الله فسبّحت الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ آدم بألفي عام ، فلمّـا خلق الله عزّ وجلّ آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له ، ولم يؤمروا بالسجود إلّا لأجلنا، فسجدت الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس أبى أن يسجد، فقال الله تبارک وتعالى : (يا إبْليسُ ما مَنَعَکَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالينَ ) أي من هؤلاء الخمسة المكتوبة أسماؤهم في سرادق العرش ، فنحن باب الله الذي يؤتى منه ، وبنا يهتدي المهتدون ، فمن أحبّنا أحبّه الله وأسكنه جنّته ، ومن أبغضنا أبغضه الله وأسكنه ناره ، ولا يحبّنا إلّا من طاب مولده[110] .

 

ها عليٌّ بشرٌ كيف بشر         ربّه فيه تجلّى وظهر

اُذن الله وعين الباري         يا له صاحب سمع وبصر

مظهر الواجب يا للممكن         صورة الكامل يا للمظهر

جنس الأجناس علي وبنون         نوع الأنواع إلى الحادي عشر

كلّ من مات ولم يعرفهم         موته موت حمار وبقر

أيّها الخصم تذكّر سندآ         متنه صحّ بنصٍّ وخبر

إذ أتى أحمد في خمّ غدير         بعليّ وعلى الرحل تبر

قال من كنت أنا مولاه         فعليٌّ له مولى ومفر

قبل تعيين وصيّ ووزير         من رأى فات نبي وهجر

حبّه مبدأ خلد ونعيم         بغضه منشأ نار وسقر


من له صاحبة كالزهراء         أو سليل كشبير وشبر

بو ترابٍ وكنوز العالم         عنده نحو تراب ومدر

ظلّ ما عاش بجوعٍ وصيام         بات من ماحى بدمعٍ وسهر

ناقة الله فيا شقوة من         ما رعاها فتعالى فعقر

ومن أشعار شيخنا البهائي  1 :

يا ربّ إنّي مذنبٌ خاطي         مقصّر في صالحات القربِ

وليس لي من عمل صالح         أرجو في الحشر لدفع الكرب

غير اعتقادي حبّ خير الورى         وآله والمرء مع من أحبّ

وأيضآ :

في يثرب والغريّ والزوراء         في طوس وكربلاء وسامرّاء

لي أربعة وعشرة هم ثقتي         في الحشر وهم حصني من أعدائي

ولقائل  :

بني الوحي والآيات يا من مديحهم         علوت به قدرآ وطبت به ذكرا

مهابط سرّ الله خزّان علمه         وأعلى الورى فخرآ وأرفعهم قدرا

ركائب آمالي إليكم حثثتها         فلا أرتجي في الناس زيدآ ولا عمرا

ومن ذا الذي أضحى يرفع نداكم         نزيلا وما أبدلتم عسره يُسرا

ولآخر :

اُمّي بحبّ أمير النحل قد نجبت         وعن غذائي في غير الولاء أبت

وأقول والنفس تجزى بالذي كسبت         لا عذّب الله اُمّي إنّها شربت

حبّ الوصيّ وغذّتنيه باللبن

نشأت نشأة صبٍّ فيه مفتتني         من حيث اُمّي غذّتني طاهر اللبن


فدرّ اُمّي شطر الحبّ أورثني         وكان لي والدٌ يهوى أبا حسن

فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسنِ

وما أروع ما يقوله الشيخ صفيّ الدين الحلّي  :

أمير المؤمنين أراک لما ذكرتک         عند ذي حسبٍ صغا لي

وإن كرّرت ذكرک عند نغل         تكدّر عيشه وبغى قتالي

فصرت إن شككت بأصل شخصٍ         ذكرتک بالجميل من المقال

فليس يطيق سمع ثناک إلّا         كريم الأصل محمود الخصال

فها أنا قد خبرت بک البرايا         فأنت محکّ أولاد الحلال

  ـ  أجل السعادة كلّها في الولاية ، قال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7 : يا علي ، سعد من والاک ، وشقي من عاداک[111] .

 

  ـ  أتدري أنّ الولاية هي العروة الوثقى في القرآن الكريم ، قال رسول الله  9: من أراد أن يتمسّک بالعروة الوثقى التي قال الله تعالى في كتابه ، فليوالِ علي بن أبي طالب  7[112] .

 

  ـ  والفوز إنّما يكون ويتحقّق في الولاية : قال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7: يا عليّ، لقد فاز من تولّاک ، وخاب من عاداک[113] .

 

  ـ  الكرامة في الولاية : قال رسول الله  9: من أحبّ عليّآ وتولّاه أكرمه الله تعالى وأدناه ، ومن أبغض عليآ  7 وعاداه مقته الله وأخزاه[114] .

 



  ـ  قال الله تعالى للنبيّ  9 ليلة المعراج : يا محمّد، فبي حلفت وعلى نفسي

حتمت أنّه لا يتولينّ عليآ وزوجته وذرّيّتهما أحد من خلقي ، إلّا رفعت لوائه إلى قائمة عرشي وجنّتي وبحبوحة كرامتي وسقيته من حظيرة قدسي ، ولا يعاديهم أحد ويعدل عن ولايتهم ـيا محمّدـ إلّا سلبته ودّي وباعدته من قربي وضاعفت عليهم عذابي ولعنتي[115] .

 

  ـ  قال الإمام  7: من تواضع مع المتواضعين فاعترف بنبوّة محمد  9 وولاية علي  7 والطيبّين من آلهما  : ثمّ تواضع لإخوانه وبسطهم وآنسهم ، كلّما ازداد بهم برّآ ازداد بهم استيناسآ وتواضعآ، باهى الله عزّ وجلّ به كرام ملائكته من حملة عرشه والطائفين به .

  ـ  عن أبي حمزة قال : قال لي أبو جعفر  7: إنّما يعبد الله من يعرف الله، فأمّا من لا يعرف الله فإنّما يعبده هكذا ضلالا. قلت : جعلت فداک ، فما معرفة الله؟ قال  7: تصديق الله عزّ وجلّ وتصديق رسوله  9 وموالاة علي  7 والائتمام به وبأئمة الهدى  : والبراءة إلى الله عزّ وجلّ من عدوّهم . هكذا يعرف الله عزّ وجلّ[116] .

 

  ـ  سفينة النجاة ولاية الأئمة  :: قال رسول الله  9: من أحبّ أن يركب سفينة النجاة ، ويستمسک بالعروة الوثقى ، ويعتصم بحبل الله المتين ، فليوالِ عليآ  7 بعدي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي وسادة اُمّتي[117] .

 



  ـ  فلا تستصغرنّ الولاية والمودّة لأهل البيت  :، فعن محمّد بن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي قال : دخلت أنا وعمّي الحصين بن عبد الرحمان على أبي عبد الله فسلّم عليه فردّ عليه السلام وأدناه وقال : ابن من هذا معک ؟ قال : ابن أخي إسماعيل . قال : رحمه الله وتجاوز عن سيّئ عمله كيف مخلّفوه ؟ قال : قال : نحن جميعآ نجير ما أبقى الله لنا مودّتكم . قال : يا حصين ، لا تستصغر مودّتنا فإنّها من الباقيات الصالحات ، فقال : يا ابن رسول الله، ما أستصغرها ولكن أحمد الله عليها[118] .

 

  ـ  بالله عليک هلّا أمعنت النظر في هذا الخبر، قال رسول الله  9 لبعض أصحابه ذات يوم : يا عبد الله، أحبِب في الله وأبغض في الله ووالِ في الله وعادِ في الله. فإنّک لا تنال ولايته إلّا بذلک ، ولا يجد رجل طعم الإيمان ـوإن كثرت صلاته وصيامه ـ حتّى يكون كذلک . وقد صارت مواخاة الناس في يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون وعليها يتباغضون ، وذلک لا يغني عنهم من الله شيئآ. فقال الرجل : يا رسول الله، كيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله؟ ومن وليّ الله حتّى اُواليه ؟ ومن عدوّه حتّى اُعاديه ؟ فأشار له رسول الله  9 إلى علي  7 فقال : أترى هذا؟ فقال : بلى . فقال  9: وليّ هذا وليّ الله فوالِه ، وعدوّ هذا عدوّ الله فعادِه ، ووالِ وليّ هذا ولو أنّه قاتل أبيک وولدک ، وعادِ عدوّ هذا ولو أنّه أبوک وولدک[119] .

 

  ـ  قال رسول الله  9: النظر إلى عليّ بن أبي طالب  7 عبادة ، ولا يقبل
الله إيمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه
[120] .

 

  ـ  وقال  9 ذات يوم لأصحابه : معاشر أصحابي ، إنّ الله جلّ جلاله يأمركم بولاية علي بن أبي طالب والاقتداء به ، فهو وليّكم وإمامكم من بعدي ، لا تخالفوه فتكفروا، ولا تفارقوه فتضلّوا[121] .

 

  ـ  وإذا أردت أن تعرف من أين أتى الضلال بعد الهُدى ، فاسمع إلى خطبة أمير المؤمنين علي  7، يقول : أيّتها الاُمّة المتحيّرة بعد نبيّها، لو كنتم قدّمتم من قدّم الله وأخّرتم من أخّر الله وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله، ما عال وليّ الله ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف إثنان في حكم الله، ولا تنازعت الاُمّة في شيء من أمر الله، إلّا عندنا علمه من كتاب الله، فذوقوا وبال أمركم وما فرّطتم فيما قدّمت أيديكم ، وما الله بظلّام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون[122] .

 

  ـ  وعن أبي رجاء العطاردي ، قال : لمّـا بايع الناس لأبي بكر دخل أبو ذرّ الغفاري  2 المسجد فقال : فما بالكم أيّتها الاُمّة المتحيّرة بعد نبيّها، لو قدّمتم من قدّم الله وخلّفتم الولاية لمن خلفها النبيّ  9، والله لما عال وليّ والله ولما اختلف اثنان في حكم الله، ولا سقط سهم من فرائض الله، ولا تنازعت هذه الاُمّة في شيء من أمر دينها إلّا وجدتم علم ذلک عند اهل بيت نبيّكم ، لأنّ الله تعالى يقول في كتابه العزيز: (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ )، فذوقوا وبال ما فرّطتم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون[123] .

 



أوَ تدري لماذا نصرّ على الولاية ، بل ونبالغ في الإصرار عليها، ونفدي

الأرواح والمهج في سبيلها، ونبذل النفس والنفيس من أجلها، ونستقبل الشهادة دونها، لأنّها هي الكلّ بالكلّ ، ولولاها لما عرفنا حقيقة الدين واُصوله ، ولتحيّرنا كما تحيّرت الاُمّة بعد رحلة نبيّها، فانخدعت وضلّت وارتدّت عن ولاية وليّ الله عليّ ابن أبي طالب أسد الله الغالب  7، إلّا ثلاثة أنفار أو خمسة أو سبعة ، كما ورد في الخبر الشريف .

  ـ  تعال لنستمع إلى خطبة أمير المؤمنين يصف لنا اُولئک الذين تاهوا وضلّوا الطريق ، فيقول  7: أيّها الاُمّة التي خدعت فانخدعت ، وعرفت خديعة من خدعها فأصرّت على ما عرفت واتّبعت أهوائها وضربت في عشواء غوايتها، وقد استبان لها الحقّ فصدّت عنه ، والطريق الواضح فتنكّبته ، أما والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لو اقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته وادّخرتم الخير في موضعه ، وأخذتم الطريق من واضحه ، وسلكتم من الحقّ نهجه ، لنهجت بكم السبل وبدت لكم الأعلام وأضاء لكم الإسلام ، فأكلتم رغدآ، وما عال فيكم عائل ، ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد، ولكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها وسدّت عليكم أبواب العلم ، فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم ، فأفتيتم في دين الله بغير علم واتّبعتم الغواة فأغوتكم وتركتم الأئمة فتركوكم ، فأصبحتم تحكمون بأهوائكم ، إذا ذكر الأمر سألتم أهل الذكر، فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه ، فكيف وقد تركتموه ونبذتموه وخالفتموه ؟! رويدآ عمّـا قليل تحصدون جميع ما زرعتم وتجدون وخيم ما اجترمتم وما اجتلبتم ، والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، لقد علمتم أنّي صاحبكم والذي به اُمرتم ، وإنّي عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ، ووصيّ نبيّكم ، وخير ربّكم ، ولسان نوركم والعالم بما يصلحكم ، فعن قليل رويدآ ينزل بكم
ما وُعدتم ، وما نزل بالاُمم قبلكم ، وسيسألكم الله عزّ وجلّ عن أئمتكم
[124] .

 

  ـ  أجل الأمن والأمان في ولاية علي وأهل بيته الأطهار  :، قال رسول الله  9: من أصبح منكم راضيآ بالله وبولاية علي بن أبي طالب  7 فقد أمن خوف الله وعقابه[125] .

 

  ـ  الإيمان في الولاية ، قال الإمام الصادق  7: إنّ الله تعالى جعل عليآ  7 علمآ بينه وبين خلقه ليس بينهم علم غيره ، فمن أقرّ بولايته كان مؤمنآ، ومن جحده كان كافرآ، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه كان مشركآ، ومن جاء بولايته دخل الجنّة ، ومن أنكرها دخل النار[126] .

 

  ـ  قال رسول الله  9: النظر إلى عليّ بن أبي طالب عبادة ، وذكره عبادة ، ولا يقبل إيمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه[127] .

 

  ـ  هذه هي الولاية التي يتقرّب بها الملائكة ، قال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7: يا عليّ، إنّ الملائكة لتتقرّب إلى الله تقدّس ذكره بمحبّتک وولايتک[128] .

 

  ـ  وليس كلّ واحد يقبل الولاية ، بل كما جاء في الحديث القدسي عن الربّ عزّ وجلّ : من أحببته من عبادي وتولّيته عرّفته ولايته[129] .

 



  ـ  أجل ، قال الإمام الباقر  7: الحسنة ولاية علي  7 وحبّه ، والسيّئة عداوته وبغضه ، ولا يرفع معهما عمل[130] .

 

  ـ  عن الإمام الصادق  7 عن آبائه  : قال : قال رسول الله  9 : حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال : من علم أن لا إله إلّا أنا وحدي وأنّ محمّدآ عبدي ورسولي ، وأنّ علي بن أبي طالب خليفتي ، وأنّ الأئمة من ولده حججي ، أدخلته الجنّة برحمتي ونجّيته من النار بعفوي ، وأبحتُ له جواري وأوجبت له كرامتي وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصّتي وخالصتي . إن ناداني لبّيته ، وإن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته ، وإن أساء رحمته ، وإن فرّ منّي دعوته ، وإن رجع إليَّ قبلته ، وإن قرع بابي فتحته ، ومن لم يشهد أن لا إله إلّا أنا وحدي أو شهد بذلک ، ولم يشهد أنّ محمدآ عبدي ورسولي ، أو شهد بذلک ولم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي ، أو شهد بذلک ولم يشهد أنّ الأئمة من ولده حججي ، فقد جحد نعمتي وصغّر عظمتي وكفّر بآياتي وكتبي ، إن قصدني حجبته ، وإن سألني حرمته ، وإن ناداني لم أسمع نداءه ، وإن دعاني لم أستجب دعاءه ، وإن رجاني خيّبته ، وذلک جزاؤه منّي ، وما أنا بظلّام للعبيد.

فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال : يا رسول الله، ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب ؟

قال  9: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ سيّد العابدين في زمانه علي بن الحسين ، ثمّ الباقر محمد بن علي ـوستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرئه منّي السلام ـ ثمّ الصادق جعفر بن محمد، ثمّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمّ الرضا علي بن
موسى ، ثمّ التقيّ محمد بن علي ، ثمّ النقيّ علي بن محمد، ثمّ الزكي الحسن بن علي ، ثمّ ابنه القائم بالحقّ مهدي اُمّتي الذي يملأ الأرض قسطآ وعدلا كما ملئت جورآ وظلمآ.

هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي ، من أطاعهم فقد أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصاني ، ومن أنكرهم أو أنكر واحدآ منهم فقد أنكرني ، بهم يمسک الله عزّ وجلّ السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه ، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها[131] .

 

  ـ  قال رسول الله  9 في خطبة يوم الغدير: معاشر الناس ، بايعوا الله وبايعوني وبايعوا عليآ أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة منهم في الدنيا والآخرة ، فإنّها كلمة باقية ، يهلک الله بها من غدر ويرحم من وفا[132] .

 

  ـ  قال رسول الله  9 لأمير المؤمنين  7: يا عليّ، بولايتک صارت اُمّتي مرحومة ، وبعداوتک صارت الفرقة المخالفة منها ملعونة[133] .

 

  ـ  قال أمير المؤمنين  7: كانت ولايتي كمال الدين ورضا الربّ جلّ ذكره[134] .

 

  ـ  وقال رسول الله  9 لابن عباس : يا بن عباس ، إذا أردت أن تلقى الله تعالى وهو عنک راضٍ ، فاسلک طريقة علي  7 ومِل معه حيث مال وارضَ به إمامآ، وعادِ من عاداه ووالِ من والاه . يا بن عباس ، احذر من أن يدخلک شکّ
فيه ، فإنّ الشکّ في علي
 7 كفر بالله.

  ـ  سمع أبو عبد الله الصادق  7 رجلا من قريش يكلّم رجلا من أصحابنا، فاستطال عليه القرشي بالقرشيّة واستخزى الرجل لعدم قرشيّته . فقال له أبو عبد الله  7: أجبه ، فإنّک بالولاية أشرف منه نسبآ[135] .

 

  ـ  قال رسول الله  9: من أراد الله أن يطهّر قلبه عرّفه ولاية علي ابن أبي طالب  7، ومن أراد ان يطمس على قلبه أمسک عنه معرفة علي ابن أبي طالب  7[136] .

 

  ـ  قال الله تعالى للنبيّ  9: يا محمّد، خلقتک وخلقت عليآ وفاطمة والحسن والحسين أشباح نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على السماوات وأهلها وعلى الأرضين ، فمن قبل ولايتكم كان عندي من الأظفرين المقرّبين ، ومن جحدها كان عندي من الكفّار الضالّين[137] .

 

  ـ  روى الصدوق عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله  9 وهو يخاطب عليّآ  7 ويقول : يا عليّ، إنّ الله تبارک وتعالى كان ولا شيء معه فخلقني وخلقک روحين من نور جلاله ، فكنّا أمام عرش ربّ العالمين نسبّح الله ونقدّسه ونحمّد ونهلّله ، وذلک قبل أن يخلق السماوات والأرضين ، فلمّـا أراد أن يخلق آدم خلقني وإيّاک من طينة واحدة من طينة عليّين ، وعجننا بذلک النور وغمسنا في جميع الأنوار وأنهار الجنّة ، ثمّ خلق آدم واستودع صُلبه تلک الطينة والنور، فلمّـا خلقه
استخرج ذرّيته من ظهره فاستنطقهم وقرّرهم بالربوبيّة ، فأوّل خلق إقرارآ بالربوبيّة

أنا وأنت والنبيّون على قدر منازلهم وقربهم من الله عزّ وجلّ ، فقال الله تبارک وتعالى : صدّقتما وأقررتما يا محمّد ويا عليّ، وسبقتما خلقي إلى طاعتي ، وكذلک كنتما في سابق علمي فيكما، فأنتما صفوتي من خلقي ، والأئمة من ذرّيتكما وشيعتكما، وكذلک خلقتكم ، ثمّ قال النبيّ  9: يا عليّ، فكانت الطينة في صلب آدم ونوري ونورک بين عينيه ، فما زال ذلک النور ينتقل بين أعين النبيّين والمنتجبين حتّى وصل النور والطينة إلى صلب عبد المطّلب ، فافترق نصفين ، فخلقني الله من نصفه واتّخذني نبيّآ ورسولا، وخلقک من النصف الآخر، فاتّخذک خليفة ووصيّآ ووليّآ، فلمّـا كنت من عظمة ربّي كقاب قوسين أو أدنى قال لي : يا محمّد، من أطوع خلقي لک ؟ فقلت : عليّ بن أبي طالب  7. فقال عزّ وجلّ : فاتّخذه خليفة ووصيّآ فقد اتّخذته صفيّآ ووليّآ، يا محمّد كتبت اسمک واسمه على عرشي من قبل أن أخلق الخلق محبّة منّي لكما ولمن أحبّكما وتولّاكما وأطاعكما، فمن أحبّكما وأطاعكما وتولّاكما كان عندي من المقرّبين ، ومن جحد ولايتكما وعدل عنكما كان عندي من الكافرين الضالّين ، ثمّ قال النبيّ  9 : يا علي ، فمن ذا يلج بيني وبينک وأنا وأنت من نور واحد وطينة واحدة ؟ فأنت أحقّ الناس بي في الدنيا والآخرة ، وولدک ولدي ، وشيعتكم شيعتي ، وأولياؤكم أوليائي وأنتم معي غدآ في الجنّة ـوفي حديث آخر: وأولياؤک أوليائي وهم معک غدآ في الجنّة جيراني[138] ـ.

 

  ـ  عن سلمان الفارسي ؛ قال : دخلت على رسول الله  9 فلمّـا نظر إليّ قال : يا سلمان إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّآ ولا رسولا إلّا جعل له اثني عشر نقيبآ، قال : قلت : يا رسول الله قد عرفت هذا من الكتابين ـالتوراة والإنجيل ـ قال  :
يا سلمان ، فهل علمت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم . قال : يا سلمان ، خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعت ، وخلق من نوري عليّآ فدعاه إلى طاعته فأطاعه ، وخلق من نوري ونور عليّ
 7 فاطمة فدعاها فأطاعته ، وخلق منّي ومن عليّ ومن فاطمة الحسن والحسين فدعاهما فأطاعاه ، فسمّـانا الله عزّ وجلّ بخمسة أسماء من أسمائه ، فالله المحمود وأنا محمّد، والله العليّ وهذا علي ، والله فاطر وهذه فاطمة ، والله الإحسان وهذا الحسن ، والله المحسن وهذا الحسين . ثمّ خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنيّة أو أرضآ مدحيّة ، أو هواء أو ماء أو ملكآ أو بشرآ، وكنّا بعلمه أنوارآ نسبّحه ونسمع له ونطيع ، فقال سلمان : قلت : يا رسول الله بأبي أنت واُمّي ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال : يا سلمان ، من عرفهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم ، فوالى وليّهم وتبرّأ من عدوّهم فهو والله منّا يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن ، قلت : يا رسول الله، يكون إيمان بهم بغير معرفتهم وأسمائهم وأنسابهم ؟ فقال : لا يا سلمان . فقلت : يا رسول الله، فإنّى لي بهم ؟ قال : قد عرفت إلى الحسين ، ثمّ سيّد العابدين عليّ بن الحسين ، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ باقر علم الأوّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين ، ثمّ ابنه جعفر بن محمّد لسان الله الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرآ في الله، ثمّ عليّ بن موسى الرضا لأمر الله، ثمّ محمّد بن عليّ الجواد المختار من خلق الله، ثمّ عليّ بن محمّد الهادي إلى الله، ثمّ الحسن ابن عليّ الصامت الأمين العسكري ، ثمّ ابنه الحجّة بن الحسن المهدي الناطق القائم بأمر الله، قال سلمان : فسكت ، ثمّ قلت : يا رسول الله، ادعُ الله لي بإدراكهم ، قال  : يا سلمان ، إنّک مدركهم وأمثالک ومن تولّاهم بحقيقة المعرفة ... الحديث[139] .

 



أخي المسلم : هذا الخبر الشريف وأمثاله إنّما هو من الصعب المستصعب الذي

لا يتحمّله إلّا ملک مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ، فمن أمثال سلمان الذي بلغ من الإيمان عشر درجات ، وكان «منّا أهل البيت  :» يتحمّل هذه الفيوضات الإلهيّة والمعارف النبويّة والحقائق العلويّة ، فمن يتولّى الأئمّة الأطهار  : حقّ الولاء يدركهم بحقيقة المعرفة ، وهذا يعني أنّ المعرفة لها مراتب كما ذكرنا في مقدّمة الكتاب ، فمن أعلى مراتبها حقيقة المعرفة ، وربما هي عين اليقين وهي المعرفة الكماليّة والشهوديّة ، فعلينا أن نقوّي إيماننا ونرسّخه في وجودنا بالعلم النافع والعمل الصالح حتّى نهضم هذه المعاني الرفيعة والمطالب السامية ، ونقترب من حياض الولاية العظمى لنغترف من كوثرها العذب ومنهلها الصافي ، وحينئذٍ نقول كما قال سلمان المحمّدي رضوان الله تعالى عليه في آخر الخبر الشريف : «فقمت من بين يدي رسول الله وما يبالي سلمان متى لقى الموت أو لقيه ».

  ـ  في حديث طويل في خلق أنوار محمّد وعترته  : عن الإمام الباقر  7 إلى أن يقول : ثمّ خلق الله تعالى آدم  7 من أديم الأرض فسوّاه ونفخ فيه من روحه ، ثمّ أخرج ذرّيته من صلبه فأخذ عليهم الميثاق بالربوبيّة ، ولمحمّد  9 بالنبوّة ، ولعليّ  7 بالولاية ، أقرّ منهم من أقرّ وجحد من جحد، فكنّا أوّل من أقرّ بذلک ، ثمّ قال لمحمّد  9: وعزّتي وجلالي وعلوّ شأني لولاک ولولا عليّ وعترتكما الهادون المهديّون الراشدون ما خلقت الجنّة ولا النار ولا المكان ولا الأرض ولا السماء ولا الملائكة ولا خلقآ يعبدني ، يا محمّد أنت خليلي وحبيبي وصفيّي وخيرتي من خلقي أحبّ الخلق إليّ وأوّل من ابتدأت إخراجه من خلقي .

ثمّ من بعدک الصدّيق عليّ أمير المؤمنين وصيّک به أيّدتک ونصرتک وجعلته العروة الوثقى ونور أوليائي ومنار الهدى ، ثمّ هؤلاء الهداة المهتدون ، من أجلكم
ابتدأت خلق ما خلقت وأنتم خيار خلقي فيما بيني وبين خلقي ، خلقتكم من نور عظمتي واحتجبت بكم عمّن سواكم من خلقي ، وجعلتكم أستقبل بكم ، واُسأل بكم ، فكلّ شيء هالک إلّا وجهي ، وأنتم وجهي ، لا تبيدون ولا تهلكون ، ولا يبيد ولا يهلک من تولّاكم ، من استقبلني بغيركم فقد ضلّ وهوى ، وأنتم خيار خلقي وحملة سرّي وخزّان علمي وسادة أهل السماوات وأهل الأرض ...

ثمّ قال أبو جعفر  7: فنحن أوّل خلق الله، وأوّل خلق عبد الله وسبّحه ، ونحن سبب خلق الخلق وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميّين ، فبنا عُرف الله وبنا وُحّد وبنا عُبد الله وبنا أكرم الله من أكرم من جميع خلقه ، وبنا أثاب من أثاب ، وبنا عاقب من عاقب ، ثمّ تلا قوله تعالى : (وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحونَ )... الحديث[140] .

 

  ـ  وسأل المفضّل الصادق  7: ما كنتم قبل أن يخلق الله سبحانه السماوات والأرضين ؟ قال  7: كنّا أنوارآ حول العرش نسبّح الله ونقدّسه حتّى خلق الله سبحانه الملائكة فقال لهم : سبّحوا، فقالوا: يا ربّنا لا علم لنا، فقال لنا : سبّحوا، فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا، إلّا أنّا خلقنا من نور الله، وخلق شيعتنا من دون ذلک النور، فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا، ثمّ قرن  7 بين اصبعيه السبّابة والوسطى وقال : كهاتين .

ثمّ قال : يا مفضّل ، أتدري لِمَ سُمّيت الشيعة شيعة ؟ يا مفضّل ، إنّ شيعتنا منّا ونحن من شيعتنا، أما ترى هذه الشمس أين تبدو؟ قلت : من مشرق ، وقال : إلى أين تعود؟ قلت : إلى مغرب . قال  7: هكذا شيعتنا، منّا بدأوا وإلينا يعودون .


  ـ  وروى صفوان عن الصادق  7 أنّه قال : لمّـا خلق الله السماوات والأرضين استوى على العرش فأمر نورين من نوره فطافا حول العرش سبعين مرّة فقال عزّ وجلّ : هذان نوران مطيعان ، فخلق الله من ذلک النور محمّدآ وعليّآ والأصفياء من ولده  :، وخلق من نورهم شيعتهم ، وخلق من نور شيعتهم ضوء الأبصار.

  ـ  روى جابر بن عبد الله في تفسير قوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعْروفِ ) قال : قال رسول الله  9: أوّل ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره واشتقّه من جلال عظمته فأقبل يطوف بالقدرة حتّى وصل إلى جلال العظمة في ثمانين ألف سنة ، ثمّ سجد لله تعظيمآ، ففتق منه نور عليّ  7 فكان نوري محيطآ ونور عليّ محيطآ بالقدرة ، ثمّ خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الأبصار والعقل والمعرفة وأبصار العباد وأسماعهم وقلوبهم من نوري ونوري مشتقّ من نوره .

فنحن الأوّلون ونحن الآخرون ونحن السابقون ونحن المسبّحون ونحن الشافعون ونحن كلمة الله، ونحن خاصّة الله، ونحن أحبّاء الله ونحن وجه الله ونحن جنب الله ونحن يمين الله ونحن اُمناء الله ونحن خزنة وحي الله وسدنة غيب الله ونحن معدن التنزيل ومعنى التأويل ، وفي أبياتنا هبط جبرئيل ، ونحن محالّ قدس الله ونحن مصابيح الحكمة ونحن مفاتيح الرحمة ونحن ينابيع النعمة ونحن شرف الاُمّة ونحن سادة الأئمة ونحن نواميس العصر وأحبار الدهر، ونحن سادة العباد، ونحن ساسة البلاد ونحن الكفاة والولاة والحماة والسقاة والرعاة وطريق النجاة ، ونحن السبيل والسلسبيل ، ونحن النهج القويم والطريق المستقيم .

من أمن بنا أمن بالله، ومن ردّ علينا ردّ على الله، ومن شکّ فينا شکّ في الله
ومن عرفنا عرف الله ومن تولّى عنّا تولّى عن الله ومن أطاعنا أطاع الله ونحن الوسيلة إلى الله والوصلة إلى رضوان الله ولنا العصمة والخلافة والهداية وفينا النبوّة والولاية والإمامة ، ونحن معدن الحكمة وباب الرحمة وشجرة العصمة ، ونحن كلمة التقوى والمثل الأعلى والحجّة العظمى والعروة الوثقى التي من تمسّک بها نجا.

  ـ  وعن الثمالي قال : دخلت حبابة الوالبيّة على أبي جعفر  7 فقالت  : أخبرني يا بن رسول الله، أيّ شيء كنتم في الأخيلة ؟ فقال  7: كنّا نورآ بين يدي الله قبل خلق خلقه ، فلمّـا خلق الخلق سبّحنا فسبّحوا، وهلّلنا فهلّلوا، وكبّرنا فكبّروا، وذلک قوله عزّ وجلّ : (وَأنْ لَوْ آسْتَقاموا عَلى الطَّريقَةِ لأسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقآ) الطريقة حبّ عليّ صلوات الله عليه ، والماء الغدق الماء الفرات وهو ولاية آل محمّد  :.

  ـ  وروي عن أبي عبد الله  7 أنّه قال : نحن شجرة النبوّة ومعدن الرسالة ونحن عهد الله، ونحن ذمّة الله، لم نزل أنوارآ حول العرش نسبّح فيسبّح أهل السماء لتسبيحنا، فلمّـا نزلنا إلى الأرض سبّحنا فسبّح أهل الأرض ، وكلّ علم خرج إلى أهل السماوات والأرض فمنّا وعنّا، وكان في قضاء الله السابق أن لا يدخل النار محبّ لنا، ولا يدخل الجنّة مبغض لنا، لأنّ الله يسأل العباد يوم القيامة عمّـا عهد إليهم ولا يسألهم عمّـا قضى عليهم .

أقول : هذه الروايات الأخيرة نقلها فضل الله بن محمود الفارسي في كتابه (رياض الجنان ) والحافظ البرسي في كتابه (مشارق الأنوار)، ويقول العلّامة المجلسي  1: الأخبار المأخوذة من كتابي الفارسي والبرسي ليست في مرتبة سائر الأخبار في الاعتبار، وإن كان أكثرها موافقآ لسائر الآثار، والله أعلم بأسرار الأئمة الأبرار، والاختلافات الواردة في أزمنة سبق الأنوار يمكن حملها على اختلاف
معاني الخلق ومراتب طهوراتهم في العوالم المختلفة ، فإنّ الخلق يكون بمعنى التقدير، وقد ينسب إلى الأرواح وإلى الأجساد المثاليّة وإلى الطينات ، ولكلّ منها مراتب شتّى .

مع أنّه قد يطلق العدد ويراد به الكثرة لا خصوص العدد، وقد يراعى في ذلک مراتب عقول المخاطبين وأفهامهم ، وقد يكون بعضها لعدم ضبط الرواة ، وسيأتي بعض القول في ذلک في كتاب السماء والعالم إن شاء الله تعالى ـ انتهى كلامه رفع الله مقامه[141] .

 

يا من تسألني عن الولاية تعال لنطرق بابآ جديدآ في علمها ومعرفتها وننظر إليها من زاوية اُخرى ، وذلک على نحو الإجمال والإشارة ، وبإمكانک أن ترجع إلى المطوّلات والمصادر وأهل الخبرة لكسب المعرفة أكثر ولفتح آفاق جديدة في هذا المضمار، فإنّه نذكر حديث الولاية من خلال الروح .

(وَيَسْألونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمرِ رَبِّي وَما اُوتيتُمْ مِنَ العِلـْمِ إلّا قَليلا)[142] .

 

(يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أنْ أنْذِروا أنَّهُ لا إلـهَ إلّا أنا فَاتَّقونِ )[143] .

 

(يَوْمَ يَقومُ الرُّوحُ وَالمَلائِكَةُ صَفَّآ)[144] .

 



وفي القرآن الكريم والسنّة الشريفة آيات وروايات تتعرّض إلى مسألة الروح ، وخلاصة القول فيها، أنّ الروح يطلق على النفس الناطقة التي تدرک الكلّيات ، وعلى النفس الحيوانيّة السارية في البدن المتعلّقة بالجسم النامي الحسّاس المتحرّک بالإرادة ، وعلى خلق عظيم إمّا من جنس الملائكة أو أعظم منهم وأنّه أعظم من جبرئيل وميكائيل ، والأرواح المذكورة في الروايات يمكن أن تكون أرواحآ مختلفة متباينة بعضها في البدن ، وبعضها خارجة عنه ، أو يكون المراد بالجميع النفس الناطقة باعتبار أعمالها وأحوالها ودرجاتها ومراتبها، أو اُطلقت على تلک الأحوال والدرجات ، كما أنّه تطلق عليها النفس الأمّارة واللوّامة والملهمة والمطمئنّة بحسب درجاتها ومراتبها في الطاعة ، والعقل الهيولاني وبالملكة وبالعقل المستفاد بحسب مراتبها في العلم والمعرفة ـكما في الفلسفة ـ. ويحتمل أن أن تكون روح القوّة والشهوة والمدرج كلّها الروح الحيوانية ، وروح الإيمان وروح القدس النفس الناطقة بحسب كمالاتها، أو تكون الأربعة ـكما في الرواية الآتية ـ سوى روح القدس مراتب النفس ، وروح القدس الخلق الأعظم .

  ـ  عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد  7 قال : في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح : روح البدن وروح القدس وروح القوّة وروح الشهوة وروح الإيمان ، وفي المؤمنين أربعة أرواح : روح البدن وروح القوّة وروح الشهوة وروح الإيمان ، وفي الكفّار ثلاثة أرواح : روح البدن وروح القوّة وروح الشهوة ، ثمّ قال : روح الإيمان يلازم الجسد ما لم يعمل بكبيرة ، فإذا عمل بكبيرة فارقه الروح ، وروح القدس من سكن فيه ، فإنّه لا يعمل بكييرة أبدآ[145] .

 



أقول : هذه الرواية تفسّر الروايات التي وردت أنّ المؤمن لا يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ، أي في حالة الزنا تفارقه روح الإيمان ، وأمّا من سكن فيه روح القدس فهو المعصوم النبي أو الإمام  8، فلا يعمل بكبيرة ولا صغيرة أبدآ، وبهذه الروح يعلمون بعلم الله ويعرفون ما هو كائن وما يكون .

  ـ  عن جابر عن أبي جعفر  7 قال : سألته عن علم العالم فقال  : يا جابر، إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح : روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوّة وروح الشهوة ، فبروح القدس يا جابر عرفوا ـعلمناـ ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى ، ثمّ قال : يا جابر، إنّ هذه الأرواح يصيبها الحدثان إلّا أنّ روح القدس لا يلهو ولا يلعب .

  ـ  عن حمران بن أعين قال : سألت علي بن الحسين  7: بأيّ حكم تحكمون ؟ قال : نحكم بحكم آل داود، فإن عيينا شيئآ تلقّانا به روح القدس .

قوله  7: «بحكم آل داود» أي نحكم بعلمنا ولا نسأل بيّنة كما كان داود  7 أحيانآ يفعله .

  ـ  (وَكَذلِکَ أوْحَيْنا إلَيْکَ روحآ مِنْ أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْري ما الكِتاب وَلا الإيْمانُ ) قال : روح القدس هي التي قال الصادق  7 في قوله : (وَيَسْألونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي ) قال : هو ملک أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول الله  9 وهو مع الأئمة ، ثمّ كنّى عن أمير المؤمنين  7 فقال : (وَلِكُلٍّ جَعَلـْنا نورآ نَهْدي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا) والدليل على أنّ النور أمير المؤمنين  7 قوله  : (وَآتَّبَعوا النُّورَ الَّذي اُنْزِلَ مَعَهُ ).

  ـ  بصائر الدرجات بسنده عن المفضّل قال : قلت لأبي عبد الله  7 سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخىً عليه ستره فقال  :
يا مفضّل ، إنّ الله تبارک وتعالى جعل للنبيّ
 9 خمسة أرواح : روح الحياة فبه دبّ ودرج ، وروح القوّة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال ، وروح الإيمان فبه أمر وعدل ، وروح القدس فبه حمل النبوّة ، فإذا قبض النبيّ  9 انتقل روح القدس فصار في الإمام .

وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو ـوهذه هي العصمة في النبيّ والإمام ـ والأربعة الأرواح ـالتي تكون في المؤمنين أيضآـ تنام وتلهو وتغفل وتسهو، وروح القدس ثابت يرى به ما في شرق الأرض وغربها وبرّها وبحرها، قلت : جعلت فداک يتناول الإمام ما ببغداد بيده ؟ قال : نعم ، وما دون العرش[146] .

 

  ـ  عن سعد الإسكاف قال : أتى رجل علي بن أبي طالب  7 يسأله عن الروح أليس هو جبرئيل ؟ فقال له عليّ  7: جبرئيل من الملائكة ، والروح غير جبرئيل ، وكرّر ذلک على الرجل ، فقال له : لقد قلت عظيمآ من القول ، ما أحد يزعم أنّ الروح غير جبرئيل ، فقال له عليّ  7: إنّک ضالّ تروي عن أهل الضلال ، يقول الله تبارک وتعالى لنبيّه  9: (أتى أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّـا يُشْرِكونَ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ ) والروح غير الملائكة .

هذه بعض روايات الروح وآياتها، وإذا أردت التفصيل فارجع إلى المطوّلات ومظانّها[147] ، وأمّا التي تتعلّق بالولاية فهذه الرواية الشريفة .

 


  ـ  بصائر الدرجات بسنده عن محمّد عن الأصبغ بن نباتة قال : أتى رجل أمير المؤمنين  7 فقال : اُناس يزعمون أنّ العبد لا يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ، ولا يأكل الربا وهو مؤمن ، ولا يسفک الدم الحرام وهو مؤمن ، فقد كبر هذا عليّ وحرج منه صدري ، حتّى زعم أنّ هذا العبد الذي يصلّي إلى قبلتي ويدعو دعوتي ـأي يقول بالولاية ـ ويناكحني واُناكحه ويوارثني واُوارثه فأخرجه من الإيمان من أجل ذنب يسير أصابه .

فقال له عليّ  7: صدقک أخوک ، إنّي سمعت رسول الله  9 وهو يقول خلق الله الخلق وهو على ثلاث طبقات ، وأنزلهم ثلاث منازل ، فذلک قوله في الكتاب (أصْحابُ المَيْمَنَةِ وَأصْحابُ المَشْئَمَةِ وَالسَّابِقونَ السَّابِقونَ ) فأمّا ما ذكرت من السابقين فأنبياء مرسلون وغير مرسلين ، جعل الله فيهم خمسة أرواح : روح القدس وروح الإيمان وروح القوّة وروح الشهوة وروح البدن .

فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين ، وبروح الإيمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئآ، وبروح القوّة جاهدوا عدوّهم وعالجوا معايشهم ، وبروح الشهوة أصابوا اللذيذ من الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء، وبروح البدن دبّوا ودرجوا، ثمّ قال : (تِلـْکَ الرُّسُلُ فَضَّلـْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهَ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عيسى بْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وَأيَّدْناهُ بِروحِ القُدُسِ ) ثمّ قال في جماعتهم (وَأيَّدَهُمْ بِروحٍ مِنْهُ ) يقول : أكرمهم بها وفضّلهم على من سواهم .

وأمّا ما ذكرت من أصحاب الميمنة فهم المؤمنون حقّآ بأعيانهم ، فجعل فيهم أربعة أرواح : روح الإيمان وروح القوّة وروح الشهوة وروح البدن ، ولا يزال العبد يستكمل بهذه الأرواح حتّى تأتي الحالات .

قال : وما هذه الحالات ؟ فقال علي  7: أمّا أوّلهنّ فهو كما قال الله :
(وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلـْمٍ شَيْئآ) فهذا ينتقص منه جميع

الأرواح وليس من الذي يخرج من دين الله، لأنّ الله الفاعل ذلک به ردّه إلى أرذل عمره فهو لا يعرف للصلاة وقتآ، ولا يستطيع التهجّد بالليل ، ولا الصيام بالنهار ولا القيام في صفّ مع الناس . فهذا نقصان من روح الإيمان ، فليس يضرّه شيء إن شاء الله وينتقص منه روح القوّة فلا يستطيع جهاد عدوّه ولا يستطيع طلب المعيشة ، وينتقص منه روح الشهوة فلو مرّت به أصبح بنات آدم لم يحنّ إليها ولم يقم ، ويبقى روح البدن فهو يدبّ ويدرج حتّى يأتيه ملک الموت ، فهذا حال خير، لأنّ الله فعل ذلک به ، وقد تأتي عليه حالات في قوّته وشبابه يهمّ بالخطيئة فتشجّعه روح القوّة وتزيّن له روح الشهوة وتقوده روح البدن حتّى توقعه في الخطيئة ، فإذا مسّها انتقص في الإيمان ، ونقصانه من الإيمان ليس بعائد فيه أبدآ أو يتوب ، ـأي إلّا أن يتوب ـ فإن تاب وعرف الولاية تاب الله‌عليه وإن عاد وهو تارک الولاية أدخله الله نار جهنّم .

وأمّا أصحاب المشئمة فهم اليهود والنصارى قول الله تعالى : (الَّذينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفونَهُ كَما يَعْرَفونَ أبْناءَهُمْ ) في منازلهم (وَإنَّ فَريقآ مِنْهُمْ لَيَكْتُمونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمونَ الحَقَّ مِنْ رَبِّکَ ) الرسول من الله إليهم بالحقّ (فَلا تَكونَنَّ مِنَ المُمْتَرينَ ) فلمّـا جحدوا ما عرفوا ابتلاهم الله بذلک الذمّ فسلبهم روح الإيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح : روح القوّة وروح الشهوة وروح البدن ، ثمّ أضافهم إلى الأنعام فقال  : (إنْ هُمْ إلّا كَالأنْعامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ سَبيلا) لأنّ الدابّة إنّما تحمل بروح القوّة وتعتلف بروح الشهوة ، وتسير بروح البدن ، فقال له السائل : أحييت قلبي بإذن الله تعالى[148] .

 



فروح القدس من الملكوت أعظم من جبرئيل وميكائيل مع الرسول الأعظم

محمّد  9 والأئمّة الأطهار أهل البيت  : فإنّ الله سبحانه أيّدهم به ، وروح الإيمان في المؤمن إذا أذنب نقص إلّا أن يتوب توبة نصوح إنّ الله يغفر الذنوب جميعآ، ويكون التائب كيوم ولدته اُمّه ، إلّا أنّه بشرط الولاية وعرفانها ـفإن تاب وعرف الولاية تاب الله عليه ، وإن عاد وهو تارک الولاية أدخله الله نار جهنّم ، فلا يتوفّق للتوبة ، فلا تغفل ، وهذا إن دلّ على شيء يدلّ على عظمة الولاية وأنّها روح الإيمان والعمل ، لولاها لكانا كالميّتين لا قيمة لهما، ولا أثر إلّا الدفن حتّى يتخلّص من ريحها النتن .

فالله سبحانه وتعالى يتوب على من يحمل بين حناياه ولاية آل محمّد  7، ويعفو عمّن أطاع إمامآ هاديآ من الله عزّ وجلّ .

  ـ  عن أبي جعفر  7 قال : قال رسول الله  9: قال الله عزّ وجلّ  : «لاُعذّبن كلّ رعيّة في الإسلام أطاعت إمامآ جائرآ ليس من الله عزّ وجلّ ، وإن كانت الرعيّة في أعمالها برّة تقيّة ، ولأعفونّ عن كلّ رعيّة في الإسلام أطاعت إمامآ هاديآ من الله عزّ وجلّ ، وإن كانت الرعيّة في أعمالها ظالمة مسيئة »[149] .

 

فالعمدة اتّباع أئمّة الحقّ ، وإلّا فالأعمال لا تقبل مع متابعة أئمّة الجور.

  ـ  عن محمّد قال : سمعت أبا جعفر  7 يقول : إنّ أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله والحقّ ، قد ضلّوا بأعمالهم التي يعملونها، كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون على شيء ممّـا كسبوا ذلک هو الضلال البعيد[150] .

 



وإذا أردت أن تعرف خطورة المسألة وما يترتّب عليها من الآثار، وماذا

يجب علينا من المعتقدات الصحيحة ، وكيف يكون تفكيرنا ونظرتنا إلى صدر الإسلام وما جرى على المسلمين الأوائل وكيف نرفض الظلم والفجور وننكر أئمة الجور والفساد.

  ـ  عن الثمالي عن عليّ بن الحسين  8 قال : ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم : من جحد إمامآ من الله، أو ادّعى إمامآ من غير الله، أو زعم أنّ لفلان وفلان في الإسلام نصيبآ.

كما يسمع أخيرآ أنّه لماذا يلعن فلان وفلان ولهما خدمات وسوابق ونصيب في الإسلام ، وقد غفل وموّه عليه ، وقد حفظ شيئآ وغابت عنه أشياء ولا يدري أنّه ما كان انحطاط المسلمين إلّا بتركهم الولاية والإمامة الحقّة والخلافة الحقيقيّة الصادقة بعد رسول الله  9. فما انكسار المسلمين إلّا بعد رحلة نبيّهم ، فقد انقلبوا على أعقابهم وتركوا إمامهم وأميرهم بالحقّ الذي نصبه رسول الله بنصّ من الله سبحانه يوم الغدير وفي مواطن كثيرة ، فضلّوا وأضلّوا وارتدّوا بعد رسول الله عن الولاية الحقّة والإمارة الصادقة والخلافة الإلهيّة إلّا القليل ممّن وفى لرعاية الحقّ فقتل من قتل واُقصي من اُقصي وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة ، إذ كانت الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين .

أجل : عزيزي القارئ : ربما عندما تقرأ هذه الروايات الكثيرة في مقام الولاية وعظمتها، يخطر على ذهنک أنّه يستشمّ منها رائحة الغلوّ ـوالعياذ بالله‌ـ إلّا أنّ الأمر ليس كذلک ، فعلينا أن نعرف حدود الغلوّ في أهل البيت  : حتّى يعلم أنّ ما ذكرناه هو الحقّ الحقيق المطابق للواقع . ولم نزد في معرفة أهل البيت  : غير ما أخبروا به من بعض مقاماتهم وعشر معشار فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم .


فاعلم أيّدک الله في الدارين أنّه ورد في كثير من رواياتهم الشريفة  : أنّهم قالوا: نزّلونا عن الربوبيّة وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا[151] .

 

فحدّ الغلوّ أن يقال في حقّهم أنّهم ليسوا من نوع البشر وأنّهم آلهة ـوالعياذ بالله‌ـ ولهم ما لله سبحانه على نحو الاستقلال ، فإنّهم يرزقون ويخلقون من دون إذن الله، بل على نحو الاستقلال أو التفويض وليس لله في ذلک إرادة ، فهذا كلّه من الغلوّ، ومن يعتقد به فإنّه ملعون في لسان الأئمة الأطهار  : ويتبرّأون منه .

أمّا إذا قلنا إنّهم بشر وإنّهم عباد الله المقرّبون المكرّمون اصطفاهم الله على العالمين ، وفضّلهم على جميع الكائنات ، لما منحهم من الفضائل والمناقب قاب قوسين أو أدنى ، وأنّهم عيبة علم الله وخزّان وحيه ، وأنّهم أطاعوا الله في مقام العبوديّة حتّى بلغوا الغاية القصوى من مظهريّة أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فكانوا خلفاء الله والإنسان الكامل فيما سواه جلّ جلاله ، فأيّ غلوّ في ذلک ، وكلّ ما ذكرناه من الروايات في الولاية إنّما هو في نطاق هذا المعنى وهذه الحدود الواردة بيانها في القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، كما يدلّ على ذلک ما رواه الجهم عن مولانا الإمام الرضا  7.

  ـ  الحسن بن جهم قال : حضرت مجلس المأمون يومآ وعنده عليّ بن موسى الرضا  7 وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم فقال له : يا بن رسول الله بأيّ شيء تصحّ الإمامة لمدّعيها؟ قال : بالنصّ والدلائل .

قال له : فدلالة الإمام فيما هي ؟ قال : في العلم واستجابة الدعوة ، قال : فما
وجه إخباركم بما يكون ؟ قال : ذلک بعهدٍ معهود إلينا من رسول الله
 9. قال : فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس ؟ قال  7: أما بلغک قول الرسول  9 «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله»؟ قال : بلى ، قال : فما من مؤمن إلّا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه وقد جمع الله للأئمة منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين ، وقال عزّ وجلّ في كتابه : (إنَّ في ذلِکَ لآياتٍ لِلـْمُتَوَسِّمينَ ).

فأوّل المتوسّمين رسول الله  9، ثمّ أمير المؤمنين  7 من بعده ، ثمّ الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين إلى يوم القيامة ، قال : فنظر إليه المأمون فقال له  : يا أبا الحسن ، زدنا ممّـا جعل الله لكم أهل البيت .

فقال الرضا  7: إنّ الله عزّ وجلّ قد أيّدنا بروحٍ منه مقدّسة مطهّرة ليست بملک لم تكن مع أحد ممّن مضى إلّا مع رسول الله  9 وهي مع الأئمة منّا تسدّدهم وتوفّقهم ، وهو عمود من نور بيننا وبين الله عزّ وجلّ . قال له المأمون : يا أبا الحسن ، بلغني أنّ قومآ يغلون فيكم ويتجاوزون فيكم الحدّ.

فقال له الرضا  7: حدّثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب  : قال : قال رسول الله  9: «لا ترفعوني فوق حقّي ، فإنّ الله تبارک وتعالى اتّخذني عبدآ قبل أن يتّخذني نبيّآ»، قال الله تبارک وتعالى : (ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يؤتيه اللهُ الكِتابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبوَّةَ ثُمَّ يَقولُ لِلنَّاسِ كونوا عِبادآ لي مِنْ دونِ اللهِ وَلـكِنْ كونوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمونَ الكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسونَ وَلا يَأمُرُكُمْ أنْ تَتَّخِذوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أرْبابآ أيَأمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمونَ ) وقال عليّ  7: «يهلک فيّ اثنان ولا ذنب لي : محبّ مفرط ومبغض مفرّط »، وإنّا لنبرأ إلى الله عزّ وجلّ ممّن يغلو فينا فيرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريم  7 من النصارى ، قال الله عزّ وجلّ  :
(وَإذْ قالَ اللهُ يا عيسى بِنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلـْتَ لِلنَّاسِ آتَّخِذوني وَاُمِّيَ إلـهَيْنَ مِنْ دونِ اللهِ قالَ سُبْحانَکَ ما يَكونُ لي أنْ أقولَ ما لَيْسَ لي بِحَقٍّ إنْ كُنْت قُلـْتَهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسي وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِکَ إنَّکَ أنْتَ عَلّامُ الغُيوبِ ما قُلـْتُ لَهُمْ إلّا ما أمَرْتَني بِهِ أنِ آعْبُدوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهيدآ ما دُمْتُ فيهِمْ فَلَمَّـا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أنْتَ الرَّقيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهيد)، وقال عزّ وجلّ : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسيحُ أنْ يَكونَ عَبْدآ للهِ وَلا المَلائِكَة المُقَرَّبونَ )، وقال عزّ وجلّ : (ما المَسيحُ بْنَ مَرْيَمَ إلّا رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَاُمَّهُ صِدِّيقَهٌ كانا يَأكُلانِ الطَّعامَ ) ومعناه أنّهما كانا يتغوّطان ، فمن ادّعى للأنبياء ربوبيّة أو ادّعى للأئمة ربوبيّة أو نبوّة أو لغير الأئمّة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة .

فقال المأمون : يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة ؟ فقال الرضا  7: إنّها الحقّ وقد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن وقد قال رسول الله  9: «يكون في هذه الاُمّة كلّ ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة »، وقال  7: «إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم  7 فصلّى خلفه »، وقال  7: بدأ الإسلام غريبآ وسيعود غريبآ فطوبى للغرباء. قيل : يا رسول الله ثمّ يكون ماذا؟ قال : ثمّ يرجع الحقّ إلى أهله .

فقال المأمون : يا أبا الحسن ، فما تقول في القائلين بالتناسخ ؟ فقال الرضا  7: من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم يكذب بالجنّة والنار، فقال المأمون : فما تقول في المسوخ ؟ قال الرضا  7: اُولئک قوم غضب الله عليهم فمسخهم فعاشوا ثلاثة أيام ثمّ ماتوا ولم يتناسلوا فما يوجد في الدنيا من القردة والخنازير وغير ذلک ممّـا اُوقع عليه اسم المسوخيّة فهي مثلها لا يحلّ أكلها والانتفاع بها.


قال المأمون : لا أبقاني الله بعدک يا أبا الحسن ، والله ما يوجد العلم الصحيح إلّا عند أهل هذا البيت ، وإليک انتهى علوم آبائک ، فجزاک الله عن الإسلام وأهله خيرآ.

قال الحسن بن جهم : فلمّـا قام الرضا  7 تبعته فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له : يا بن رسول الله، الحمد لله الذي وهب لک من جميل رأي أمير ا... ما حمله على ما أرى من إكرامه لک وقبوله لقولک . فقال  7: يا بن الجهم ، لا يغرّنک ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع منّي ، فإنّه سيقتلني بالسمّ وهو ظالم لي ، أعرف ذلک بعهد معهود إليّ من آبائي عن رسول الله  9، فاكتم هذا عليّ ما دمت حيّآ. قال الحسن بن الجهم : فما حدّثت أحدآ بهذا الحديث إلى أن مضى الرضا  7 بطوس مقتولا بالسمّ ، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبّة التي فيها قبر هارون إلى جانبه[152] .

 

أقول : وهذا من ديدن الظالمين وسياستهم النفاقيّة ، وإن كانوا يعرفون الحقّ وأهله كما يعرفون أبناءهم إلّا أنّهم جحدوا بها واستيقنتها قلوبهم ، فانكروا الولاية والخلافة وعصوا بها وظلموا آل محمّد  :.

والإمام  7 في هذا الخبر الشريف إنّما يكلّم المأمون على قدر عقله ومعرفته ، وإلّا فما يكلّم به أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم فإنّه يختلف ، فحدّثه  7 بشيء لا يمكن إنكاره ، مستدلا بالقرآن الكريم والعقل السليم ، وبيّن حدّ الغلوّ مستشهدآ بعيسى بن مريم  7 أنّه من يقول باُلوهيّته واُلوهيّتهم أو نبوّتهم  : فهذا من الغلوّ الباطل الذي يتبرّأ منه ويلعن صاحبه ، أمّا لو قلنا بأنّهم عباد الله فتقها ورتقها بيده
عزّ وجلّ ، ولهم العلم التامّ والقدرة الكاملة إلّا أنّه بإذن الله وإرادته ، ولا يريدون إلّا ما أراد الله سبحانه ، ولهم من المقامات ما لم يخطر على قلب بشر، وكلّ ما يقال في حقّهم فإنّه عشر معشار ولن تبلغ البشرية في وصفهم ومدحهم ، وأنّى لهم ذلک وهم صنائع الله والخلق صنائعهم ، فأين هذا من الغلوّ؟ بل هذا عين الصواب والحقيقة ، وفوق كلّ ذي علمٍ عليم ، وما اُوتيتم من العلم إلّا قليلا.

  ـ  محمّد بن قولويه بسنده عن يونس قال : سمعت رجلا من الطيّارة ـأي الذين طاروا إلى الغلوّـ يحدّث أبا الحسن الرضا  7 عن يونس بن ظبيان أنّه قال : كنت في بعض الليالي وأنا في الطواف فإذا نداء من فوق رأسي : يا يونس ، إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ، فرفعت رأسي فإذا ج[153]

ـأي جبرئيل ـ فغضب أبو الحسن  7 غضبآ لم يملک نفسه ثمّ قال للرجل  : اخرج عنّي لعنک الله ولعن من حدّثک ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة تتبعها ألف لعنة كلّ لعنة منها تبلغک قعر جهنّم أشهد ما ناداه إلّا شيطان ، أما إنّ يونس مع أبي الخطّاب في أشدّ العذاب ، سمعت ذلک من أبي  7. فقال يونس : فقام الرجل من عنده فما بلغ الباب إلّا عثر خطآ حتّى صرع مغشيآ عليه قد قاء رجيعه ، وحمل ميتآ، فقال أبو الحسن  7: أتاه ملک بيده عمود فضرب على هامته ضربة قلب منها مثانته حتّى قاء رجيعه وعجّل الله بروحه إلى الهاوية وألحقه بصاحبه الذي حدّثه يونس بن ظبيان ، ورأى الشيطان الذي كان يتراءى له[154] .

 



  ـ  عن الفضيل بن يسار قال : قال الصادق  7: احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم ، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبيّة لعباد الله، والله إنّ الغلاة لشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، ثمّ قال  7: إلينا يرجع الغالي فلا نقبله ، وبنا يلحق المقصّر فنقبله ، فقيل له : كيف ذلک يا ابن رسول الله؟ قال : الغالي قد اعتاد ترک الصلاة والزكاة والصيام والحجّ فلا يقدر على ترک عادته ، وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجلّ أبدآ، وإنّ المقصّر إذا عرف عمل وأطاع[155] .

 

  ـ  عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا  7 قال : من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرک ونحن منه براء في الدنيا والآخرة ، يا ابن خالد إنّما وضع الأخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الذين صغّروا عظمة الله تعالى ، فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن والاهم فقد عادانا ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا، ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا، ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا، يا ابن خالد من كان من شيعتنا فلا يتّخذنّ منهم وليّآ ولا نصيرآ.

  ـ  قال أمير المؤمنين  7: لا تتجاوز بنا العبوديّة ثمّ قولوا ما شئتم ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى ، فإنّي بريء من الغالين .


قوله  7: «ولن تبلغوا» أي بعد ما أثبتم لنا العبوديّة كلّ ما قلتم في وصفنا كنتم مقصّرين في حقّنا ولن تبلغوا ما نستحقّه من التوصيف .

  ـ  عن الهروي قال : قلت للرضا  7: يا ابن رسول الله ما شيء يحكيه عنكم الناس ؟ قال : وما هو؟ قلت : يقولون : إنّكم تدّعون أنّ الناس لكم عبيد، فقال : اللهمّ فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، أنت شاهد بأنّي لم أقل ذلک قطّ ولا سمعت أحدآ من آبائي  : قال قطّ ، وأنت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الاُمّة وإنّ هذه منها.

ثمّ أقبل عليّ فقال : يا عبد السلام إذا كان الناس كلّهم عبيدنا على ما حكوه عنّا فممّن نبيعهم ؟ فقلت : يا بن رسول الله صدقت ، ثمّ قال : يا عبد السلام أمنكر أنت لما أوجب الله عزّ وجلّ لنا من الولاية كما ينكره غيرک ؟ قلت : معاذ الله بل أنا مقرّ بولايتكم[156] .

 

أقول : سيّدي ومولاي وإمامي بأبي أنت واُمّي ونفسي وأهلي وأولادي ومالي إنّا نقرّ ونؤمن بولايتكم ونفدي النفس والنفيس من أجلها، ولا نقول ولا نعتقد فيكم إلّا كما تقولون ، فإنّكم عباد الله المكرّمون . أتاكم الله ما لم يأتِ أحدآ من العالمين طأطأ كلّ شريف لشرفكم وكلّ متكبّر لطاعتكم وخضع كلّ متكبّر لفضلكم وذلّ كلّ شيء لكم وأشرقت الأرض بنوركم وفاز الفائزون بولايتكم ، بكم يسلک إلى الرضوان وعلى من جحد ولايتكم غضب الرحمن بأبي أنتم واُمّي ونفسي كيف أصف حسن ثنائكم وأحصي جميل بلائكم وبكم أخرجنا الله من الذلّ وفرّج عنّا غمرات الكروب وأنقذنا من شفا جرف الهلكات ومن النار بأبي أنتم واُمّي
ونفسي بموالاتكم علّمنا الله معالم ديننا وأصلح ما كان فسد من ديننا وبموالاتكم تمّت الكلمة وعظمت النعمة وائتلفت الفرقة وبموالاتكم تقبل الطاعة المفترضة ، ولكم المودّة الواجبة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود والمكان المعلوم عند الله عزّ وجلّ والجاه العظيم والشأن الكبير والشفاعة المقبولة ، ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنک رحمة إنّک أنت الوهّاب سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولا
[157] .

 

  ـ  عن محمّد بن زيد الطبري قال : كنت قائمآ على رأس الرضا عليّ بن موسى  8 بخراسان ، وعنده جماعة من بني هاشم منهم إسحاق بن العباس بن موسى فقال له : يا إسحاق ، بلغني أنّكم تقولون : إنّ الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله  9 ما قلته قطّ ولا سمعته من أحد من آبائي ولا بلغني عن أحد منهم قاله ، لكنّا نقول : الناس عبيد لنا في الطاعة ، موالٍ لنا في الدين ، فليبلغ الشاهد الغائب[158] .

 

  ـ  عن كامل التمّـار قال : كنت عند أبي عبد الله  7 ذات يوم فقال لي  : يا كامل ، اجعل لنا ربّآ نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم .

قال : قلت : نجعل لكم ربّآ تؤبون إليه ونقول فيكم ما شئنا؟ قال : فاستوى جالسآ ثمّ قال : وعسى أن نقول : ما خرج إليكم من علمنا إلّا ألفآ غير معطوفة .

بيان  : قوله  7: غير معطوفة أي نصف حرف ، كناية عن نهاية القلّة ، فإنّ
الألف بالخطّ الكوفي نصفه مستقيم ونصفه معطوف هكذا (ـا)، وقيل : أي ألف ليس

بعده شيء، وقيل : ألف ليس قبله صفر أي باب واحد، والأوّل هو الصواب والمسموع من اُولي الألباب[159] .

 

  ـ  عن مالک الجهني قال : كنّا بالمدينة حين اُجليت الشيعة ، وصاروا فرقآ فتنحّينا عن المدينة ناحية ثمّ خلونا فجعلنا نذكر فضائلهم وما قالت الشيعة إلى أن خطر ببالنا الربوبيّة ، فما شعرنا بشيء إذا نحن بأبي عبد الله  7 واقفآ على حمار فلم ندرِ من أين جاء. فقال : يا مالک ويا خالد، متى أحدثتما الكلام في الربوبيّة ؟ فقلنا : ما خطر ببالنا إلّا الساعة ، فقال : اعلما أنّ لنا ربّآ يكلأنا بالليل والنهار نعبده ، يا مالک ويا خالد قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين ، فكرّرها علينا مرارآ وهو واقف على حماره[160] .

 

  ـ  عن حنان بن سدير، عن أبيه ، قال : قلت لأبي عبد الله  7: إنّ قومآ يزعمون أنّكم آلهة ، يتلون علينا بذلک قرآنآ: (يا أيُّها الرُّسُلُ كُلوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَآعْمَلوا صالِحآ إنِّي بِما تَعْمَلونَ عَليمٌ )، قال : يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء بُراء، بريء الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي والله لا يجمعني وإيّاهم يوم القيامة إلّا وهو عليهم ساخط . قال : قلت : فما أنتم جعلت فداک ؟ قال : خزّان علم الله وتراجمة وحي الله، ونحن قوم معصومون ، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجّة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض[161] .

 



اللهمّ لا تجعلنا من الذين تقدّموا فمرقوا ولا من الذين تأخّروا فمحقوا،

واجعلنا من النمرقة الأوسط .

وإلى مثل هذا ندعو الناس إلى الولاية العظمى والإمامة الكبرى ونذكر فضائل أهل البيت  : ومناقبهم ومثالب أعدائهم والبراءة منهم ، فتدبّر.

هذا والولاية التي ندعو إليها إنّما تعني الإمامة الحقّة والخلافة الكبرى وفرض الطاعة على كافة الورى ، وعلى خلق الله وبها يكون طيّبآ مقبولا، ولا يكون هذا الأمر العظيم إلّا في آل محمّد  :، هم أمير المؤمنين علي  7 والأئمة الهداة من بعده .

  ـ  عن أبي عبد الله  7 قال : مضى رسول الله  9 وخلّف في اُمّته كتاب الله ووصيّه عليّ بن أبي طالب  7 أمير المؤمنين وإمام المتّقين وحبل الله المتين وعروته الوثقى التي لا انفصام لها وعهده المؤكّد صاحبان مؤتلفان يشهد كلّ واحد لصاحبه بتصديق ينطق الإمام عن الله عزّ وجلّ في الكتاب بما أوجب الله فيه على العباد من طاعة الله وطاعة الإمام وولايته وأوجب حقّه الذي أراه الله عزّ وجلّ من استكمال دينه وإظهار أمره والاحتجاج بحجّته والاستضاءة بنوره في معادن أهل صفوته ومصطفى أهل خيرته .

فأوضح الله بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه ، وأبلج بهم عن سبيل مناهجه وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه ، فمن عرف من اُمّة محمّد  9 واجب حقّ إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه ، وعلم فضل طلاوة إسلامه ، لأنّ الله نصب الإمام علمآ لخلقه ، وجعله حجّة على أهل عالمه ، وألبسه الله تاج الوقار، وغشّاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه موادّه ، ولا ينال ما عند الله تبارک وتعالى إلّا بجهة أسباب سبيله ، ولا يقبل الله أعمال العباد إلّا بمعرفته .


فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الوحي ، ومعميّات السنن ومشتبهات الفتن ، ولم يكن الله ليضلّ قومآ بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ، وتكون الحجّة من الله على العباد بالغة[162] .

 

  ـ  الأئمة الهداة كلّهم نور واحد، ففي الطاعة والأمر كلّهم في مجرى واحد وإن كان بعضهم أعلم وأعظم من بعض ، إلّا أنّه في أصل الولاية فلا فرق بين أوّلهم وآخرهم ، ولا يستكمل عبد الإيمان حتّى يعرف أنّه يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم في الحجّة والطاعة والحلال والحرام سواء، ولمحمّد  9 وأمير المؤمنين  7 فضلهما، ولا بدّ من التسليم إليهم في كلّ شيء.

عن يحيى بن زكريا عن أبي عبد الله  7 قال : سمعته يقول : من سرّه أن يستكمل الإيمان فليقل : القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمّد  : فيما أسرّوا وفيما أعلنوا وفيما بلغني وفيما لم يبلغني[163] .

 

  ـ  عن زيد الشحّام قال : قلت لأبي عبد الله  7: أيّما أفضل : الحسن أم الحسين ؟ فقال : إنّ فضل أوّلنا يلحق بفضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق بفضل أوّلنا وكلّ له فضل ، قال : قلت له : جعلت فداک ، وسّع عليّ في الجواب فإنّي والله ما سألتک إلّا مرتادآ فقال : نحن من شجرة طيّبة برأنا الله من طينة واحدة ، فضلنا من الله وعلمنا من عند الله ونحن اُمناؤه على خلقه والدعاة إلى دينه والحجّاب فيما بينه وبين خلقه .


أزيدک يا زيد؟ قلت : نعم . فقال : خلقنا واحد وعلمنا واحد وفضلنا واحد وكلّنا واحد عند الله تعالى ، فقال : أخبرني بعدّتكم ، فقال : نحن اثنا عشر هكذا حول عرش ربّنا عزّ وجلّ في مبتدأ خلقنا، أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد[164] .

 

  ـ  أجل مثل هذه الأحاديث الشريفة يعدّ من الأمر الصعب المستصعب الذي لا يحتمله إلّا ملک مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ، وقليل اُولئک المؤمنون الثابتون وقليل من عبادي الشكور، وإلّا فأكثر الناس لا يفقهون وللحقّ كارهون ، فسرعان ما ينكر مقامات العارفين ، ويقيسهم بنفسه ، ويرى أنّه لا يتمكّن على ذلک ، فيحكم على غيره بالامتناع والاستحالة أيضآ، فينكر ويردّ ويستبعد، وحتّى يؤول أمره في بعض المواقف إلى المحاربة والعداء، فإنّ الناس أعداء ما جهلوا.

والعاقل المنصف عليه أن يتورّع في القبول والردّ، فلا يقبل ولا ينكر إلّا مع الدليل الواضح والرهان القاطع ، وما لا يتحمّله من العلم يرجعه إلى أهله ، فإنّهم أعرف بما قالوا.

عن ميثم التمّـار قال : بينما أنا في السوق إذ أتى أصبغ بن نباتة فقال : ويحک يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين  7 حديثآ صعبآ شديدآ، قلت : وما هو؟ قال  : سمعته يقول : إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملک مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، فقمت من فورتي ، فأتيت عليآ  7
فقلت : يا أمير المؤمنين حديث أخبرني به أصبغ عنک قد ضقت به ذرعآ، فقال 7 : ما هو؟ فأخبرته به فتبسّم ثمّ قال : اجلس يا ميثم ، أو كلّ علم يحتمله عالم ، إنّ الله تعالى قال للملائكة : (إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً قالوا أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفَکُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَنُقَدِّسُ لَکَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ ) فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم ؟ قال : قلت : وإنّ هذا أعظم من ذلک ، قال : والاُخرى أنّ موسى بن عمران أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه ، وذلک إذ خاف على نبيّه العجب قال : فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم قال : فجمع الله بينه وبين الخضر  8 فخرق السفينة فلم يحتمل ذلک موسى وقتل الغلام فلم يحتمله وأقام الجدار فلم يحتمله ، وأمّا النبيّون فإنّ نبيّنا  9 أخذ يوم غدير خم بيدي فقال : «اللهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه » فهل رأيت احتملوا ذلک إلّا من عصم الله منهم ، فأبشروا ثمّ أبشروا، فإنّ الله قد خصّكم بعالم يخصّ به الملائكة والنبيّين والمرسلين فيما احتملتم ذلک في أمر رسول الله  9 وعلمه ، فحدّثوا عن فضلنا ولا حرج ، وعن عظيم أمرنا ولا أثم ، قال : قال رسول الله  9: أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم[165] .

 

قال العلّامة المجلسي في بيان الخبر: لعلّ المراد بآخر الخبر أنّ كلّ ما رويتم في فضلنا فهو دون درجتنا، لأنّا نكلّم الناس على قدر عقولهم ، أو المعنى أنّا كلّفنا بذلک ولم تكلّفوا بذلک فقولوا في فضلنا ما شئتم وهو بعيد.

أقول : لا يبعد ذلک فإنّ زمن الأئمّة  : يختلف عن الأزمنة التي بعد عصورهم ، فإنّ العلم يتطوّر ويتقدّم ، وكما ورد في الخبر الشريف عن الإمام
زين العابدين
 7، أنّه يأتي في آخر الزمان أقوام يتعمّقون فأنزل الله سورة التوحيد وآيات من سورة الحديد لهم[166] ، وهذا يعني أنّ الناس في آخر الزمان كما

يتعمّقون في العلوم والفنون الدنيويّة المعاشيّة كالصناعة الحديثة والتكنولوجيا المتطوّرة في عصر الذرّة وتسخير الفضاء والكومبيوتر، كذلک يتعمّق أقوام في المعارف الإلهيّة والعلوم الاُخرويّة المعاديّة ، فحينئذٍ تنكشف لهم علوم ومعارف جديدة في معرفة الله ورسوله والأئمة الأطهار  :، ومن خلال الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يقف على حقائق جديدة في مناقب أهل البيت  : وفضائلهم ، فالأئمّة  : كلّموا اُناس زمانهم على قدر عقولهم ، ولكن ربما حامل فقه ألى من هو أفقه منه ، فيفهم من نقله وحديثه ما لا يفهمه هو، وإلى مثل هذا المعنى كلّما يقال في أهل البيت من الفضائل مع تطوّر الزمن فإنّه يكون من معشار العشر ـأي واحد بالمئة ـ ولن يبلغوا على ما هم عليه من المقامات الرفيعة في عالم الأنوار.

  ـ  عن أبي عبد الله  7 قال : لو اُذن لنا أن نعلم الناس حالنا عند الله ومنزلتنا منه لما احتملتم ، فقال له : في العلم ؟ فقال : العلم أيسر من ذلک ، إنّ الإمام وكر ـالوكر عشّ الطائرـ لإرادة الله عزّ وجلّ لا يشاء إلّا من يشاء الله[167] .

 

  ـ  عن أسود بن سعيد قال : كنت عند أبي جعفر  7 فقال مبتدئآ من غير أن أسأله : نحن حجّة الله ونحن باب الله ونحن لسان الله ونحن وجه الله ونحن عين الله في خلقه ، ونحن ولاة أمر الله في عباده ، ثمّ قال : يا أسود بن سعيد إنّ بيننا وبين كلّ أرض ترّآ مثل ترّ البنّاء ـخيط البنّاءـ فإذا أمرنا في أمرنا جذبنا ذلک الترّ فأقبلت
إلينا الأرض بقلبها وأسواقها ودورها حتّى تنقذ فيها ما نؤمر فيها من أمر الله تعالى .

أقول : لا يخفى أنّ ما يقولونه  : من المقامات الشامخة والخوارق والمشيّة والعجائب والغرائب التي ينسبونها إليهم إنّما هي بإذن الله وبأمره ومشيّته ، لا على نحو الاستقلال ، إنّما تبعآ لإرادة الله سبحانه ، وبهذا تمتاز العقيدة الحقّة والمؤمن الرسالي عن الغلوّ والغلاة لعنهم الله، فإنّهم ينسبون ذلک إليهم  : على نحو الاستقلاليّة والتفويض حتّى يقولوا باُلوهيّتهم ، فيستصغرون الله ليكبّروا الأئمّة  : كما فعل النصارى مع المسيح بن مريم في نسبته إلى الاُلوهيّة وأنّه ابن الله ـوالعياذ بالله‌ـ فهذا ومثله في الأئمة الهداة المعصومين  : ننكره ونلعن قائله والمعتقد به ، فنقول إنّهم عباد مكرمون ، فننزّلهم عن الربوبيّة ، وحينئذٍ يحقّ لنا أن نقول في فضلهم ومناقبهم ما عرفناه منهم ، ولن نبلغ معشار العشر ـكما ورد في الأخبارـ.

  ـ  عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله  7: يا أبا محمّد، إنّ عندنا سرّآ من سرّ الله وعلمآ من علم الله لا يحتمله ملک مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، والله ما كلّف الله أحدآ ذلک الحمل غيرنا، ولا استعبد بذلک أحدآ غيرنا، وإنّ عندنا سرّآ من سرّ الله وعلمآ من علم الله أمرنا الله بتبليغه فبلّغنا عن الله عزّ وجلّ ما أمرنا بتبليغه ، ما نجد له موضعآ ولا أهلا ولا حمّـالة يحملونه حتّى خلق الله لذلک أقوامآ خلقوا من طينة خلق منها محمّد  9 وذرّيته ، ومن نور خلق الله منه محمّدآ وذرّيته وصنعهم بفضل صنع رحمته التي صنع منها محمّد  9 فبلّغناهم عن الله عزّ وجلّ ما أمرنا بتبليغه فقبلوه واحتملوا ذلک ، وبلغهم ذلک عنّا فقبلوه واحتملوه وبلغهم ذكرنا فمالت قلوبهم إلى معرفتنا وحديثنا، فلولا أنّهم خلقوا من هذا لما كانوا كذلک ولا والله ما احتملوه ، ثمّ قال : إنّ الله خلق قومآ لجهنّم والنار فأمرنا أن نبلّغهم كما بلّغناهم فاشمأزّوا من ذلک ونفرت قلوبهم وردّوه علينا ولم يحتملوه وكذّبوا به
وقالوا: ساحر كذّاب فطبع الله على قلوبهم وأنساهم ذلک، ثمّ أطلق الله‌لسانهم ببعض

الحقّ فهم ينطقون به وقلوبهم منكرة ليكون ذلک دفعآ عن أوليائه وأهل طاعته ، ولولا ذلک ما عبد الله في أرضه ، فأمرنا بالكفّ عنهم والكتمان منهم ، فاكتموا ممّن أمر الله بالكفّ عنهم وأسرّوا عمّن أمر الله بالستر والكتمان منهم ، قال : ثمّ رفع يده وبكى وقال : اللهمّ إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون ، فاجعل محياهم محيانا ومماتهم مماتنا ولا تسلّط عليهم عدوّآ لک فتفجعنا بهم فإنّک إن فجعتنا بهم لم تعبد أبدآ في أرضک[168] .

 

  ـ  يروي العلّامة المجلسي  1 عن والده أنّه وجد في كتاب عتيق روي عن محمّد بن صدقة أنّه قال : سأل أبو ذرّ الغفاري سلمان الفارسي رضي الله عنهما يا أبا عبد الله ما معرفة الإمام أمير المؤمنين  7 بالنورانيّة ؟ قال : يا جندب ، فامضِ بنا حتّى نسأله عن ذلک ، قال : فأتيناه فلم نجده .

قال : فانتظرناه حتّى جاء، قال صلوات الله عليه : ما جاء بكما؟ قالا: جئناک يا أمير المؤمنين نسألک عن معرفتک بالنورانيّة...قال 7:إنّه لايستكمل أحدالإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانيّة ، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وصار عارفآ مستبشرآ ـوالحديث طويل فراجع[169] ـ.

 

  ـ  عن الإمام الباقر في حديث طويل مع جابر: قال  7: يا جابر، إنّ لنا عند الله منزلة ومكانآ رفيعآ، ولولا نحن لم يخلق الله أرضآ ولا سماء ولا جنّة ولا نارآ ولا شمسآ ولا قمرآ ولا نباتآ ولا شجرآ، اخترعنا الله من نور ذاته لا يقاس بنا بشر.

بنا أنقذكم الله عزّ وجلّ وبنا هداكم الله، ونحن والله دللناكم على ربّكم فقفوا على أمرنا ونهينا ولا تردّوا كلّ ما ورد عليكم منّا، فإنّا أكبر وأجلّ وأعظم وأرفع
من جميع ما يرد عليكم ما فهمتموه فاحمدوا الله عليه ، وما جهلتموه فكلوا أمره إلينا

وقولوا: أئمتنا أعلم بما قالوا[170] .

 

  ـ  أجل هذا التسليم من مظاهر الولاية ومعرفتها والأقرار بها، وبمثل هذا تقبل الأعمال .

عن محمّد بن مسلم قال : قال أبو جعفر  7: إنّ رسول الله  9 أنال في الناس وأنال ، وعندنا عرى العلم وأبواب الحكم ومعاقل العلم وضياء الاُمر وأواخيه ، فمن عرفنا نفعه معرفته وقبل منه عمله ، ومن لم يعرفنا لم ينفعه الله بمعرفة ما علم ، ولم يقبل منه عمله[171] .

 

فقبول العمل بمعرفة الأئمة  :، بل وينتفع من علومه بالمعرفة ، فهي مثل الصلاة إن قبلت قبل ما سواها، فلو كانت لا تنفع المرء من علمه ومعارفه الاُخرى ، هكذا أراد الله سبحانه .

ثمّ قوله  7: قد أنال ، أي أعطى وأفاد في الناس العلوم الكثيرة وفرقها في الناس يمينآ وشمالا، وفي سائر الجهات لكلّ من سأله ، لكن عند أهل البيت  : معيار ذلک ، والفصل بين ما هو حقّ وباطل منها، وعندهم شرحها وتفسيرها، وبيان ناسخها ومنسوخها، وعامّها وخاصّها، والعروة : ما يتمسّک به من الحبل وغيره ، والأواخي : جمع الأخية ـبفتح الهمزة وكسر الخاء وتشديد الياء، وقد يخفّف ـ: عود في الحائط يدفن طرفاه ويبرز وسطه تشدّ فيه الدابّة ، أي عندنا ما يشدّ به العلم ويحفظ عن الضياع والتفرّق والتشتّت .


  ـ  ومن كان مؤمنآ مواليآ فإنّه يكون من الصالحين ، ويكون مع الشهداء

والصدّيقين .

عن الحسن بن العباس بن جريش عن أبي جعفر  7 قال : إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأنآ من الشأن[172] ، قلت : جعلت فداک ، أيّ شأن ؟ قال : يؤذن للملائكة  

والنبيّين والأوصياء الموتى ولأرواح الأوصياء والوصيّ الذي يظهر بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء فيطوفون بعرش ربّها اُسبوعآ وهم يقولون : سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح ، حتّى إذا فرغوا صلّوا خلف كلّ قائمة له ركعتين ثمّ ينصرفون ، فتنصرف الملائكة بما وضع الله فيها من الاجتهاد وشديد إعظامهم لما رأوا، وقد زيد في اجتهادهم وخوفهم مثله .

وينصرف النبيّون والأوصياء وأرواح الأحبّاء شديدآ عجبهم ـشديدآ حبّهم ـ وقد فرحوا أشدّ الفرح لأنفسهم ويصبح الوصيّ والأوصياء قد اُلهموا إلهامآ من العلم ، علمآ مثل جمع الغفير، ليس شيء أشدّ سرورآ منهم ، أكتم فوالله لهذا أعزّ عند الله من كذا وكذا عندک حصنه .

قال : يا محبور والله ما يلهم الإقرار بما ترى إلّا الصالحون ، قلت : والله ما عندي كثير الصلاح ، قال : لا تكذب على الله، فإنّ الله قد سمّـاک صالحآ حيث يقول : (اُوْلـئِکَ مَعَ الَّذينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحينَ ) يعني الذين آمنوا بنا وبأمير المؤمنين وملائكته وأنبيائه وجميع حججه عليه وعلى محمّد وآله الطيّبين الطاهرين الأخيار الأبرار السلام[173] .

 



  ـ  أجل هذه هي الولاية التي بها يكون المؤمن مؤمنآ صالحآ كامل الدين .

عن المفضّل عن أبي عبد الله  7 قال : قال أمير المؤمنين  7: اُعطيت تسعآ لم يعطها أحد قبلي سوى النبيّ  9 لقد فتحت لي السُّبل ، وعلمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب . ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي فما غاب عنّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي ، وإنّ بولايتي أكمل الله لهذه الاُمّة دينهم وأتمّ عليهم النعم ورضي لهم إسلامهم إذ يقول يوم الولاية لمحمّد  9: يا محمّد أخبرهم أنّي أكملت لهم اليوم دينهم وأتممت عليهم النعم ورضيت إسلامهم ، كلّ ذلک منّآ من الله عليّ فله الحمد[174] .

 

قال العلّامة المجلسي في بيان الخبر: لقد فتحت لي السبل ، أي طرق العلم بالمعارف والغيوب ، أو القرب إلى الله وعلمت المنايا أي آجال الناس ، والبلايا أي ما يمتحن الله به العباد من الأمراض والآفات أو الأعمّ منها ومن الخيرات ، والأنساب أي أعلم والد كلّ شخص فأعرف أولاد الحلال من الحرام . وفصل الخطاب أي الخطاب الفاصل بين الحقّ والباطل ، أو الخطاب المفصول الواضح الدلالة على المقصود، أو ما كان من خصائصه .

  ـ  ولا يخفى أنّ معرفة الولاية لها مراتب كمراتب النور الحسّي ، فمن الناس الموالين من يعرف الولاية في أدنى مراتبها، ومنهم من يعرف حقّ المعرفة مع البرهان القاطع والدليل الساطع ، والعجب أنّ الداني يعترض على العالي ويعيبه حتّى ينقص من حقّ الأئمّة  : جهلا.

عن ضريس الكناسي قال : سمعت أبا جعفر  7 يقول وعنده اُناس من
أصحابه وهم حوله : إنّي لأعجب من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمّة ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة الله، ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم لضعف قلوبهم فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلک على من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترون الله افترض طاعة أوليائه على عباده ثمّ يخفي عليهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّـا فيه قوام دينهم .

فقال له حمران : يا بن رسول الله أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين والحسن والحسين وخروجهم وقيامهم بدين الله وما اُصيبوا به من قبل الطواغيت والظفر بهم حتّى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر  7: يا حمران إنّ الله تبارک وتعالى قد كان قدّر ذلک عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار، ثمّ أجراه عليهم فيتقدّم علم إليهم من رسول الله  9 قام عليّ والحسن والحسين  : ويعلم صمت من صمت منّا، ولو أنّهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من ذلک سألوا الله أن يدفع عنهم وألحّوا عليه في إزالة ملک الطواغيت وذهاب ملكهم لزال أسرع من سلک منظوم انقطع فتبدّد، وما كان الذي أصابهم لذنب اقترفوه ولا لعقوبة معصية خالفوا فيها، ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغهم إيّاها فلا تذهبنّ بک المذاهب فيهم[175] .

 

قال العلّامة المجلسي في بيان الخبر الشريف : ثمّ يكسرون حجّتهم ، أي على المخالفين ، لأنّه حجّته عليهم أنّ إمامهم كامل في العلم ، وإمام المخالفين ناقص ، فإذا اعترفوا في إمامهم أيضآ بالنقص والجهل فقد كسروا وأبطلوا حجّتهم عليهم ، ويخصمون أنفسهم ، أي يقولون بشيء إن تمسّک به المخالفون غلبوا عليهم ، فإنّ لهم أن
يقولوا: لا فرق بين إمامنا وإمامكم ، يقال : خصمه كضربه : إذا غلب عليه في الخصومة . ويقال : نقصه حقّه : إذا لم يؤدّه إليه ، ويعيبون ذلک أي أداء حقّنا وعرفان أمرنا وبرهان حقّ معرفتنا، أي من الكتاب والسنّة فأقرّوا بغاية علمنا، ثمّ يخفى ، ثمّ التراخي الرتبي ، ومواد العلم . ما يمكنهم استنباط علوم الحوادث والأحكام وغيرهما منه ممّـا ينزّل عليهم في ليلة القدر وغيره ، والمادّة : الزيادة المتّصلة ، فيما يرد عليهم أي من القضايا وما يسألون عنه من الأخبار، وقوام دينهم كما يكون في الأحكام كذلک يكون في الإخبار بالحوادث فإنّه يصير سببآ لزيادة يقينهم فيهم . أرأيت : أي أخبرني ما كان من تلک الاُمور لأيّ سبب كان ؟ فإنّ هذه توهم عدم علمهم بما يكون ، على سبيل الاختيار: أي أخبرهم بذلک ورضوا به ولذا لم يفرّوا منه ، كما سيأتي في الأخبار.

وفي بعض النسخ بالباء الموحّدة ـالاختبارـ والأوّل أظهر لقوله : بتقدّم علم ، وكذا قوله : ولو أنّهم بيان لكون تلک الاُمور باختيارهم ، وحيث ظرف مكان استعمل في الزمان . من سلک ، أي من انقطاع سلک . والتبدّد: التفرّق والاقتراف  : الاكتساب .

والحاصل : أنّهم ليسوا بداخلين تحت قوله تعالى : (ما أصابَكُمْ مِنْ مُصيبَةٍ ) الآية ، بل الخطاب فيها إنّما توجّه إلى أرباب الخطايا من الاُمّة ، وفيهم إنّما هي رفع درجاتهم ، فلا تذهبنّ بک المذاهب : الباء للتعدية ، والمذاهب : الأهواء المضلّة أي لا تتوهّمنّ أنّ ذلک لصدور معصية منهم أو لنقص قدرهم ، أو لأنّهم لم يعلموا ما يصيبهم .

هذا ولا بأس أن نستضيء بالولاية بنورها الآخر، فمن أنوارها اللامعة أنّ مدحهم وذكر فضائلهم يوجب غفران الذنوب ، كما أنّ القائل فيهم بيتآ من الشعر بنى
الله له بيتآ في الجنّة .

  ـ  عن الإمام الصادق  7 قال : قال رسول الله  9: إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة ، فمن قرأ فضيلة من فضائله مقرّآ بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة يستغفرون له ما بقي لتلک الكتابة رسم ، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالسمع ، ومن نظر إلى كتابة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر[176] .

 

  ـ  قال أبو عبد الله  7: من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتآ في الجنّة .

  ـ  قال  7: ما قال فينا قائل بيت شعر حتّى يؤيّد بروح القدس[177] .

 

  ـ  عن الحسن بن الجهم قال : سمعت الرضا  7 يقول : ما قال فينا مؤمن شعرآ يمدحنا به إلّا بنى الله تعالى له مدينة في الجنّة أوسع من الدنيا سبع مرّات يزوره فيها كلّ ملک مقرّب وكلّ نبيّ مرسل[178] .

 

  ـ  قال نصر بن الصباح البلخي : عبد الله بن غالب الشاعر الذي قال له أبو عبد الله  7 إنّ ملكآ يلقي عليه الشعر، وإنّي لأعرف ذلک الملک[179] .

 

وأمّا أخذ فضائل أهل البيت  : من مخالفيهم فقد ورد النهي عن ذلک .

  ـ  عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قلت للرضا  7: يا ابن رسول الله إنّ
عندنا أخبارآ في فضائل أمير المؤمنين
 7 وفضلكم أهل البيت وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عنكم ، أفندين بها؟ فقال : يا بن أبي محمود لقد أخبرني أبي عن أبيه عن جدّه  : أنّ رسول الله  9 قال : من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس .

ثمّ قال الرضا  7: يا بن أبي محمود، إنّ مخالفينا وضعوا أخبارآ في فضائلنا وجعلوها في أقسام ثلاثة : أحدها الغلوّ، وثانيها التقصير في أمرنا، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله عزّ وجلّ : (وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوآ بِغَيْرِ عِلـْمٍ )، يا بن أبي محمود، إذا أخذ الناس يمينآ وشمالا فالزم طريقتنا فإنّه من لزمنا لزمناه ، ومن فارقنا فارقناه ، إنّ أدنى ما يخرج الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة : هذه نواة ، ثمّ يدين بذلک ويبرأ ممّن خالفه ، يا بن أبي محمود، احفظ ما حدّثتک به فقد جمعت لک فيه خير الدنيا والآخرة[180] .

 

يقول العلّامة المجلسي في بيان الخبر: النهي عن الاعتقاد بما تفرّد به المخالفون من فضائلهم لا ينافي جواز الاحتجاج عليهم بأخبارهم ، فإنّه لا يتأتّى إلّا بذلک ، ولا ذكر ما ورد في طريق أهل البيت  : من طريق المخالفين أيضآ تأييدآ وتأكيدآ.

  ـ  عن الإمام الصادق  7 أنّه قال : يا أبا بصير نحن شجرة العلم ونحن
أهل بيت النبيّ
 9 وفي دارنا مهبط جبرئيل ، ونحن خزّان علم الله، ونحن معادن وحي الله، ومن تبعنا نجا ومن تخلّف عنّا هلک ، حقّآ على الله عزّ وجلّ[181] .

 

  ـ  عن محمّد بن مسلم قال : سمعت أبا عبد الله  7 يقول : إنّ لله عزّ وجلّ خلقآ خلقهم من نوره ورحمته لرحمته ، فهم عين الله الناظرة واُذنه السامعة ولسانه الناطق في خلقه بإذنه ، واُمناؤه على ما أنزل من عدر أو نذر أو حجّة ، فبهم يمحو الله السيّئات وبهم يرفع الضيم ، وبهم ينزل الرحمة ، وبهم يحيي ميتآ ويميت حيّآ، وبهم يبتلي خلقه وبهم يقضي في خلقه قضيّة قلت : جعلت فداک ، من هؤلاء؟ قال  : الأوصياء.

  ـ  عن الإمام الباقر  7: نحن حجّة الله ونحن باب الله ونحن لسان الله ونحن وجه الله ونحن عين الله في خلقه ونحن ولاة أمر الله في عباده[182] .

 

  ـ  قال الإمام الصادق  7: نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله وعيبة وحي الله وأهل دين الله، وعلينا نزل كتاب الله، وبنا عبد الله ولولانا ما عرف الله، ونحن ورثة نبيّ الله وعترته[183] .

 

بيان  : قوله : وبنا عُبد الله، أي نحن علّمنا الناس طريق عبادة الله، أو نحن عبدنا الله حقّ عبادته بحسب الإمكان ، أو بولايتنا عُبد الله فإنّها أعظم العبادات ، أو بولايتنا صحّت العبادات فإنّها من أعظم شرائطها...

  ـ  قال أبو عبد الله  7: إنّ الله تبارک وتعالى انتجبنا صفوته من خلقه
واُمناؤه على وحيه وخزّانه في أرضه وموضع سرّه وعيبة علمه ، ثمّ أعطانا الشفاعة

فنحن اُذنه السامعة وعينه الناظرة ولسانه الناطق بإذنه واُمناؤه على ما نزل من عذر ونذر وحجّة[184] .

 

  ـ  عن أبي خالد القمّـاط عن أبي عبد الله  7 قال : قلت له : يا بن رسول الله ما منزلتكم من ربّكم ؟ فقال : حجّته على خلقه وبابه الذي يؤتى منه واُمناؤه على سرّه وتراجمة وحيه .

  ـ  عن خيثمة عن أبي جعفر  7 قال : سمعته يقول : نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث الأنبياء ونحن اُمناء الله ونحن حجّة الله ونحن أركان الإيمان ونحن دعائم الإسلام ونحن رحمة الله على خلقه . ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم ، ونحن أئمّة الهدى ومصابيح الدجى ونحن منار الهدى ونحن السابقون ونحن الآخرون ونحن العلم المرفوع للخلق من تمسّک بنا لحق ومن تخلّف عنّا غرق .

ونحن قادة الغرّ المحجّلين ونحن خيرة الله ونحن الطريق وصراط الله المستقيم إلى الله، ونحن من نعمة الله على خلقه ونحن المنهاج ونحن معدن النبوّة ونحن موضع الرسالة ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة ونحن السراج لمن استضاء بنا ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنّة ، ونحن عزّ الإسلام ، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها سبق ، ومن تخلّف عنها محق ، ونحن السنام الأعظم ، ونحن الذين بنا تنزل الرحمة وبنا تسقون الغيث ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب ، فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا[185] .

 



  ـ  عن أمير المؤمنين  7 قال : إنّ الله عزّ وجلّ طهّرنا وعصمنا وجعلنا

شهداء على خلقه وحجّته في أرضه ، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا[186] .

 

  ـ  عن زياد بن المنذر قال : سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ  7 وهو يقول  : نحن شجرة أصلها رسول الله وفرعها أمير المؤمنين علي وأغصانها فاطمة بنت محمّد وثمرتها الحسن والحسين  8 فإنّها شجرة النبوّة وبيت الرحمة ومفتاح الحكمة ومعدن العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سرّ الله ووديعته والأمانة التي عرضت على السماوات والأرض وحرم الله الأكبر وبيت الله العتيق وحرمه ـإلى أن يقول والحديث طويل ـ: هؤلاء الذين افترض الله مودّتهم وولايتهم على كلّ مسلم ومسلمة فقال في محكم كتابه لنبيّه  9: (قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْرآ إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْنآ إنَّ اللهَ غَفورٌ شَكورٌ)، فقال أبو جعفر 7 : اقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت[187] .

 

  ـ  عن الإمام الصادق  7 قال : أيّها الناس إنّ أهل بيت نبيّكم شرّفهم الله بكرامته واستحفظهم سرّه واستودعهم علمه ، فهم عماد لدينه شهداء علمه ، برأهم قبل خلقه ، وأظلّهم تحت عرشه واصطفاهم فجعلهم علم عباده ودلّهم على صراطه .

فهم الأئمّة المهديّة والقادة البررة والاُمّة الوسطى ، عصمة لمن لجأ إليهم ونجاة لمن اعتمد عليهم ، يغتبط من والاهم ويهلک من عاداهم ويفوز من تمسّک بهم فيهم
نزلت الرسالة وعليهم هبطت الملائكة وإليهم نفث الروح الأمين ، وآتاهم الله

ما لم يؤتِ أحدآ من العالمين ، فهم الفروع الطيّبة والشجرة المباركة ومعدن العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، وهم أهل بيت الرحمة والبركة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرآ[188] .

 

  ـ  وروي عن محمّد بن سنان عن أبي عبد الله  7 قال : نحن جنب الله ونحن صفوة الله ونحن خيرة الله ونحن مستودع أحاديث الأنبياء ونحن اُمناء الله ونحن وجه الله ونحن آية الهدى ونحن العروة الوثقى ، وبنا فتح الله وبنا ختم الله، ونحن الأوّلون ونحن الآخرون ، ونحن أخبار الدهر ونواميس العصر، ونحن سادة العباد وساسة البلاد ونحن النهج القويم والصراط المستقيم ونحن علّة الوجود ـعلّة غائيّة ـ وحجّة المعبود لا يقبل الله عمل عامل جهل حقّنا. ونحن قناديل النبوّة ومصابيح الرسالة ونحن نور الأنوار وحكمة الجبّار ونحن راية الحقّ التي من تبعها نجا ومن تأخّر عنها هوى ، ونحن أئمة الدين وقائد الغرّ المحجّلين ونحن معدن النبوّة وموضع الرسالة وإلينا تختلف الملائكة ونحن سراج لمن استضاء والسبيل لمن اهتدى ونحن القادة إلى الجنّة ونحن الجسور والقناطر ونحن السنام الأعظم . وبنا ينزل الغيث وبنا ينزل الرحمة وبنا يدفع العذاب والنقمة ، فمن سمع هذا الهدى فليتفقّد في قلبه حبّنا فإن وجد فيه البغض لنا والإنكار لفضلنا فقد ضلّ عن سواء السبيل ، لأنّا حجّة المعبود وترجمان وحيه وعيبة علمه وميزان قسطه . ونحن فروع الزيتونة وربائب الكرام البررة ونحن مصباح المشكاة التي فيها نور النور، ونحن صفوة الكلمة الباقية إلى يوم الحشر المأخوذ لها الميثاق والولاية من الذرّ[189] .

 



  ـ  عن ابن أبي يعفور قال : قال أبو عبد الله  7: إنّ الله واحد أحد

متوحّد بالوحدانيّة متفرّد بأمره خلق خلقآ ففوّض إليهم أمر دينه ، فنحن هم يا ابن أبي يعفور، نحن حجّة الله في عباده وشهداؤه على خلقه واُمناؤه على وحيه وخزّانه على علمه ووجهه الذي يؤتى منه وعينه في بريّته ولسانه الناطق وبابه الذي يدلّ عليه ، نحن العالمون بأمره والداعون إلى سبيله ، بنا عرف الله وبنا عبد الله، نحن الأدلّاء على الله، ولولانا ما عبد الله[190] .

 

أقول : لنا مثل هذه الروايات الشريفة المئات ، وزبدة المخاض فيها أنّها تذكر مقامات الأئمّة الأطهار  :، وأنّهم عباد الله المكرمون من بيت الوحي والنبوّة ، ففضائلهم دون الاُلوهيّة ، فلا غلوّ حينئذٍ بل كلّ ما يقال فهو معشار عشر، ولن نبلغ كما أخبروا  : بذلک «نزّلونا عن الربوبيّة وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا».

ويقول شيخنا الصدوق عليه الرحمة في اعتقاداته ، وهي خلاصة معتقدات أتباع مذهب أهل البيت  :: اعتقادنا أنّ حجج الله عزّ وجلّ على خلقه بعد نبيّه محمّد  9 الأئمّة الاثنا عشر: أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن علي ثمّ جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى الرضا ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ الحجّة الائم المنتظر صاحب الزمان وخليفة الرحمان صلوات الله عليهم أجمعين .

واعتقادنا فيهم أنّهم اُولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ، وأنّهم الشهداء على الناس وأنّهم أبواب الله والسبيل إليه والأدلّة عليه وأنّهم عيبة علمه وتراجمة وحيه وأركان توحيده وأنّهم معصومون من الخطأ والزلل وأنّهم الذين أذهب الله عنهم
الرجس وطهّرهم تطهيرآ، وأنّ لهم المعجزات والدلائل وأنّهم أمان أهل الأرض كما أنّ النجوم أمان أهل السماء وأنّ مثلهم في هذه الاُمّة كمثل سفينة نوح من ركبها نجا وكباب حطّة ، وأنّهم عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

ونعتقد أنّ حبّهم إيمان وبغضهم كفر، وأنّ أمرهم أمر الله ونهيهم نهيه وطاعتهم طاعته ومعصيتهم معصيته ، ووليّ الله وليّهم وعدوّ الله عدوّهم .

ونعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على الخلق ظاهر أو خاف مغمور ونعتقد أنّ حجّة الله في أرضه وخليفته على عباده في زماننا هذا هو القائم المنتظر ابن الحسن وأنّه هو الذي أخبر به النبيّ  9 عن الله عزّ وجلّ باسمه ونسبه ، وأنّه هو الذي يملأ الأرض قسطآ وعدلا كما ملئت ظلمآ وجورآ، وأنّه هو الذي يظهر الله به دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون ، وأنّه هو الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها حتّى لا يبقى في الأرض مكان إلّا ينادى فيه بالأذان ويكون الدين كلّه لله، وأنّه هو المهدي الذي أخبر النبيّ  9 به : أنّه إذا خرج نزل عيسى بن مريم  7 فصلّى خلفه ، ويكون إذا صلّى خلفه مصلّيآ خلف رسول الله لأنّه خليفته ، ونعتقد أن لا يكون القائم غيره باقٍ في غيبته لأنّ النبيّ والأئمّة  : باسمه ونسبه نصّوا، وبه بشّروا صلوات الله عليه[191] .

 

أقول : يا من تسألني عن الولاية ، ولماذا هذا الإصرار الشديد عليها، إنّما أدعوک لولاية هذا الإمام القائم المنتظر عجّل الله فرجه صاحب العصر والزمان ، قطب عالم الإمكان ولولاه لساخت الأرض بأهلها، فبيُمنه رزق الورى ، وبوجوده
ثبت الأرض والسماء، وأنّه خليفة الله وخليفة رسوله ، وأنّه خاتم الأوصياء
 :، جمع علم الأوّلين والآخرين ، ومن مات ولم يعرفه مات ميتة الجاهليّة والكفر، فمأواه جهنّم وبئس المصير، وأنّه يخسر الدنيا والآخرة ، وذلک هو الخسران المبين .

فتعال لنزداد معرفة وولاء وطاعةً ومودّة بأهل البيت  :، وقيمة كلّ امرئ في الدارين ما يحسنه من المعرفة والولاية .

  ـ  عن مولانا أبي محمّد العسكري  7: أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب ونسوا الله ربّ الأرباب والنبيّ وساقي الكوثر في مواقف الحساب ، وبطروا الطامة الكبرى ونعيم دار الثواب فنحن السنام الأعظم ، وفينا النبوّة والولاية والكرم ، ونحن منار الهدى والعروة الوثقى ، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا، ويقتفون آثارنا، وسيظهر حجّة الله على الخلق بالسيف المسلول لإظهار الحقّ .

  ـ  وقال  7: قد صعدنا ذُرى الحقائق بأقدام النبوّة والولاية ، ونوّرنا سبع طبقات أعلام الفتوى بالهداية ، فنحن ليوث الوغى ـالحرب ـ وغيوث الندى وطعّان العدى ، وفينا السيف والقلم في العاجل ، ولواء الحمد والحوض في الآجل ، وأسباطنا خلفاء الدين وخلفاء النبيّين ومصابيح الاُمم ومفاتيح الكرم[192] .

 

  ـ  قال أمير المؤمنين  7: نحن شجرة النبوّة ومحطّ الرسالة ومختلف الملائكة ومعادن العلم وينابيع الحكم ، ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرحمة ، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة[193] .

 



  ـ  وقال  7 في بعض خطبه : نحن الشعار والأصحاب والخزنة والأبواب لا تؤتى البيوت إلّا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقآ، فهم كرائم القرآن وكنوز الرحمن إن نطقوا صدقوا وإن صمتوا لم يسبقوا[194] .

 

  ـ  وقال  7 في خطبة يذكر فيها أنّ آل محمّد  :: هم عيش العلم وموت الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه ، هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ في نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية ، وإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل[195] .

 

  ـ  عن تفسير القمّي بسنده عن أبي عبد الله  7 قال : كان ممّـا ناجى الله موسى  7: إنّي لا أقبل الله إلّا ممّن تواضع لعظمتي وألزم قلبه خوفي ، وقطع نهاره بذكري ، ولم يبت مصرّآ على خطيئته ، وعرف حقّ أوليائي وأحبّائي ، فقال موسى  : يا ربّ تعني بأوليائک وأحبّائک إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؟ فقال : هم كذلک ، إلّا أنّي أردت بذلک مَن مِن أجله خلقت آدم وحوّاء، ومَن مِن أجله خلقت الجنّة والنار، فقال : ومن هو يا ربّ ؟ فقال : محمّد أحمد شققت اسمه من اسمي لأنّي أنا المحمود وهو محمّد، فقال موسى : يا ربّ اجعلني من اُمّته ، فقال له : يا موسى أنت من اُمّته إذا عرفت منزلته ومنزلة أهل بيته ، إنّ مثله ومثل أهل بيته فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لا ينتشر ورقها ولا يتغيّر طعمها، فمن عرفهم وعرف حقّهم جعلت له عند الجهل علمآ، وعند الظلمة نورآ، اُجيبه قبل أن يدعوني واُعطيه
قبل أن يسألني
[196] .

 

  ـ  عن جابر عن أبي جعفر عن أبيه عن جدّه  :: إنّ رسول الله  9 قال لعليّ  7: أنت الذي احتجّ الله بک في ابتدائه الخلق حيث أقامهم أشباحآ فقال لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا: بلى . قال : ومحمّد رسولي ؟ قالوا: بلى . قال : وعليّ أمير المؤمنين ؟ فأبى الخلق جميعآ إلّا استكبارآ وعتوّآ عن ولايتک إلّا نفر قليل ، وهم أقلّ الأقلّين وهم أصحاب اليمين[197] .

 

  ـ  عن داود الرقّي قال : سألت أبا عبد الله  7 عن قوله عزّ وجلّ  : (وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ) فقال لي : ما يقولون ؟ قلت : يقولون إنّ العرش كان على الماء والربّ فوقه . فقال : فقد كذبوا، من زعم هذا فقد صيّر الله محمولا ووصفه بصفة المخلوقين ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه . قلت : بيّن لي جعلت فداک ، فقال  : إنّ الله حمّل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر، فلمّـا أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : من ربّكم ؟ فكان أوّل من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم ، فقالوا: أنت ربّنا فحملهم العلم والدين ، ثمّ قال للملائكة : هؤلاء حملة علمي وديني واُمنائي في خلقي وهم المسؤولون . ثمّ قيل لبني آدم : أقرّوا لله بالربوبيّة ، ولهؤلاء النفر بالطاعة ، فقالوا : ربّنا أقررنا، فقال للملائكة : اشهدوا، فقالت الملائكة : شهدنا على أن لا يقولوا إنّا
كنّا عن هذا غافلين ، أو يقولوا: إنّما أشرک آباؤنا من قبل وكنّا ذرّية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ، يا داود ولايتنا مؤكّدة عليهم في الميثاق
[198] .

 

  ـ  عن أبي الحسن  7 قال : ولاية عليّ مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله نبيّآ إلّا بنبوّة محمّد ووصيّه عليّ صلوات الله عليه[199] .

 

  ـ  عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله  9 يقول : يا عليّ ما بعث الله نبيّآ إلّا وقد دعاه إلى ولايتک طائعآ أو كارهآ[200] .

 

  ـ  عن حذيفة بن اُسيد قال : قال رسول الله  9: ما تكاملت النبوّة لنبيّ في الأظلّة حتّى عرضت عليه ولايتي وولاية أهل بيتي ومثّلوا له فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم .

  ـ  قال أبو عبد الله  7: ما نبّئ نبيّ قطّ إلّا بمعرفة حقّنا وبفضلنا على من سوانا.

  ـ  قال أبو جعفر  7: ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيّآ إلّا بها.

قال العلّامة المجلسي في بيان الخبر: ولاية الله: أي ولاية واجبة من الله على جميع الاُمم ، أو الحمل على المبالغة أي لا تقبل ولاية الله إلّا بها.

أقول : بل يحمل على الحقيقة فإنّ ولايتهم حقيقة هي ولاية الله، كما أنّ ولايته عزّ وجلّ ولايتهم  : كما في الإرادة والمشيئة ، فلا يشاؤون إلّا أن يشاء الله ومشيّة الله تتجلّى في مشيّتهم ، فمشيّتهم مرآة مشيّة الله سبحانه وتعالى فلا تغفل .


  ـ  عن أمير المؤمنين عليّ  7: إنّ الله عرض ولايتي على أهل السماوات وعلى أهل الأرض أقرّ بها من أقرّ وأنكرها من أنكر، أنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتّى أقرّ بها.

أقول : إنكار يونس لم يكن إنكارآ كلّيآ فإنّ ذلک يوجب الكفر، بل إنكاره إنكار الولاية العظمى التامّة التي لا يتحمّلها إلّا ملک مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان ، ومعرفتها لها مراتب طولية وعرضية فهي من الكلي ذات التشكيک ، فتأمّل .

  ـ  عن جابر الجعفي عن الباقر صلوات الله عليه قال : سألته عن تعبير الرؤاى عن دانيال أهو صحيح ؟ قال : نعم ، كان يوحى إليه وكان نبيّآ، وكان ممّـا علّمه الله تأويل الأحاديث وكان صدّيقآ حكيمآ، وكان والله يدين بمحبّتنا أهل البيت ، قال جابر: يمحبّتكم أهل البيت ؟ قال : إي والله وما من نبيّ ولا ملک إلّا وكان يدين بمحبّتنا[201] .

 

  ـ  ابن سنان عن المفضّل قال : قال لي أبو عبد الله  7: إنّ الله تبارک وتعالى توحّد بملكه فعرّف عباده نفسه ثمّ فوّض إليهم أمره وأباح لهم جنّته فمن أراد أن يطهّر قلبه من الجنّ والإنس عرّفه ولايتنا، ومن أراد أن يطمس على قلبه أمسک عنه معرفتنا. ثمّ قال : يا مفضّل ، والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلّا بولاية عليّ  7، وما كلّم الله موسى تكليمآ إلّا بولاية عليّ  7، ولا أقام الله عيسى بن مريم آية للعالمين إلّا بالخضوع لعليّ  7، ثمّ قال : أجمل الأمر ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلّا بالعبوديّة لنا.


أقول : ربما المراد (بالعبوديّة لنا) إطاعتنا، فإنّ إطاعتهم إطاعة الله سبحانه ،

أو المراد الإقرار بأنّهم معلّموا الخلق ، ومن علّمني حرفآ صيّرني عبدآ، أو المراد الخضوع لمقامهم ومنازلهم الرفيعة ، فكمال الإنسان في الدنيا والآخرة إنّما هو الإقرار بولايتهم العظمى التي منها الخضوع والعبوديّة والطاعة والمودّة ، وهذا من معنى أن يكون أهلا للنظرة الإلهيّة ورحمته الواسعة ، فتدبّر.

قال شيخنا الصدوق عليه الرحمة في اعتقاداته : يجب أن يعتقد أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق خلقآ أفضل من محمّد  9 والأئمة  : وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم وأوّلهم إقرارآ به لما أخذ الله ميثاق النبيّين في الذرّ، وأنّ الله تعالى أعطى كلّ نبيّ على قدر معرفته نبيّنا  9 وسبقه الإقرار به ، ويعتقد أنّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته  :، وأنّه لولاهم ما خلق السماء ولا الأرض ولا الجنّة ولا النار ولا آدم ولا حوّاء ولا الملائكة ولا شيئآ ممّـا خلق صلوات الله عليهم أجمعين .

قال العلّامة المجلسي  1: تأكيد وتأييد: اعلم أنّ ما ذكره ؛ من فضل نبيّنا وأئمتنا صلوات الله عليهم على جميع المخلوقات وكون أئمتنا  : أفضل من سائر الأنبياء، وهو الذي لا يرتاب فيه من تتبّع أخبارهم  : على وجه الإذعان واليقين ، والأخبار في ذلک أكثر من أن تحصى ، وإنّما أوردنا في هذا الباب قليلا منها، وهي متفرّقة في الأبواب لا سيّما باب صفات الأنبياء وأصنافهم  :، وباب أنّهم  : كلمة الله، وباب بدو أنوارهم ، وباب أنّهم أعلم من الأنبياء، وأبواب فضائل أمير المؤمنين وفاطمة صلوات الله عليهما، وعليه عمدة الإماميّة ولا يأبى ذلک إلّا جاهل بالأخبار[202] .

 



وقال الشيخ المفيد ؛ في كتاب المقالات (42): قد قطع قوم من أهل

الإمامة بفضل الأئمة من آل محمّد  : على سائر من تقدّم من الرسل والأنبياء سوى نبيّنا محمّد  9، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى اُولي العزم منهم  :، وأبى القولين فريق منهم آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر الأئمة  :.

وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال ، ولا على أحد الأقوال إجماع ، وقد جاءت آثار عن النبيّ  9 في أمير المؤمنين  7 وذرّيته من الأئمة : والأخبار عن الأئمة الصادقين  : أيضآ من بعد، وفي القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قاله الفريق الأوّل في هذا المعنى ، وأنا ناظر فيه وبالله أعتصم من الضلال .

أقول : لمّـا كانت المعرفة من الكلّي ذات التشكيک ولها مراتب كثيرة ، كالنور الحسّي ، واُمّهاتها عبارة عن المعرفة الجلاليّة التي عند عامّة الناس ، والمعرفة الجماليّة التي يختصّ بها الخواصّ ، والمعرفة الكماليّة التي يتحلّى بها خاصّ الخواصّ ، ومنهم الفريق الأوّل من الإماميّة كالعلّامة المجلسي  1 الذي بعدّ باب الأئمة الأطهار  :، فلا تغفل .

  ـ  شيخنا الصدوق بسنده عن الإمام الكاظم 7 قال : لمّـا عرج النبيّ 9 إلى السماء قال العزيز عزّ وجلّ : (آمَنَ الرَّسولُ بِما اُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) قال : قلت  : (وَالمُؤْمِنونَ ) قال : صدقت يا محمّد، من خلّفت لاُمّتک ؟ وهو أعلم ـأي والله أعلم بمن خلّفت ـ قلت : خيرها لأهلها. قال : صدقت يا محمّد إنّي اطّلعت إلى الأرض اطّلاعة فاخترتک منها ثمّ شققت لک اسمآ من أسمائي ، فلا اُذكر في موضع إلّا ذكرتَ معي ، وأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت إليها اطّلاعة اُخرى فاخترت منها عليّآ فجعلته وصيّک ، فأنت سيّد الأنبياء وعليّ سيّد الأوصياء.


إنّي خلقتک وخلقت عليّآ وفاطمة والحسن والحسين من شبح نور، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة وسائر خلقي وهم أرواح فمن قبلها كان عندي من المقربّين ، ومن جحدها كان عندي من الكافرين . يا محمّد وعزّتي وجلالي لو أنّ عبدآ عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي ثمّ أتاني جاحدآ لولايتهم لم اُدخله جنّتي ولا أظللته تحت عرشي[203] .

 

  ـ  عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبيه قال : سألت جعفر بن محمّد 8 : لِمَ سمّيت الجمعة جمعة ؟ قال : لأنّ الله تعالى جمع فيها خلقه لولاية محمّد وأهل بيته[204] .

 

أجل أخي المؤمن الموالي لأهل بيت رسول الله  : هذه هي الولاية التي نؤمن بها، وندعو إليها، ونضحّي بالنفس والنفيس من أجلها، فلا نبالي بالموت وقع علينا أم وقعنا عليه ، فما أروع الشهادة في سبيلها، اللهمّ إنّک تعلم عشقناها وطلبناها منک ليل ونهار وفي ليالي القدر، فوفّقنا لها ولدرجاتها ومقاماتها في الدنيا والآخرة بحقّ من تستجيب الدعاء بهم محمّد وآل محمّد.

  ـ  عن معمّر بن راشد قال : سمعت أبا عبد الله الصادق  7 يقول : أتى يهودي النبيّ  9 فقام بين يديه يحدّ النظر إليه فقال : يا يهودي ، ما حاجتک ؟ قال  : أنت أفضل أم موسى بن عمران النبيّ الذي كلّمه الله وأنزل عليه التوراة والعصا وفلق له البحر وأظلّه بالغمام ؟ فقال له النبيّ  9: إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه ، ولكنّي أقول : إنّ آدم  7 لمّـا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألک بحقّ محمّد وآل محمّد لمّـا غفرت لي ، فغفرها الله له ، وإنّ نوحآ لمّـا ركب في السفينة
وخاف الغرق قال : اللهمّ إنّي أسألک بحقّ محمّد وآل محمّد لمّـا أنجيتني من الغرق فنجّاه الله منه .

وإنّ إبراهيم  7 لمّـا اُلقي في النار، قال : اللهمّ إنّي أسألک بحقّ محمّد وآل محمّد لمّـا أنجيتني منها فجعلها الله عليه بردآ وسلامآ.

وإنّ موسى لمّـا ألقى عصاه وأوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّي أسألک بحقّ محمّد وآل محمّد لمّـا آمنتني فقال الله جلّ جلاله : لا تخف إنّک أنت الأعلى ، يا يهودي ، إنّ موسى لو أدركني ثمّ لم يؤمن بي وبنبوّتي ما نفعه إيمانه شيئآ ولا نفعته النبوّة ، يا يهودي ، ومن ذرّيتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم  7 لنصرته وقدّمه وصلّى خلفه[205] .

 

اللهمّ إنّي أسألک بحقّ محمّد وآل محمّد لما غفرت لي ذنوبي صغيرها وكبيرها، أعلمها وما لا أعلمها، عمدها وسهوها، وتبت عليّ إنّک أنت التوّاب الرحيم ، وأسعدتني في الدارين ، ورزقتني وأهل بيتي وذرّيتي وجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات خير الدنيا والآخرة وحسن العاقبة ، ووفّقتني للشهادة في سبيلک مع مولانا وإمامنا صاحب الزمان المهديّ من آل محمّد  : وعجّل الله فرجه الشريف ، وجعلنا من خلّص شيعته وأنصاره وأعوانه وحاملي ولايته ورسالته ، رسالات الله الإسلاميّة ، آمين آمين لا أرضى بواحدة حتّى يضاف إليه ألف آمينآ ورحم الله عبدآ قال آمين .


  ـ  قال الحسين بن عليّ  8: إنّ الله تعالى لمّـا خلق آدم وسوّاه وعلّمه أسماء كلّ شيء وعرضهم على الملائكة جعل محمّدآ وعليّآ وفاطمة والحسن والحسين أشباحآ خمسة في ظهر آدم وكانت أنوارهم تضيء في الآفاق من السماوات والحجب والجنان والكرسي والعرش ، فأمر الله الملائكة بالسجدة لآدم تعظيمآ له أنّه قد فضّله بأن جعله وعاء لتلک الأرواح التي قد عمّ أنوارها الآفاق .

فسجدوا إلّا إبليس أبى أن يتواضع لجلال عظمة الله وأن يتواضع لأنوارنا أهل البيت ، وقد تواضعت لها الملائكة كلّها فاستكبر وترفّع فكان بإبائه ذلک وتكبّره من الكافرين .

قال عليّ بن الحسين صلوات الله عليهما: حدّثني أبي عن أبيه عن رسول الله  9 قال : قال : يا عباد الله إنّ آدم لمّـا رأى النور ساطعآ من صلبه إذ كان الله قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور ولم يتبيّن الأشباح فقال : يا ربّ ، ما هذه الأنوار؟ قال الله عزّ وجلّ : أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرک ولذلک أمرت الملائكة بالسجود لک إذ كنت وعاء لتلک الأشباح .

فقال آدم : يا ربّ بيّنها لي ، فقال الله تعالى : اُنظر يا آدم إلى ذروة العرش ، فنظر آدم  7 ووقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش فانطبع فيه صور أشباحنا كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية فرأى أشباحنا.

فقال : ما هذه الأشباح يا ربّ ؟ فقال : يا آدم هذه الأشباح أفضل خلائقي وبريّاتي ، هذا محمّد وأنا الحميد المحمود في أفعالي ، شققت له اسمآ من اسمي ، وهذا علي وأنا العليّ العظيم ، شققت له اسمآ من اسمي ، وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرضين ، فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي ، وفاطم أوليائي عمّـا
يعتريهم ـيصيبهم ـ ويشينهم ، فشققت لها اسمآ من اسمي ، وهذا الحسن وهذا الحسين وأنا المحسن المجمل ، شققت لهما اسمآ من اسمي .

هؤلاء خيار خليقتي وكرام بريّتي ، بهم اُعطي وبهم اُعاقب وبهم اُثيب فتوسّل إليّ بهم يا آدم ، وإذا دهتک داهية فاجعلهم إليّ شفعاءک ، فإنّي آليت على نفسي قسمآ حقآ لا اُخيّب بهم آملا ولا أردّ بهم سائلا، فلذلک حين زلّت منه الخطيئة دعا الله عزّ وجلّ بهم فتاب عليه وغفر له[206] .

 

  ـ  عن الهروي عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين  : قال : قال رسول الله  9: ما خلق الله عزّ وجلّ خلقآ أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي .

قال عليّ  7: فقلت : يا رسول الله، فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال  7 : يا عليّ، إنّ الله تبارک وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين ، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين ، والفضل بعدي لک يا عليّ وللأئمّة من بعدک ، وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا. يا عليّ، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا. يا عليّ، لولانا نحن ما خلق الله آدم ولا حوّاء ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض ، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟ لأنّ أوّل ما خلق الله عزّ وجلّ خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده ، ثمّ خلق الملائكة فلمّـا شاهدوا أرواحنا نورآ واحدآ استعظموا أمرنا فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون ، وأنّه منزّه عن صفاتنا، فسبّحت الملائكة بتسبيحنا ونزّهته عن صفاتنا، فلمّـا شاهدوا عظم شأننا هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلّا الله وأنّا عبيد ولسنا بآلهة
يجب أن نُعبد معه أو دونه ، فقالوا: لا إله إلّا الله.

فلمّـا شاهدوا كبر محلّنا كبّرنا لتعلم الملائكة أنّ الله أكبر من أن ينال عظم المحلّ إلّا به ، فلمّـا شاهدوا ما جعله لنا من العزّ والقوّة قلنا: لا حول ولا قوّة إلّا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوّة إلّا بالله. فلمّـا شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا: الحمد لله لتعلم الملائكة ما يحقّ لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة : الحمد لله فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده .

ثمّ إنّ الله تبارک وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه ، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيمآ لنا وإكرامآ، وكان سجودهم لله عزّ وجلّ عبوديّة ولآدم إكرامآ وطاعة لكوننا في صلبه فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلّهم أجمعون .

ـإلى أن يقول  9ـ: فزخّ بي في النور زجّةً حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علوّ ملكه فنوديت : يا محمّد، فقلت : لبّيک ربّي وسعديک تباركت وتعاليت ، فنوديت : يا محمّد، أنت عبدي وأنا ربّک فإيّاي فاعبد وعليّ فتوكّل ، فإنّک نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجّتي في بريّتي ، لک ولمن اتّبعک خلقت جنّتي ولمن خالفک خلقت ناري ، ولأوصيائک أوجبت كرامتي ، ولشيعتهم أوجبت ثوابي .

فقلت : يا ربّ ، ومن أوصيائي ؟ فنوديت : يا محمّد، أوصياؤک المكتوبون على ساق عرشي ، فنظرت وأنا بين يدي ربّي جلّ جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نورآ في كلّ نور سطر أخضر عليه اسم وصيّ من أوصيائي ، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهدي اُمّتي .

فقلت : يا ربّ هؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت : يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأوصيائي وأصفيائي وحججي على بريّتي ، وهم أوصياؤک وخلفاؤک وخير خلقي
بعدک . وعزّتي وجلالي لاُظهرنّ بهم ديني ولاُعلينّ بهم كلمتي ولاُطهِرَنّ الأرض بآخرهم من أعدائي ، ولاُمكّننه مشارق الأرض ومغاربها، ولاُسخّرن له الرياح ولاُذلّلن له السحاب الصعاب ، ولاُرقينّه في الأسباب ولأنصرنّه بجندي ولأمدّنّه بملائكتي حتّى تعلو دعوتي ويجتمع الخلق على توحيدي ، ثمّ لاُديمنّ ملكه ولاُداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة
[207] .

 

أخي الموالي ، هذا كلّه من الأمر المستصعب ، فاسأل الله سبحانه أن يجعلک من المؤمنين حقّآ الذي تتحمّله وتقرّ به .

  ـ  عن أبي عبد الله  7 قال : إنّ أمركم هذا ـأي الولاية ـ عرض على الملائكة فلم يقرّ به إلّا المقرّبون ، وعرض على الأنبياء فلم يقرّ به إلّا المرسلون ، وعرض على المؤمنين فلم يقرّ به إلّا الممتحنون[208] .

 

  ـ  عن أبي عبد الله  7 قال : إنّ الله عرض ولاية أمير المؤمنين  7 فقبلها الملائكة وأباها ملک يقال له : فطرس ، فكسر الله جناحه ـوهذا يعني أنّ من لم يقبل الولاية فإنّه يكسر جناحه الذي به يمكنه أن يحلّق في سماء أسماء الله وصفاته جلّ جلاله ـ.

فلمّـا ولد الحسين بن عليّ  7 بعث الله جبرئيل في سبعين ألف ملک إلى محمّد  9 يهنّئهم بولادته ، فمرّ بفطرس فقال له فطرس : يا جبرئيل ، إلى أين تذهب ؟ قال : بعثني الله إلى محمّد  9 اُهنّئهم بمولود ولد في هذه الليلة . فقال له فطرس : احملني معک وسل محمّدآ يدعو لي . فقال له جبرئيل : اركب جناحي ،
فركب جناحه فأتى محمّدآ فدخل عليه وهنّأه فقال له : يا رسول الله، إنّ فطرس

بيني وبينه اُخوّة ، وسألني أن أسألک أن تدعو الله له أن يردّ عليه جناحه . فقال رسول الله  9 لفطرس : أتفعل ؟ قال : نعم . فعرض عليه رسول الله  9 ولاية أمير المؤمنين  7 فقبلها، فقال رسول الله  9: شأنک بالمهد فتمسّح به وتمرّغ فيه . قال : فمضى فطرس إلى مهد الحسين بن عليّ  7 ورسول الله  9 يدعو له قال : قال رسول الله  9: فنظرت إلى ريشه وإنّه ليطلع ويجري منه الدم ويطول حتّى لحق بجناحه الآخر وعرج مع جبرئيل إلى السماء وصار إلى موضعه[209] .

 

  ـ  الصدوق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : سمعت رسول الله  9 يقول : إنّ الله خلقني وخلق عليآ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة  : من نور، فعصر ذلک النور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبّحنا فسبّحوا وقدّسنا فقدّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا ووحّدنا فوحّدوا، ثمّ خلق الله السماوات والأرضين وخلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحآ ولا تقديسآ ولا تمجيدآ، فسبّحنا وسبّحت شيعتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا، وقدّسنا فقدّست شيعتنا فقدّست الملائكة لتقديسنا، ومجّدنا فمجّدت شيعتنا فمجّدت الملائكة لتمجيدنا، ووحّدنا فوحّدت شيعتنا فوحّدت الملائكة لتوحيدنا، وكانت الملائكة لا تعرف تسبيحآ ولا تقديسآ من قبل تسبيحنا وتسبيح شيعتنا. فنحن الموحّدون حين لا موحّد غيرنا، وحقيق على الله تعالى كما اختصّنا واختصّ شيعتنا أن ينزلنا أعلى عليّين ، إنّ الله سبحانه وتعالى اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجسامآ، فدعانا وأجبنا، فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله[210] .

 



بيان  : أجسامآ أي نحلّ الأبدان العنصريّة ، وظاهره تجرّد الأرواح .

أقول : تدلّ هذه الرواية الشريفة على أنّ خلق الشيعة في عالم الأنوار والأرواح المجرّدة قبل خلق الملائكة ، فهم أفضل منهم كما في روايات اُخرى ، كما أنّهم بمنزلة المعلّمين لهم ، فدونهم في المعرفة ومن ثمّ تجعل الملائكة أجنحتهم تحت أقدام طالب العلم ـكما في روايات الفريقين ـ فتدبّر.

  ـ  عن المفضّل قال : قلت لمولانا الصادق  7: ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرض ؟ قال : كنّا أنوارآ نسبّح الله تعالى ونقدّسه حتّى خلق الله الملائكة فقال لهم الله عزّ وجلّ : سبّحوا. فقالت : أي ربّنا لا علم لنا. فقال لنا : سبّحوا فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا، إلّا إنّا خلقنا أنوارآ وخلقت شيعتنا من شعاع ذلک النور فلذلک سمّيت شيعة ، فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا، ثمّ قرّب ما بين إصبعيه[211] .

 

أيّها القارئ الكريم لا تعجب ولا تنكر، فإنّ الله سبحانه قادر على كلّ شيء، وكلّ هذا من فضله وكرمه وحكمته وعلمه ، يؤتيه من يشاء، أم يحسدون الناس على ما آتاهم من فضله ، هذا من فضل ربّي ، هذا عطاء ربّک فامسک أو أمنن بغير حساب ، فعلينا أن نعرف أئمتنا حقّ المعرفة ، بحسب الطاقة البشرية ، لا يكلّف الله نفسآ إلّا وسعها، وفوق كلّ ذي علمٍ عليم ، وما اُوتيتم من العلم إلّا قليلا، فلا نعرفهم  : إلّا معشار عشر، ولن تبلغوا، ولكن مع هذا فإنّ المعرفة ممّـا يزداد فيها الإنسان ، فيرقى المعالي وسُلّم الإكبار ومدارج العُلا ومنازل الصادقين في مقعد صدقٍ عند مليک مقتدر، قاب قوسين أو أدنى . فلا تجحد ولا تنكر فتندم يوم لا ينفع الندم .


  ـ  عن أبان بن الأحمر قال : قال الصادق  7: يا أبان ، كيف ينكر الناس

قول أمير المؤمنين  7 لمّـا قال : «لو شئت لرفعت رجلي هذه فضربت بها صدر ابن أبي سفيان بالشام فنكسته عن سريره »، ولا ينكرون تناول آصف وصيّ سليمان عرش بلقيس وإتيانه سليمان به قبل أن يرتدّ إليه طرفه ؟ أليس نبيّنا  9 أفضل الأنبياء، ووصيّه أفضل الأوصياء؟ أفلا جعلوه كوصيّ سليمان ؟ حكم الله بيننا وبين من جحد حقّنا وأنكر فضلنا[212] .

 

  ـ  عن سلمان الفارسي قال : قال أمير المؤمنين  7: يا سلمان ، الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حقّ معرفتنا وأنكر فضلنا، يا سلمان ، أيّما أفضل ؟ محمّد  9 أم سليمان بن داود؟ قال سلمان : بل محمّد  9. قال : يا سلمان ، فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من قارس في طرفة عين وعنده علم من الكتاب ، ولا أفعل أضعاف ذلک وعندي علم ألف كتاب ؟ أنزل الله على شيث بن آدم  8 خمسين صحيفة ، وعلى إدريس النبيّ  7 ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم الخليل  7 عشرين صحيفة ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، فقلت : صدقت يا سيّدي ، فقال  7: اعلم يا سلمان ، إنّ الشاکّ في أمرنا وعلومنا كالممتري في معرفتنا وحقوقنا، وقد فرض ولايتنا في كتابه في غير موضع ، وبيّن فيه ما وجب العمل به ، وهو غير مكشوف[213] .

 

أجل : هذا كلّه من فضل الله أعطاه نبيّه محمّدآ  9 وأهل بيته الأئمة المعصومين  :.


  ـ  عن الثمالي عن عليّ بن الحسين  8 قال : قلت له : أسألک جعلت فداک عن ثلاث خصال ، أنفي عنّي فيه التقيّة ، قال : فقال : ذلک لک ، قلت : أسألک عن فلان وفلان قال : فعليهما لعنة الله بلعناته كلّها، ماتا والله وهما كافران مشركان بالله العظيم ، ثمّ قلت : الأئمة يحيّون الموتى ويبرؤون الأكمه والأبرص ويمشون على الماء؟ قال : ما أعطى الله نبيّآ شيئآ قطّ إلّا وقد أعطاه محمّدآ  9، وأعطاه ما لم يكن عندهم ، قلت : وكلّ ما كان عند رسول الله  9 فقد أعطاه أمير المؤمنين  7؟ قال : نعم ، ثمّ الحسن والحسين ثمّ من بعد كلّ إمام إمامآ إلى يوم القيامة ، مع الزيادة التي تحدث في كلّ سنة وفي كلّ شهر، إي والله في كلّ ساعة[214] .

         

فالإمام  7 بإذن الله يعلم بما كان وما هو كائن وما سيكون ، فكلّ شيء من صنائع الله ومخلوقاته حاضر عنده ، وإذا شاء أن لا يعلم ، فله ذلک ، وبهذا اُخالف
المشهور الذي يذهب إلى علم الإمامة بمشيّته ، يعني إن شاء علم فإنّه يعلم ، وكأنّما

الأشياء عنده غير معلومة ، فإذا أراد أن يعلم بها يشعل الضوء أو السراج وهي مشيّته  7 بإذن الله وإرادته ومشيّته جلّ جلاله فيتّضح له كلّ شيء ويعلم به ، وإنّه ينظر إلى عمود من نور قد كتب فيه الأشياء والحوادث والوقائع ، ولكن أذهب إلى عكس ذلک بأنّه يعلم بالأشياء أوّلا، فإذا أراد أن لا يعلم فإنّه كمن يطفئ السراج فيظلم المكان فلا يرى فيه شيئآ، وحينئذٍ يسأل الإمام  7 عن جاريته كما في الخبر الشريف ، فتأمّل فلا اُريد أن أفتح هذا الموضوع فتحآ تامّآ لحاجة في نفسي ، والله من وراء القصد.

نرجع مرّة اُخرى إلى ما عقدنا الكتاب من أجله ، ألا وهي الولاية وآثارها ومعالمها في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة ، ولوازمها وما يترتّب عليها من المستلزمات العلميّة والعمليّة .

فمن آثار الولاية الكبرى الحبّ في الله سبحانه ، وهل الدين إلّا الحبّ في الله والبغض في الله، فلا يتمّ الدين ولا يكمل إلّا بالتولّي والتبرّي ، التولّي لله ولرسوله ولأهل بيته  :، والتبرّي من أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء عترته الأطهار  :، ولا يتمّ أحدهما إلّا بالآخر.

  ـ  عن أبي جعفر  7 في قوله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلـْبَيْنِ في جَوْفِهِ ) فيحبّ بهذا ويبغض بهذا، فأمّا محبّتنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه ، من أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فإن شاركه في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منّا ولسنا منه ، والله عدوّهم وجبرئيل وميكائيل ، والله عدوّ الكافرين[215] .

 



  ـ  عن البزنطي قال : كتب إليّ الرضا  7: قال أبو جعفر  7: من سرّه أن لا يكون بينه وبين الله حجاب حتّى ينظر إلى الله وينظر الله إليه فليتوال آل محمّد ويبرأ من عدوّهم ويأتمّ بالإمام منهم ، فإنّه إذا كان كذلک نظر الله إليه ونظر إلى الله[216] .

 

بيان  : نظره إلى الله كناية عن غاية المعرفة بحسب طاقته وقابليّته ، ونظر الله إليه كناية عن نهاية اللطف والرحمة .

  ـ  في خبر الأعمش عن الصادق  7 قال : حبّ أولياء الله واجب ، والولاية لهم واجبة والبراءة من أعدائهم واجبة ، ومن الذين ظلموا آل محمّد صلّى الله عليهم وهتكوا حجابه وأخذوا من فاطمة  3 فدک ومنعوها ميراثها وغصبوها حقوقها وهمّوا بإحراق بيتها وأسّسوا الظلم وغيّروا سنّة رسول الله  9، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة ، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال وقادة الجور كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبة ، والبراءة من أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين  7 واجبة ، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت  : واجبة ، والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيّهم  9 واجبة ، مثل سلمان الفارسي وأبي ذرّ الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي وعمّـار بن ياسر وجابر بن عبد الله الأنصاري وحذيفة بن اليمان وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن الصامت وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي سعيد الخدري ومن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم والولاية لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة[217] .

  ـ  عن الصادق جعفر بن محمّد  8 قال : من جالس لنا عائبآ أو مازح


لنا قاليآ أو واصل لنا قاطعآ أو قطع لنا واصلا أو والى لنا عدوّآ أو عادى لنا وليّآ فقد كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم[218] .

 

  ـ  عن الحسين بن مصعب قال : سمعت جعفر بن محمّد  8 يقول : من أحبّنا لله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبها منه ، وعادى عدوّنا لا لإحنّةٍ كانت بينه وبينه ، ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفر الله تعالى له[219] .

 

  ـ  قال رسول الله لبعض أصحابه ذات يوم : يا عبد الله، أحبّ في الله وأبغض في الله، ووالِ في الله وعادِ في الله، فإنّه لا تنال ولاية الله إلّا بذلک ، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتّى يكون كذلک ، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادّون وعليها يتباغضون ، وذلک لا يغني عنهم من الله شيئآ.

فقال له : وكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت وعاديت في الله عزّ وجلّ ؟ ومن وليّ الله عزّ وجلّ حتّى اُواليه ؟ ومن عدوّه حتّى اُعاديه ؟ فأشار له رسول الله  9 إلى عليّ  7 فقال : أترى هذا؟ فقال : بلى . قال : وليّ هذا وليّ الله فواله ، وعدوّ هذا عدوّ الله فعاده ، قال : والِ وليّ هذا ولو أنّه قاتل أبيک وولدک ، وعادِ عدوّ هذا ولو أنّه أبوک أو ولدک[220] .

 



  ـ  عن أبي جعفر  7 قال : من لم يعرف سوء ما اُتي إلينا من ظلمنا وذهاب حقّنا وما ركبنا به ـما نكبنا به ـ فهو شريک من أتى إلينا فيما ولينا به .

أقول : هذا جواب من يقول بأنّ فلان وفلان لهما سوابق في الإسلام ويدافع عنهما، فإنّه شريک لهما في ظلمهما وغصبهما ويحشر في زمرتهما، فإنّ المرء مع من أحبّ ، ولا يعقل أن يحبّ أهل البيت  : ويميل إلى أعدائهم أو يبرّء ساحاتهم من الظلم والجور، أو يواليهم ويحبّهم أيضآ، فهذا أمر غير معقول ، وما جعل الله لرجل في جوفه من قلبين ؟! وقد أشرنا إلى هذا المعنى بالتفصيل في كتابنا (هذه هي البراءة )، فراجع .

  ـ  قال الإمام الصادق  7 لأصحابه يومآ: أيّ عرى الإيمان أوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم . فقال : قولوا، فقالوا: يا بن رسول الله الصلاة ، فقال : إنّ للصلاة فضلا، ولكن ليس بالصلاة ، قالوا: الزكاة ، قال : إنّ للزكاة فضلا وليس بالزكاة ، قالوا: صوم شهر رمضان ، فقال : إنّ لرمضان فضلا وليس برمضان ، قالوا : فالحجّ والعمرة ، قال : إنّ للحجّ والعمرة فضلا وليس بالحجّ والعمرة ، قالوا: فالجهاد في سبيل الله. قال : إنّ للجهاد في سبيل الله فضلا وليس بالجهاد، قالوا: فالله ورسوله أعلم .

فقال : قال رسول الله  9: إنّ أوثق عرى الإيمان الحبّ في الله والبغض في الله وتوالي وليّ الله وتعادي عدوّ الله[221] .

 

أقول : الرسول الأكرم  9 والأئمة الأطهار  : في مقام الولاية المتحلّية بالتولّي والتبرّي تارة يذكرون أصل الولاية واُخرى مصاديقها، فتارة يقال  : 
«وتوالي وليّ الله وتعادي عدوّ الله» واُخرى يشار إلى أمير المؤمنين علي 
 7، هذا وليّ الله تواليه ، كما يشار إلى عدوّ الله.

  ـ  عن أبي عبد الله  7 في قوله : (وَإنْ تُبْدوا ما في أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفوهُ يُحاسِبْكُمُ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ)، قال : حقيق على الله أن لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من حبّهما[222] ، الأوّل والثاني ، فلان

وفلان ... وكلّ من كان في خطّ ومعسكر يقابل خطّ أهل البيت  : ومعسكرهم .

  ـ  عن أبي حمزة الثمالي قال : قال أبو جعفر  7: يا أبا حمزة ، إنّما يعبد الله من عرف الله، وأمّا من لا يعرف الله كأنّما يعبد غيره هكذا ضالا، قلت : أصلحک الله وما معرفة الله؟ قال : يصدّق الله ويصدّق محمّدآ رسول الله  9 في موالاة عليّ والائتمام به وبأئمّة الهدى من بعده ، والبراءة إلى الله من عدوّهم وكذلک عرفان الله. قال : قلت : أصلحک الله أيّ شيء إذا عملته أنا استكملت حقيقة الإيمان ؟ قال  : توالي أولياء الله وتعادي أعداء الله وتكون مع الصادقين كما أمرک الله، قال : قلت  : ومن أولياء الله؟ فقال : أولياء الله محمّد رسول الله وعليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ثمّ انتهى الأمر إلينا ثمّ ابني جعفر، وأومأ إلى جعفر وهو جالس ، فمن والى هؤلاء فقد والى أولياء الله وكان مع الصادقين كما أمره الله. قلت : ومن أعداء الله أصلحک الله؟ قال : الأوثان الأربعة . قال : قلت : من هم ؟ قال : أبو الفصيل ورمع ونعثل ومعاوية ومن دان دينهم ، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله[223] .

 

  ـ  من كتاب أنس العالم الصفواني قال : إنّ رجلا قدم على أمير 
المؤمنين 
 7 فقال : يا أمير المؤمنين إنّي اُحبّک واُحبّ فلانآ، وسمّى بعض أعدائه ، فقال  7: أمّا الآن فأنت أعور، فإمّا أن تعمى وإمّا أن تبصر.

  ـ  قيل للصادق  7: إنّ فلانآ يواليكم إلّا أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم ، فقال : هيهات كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرّأ من عدوّنا.

قال الصفواني : واعلم أنّه لا يتمّ الولاية ولا تخلص المحبّة ولا تثبت المودّة لآل محمّد إلّا بالبراءة من عدوّهم قريبآ كان أو بعيدآ، فلا تأخذک به رأفة فإنّ الله عزّ وجلّ يقول : (وَلا تَجِدُ قَوْمآ يُؤْمِنونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَرَسولَهُ وَلَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشيرَتَهُمْ ).

ولكي يتمّ المطلوب أذكر ما قاله شيخنا الصدوق  1 في كتابه القيّم الاعتقادات  :

اعتقادنا في الظالمين أنّهم ملعونون والبراءة منهم واجبة ، قال الله عزّ وجلّ  : (وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّن آفْتَرى عَلى اللهِ كَذِبآ اُوْلـئِکَ يُعْرَضونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقولُ الأشْهادُ هؤلاءِ الَّذينَ كَذَبوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظَّالِمينَ الَّذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللهِ وَيَبْغَوْنَها عِوَجآ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرونَ ).

وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية : إنّ سبيل الله عزّ وجلّ في هذا الموضع هو عليّ بن أبي طالب  7 والأئمة في كتاب الله عزّ وجلّ إمامان : إمام هدى وإمام ضلالة ، قال الله جلّ ثناؤه : (وَجَعَلـْناهُمْ أئِمَّةً يَدْعونَ إلى النَّارِ وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرونَ وَأتْبَعْناهُمْ في هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيامَةِ هُمْ مِنَ المَقْبوحينَ )، ولمّـا نزلت هذه الآية  : (وَآتَّقوا فِتْنَةً لا تُصيبَنَّ الَّذينَ ظَلَموا مِنْكُمْ خاصَّةً ) قال النبيّ  9: من ظلم عليآ مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي ونبوّة الأنبياء من قبلي ، ومن تولّى ظالمآ فهو ظالم ، قال الله عزّ وجلّ : (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا آباءَكمْ وَإخْوانَكُمْ أوْلِياءَ 
إنِ آسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيْمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَاُولـئِکَ هُمُ الظَّالِمونَ 
)، وقال الله

عزّ وجلّ : (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمآ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ )، وقال عزّ وجلّ  : (لا تَجِدُ قَوْمآ يُؤْمِنونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ وَرَسولَهُ وَلَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشيرَتَهُمْ )، وقال عزّ وجلّ : (وَلا تَرْكَنوا إلى الَّذينَ ظَلَموا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه .

فمن ادّعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون ، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون ، وقال النبيّ  9: من جحد عليّآ إمامته من بعدي فإنّما جحد نبوّتي ومن جحد نبوّتي فقد جحد ربوبيّته ، وقال النبيّ  9 لعليّ  7: يا عليّ، أنت المظلوم بعدي ، من ظلمک فقد ظلمني ومن أنصفک فقد أنصفني ومن جحدک فقد جحدني ومن والاک فقد والاني ومن عاداک فقد عاداني ومن أطاعک فقد أطاعني ومن عصاک فقد عصاني .

واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده  : بمنزلة من جحد نبوّة الأنبياء  :.

واعتقادنا فيمن أقرّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدآ من بعده من الأئمة  : أنّه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثمّ أنكر نبوّة محمّد  9. وقال الصادق  7: المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا. وقال النبيّ  9: الأئمة من بعدي اثنا عشر أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  7 وآخرهم القائم طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي ، من أنكر واحدآ منهم فقد أنكرني .

وقال الصادق  7: من شکّ في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر.

وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  7: ما زلت مظلومآ منذ ولدتني اُمّي حتّى أنّ عقيلا كان يصيبه رمد فقال : لا تذروني حتّى تذروا عليّآ فيذروني وما بي رمد.


واعتقادنا فيمن قاتل عليآ  7 كقول النبيّ  9: من قاتل عليآ فقد قاتلني ،

وقوله : من حارب عليآ فقد حاربني ، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ .

وقوله  9 لعليّ وفاطمة والحسن والحسين  :: أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم .

وأمّا فاطمة صلوات الله عليها فاعتقادنا أنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين ، وإنّ الله عزّ وجلّ يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، وإنّها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالمها وغاصبها ومانعي إرثها. وقال النبيّ  9: فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن غاظها فقد غاظني ومن سرّها فقد سرّني . وقال  9 : فاطمة بضعة منّي وهي روحي التي بين جنبيّ، يسوؤني ما ساءها ويسرّني ما سرّها.

واعتقادنا في البراءة إنّها واجبة من الأوثان الأربعة والإناث الأربع ، ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنّهم شرّ خلق الله عزّ وجلّ ، ولا يتمّ الإقرار بالله وبرسوله وبالأئمة  : إلّا بالبراءة من أعدائهم[224] .

 

  ـ  عن أمير المؤمنين علي  7 قال : قال لي رسول الله  9: يا عليّ، أنت أمير المؤمنين وإمام المتّقين ، يا عليّ، أنت سيّد الوصيّين ووارث علم النبيّين وخير الصدّيقين وأفضل السابقين . يا عليّ، أنت زوج سيّدة نساء العالمين ، وخليفة خير المرسلين ، يا عليّ، أنت مولى المؤمنين والحجّة بعدي على الناس أجمعين ، استوجب الجنّة من تولّاک واستوجب دخول النار من عاداک . يا عليّ، والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبدآ عبد الله ألف عام ما قبل ذلک منه إلّا بولايتک وولاية الأئمة من ولدک ، وإنّ ولايتک لا تقبل إلّا بالبراءة من أعدائک 
وأعداء الأئمة من ولدک ، بذلک أخبرني جبرئيل 
 7، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر[225] .

 

أقول : قوله  9: «بذلک أخبرني جبرئيل  7» أي هذا من الوحي السماوي والنصّ الإلهي ، هكذا أراد الله واقتضت مشيّته وحكمته ، والإنسان خلق مخيّرآ، وقد هداه الله النجدين فإمّا شاكرآ وإمّا كفورآ، فمن شاء فليؤمن بما قاله الله وبما جاء به جبرئيل ، وقال النبيّ الأكرم  9: ومن شاء فليكفر، وما للكافرين إلّا نار جهنّم وبئس المصير.

ربّنا إنّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرسول وتولّينا أوليائک الأطهار محمّدآ وآله الأبرار، وتبرّأنا من أعدائک وأعداء رسولک وعترته الأخيار، فاشهد علي ذلک يا مدبّر الليل والنهار، وأحينا وأمتنا عليه وتوفّنا مسلمين واحشرنا مع محمّد وأهل بيته المعصومين الطيّبين ، آمين ربّ العالمين ، وآخر دعوانا أنّ الحمد لله ربّ العالمين .

اللهمّ إنّا نسألک الخير كلّه  :

  ـ  قال رسول الله  9: من منّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم فقد جمع الله له الخير كلّه[226] .

 

  ـ  عن أبي الحسن الرضا  7 قال : من سرّه أن ينظر إلى الله بغير حجاب وينظر الله إليه بغير حجاب فليتولّ آل محمّد وليتبرّأ من عدوّهم وليأتمّ بإمام 
المؤمنين منهم فإذا كان يوم القيامة نظر إليه بغير حجاب ونظر إلى الله بغير حجاب
[227] .

 

بيان  : لعلّ المراد بنظره إليه تعالى النظر إلى نبيّنا وأئمتنا صلوات الله عليهم كما ورد في الخبر ـفإنّهم مظاهر لأسماء الله وصفاته وهم وجه الله عزّ وجلّ ـ أو ينظر إلى رحمته وكرامته ، أو هو كناية عن غاية العرفان ، وبنظره تعالى إليه لطفه وإحسانه ، وهو مجاز شائع في القرآن والحديث وكلام العرب ، فالمراد بقوله  7 : بغير حجاب : بغير واسطة[228] .

 

  ـ  عن الحسين بن عليّ  8 قال : قال رسول الله  9: الزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقي الله وهو يودّنا أهل البيت دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينتفع عبد بعمله إلّا بمعرفة حقّنا[229] .

 

  ـ  عن أبي الحسن الرضا  7 أنّه قال : حدّثني العبد الصالح الكاظم موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال : حدّثني أخي وحبيبي رسول الله  9 قال : من سرّه أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو مقبل عليه غير معرض عنه فليتوالک يا عليّ، ومن سرّه أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو راضٍ عنه فليتوالَ ابنک الحسن  7، ومن أحبّ أن يلقى الله ولا خوف عليه فليتوال ابنک الحسين  7، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد محا الله ذنوبه عنه فليوالِ عليّ بن الحسين  7 فإنّه ممّن قال الله عزّ وجلّ : (سيماهُمْ 
في وُجوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجودِ
)، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو قرير العين فليتوالَ محمّد بن عليّ الباقر، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ ويعطيه كتابه بيمينه فليتوال جعفر بن محمّد الصادق  7، ومن أحبّ أن يلقى الله طاهرآ مطهّرآ فليتوال موسى بن جعفر الكاظم  7، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو ضاحک فليتوال عليّ بن موسى الرضا  7، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد رفعت درجاته وبدّلت سيّئاته حسنات فليتوال محمّد بن عليّ الجواد، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ ويحاسبه حسابآ يسيرآ ويدخله جنّات عدن عرضها السماوات والأرض اُعدّت للمتّقين فليتوال عليّ بن محمّد الهادي  7، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وهو من الفائزين فليتوال الحسن بن عليّ العسكري  7، ومن أحبّ أن يلقى الله عزّ وجلّ وقد كمل إيمانه وحسن إسلامه فليتوال الحجّة بن الحسن المنتظر صلوات الله عليه ، هؤلاء أئمة الهدى وأعلام التقى من أحبّهم وتوالاهم كنت ضامنآ له على الله عزّ وجلّ الجنّة[230] .

 

  ـ  وقال أمير المؤمنين في فضائل الشيعة ـإلى أن يقول :ـ وإنّكم جميعآ لأهل دعوة الله وأهل إجابته وأهل ولايته لا خوف عليكم ولا حزن ، كلّكم في الجنّة ، فتنافسوا في فضائل الدرجات . والله ما من أحد أقرب من عرش الله تعالى يوم القيامة من شيعتنا، ما أحسن صنع الله إليكم ، والله لولا أن تفتنوا فيشمت بكم عدوّكم ويعلم الناس ذلک لسلّمت عليكم الملائكة قبلا، وقد قال أمير المؤمنين 7 : يخرج أهل ولايتنا من قبورهم يوم القيامة مشرقة وجوههم قرّت أعينهم قد اُعطوا الأمان يخاف الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون ، والله ما من عبد منكم 
يقوم إلى صلاته إلّا وقد اكتنفته الملائكة من خلفه يصلّون عليه ويدعون له حتّى يفرغ من صلاته ، ألا وإنّه لكلّ شيء جوهر وجوهر ولد آدم صلوات الله عليه وسلامه نحن وشيعتنا.

قال سعدان بن مسلم : وزاد في الحديث عيثم بن أسلم عن معاوية بن عمّـار عن أبي عبد الله  7 والله لولاكم ما زخرفت الجنّة ، والله لولاكم ما خلقت الحور، والله لولاكم ما نزلت قطرة ، والله لولاكم ما نبتت حبّة ، والله لولاكم ما قرّت عين ، والله لاَلله أشدّ حبّآ لكم منّي ، فأعينونا عن ذلک بالورع والاجتهاد والعمل بطاعته .

أجل يا آل رسول الله عليكم صلوات الله أبدآ وسلامه وبركاته أبدآ ما بقينا وبقي الليل والنهار، نشكر الله سبحانه أن جعلنا من محبّيكم ومواليكم ونسأله أن يجعلنا من خلّص شيعتكم وحواريكم من المؤمنين المطيعين والعلماء الصالحين المخلصين ، وأنا على دربكم لسائرون ، وفي ولايتكم ومودّتكم وشعائرها الإلهيّة نضحّي بالنفس والنفيس .

  ـ  روى صاحب الكشّاف الزمخشري عن رسول الله  9 في قوله تعالى  : (قُلْ لا اسْألَكُمْ عَلَيْهِ أجْرآ) قال  9: ألا من مات على حبّ آل محمّد مات شهيدآ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفورآ له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائبآ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنآ مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملک الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد يزفّ إلى الجنّة كما تزفّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله زوّار قبره الملائكة بالرحمة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبآ بين عينيه : آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشمّ 
رائحة الجنّة
[231] .

 

  ـ  عن ابن عباس قال : قال رسول الله  9: يا عليّ، إنّ جبرئيل أخبرني فيک بأمر قرّت به عيني وفرح به قلبي ، قال لي : يا محمّد، إنّ الله تعالى قال لي : إقرأ محمّدآ منّي السلام ، وأعلمه أنّ عليآ إمام الهدى ومصباح الدجى والحجّة على أهل الدنيا، فإنّه الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ، وإنّي آليت بعزّتي أن لا اُدخل النار أحدآ تولّاه وسلّم له وللأوصياء من بعده ، ولا اُدخل الجنّة من ترک ولايته والتسليم له وللأوصياء من بعده ، وحقّ القول منّي لأملأنّ جهنّم وأطباقها من أعدائه ، ولأملأنّ الجنّة من أوليائه وشيعته[232] .

 

  ـ  عن ابن عمر قال : سألنا رسول الله  9 عن عليّ بن أبي طالب  7 فغضب فقال : ما بال أقوام يذكرون من له منزلة عند الله كمنزلتي ومقام كمقامي إلّا النبوّة .

ألا ومن أحبّ عليآ فقد أحبّني ، ومن أحبّني رضي الله عنه ، ومن رضي الله عنه كافأه بالجنّة ، ألا ومن أحبّ عليآ استغفرت له الملائكة وفتحت له أبواب الجنّة يدخل من أيّ باب شاء بغير حساب .

ألا ومن أحبّ عليآ أعطاه الله كتابه بيمينه وحاسبه حساب الأنبياء، ألا ومن أحبّ عليّآ لا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر ويأكل من شجرة طوبى ويرى مكانه من الجنّة ، ألا ومن أحبّ عليآ يهوّن الله عليه سكرات الموت وجعل 
قبره روضة من رياض الجنّة ـالحديث طويل
[233] ـ.

 

  ـ  عن ابن عمر قال : قال رسول الله  9: من أراد التوكّل على الله فليحبّ أهل بيتي ومن أراد أن ينجو من عذاب القبر فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد الحكمة فليحبّ أهل بيتي ، ومن أراد دخول الجنّة بغير حساب فليحبّ أهل بيتي ، فوالله ما أحبّهم أحد إلّا ربح في الدنيا والآخرة .

  ـ  قال زياد الأسود لأبي عبد الله الإمام الصادق  7: إنّي ألمّ بالذنوب فأخاف الهلكة ثمّ أذكر حبّكم فأرجوا النجاة ، فقال  7: وهل الدين إلّا الحبّ ؟ قال الله تعالى : (وَحَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيْمانَ )، وقال : (إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ)، وقال رجل لرسول الله  9: إنّي اُحبّک . فقال : إنّک لتحبّني ؟ فقال الرجل  : إي والله، فقال النبيّ  9: أنت مع من أحببت[234] .

 

  ـ  عن أبي بصير قال : قال الصادق  7: يا أبا محمّد، تفرّق الناس شعبآ ورجعتم أنتم إلى أهل بيت نبيّكم فأردتم ما أراد الله وأحببتم من أحبّ الله واخترتم من اختاره الله، فابشروا واستبشروا فأنتم والله المرحومون المتقبّل منكم حسناتكم ، المتجاوز عن سيّئاتكم فهل سررتک ؟ فقلت : نعم .

فقال : يا أبا محمّد، إنّ الذنوب تساقط عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق من الشجر، وذلک قوله تعالى : (وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرونَ لِلَّذينَ آمَنوا)، والله يا أبا محمّد ما أراد الله بهذا غيركم ، فهل سررتک ؟ قلت : نعم زدني . فقال : قد ذكركم الله في كتابه عزّ من قائل  : 
(رِجالٌ صَدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عَلَيْهِ ) يريد أنّكم وفيتم بما أخذ عليكم ميثاقه من ولايتنا، وإنّكم لم تستبدلوا بنا غيرنا، وقال : (الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بِعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقينَ ) والله ما عنى بهذا غيركم فهل سررتک يا أبا محمّد؟ فقلت : زدني . قال : لقد ذكركم الله في كتابه حيث يقول : (إخْوانٌ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ ) والله ما أراد الله بهذا غيركم هل سررتک ؟ فقلت : نعم زدني . قال : وقد ذكركم الله تعالى بقوله  : (اُوْلـئِکَ الَّذينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقينَ وَالشُّهَداء وَالصَّالِحينَ فرسول الله  9 في هذا الموضع النبيّون ونحن الصدّيقون والشهداء وأنتم الصالحون وأنتم والله شيعتنا، فهل سررتک ؟ فقلت : نعم زدني . فقال : لقد استثناكم الله تعالى على الشيطان فقال : (إنَّ عِبادي لَيْسَ لَکَ عَلَيْهِمْ سُلـْطانٌ ) والله ما عنى بهذا غيركم ، فهل سررتک ؟ فقلت : نعم زدني . فقال : قال الله: (يا عِبادي الَّذينَ أسْرَفوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعآ)، والله ما عنى بهذا غيركم ، هل سررتک يا أبا محمّد؟ قلت : زدني ، فقال : يا أبا محمّد ما استثنى الله تعالى به لأحد من الأنبياء، ولا أتباعهم ما خلا شيعتنا، فقال عزّ من قائل : (يَوْمَ لا يُغْني مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئآ وَلا هُمْ يُنْصَرونَ إلّا مَنْ رَحِمَ اللهُ) وهم شيعتنا يا أبا محمّد، هل سررتک ؟ قلت : زدني يا ابن رسول الله، قال : لقد ذكركم الله تعالى في كتابه حيث قال : (هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ اُولوا الألـْبابِ فنحن الذين نعلم ، وأعداؤنا الذين لا يعلمون ، وشيعتنا هم اُولو الألباب ، قلت  : زدني يا ابن رسول الله.

قال : يا أبا محمّد، ما يحصى تضاعف ثوابكم ، يا أبا محمّد ما من آية تعود إلى الجنّة وتذكر أهلها بخير إلّا وهي فينا وفيكم ، ما من آية تسوق إلى النار إلّا وهي في عدوّنا ومن خالفنا، والله ما على دين محمّد وملّة إبراهيم  7 غيرنا وغيركم ، وإنّ 
سائر الناس منكم براء، يا أبا محمّد هل سررتک ؟ قلت : نعم يا ابن رسول الله صلّى الله عليک وجعلت فداک ، ثمّ انصرفت فرحآ
[235] .

 

أقول : كلّ هذا من بركات الإيمان بالولاية ، والمؤمن حقّآ حينما يرى هذه الفضائل يزداد شوقآ وعملا وطاعة ، فلا يصدر منه ما يشينه ويشين أهل بيت رسول الله  :، فإنّه يشايعهم في كلّ شيء في اعتقاداته الصحيحة وسلوكه الطيّب وأعماله الصالحة ونواياه الحسنة ، فيعينهم بالورع والاجتهاد والعفّة والسداد، كما طلبوا ذلک من شيعتهم  :.

  ـ  عن أبي عبد الله  7 في قوله تعالى : (فَلا آقْتَحَمَ العَقَبَةَ ) فقال : من انتحل ولايتنا فقد جاز العقبة ، فنحن تلک العقبة التي من اقتحمها نجا، ثمّ مهلا اُفيدک حرفآ هو خير لک من الدنيا وما فيها: قوله تعالى : (فَکُّ رَقَبَةٍ ) إنّ الله تعالى فکّ رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت ، وأنتم صفوة الله، ولو أنّ الرجل منكم يأتي بذنوب مثل رمل عالج لشفعنا فيه عند الله تعالى ، فلكم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل لكلمات الله ذلک هو الفوز العظيم .

  ـ  عن أبي عبد الله  7 يقول لرجل من الشيعة : أنتم الطيّبون ونساؤكم الطيّبات ، وكلّ مؤمن صدّيق ، وقال : سمعته يقول : شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله عزّ وجلّ يوم القيامة بعدنا، وما من شيعتنا أحد يقوم إلى الصلاة إلّا اكتنفته فيها عدد من خالفه من الملائكة يصلّون عليه جماعة حتّى يفرغ من صلاته ، وإنّ الصائم منكم ليرتع في رياض الجنّة تدعو له الملائكة حتّى يفطر[236] .

 



  ـ  روى عن النبيّ  9 أنّه قال لعليّ  7: يا عليّ، إنّي سألت الله عزّ وجلّ

أن لا يحرم شيعتک التوبة حتّى تبلغ نفس أحدهم حنجرته ، فأجابني إلى ذلک وليس ذلک لغيرهم[237] .

 

  ـ  عن زيد بن يونس الشحّام قال : قلت لأبي الحسن موسى  7 : الرجل من مواليكم عاصٍ يشرب الخمر ويرتكب الموبق من الذنب نتبرّأ منه ؟ فقال : تبرّأوا من فعله ولا تتبرّأوا من خيره ، وأبغضوا عمله ، فقلت : يسع لنا أن نقول : فاسق فاجر؟ فقال : لا، الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا ولأوليائنا، أى الله أن يكون وليّنا فاسقآ فاجرآ وإن عمل ما عمل ، ولكنّكم قولوا: فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النفس خبيث الفعل طيّب الروح والبدن .

لا والله لا يخرج وليّنا من الدنيا إلّا والله ورسوله ونحن عنه راضون ، يحشره الله على ما فيه من الذنوب مبيضّآ وجهه ، مستورة عورته ، آمنة روعته ، لا خوف عليه ولا حزن . وذلک أنّه لا يخرج من الدنيا حتّى يصفّي من الذنوب إمّا بمصيبة في مال أو نفس أو ولد أو مرض ، وأدنى ما يصنع بوليّنا أن يريه الله رؤيا مهولة فيصبح حزينآ لما رآه ويكون ذلک كفّارة له أو خوفآ يرد عليه من أهل دولة الباطل ، أو يشدّد عليه عند الموت فيلقى الله عزّ وجلّ طاهرآ من الذنوب آمنة روعته بمحمّد وأمير المؤمنين صلّى الله عليهما، ثمّ يكون أمامه أحد الأمرين : رحمة الله الواسعة التي هي أوسع من أهل الأرض جميعآ، أو شفاعة محمّد وأمير المؤمنين  8، فعندهما تصيبه رحمة الله الواسعة التي كان أحقّ بها وأهلها، وله إحسانها وفضلها[238] .

 



وعندنا في فضائل الشيعة روايات كثيرة جدّآ تجاوزت حدّ التواتر المعنوي

الدالّ على مقام الشيعة العظيم لتشرّفهم بنور الولاية وروحها وريحانها، فنالوا بها مقام الشهادة والحياة الأبديّة ، فهم أحياء عند ربّهم يرزقون العلم والتحلّي بأسماء الله وصفاته جلّ جلاله .

  ـ  الحسين بن حمزة عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله  7: جعلت فداک ، قد كبر سنّي ودقّ عظمي واقترب أجلي وقد خفت أن يدركني قبل هذا الأمر الموت ، قال : فقال لي : يا أبا حمزة ، أوَ ما ترى الشهيد إلّا من قتل ؟ قلت : نعم ، جعلت فداک .

فقال لي : يا أبا حمزة ، من آمن بنا وصدّق حديثنا وانتظرنا كان كمن قتل تحت راية القائم ، بل والله تحت راية رسول الله  9[239] .

 

  ـ  عن أبي بصير قال : قال لي الصادق  7: يا أبا محمّد، إنّ الميّت على هذا الأمر شهيد، قال : قلت : جعلت فداک ، وإن مات على فراشه ؟ قال : وإن مات على فراشه فإنّه حيّ يرزق[240] .

 

  ـ  هذه هي الولاية التي يجوز بها المؤمن على الصراط : من مناقب ابن المغازلي بإسناده عن أنس قال : قال رسول الله  9: إذا كان يوم القيامة ونصب الصراط على شفير جهنّم لم يجز عليه إلّا من معه كتاب ولاية عليّ بن أبي طالب  7[241] .

 



  ـ  عن محمّد بن مسلم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب  : عن رسول الله  9 قال : يا عليّ، إنّ شيعتنا يخرجون من قبورهم يوم القيامة على ما بهم من العيوب والذنوب ووجوههم كالقمر في ليلة البدر، قد فرّضت ـأي قد قطعت ـ عنهم الشدائد وسهّلت لهم الموارد، واُعطوا الأمن والأمان وارتفعت عنهم الأحزان ما يخاف الناس ولا يخافون ، ويحزن الناس ولا يحزنون ، شراک نعالهم تتلألأ نورآ، وعلى نوق بيض لها أجنحة قد ذلّلت من غير مهانة ، ونجّت من غير رياضة ، أعناقها من ذهب أحمر ألين من الحرير لكرامتهم على الله عزّ وجلّ[242] .

 

هذه هي الكرامة الإلهيّة لمن حمل الولاية ومعالمها كالحبّ والمعرفة والطاعة وغيرها، فإنّها تنفع الموالي في الدنيا والآخرة ، تخلّصه من أهوال عظيمة .

  ـ  عن أبي جعفر  7 عن آبائه  : قال رسول الله  9: حبّي وحبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهنّ عظيمة ، عند الوفاة وفي القبر وعند النشور وعند الكتاب وعند الحساب وعند الميزان وعند الصراط[243] .

 

  ـ  عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر  : قال رسول الله لأمير المؤمنين : يا عليّ، ما بين من يحبّک وبين أن يرى ما تقرّ به عيناه إلّا أن يعاين الموت ، ثمّ تلا: (رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلُ صالِحآ) في ولاية علي (غَيْرَ الَّذي كُنَّا نَعْمَلُ في عداوته ، فيقال لهم في الجواب : (أوَ لَمْ نُعَمِّرُكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمْ 
النَّذيرُ
) وهو النبيّ  9 (فَذوقوا فَما لِلظَّالِمينَ ) لآل محمّد (مِنْ نَصيرٍ) ينصرهم ولا ينجّيهم منه ولا يحجبهم عنه .

  ـ  أعلام الديلمي بسنده عن رسول الله  9 أنّه قال لأمير المؤمنين  7 : بشّر شيعتک ومحبّيک بخصال عشر :

أوّلها: طيب مولدهم ، وثانيها: حسن إيمانهم ، وثالثها: حبّ الله لهم ، والرابعة : الفسحة في قبورهم ، والخامسة : نورهم يسعى بين أيديهم ، والسادسة  : نزع الفقر من بين أعينهم وغنى قلوبهم ، والسابعة : المقت من الله لأعدائهم ، والثامنة : الأمن من البرص والجذام ، والتاسعة : انحطاط الذنوب والسيّئات عنهم ، والعاشرة : هم معي في الجنّة وأنا معهم ، فطوبى لهم وحسن مآب .

أيّها القارئ الكريم هذا كلّه من بركات الولاية العظمى ، وأزيدک علمآ أنّ الأعمال لا تقبل إلّا بها، فهي شرط القبول ، كما أنّ الإسلام شرط الصحّة ، فيصحّ العمل مع الإسلام ، إلّا أنّه لا يقبل إلّا مع الولاية .

  ـ  روى عليّ بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذينَ كَفَروا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهُمْ كَرَمادٍ آشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرونَ مِمَّـا كَسَبوا عَلى شَيْءٍ ذلِکَ هُوَ الضَّلالُ البَعيدِ)[244] ، أنّه قال : من لم يقرّ بولاية أمير المؤمنين  7 بطل عمله مثل

الرماد الذي تجيء الريح فتحمله .

والأخبار المستفيضة وردت بإطلاق الكافر على المخالفين لإنكارهم النصوص على الأئمّة  :.

واعلم أنّ الإماميّة أجمعوا على اشتراط صحّة الأعمال وقبولها بالإيمان الذي 
من جملته الإقرار بولاية جميع الأئمّة 
 : وإمامتهم ، والأخبار الدالّة عليه متواترة بين الخاصّة والعامّة[245] .

 

  ـ  عن أبي عبد الله  7 قال : إنّ أوّل ما يُسئل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جلّ جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحجّ المفروض وعن ولايتنا أهل البيت ، فإن أقرّ بولايتنا ثمّ مات عليها قبلت صلاته وصومه وزكاته وحجّه ، وإن لم يقرّ بولايتنا بين يدي الله جلّ جلاله لم يقبل الله عزّ وجلّ منه شيئآ من أعماله[246] .

 

  ـ  عن محمّد بن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه  : قال : نزل جبرئيل على النبيّ  9 فقال : يا محمّد، السلام يقرئک السلام ويقول : خلقت السماوات السبع وما فيهنّ والأرضين السبع ومن عليهن وما خلقت موضعآ أعظم من الركن والمقام ، ولو أنّ عبدآ دعاني هناک منذ خلقت السماوات والأرضين ثمّ لقيني جاحدآ لولاية عليّ لأكببته في سقر[247] .

 

  ـ  عن الصادق  7: إنّ عليآ  7 كان يقول : لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين : الرجل يزداد كلّ يوم إحسانآ، ورجل يتدارک سيّئته بالتوبة ، وأنّى له بالتوبة ؟ والله لو سجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلّا بولايتنا أهل البيت[248] .

 

  ـ  عن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله  7 يقول : من خالفكم وإن تعبّد 
واجتهد منسوب إلى هذه الآية 
(وُجوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارآ

حامِيَةً )[249] .

 

  ـ  عن الحسين بن عليّ  8 قال : قال رسول الله  9: ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقي الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبدآ عمله إلّا بمعرفة حقّنا.

  ـ  عن معاذ بن كثير قال : نظرت إلى الموقف والناس فيه كثير فدنوت إلى أبي عبد الله  7 فقلت : إنّ أهل الموقف كثير، قال : فضرب ببصره فأداره فيهم ثمّ قال : اُدنُ منّي يا أبا عبد الله، فدنوت منه فقال : غثاء يأتي به الموج من كلّ مكان ، والله ما الحجّ إلّا لكم ، لا والله ما يتقبّل الله إلّا منكم .

  ـ  عن عليّ بن الحسين  7 قال : قال رسول الله  9: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم  7 فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمّد اشمأزّت قلوبهم ، والذي نفس محمّد بيده لو أنّ عبدآ جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيّآ ما قبل الله ذلک منه حتّى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي[250] .

 

  ـ  عن أبي حمزة الثمالي قال : قال لنا عليّ بن الحسين زين العابدين  8 : أيّ البقاع أفضل ؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم . فقال : إنّ أفضل البقاع ما بين الركن والمقام ، ولو أنّ رجلا عمّر ما عمّر نوح في قومه ألف سنة إلّا خمسين عامآ يصوم النهار ويقوم الليل في ذلک الموضع ، ثمّ لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلک شيئآ[251] .

 



  ـ  عن فضيل بن عثمان قال : سئل أبو عبد الله  7 فقيل له : إنّ هؤلاء

الأجانب ـيراد بهم الخطابية ـ يروون عن أبيک يقولون : إنّ أباک  7 قال : إذا عرفت فاعمل ما شئت فهم يستحلّون من بعد ذلک كلّ محرّم . قال : ما لهم لعنهم الله، إنّما قال أبي  7: إذا عرفت الحقّ فاعمل ما شئت من خير يقبل منک .

  ـ  عن ابن عباس قال : قال رسول الله  9: أيّها الناس الزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله بودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، فوالذي نفس محمّد بيده لا ينفع عبدآ عمله إلّا بمعرفتنا وولايتنا[252] .

 

  ـ  من مناقب الخوارزمي عن عليّ  7 عن النبيّ  9 قال : يا عليّ، لو أنّ عبدآ عبد الله مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل اُحد ذهبآ فأنفقه في سبيل الله ومُدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه ، ثمّ قتل بين الصفا والمروة مظلومآ، ثمّ لم يوالکَ يا عليّ لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها[253] .

 

  ـ  عن جعفر بن محمّد عن آبائه  : قال : قال رسول الله  9: يا عليّ، أنت أمير المؤمنين وإمّا المتّقين ، يا عليّ، أنت سيّد الوصيّين ووارث علم النبيّين وخير الصدّيقين وأفضل السابقين ، يا عليّ، أنت زوج سيّدة نساء العالمين وخليفة المرسلين ، يا عليّ، أنت مولى المؤمنين ، يا عليّ، أنت الحجّة بعدي على الناس أجمعين ، استوجب الجنّة من تولّاک واستحقّ دخول النار من عاداک ، يا عليّ، أنت والذي بعثني بالنبوّة واصطفاني على جميع البريّة لو أنّ عبدآ عبد الله ألف عام ما قبل الله ذلک منه إلّا بولايتک وولاية الأئمة من ولدک ، وإنّ ولايتک لا تقبل إلّا بالبراءة 
من أعدائک وأعداء الأئمة من ولدک ، بذلک أخبرني جبرئيل 
 7، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

أقول : اللهمّ اشهد إنّا آمنّا بذلک ، ونسألک الشهادة في سبيل الولاية ، والحشر مع أوليائک الأبرار الرسول المختار والأئمة الأطهار وفاطمة الأخيار عليهم صلواتک في الليل والنهار أبد الآبدين من بدء الخلق إلى قيام يوم الدين .

  ـ  روى ابن شاذان بإسناده قال : قال رسول الله  9: ليلة اُسري بي إلى الجليل جلّ جلاله اُوحي إليّ: (آمَنَ الرَّسولُ بِما اُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ) قلت  : (وَالمُؤْمِنونَ )، قال : صدقت يا محمّد، من خلّفت في اُمّتک ؟ قلت : خيرها، قال  : علي بن أبي طالب ؟ قلت : نعم يا ربّ ، قال : يا محمّد، إنّي اطّلعت إلى الأرض اطّلاعة فاخترک منها، فشققت لک اسمآ من أسمائي فلا اُذكر في موضع إلّا ذُكرت معي ، فأنا المحمود وأنت محمّد  9، ثمّ اطّلعت الثانية فيها فاخترت منها عليّآ، وشققت له اسمآ من أسمائي فأنا الأعلى وهو عليّ. يا محمّد، إنّي خلقتک وخلقت عليآ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من سنخ نور من نوري ، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرضين ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، ومن جحدها كان عندي من الكافرين ، يا محمّد، لو أنّ عبدآ من عبيدي عبدني حتّى ينقطع ويصير كالشنّ البالي ثمّ أتاني جاحدآ لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم ، يا محمّد، تحبّ أن تراهم ؟ قلت : نعم يا ربّ . فقال لي : التفت على يمين العرش ، فالتفتّ فإذا أنا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمّد والحسن بن عليّ والمهدي في ضحضاح من نور، قيام يصلّون وفي وسطهم المهدي يضيء كأنّه كوكب درّي ، فقال : يا محمّد، هؤلاء الحجج والقائم من عترتک ، 
وعزّتي وجلالي له الحجّة الواجبة لأوليائي وهو المنتقم من أعدائي ، بهم يمسک الله السماوات أن تقع على الأرض إلّا بإذنه
[254] .

 

  ـ  قال رسول الله  9: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديّآ، ولو أنّ عبدآ عبد الله بين الركن والمقام ألف سنة ثمّ لقي الله بغير ولايتنا أكبّه الله على منخريه في النار، ومن مات لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، والله ما ترک الله الأرض منذ قبض آدم إلّا وفيها إمام يُهتدى به حجّة على العباد من تركه هلک ومن لزمه نجا[255] .

 

  ـ  قال عبد الله بن أبي يعفور: سألت أبا عبد الله الصادق  7: ما العلّة أن لا دين لهؤلاء وما عتب لهؤلاء؟ قال : لأنّ سيّئات الإمام الجائر تغمز حسنات أوليائه وحسنات الإمام العادل تغمز سيّئات أوليائه .

أقول : ما أروع هذا الحديث الشريف ، وكيف يبن الإمام  7 واقع الأمر، وأنّه من اتّبع الإمام الجائر وخلفاء الجور ووالاهم ، فإنّه وإن عمل صالحآ يحبط عمله ، فإنّ سيّئات الإمام الجائر تذهب بحسنات المأموم ، وكأنّما بالولاية أصبحا بمنزل واحد، وإنّ المأموم يتأثّر بإمامه ، لإطاعته ومحبّته وولايته ، وكذلک من اتّبع الإمام العادل المعصوم  7 فإنّ حسنات الإمام  7 تؤثّر في محو سيّئات المأموم ، وهذا من العدل الإلهي ، حفاظآ على مقام الإطاعة والمتابعة والولاية ، فتدبّر، فالولاية الكلّ بالكلّ ، وفاتحة الأعمال وخاتمتها الولاية التي يتشعّب منها المعرفة والمودّة والإطاعة والتخلّق بأخلاق الله ورسوله والأئمة الأطهار  :.


  ـ  عن زريق عن أبي عبد الله  7 قال : قلت له : أيّ الأعمال أفضل بعد المعرفة ؟ قال : ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة ولا بعد المعرفة والصلاة شيء يعدل الزكاة ، ولا بعد ذلک شيء يعدل الصوم ، ولا بعد ذلک شيء يعدل الحجّ ، وفاتحة ذلک كلّه معرفتنا وخاتمته معرفتنا[256] .

 

أجل هذه هي الولاية ، أوَ تدري ما لمن أنكرها وسخطها ونقض عهدها، وتولّى غير أئمّة الحقّ ؟

  ـ  عن الإمام الرضا  7 عن آبائه  : أنّ رسول الله  9 تلا هذه الآية (لا يَسْتَوي أصْحابُ النَّارِ وَأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزونَ ) فقال  : أصحاب الجنّة من أطاعني وسلّم لعليّ بن أبي طالب بعدي وأقرّ بولايته ، فقيل  : وأصحاب النار؟ قال : من سخط الولاية ونقض العهد وقاتله بعدي .

  ـ  عن جابر عن أبي جعفر  7 قال : لمّـا نزلت هذه الآية (يَوْمَ نَدْعو كُلَّ اُناسٍ بِإمامِهِمْ ) قال : فقال المسلمون : يا رسول الله، ألست إمام الناس كلّهم أجمعين ؟ فقال رسول الله  9: أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ، ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من الله من أهل بيتي يقومون في الناس فيكذّبون ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم ، ألا ومن والاهم واتّبعهم وصدّقهم فهو منّي ، وسيلقاني ، ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذّبهم فليس منّي ولا معي وأنا منه بريء[257] .

 

  ـ  عن النبيّ  9 عن جبرئيل عن الله عزّ وجلّ قال : من عادى أوليائي فقد بارزني بالمحاربة ، ومن حارب أهل بيتي فقد حلّ عليه عذابي ، ومن تولّى 
غيرهم فقد حلّ عليه غضبي ، ومن أعزّ غيرهم فقد آذاني ومن آذاني فله النار
[258] .

 

  ـ  عن الصادق عن آبائه  : قال : قال رسول الله  9: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديآ. قيل : يا رسول الله، وإن شهد الشهادتين ؟ قال : نعم ، فإنّما احتجز بهاتين الكلمتين عن سفک دمه أو يؤدّي الجزية عن يد وهو صاغر، ثمّ قال  : من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديآ. فقيل : وكيف يا رسول الله؟ قال : إن أدرک الدجّال آمن به[259] .

 

  ـ  عن سعيد بن أبي سعيد قال : سمعت أبا الحسن  7 يقول : إنّ الله عزّ وجلّ في كلّ وقت صلاة يصلّيها هذا الخلق يلعنهم قال : قلت : جعلت فداک ، ولِمَ ؟ قال : بجحودهم حقّنا وتكذيبهم إيّانا[260] .

 

  ـ  عن حنان بن سدير عن أبيه قال : سمعت أبا جعفر  7 يقول : إنّ عدوّ عليّ  7 لا يخرج من الدنيا حتّى يجرع جرعة من الجحيم ، وقال : سواء على من خالف هذا الأمر صلّى أو زنا[261] .

 

يقول الناصر العباسي من المخالفين  :

قسمآ بمكّة والحطيم وزمزم         والراقصات وسعيهنّ إلى منى

بغض الوصيّ علامة مكتوبة         كتبت على جبهات أولاد الزنا

من لم يوالِ في البريّة حيدرآ         سيّان عند الله صلّى أم زنا


إيه يا صاحبي الكريم ، هذه هي الولاية التي ندعو إليها، فإنّها روح الإسلام

وجوهره وحقيقته ، ولا تتمّ إلّا بالبراءة ، فهما وجهان لحقيقة واحدة ، فلا ولاية إلّا بالبراءة ولا براءة إلّا بالولاية ، ومن مظاهر البراءة الدعاء على الظالمين الغاصبين لآل محمّد، الناكرين فضلهم ومقامهم الشامخ ، والدعاء على الكافرين والظالمين هو اللعن المحبّذ الذي يثاب عليه .

  ـ  قال جعفر بن محمّد الصادق  7: قوله عزّ وجلّ : (آهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ ) يقول : أرشدنا الصراط المستقيم ، أي أرشدنا للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتک والمانع أن نتّبع أهواءنا فنعطب ونأخذ بآرائنا فنهلک ، ثمّ قال الصادق  7 : طوبى للذين هم كما قال رسول الله  9: «يحمل هذا العلم من كلّ خلق عدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين »، فقال له رجل  : يا ابن رسول الله إنّي عاجز ببدني عن نصرتكم ، ولست أملک إلّا البراءة من أعدائكم واللعن عليهم فكيف حالي ؟

فقال له الصادق  7: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلوات الله عليهم أنّه قال : من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلّغ الله صوته جميع الأفلاک من الثرى إلى العرش ، فكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنآ ساعدوه ولعنوا من يلعنه ثمّ ثنّوا فقالوا: اللهمّ صلّ على عبدک هذا الذي قد بذل ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل ، فإذا النداء من قبل الله عزّ وجلّ : قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم وصلّيت على روحه في الأرواح ، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار[262] .

 


أقول : لقد ورد في الأخبار الصحيحة «هل الدين إلّا البغض »، فالمتديّن

الملتزم حقيقة هو الذي يحبّ الله ورسوله وأهل بيته الأطهار فيتبعهم ويطيعهم ، فإنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ، ثمّ يبغض أعداءهم وظهر بغضه بلعنهم والبراءة منهم ، فإنّهم نصبوا في قلوبهم عداوة محمّد  9 أو عداوة آله الأطهار  : أو عداوة شيعتهم الكرام رضي الله عنهم ، فهؤلاء من الناصبين الملعونين أيضآ، وإليک هذا الخبر الصحيح  :

  ـ  عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله  7 قال : ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ، لأنّک لا تجد رجلا يقول : أنا أبغض محمّدآ وآل محمّد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنّكم تتولّونا وأنّكم من شيعتنا.

ومثل هؤلاء في عصرنا هذا هم الوهابيّة ، أتباع محمّد بن عبد الوهاب النجدي ، فإنّ قلوبهم ملئت نصبآ وعداوة لشيعة أهل البيت  :، فما من كتاب تقرأ لهم إلّا وتجد الحقد يطفح على أقلامهم السامّة المقيتة ، فيتّهمون الشيعة بشتّى التهم ويفترون عليهم ، ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، ويموّهون على الناس السذّج البسطاء بتلفيقاتهم وأكاذيبهم ، بقضايا ما أنزل الله بها من سلطان ، وتجلّ ساحة الشيعة منها، كلّ هذا ليخدموا أسيادهم الاستعمار والاستكبار العالمي ليفرّقوا بين الاُمّة الإسلامية الواحدة ـفرّق تسدـ فتمزّق وحدتهم واعتصامهم بحبل الله، فتنهب ثرواتهم وتستثمر جهودهم في صالح الرأسمالية المتمثّلة بالقوى الكافرة كأمريكا الشيطان الأكبر.

  ـ  قال أبو عبد الله  7: إنّ المؤمن ليشفع لحميمه إلّا أن يكون ناصبآ، ولو أنّ ناصبآ شفع له كلّ نبيّ مرسل وملک مقرّب ما شفّعوا.

  ـ  عنه  7: إنّ نوحآ  7 حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل 
فيها ولد الزنا، والناصب شرّ من ولد الزنا
[263] .

 

  ـ  قال أمير المؤمنين  7: ما خلق الله عزّ وجلّ شيئآ أشرّ من الكلب ، والناصب أشرّ منه[264] .

 

هذه جملة من الروايات الشريفة في ولاية أهل البيت  : والبراءة من أعدائهم ، وحكم من خالفهم ونصب في قلبه عداوتهم وعداوة مواليهم ومحبّيهم وشيعتهم ، ولا يخفى أنّهم من القلّة التي على الحقّ ، ولا تستوحش في طريق الهدى من قلّة أهله ، فإنّ النبيّ الأكرم  9 قد أخبر في مواضع أنّه ستفترق اُمّته إلى اثنين أو ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة ناجية ، والباقي في النار.

  ـ  عن أنس بن مالک قال : قال رسول الله  9: إنّ بني إسرائيل تفرّقت على عيسى  7 إحدى وسبعين فرقة ، فهلک سبعون فرقة وتخلّص فرقة ، وإنّ اُمّتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة ، فتهلک إحدى وسبعون ، وتتخلّص فرقة ، قالوا : يا رسول الله من تلک الفرقة ؟ قال : الجماعة الجماعة[265] .

 

قال الصدوق ؛: الجماعة أهل الحقّ وإن قلّوا، وقد روي عن النبيّ  9 أنّه قال : المؤمن وحده حجّة ، والمؤمن وحده جماعة .

  ـ  عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله  9: سيأتي على اُمّتي ما أتى على بني إسرائيل مثل بمثل وإنّهم تفرّقوا على اثنتين وسبعين ملّة ، وستفرق اُمّتي على 
ثلاث وسبعين ملّة تزيد عليهم واحدة كلّها في النار غير واحدة ، قال : قيل  : يا رسول الله، ما تلک الواحدة ؟ قال : هو ما نحن عليه اليوم أنا وأهل بيتي .

  ـ  عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ  9 قال : لتاُخذنّ كما اُخذت الاُمم من قبلكم ذراعآ بذراع وشبرآ بشبر، وباعآ بباع حتّى لو أنّ أحدآ من اُولئک دخل جُحْرَ ضبّ لدخلتموه ، قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب ؟ قال : فهل الناس إلّا هم .

وفي هذا المضمون روايات كثيرة عند الفريقين السنّة والشيعة ، فلا بدّ لنا أن نعرف الحقّ أوّلا ثمّ نعرف أهله ، ونعرف الرجال بالحقّ لا الحقّ بالرجال ، والنبيّ قد بيّن لنا الحقّ أنّ عليّآ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ أينما دار يدور، وأنّ الهداية في اتّباع الثقلين كتاب الله وعترة النبيّ  9 وأنّهم سفينة النجاة ومصباح الهدى إلى يوم القيامة .

  ـ  عن أبي جعفر  7 في قوله تعالى : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقآ عَنْ طَبَقٍ ) قال  : يا زرارة ، أوَ لم تركب هذه الاُمّة بعد نبيّها طبقآ عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان .

  ـ  عن أبي عقيل قال : كنّا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  7 فقال : لتفرّقنّ هذه الاُمّة على ثلاث وسبعين فرقة ، والذي نفسي بيده إنّ الفِرَق كلّها ضالّة إلّا من اتّبعني وكان من شيعتي[266] .

 

  ـ  عن عائشة قالت : سمعت رسول الله  9 يقول : إنّي على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم ، وليقطعنّ برجال دوني ، فأقول : يا ربّ ، أصحابي أصحابي فيقال : إنّک لا تدري ما عملوا بعدک ، إنّهم ما زالوا يرجعون على أعقابهم القهقرى .


  ـ  عن ابن عباس قال : قال رسول الله  9: إنّكم محشورون حفاة عراة عُزّلا، ثمّ قرأ (كَما بَدَأنا أوَّلَ خَلـْقٍ نُعيدُهُ وَعْدآ عَلـَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلينَ ) ألا وإنّ أوّل من يكسى إبراهيم  7، ألا وإنّ اُناسآ من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول  : أصحابي أصحابي ، قال : فيقال : إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى  7 (وَكُنْت عَلَيْهِمْ شَهيدآ ما دُمْت فيهِمْ ) إلى قوله (العَزيزَ الحَكيمَ ).

يقول الكنجي صابح الكفاية ـمن كتب العامّة ـ هذا حديث صحيح متّفق على صحّته رواه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه[267] .

 

  ـ  قال رسول الله  9: ليجيئنّ قوم من أصحابي من أهل العليّة والمكانة منّي ليمرّوا على الصراط ، فإذا رأيتهم ورأوني ، وعرفتهم وعرفوني ، اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ أصحابي أصحابي ، فيقال : ما تدري ما أحدثوا بعدک ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم حيث فارقتهم ، فأقول : بُعدآ وسحقآ[268] .

 

وفي بعض الروايات قوله : فأقول سحقآ لمن بدّل بعدي .

بالله عليک أيّها القارئ الكريم المنصف أيّ شيء بدّلوا بعد نبيّهم ؟ أليس إنكارهم الوصاية والولاية والإمامة الحقّة والخلافة الصادقة ؟ كما ورد في الحديث الشريف : ارتدّ الناس بعد رسول الله إلّا ثلاث أو خمس أو سبع ، وهذا يعني القلّة ، فإنّ أكثر الناس للحقّ كارهون ارتدّوا عن ولاية أمير المؤمنين عليّ  7 وغرّتهم الدنيا الدنيّة والرئاسات المزيّفة والجاه والمقام المقيت ، وغرّهم الشيطان بالله الغرور 
واستحوذ عليهم فأضلّهم ، وقليل من عباد الله الشكور، ولا زالت هذه القلّة المؤمنة المظلومة إلى أن يظهر المهدي من آل محمّد 
 : ليملأ الأرض قسطآ وعدلا كما ملئت ظلمآ وجورآ.

وعليک أيّها القارئ الكريم أن تحدّد موقفک وسيرک ففي أيّ المعسكرين والحزبين : معسكر القلّة وحزب الله الغالب أو معسكر الكثرة وحزب الشيطان المندحر؟ فهل أنت في خطّ الولاية أو في خطّ الغواية ؟

  ـ  من الصحيحين عن أبي هريرة أنّ رسول الله  9 قال : يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـأو قال : من اُمّتي ـ فيحلّون عن الحوض ـأي يطردون ـ فأقول : يا ربّ أصحابي فيقول : لا علم لک بما أحدثوا بعدک ، إنّهم ارتدّوا على أعقابهم القهقرى .

  ـ  ومن البخاري أنّ رسول الله  9 قال : بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم : هلمّ ، قلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله، فقلت : وما شأنهم ، قال : إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ، ثمّ إذا زمرة اُخرى حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال له  : هلمّ ، فقلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم قد ارتدّوا على أدبارهم ، فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم .

الهَمل الإبل التي ترعى بلا راعٍ مثل النفش ، وقال السندي في شرحه على البخاري : أي لا يخلص منهم من النار إلّا قليل ، وقال القسطلاني في شرحه على البخاري : يعني أنّ الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالّة ، وهذا يشعر بأنّهم صنفان : كفّار وعصاة .

وفي خبر آخر: فيقول : إنّک لا تدري ما أحدثوا بعدک ، ما زالوا يرجعون 
على أعقابهم
[269] .

 

  ـ  ومن الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله  9: إنّي على الحوض أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول يا ربّ منّي ومن اُمّتي ـوفي رواية اُخرى ـ فأقول : أصحابي ، فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدک ؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم .

ما ذكرته من الروايات إنّما هو من كتب العامّة وصحاحهم ليكون أبلغ في الحجّة مع القوم ، وهو على ما يعتقدوه في النبيّ الأكرم  9، وإلّا فنحن نعتقد أنّه يعلم بذلک كلّه ، وقد أخبر وحتّى بيّن الفرقة الناجية ، كما بيّن الفرق الهالكة ، وهذا يعني على كلّ مسلم واع ورسالي أن يعرف الحقّ فيتّبعه ، ويجتنب الباطل ويدمغه ، ولا بمعنى تفرّق الاُمّة الإسلامية وتشتّتها، وزرع النفاق والاختلاف بين المسلمين ، فهذه اُمنيّة أعداء الإسلام والمسلمين قاطبة سنّة وشيعة ، كما هي أساس سياسة الاستعمار والاستكبار العالمي ـفرّق تسدـ فلا بدّ من الوحدة والاتّحاد بين المسلمين أمام أعداء الإسلام ، الصهيونية العالميّة والاستعمار الغربي والشرقي والشيوعية والامبرياليّة ، لا بدّ أن ندعو ونطلب من الله سبحانه هداية الناس إلى الحقّ وأن يعرف المسلمون ما هو الحقّ ومن هو الحقّ بعد رسول الله  9.

والدنيا دار البلوى والامتحان والاختبار، أيحسب الناس أن يتركوا سدىً أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ولا يختبرون ، فقفوهم إنّهم مسؤولون ، وإنّما يسأل الله عزّ وجلّ عن الولاية كما في كثير من الأخبار الشريفة .

  ـ  في كتاب سليم بن قيس عن سلمان أنّ أمير المؤمنين  7 قال : سمعت 
رسول الله 
 9 يقول : لتركبنّ اُمتّي سنّة بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وحذو القذّة بالقذّة شبرآ بشبر، وذراعآ بذراع ، وباعآ بباع ، حتّى لو دخلوا حجرآ لدخلوا فيه معهم ، إنّ التوراة والقرآن كتبته يد واحدة في رقّ واحد بقلم واحد، وجرت الأمثال والسنن سواء.

ثمّ قال أبان : قال سليم : وسمعت عليّ بن أبي طالب  7 يقول : إنّ الاُمّة ستفرق على ثلاث وسبعين فرقة : ثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنّة ، وثلاث عشرة فرقة من الثلاث وسبعين تنتحل محبّتنا أهل البيت ، واحدة منها في الجنّة واثنتا عشرة في النار، وأمّا الفرقة الناجية المهديّة المؤمنة المسلمة الموفّقة المرشدة ، فهي المؤتمّة بي المسلّمة لأمري ، المطيعة لي ، المتبرّئة من عدوّي المحبّة لي ، المبغضة لعدوّي ، التي قد عرفت حقّي وإمامتي ، وفرض طاعتي من كتاب الله وسنّة نبيّه ، فلم ترتدّ ولم تشکّ لما قد نوّر الله في قلبها من معرفة حقّنا وعرّفها من فضلنا، وألهمها وأخذ بنواصيها، فأدخلها في شيعتنا حتّى اطمأنّت قلوبها، واستيقنت يقينآ لا يخالطه شکّ أنّي أنا وأوصيائي بعدي إلى يوم القيامة هداة مهتدون ، الذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه في آي من كتاب الله كثيرة ، وطهّرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه ، وحجّته مع القرآن والقرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا، حتّى نرد على رسول الله  9 حوضه كما قال .

وتلک الفرقة الواحدة من الثلاث والسبعين فرقة هي الناجية من النار، ومن جميع الفتن والضلالات والشبهات ، هم من أهل الجنّة حقّآ هم يدخلون الجنّة بغير حساب ، وجميع تلک الفرق الاثنتين والسبعين فرقة هم المتديّنون بغير الحقّ الناصرون دين الشيطان ، الآخذون عن إبليس وأوليائه ، هم أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين يدخلون النار بغير حساب ، برؤوا من الله ومن رسوله 
وأشركوا بالله وكفروا به ، وعبدوا غير الله من حيث لا يعلمون ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعآ، يقولون يوم القيامة والله ربّنا ما كنّا مشركين يحلفون لله كما يحلفون لكم ، ويحسبون أنّهم على شيء ألا إنّهم هم الكاذبون .

قال : قيل : يا أمير المؤمنين ، أرأيت من وقف فلم يأتمّ بكم ولم يضادّكم ولم ينصب لكم ، ولم يتولّكم ولم يتبرّأ من عدوّكم ، وقال : لا أدري وهو صادق ؟ قال  : ليس اُولئک من الثلاث والسبعين فرقة ، إنّما عنى رسول الله  9 بالثلاث والسبعين فرقة الباغين الناصبين الذين قد شهروا أنفسهم ، ودعوا إلى دينهم ، ففرقة واحدة منها تدين بدين الرحمن ، واثنتان وسبعون تدين بدين الشيطان ، وتتولّى على قبولها، وتتبرّأ ممّن خالفها، فأمّا من وحّد الله وآمن برسول الله  9، ولم يعرف ولايتنا ولا ضلالة عدوّنا، ولم ينصب شيئآ ولم يحلّ ولم يحرّم ، وأخذ بجميع ما ليس بين المختلفين من الاُمّة خلاف في أنّ الله أمر به أو نهى عنه ، فلم ينصب شيئآ، ولم يحلّل ولم يحرّم ولا يعلم ، وردّ علم ما أشكل عليه إلى الله، فهذا ناجٍ وهذه الطبقة بين المؤمنين وبين المشركين هم أعظم الناس وجلّهم ، وهم أصحاب الحساب والموازين والأعراف والجهنّميون الذين يشفع لهم الأنبياء والملائكة والمؤمنون ، ويخرجون من النار فيسمّون الجهنّميين ، فأمّا المؤمنون فينجون ، ويدخلون الجنّة بغير حساب ، وإنّما الحساب على أهل هذه الصفات بين المؤمنين والمشركين والمؤلّفة قلوبهم والمقترفة والذين خلطوا عملا صالحآ وآخر سيّئآ والمستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، لا يستطيعون حيلة الكفر والشرک ، ولا يحسنون أن ينصبوا، ولا يهتدون سبيلا إلى أن يكونوا مؤمنين عارفين ، فهم أصحاب الأعراف وهؤلاء كلّهم لله فيهم المشيّة إن أدخل أحدهم النار فبذنبه وإن تجاوز عنه فبرحمته .

قلت : أيدخل النار المؤمن العارف الداعي ؟ قال : لا. قلت : أيدخل الجنّة 
من لا يعرف إمامه ؟ قال : لا، إلّا أن يشاء الله. قلت : أيدخل النار إلّا كافر أو

مشرک ؟ قال : لا يدخل النار إلّا كافر إلّا أن يشاء الله. قلت : فمن لقي الله مؤمنآ عارفآ بإمامه مطيعآ له ، أمن أهل الجنّة هو؟ قال : نعم ، إذا لقي الله وهو مؤمن ، قال الله عزّ وجلّ : (