العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

جلوة من ولاية أهل البيت

بسم  اللّه  الرحمن  الرحيم

 

 

الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين ، واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين .

أمّا بعد :

فمهما قلنا ونقول في رسول اللّه وأهل بيته المعصومين  :، ومهما قال الشعراء والكتّاب والمصنّفون في فضائلهم ومدائحهم ومكارمهم ، ومهما قال الخطباء والعلماء في مآثرهم ومقامهم الشامخ ، فلا زلنا ولا زالوا مقصّرين في حقّهم وعلوّ مقامهم ، ومَن كان مادحهم ومعرّفهم ومبيّن فضائلهم ربّ العالمين ! كيف للعالمين أن يبلغوا كنههم ومعرفتهم ومدحهم ؟ والإحاطة بهم ؟ هيهات هيهات .

فيا تُرى هل لنا دليل على ذلک !

وكيف نميّز بين العارف بهم والغالي بحقّهم !

وإلى أيّ حدٍّ ومقدارٍ يجوز لنا أن نذكر من فضائلهم ومقامهم ودرجاتهم الرفيعة ؟

وما هو الحدّ الوسط في معرفتهم ، بلا إفراطٍ ولا تفريط ، وقد جاء في الدعاء :
«اللّهمّ لا تجعلنا من الذين تقدّموا فمرقوا، ولا من الذين تأخّروا فمحقوا، واجعلنا من النمرقة الأوسط »
[1] .

 

وجاء في بحار الأنوار[2]  من كتاب رياض الجنان بسنده عن محمد بن سنان

قال : كنت عند أبي جعفر  7، فذكرت اختلاف الشيعة ، فقال : إنّ اللّه لم يزل فردآ متفرّدآ في الوحدانية ، ثمّ خلق محمدآ وعليآ وفاطمة  :، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق الأشياء وأشهدهم على خلقها، وأجرى عليها طاعتهم ، وجعل فيهم ما شاء، وفوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتصرّف والارشاد والأمر والنهي في الخلق ؛ لأنّهم الولاة ، فلهم الأمر والولاية والهداية ، فهم أبوابه ونوّابه وحجّابه ، يحلّلون ماشاء ويحرّمون ما شاء، ولا يفعلون إلّا ما شاء، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . فهذه الديانة التي مَن تقدّمها غرق في بحر الإفراط ، ومن نقصهم عن هذه المراتب التي رتّبهم اللّه فيها زهق في برّ التفريط ، ولم يوفّ آل محمد حقّهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم . ثمّ قال : خذها يا محمد فإنّها من مخزون العلم ومكنونه .

قال العلّامة المجلسي في بيان الخبر: اختلاف الشيعة أي في معرفة الأئمة  : وأحوالهم وصفاتهم ، أو في اعتقادهم بعدد الأئمة ، فإنّ الواقفية والفطحية والناووسية وبعض الزيدية أيضآ من الشيعة ، والمحقّ منهم الإمامية ، والأوّل أنسب بالجواب .

ومعنى فأشهدهم خلقها، أي خلقها بحضرتهم وبعلمهم ، وهم كانوا مطّلعين على أطوار الخلق وأسراره ، فلذا صاروا مستحقّين للإمامة ، لعلمهم الكامل
بالشرائع والأحكام وعلل الخلق وأسرار الغيوب ، وأئمة الإمامية كلّهم موصوفون بتلک الصفات دون سائر الفِرَق ، فبه يبطل مذهبهم ، فيستقيم الجواب على الوجه الثاني أيضآ. ولا ينافي هذا قوله تعالى :
(ما أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَلا الأرْضَ ) بل يؤيّده ، فإنّ الضمير في (ما أشْهَدْتُهُمْ ) راجع إلى الشيطان وذرّيته أو إلى المشركين بدليل قوله تعالى سابقآ: (أفَـتَـتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّـتَهُ أوْلِياءَ مِنْ دُوني )، وقوله بعد ذلک : (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدآ)، فلا ينافي إشهاد الهادين للخلق .

ومعنى أجرى طاعتهم عليها، أي أوجب وألزم على جميع الأشياء طاعتهم حتّى الجمادات من السماويات والأرضيات ، كشقّ القمر وإقبال الشجر وتسبيح الحصى وأمثالها ممّا لا يحصى ، وفوّض اُمورها إليهم ... والديانة الاعتقاد المتعلّق باُصول الدين ، من تقدّمها أي تجاوزها بالغلوّ مَرَق ، أي خرج من الإسلام ، ومَن تخلّف عنها، أي قصّر ولم يعتقد بها محق ـمبني للمعلوم بمعنى أبطل دينه ، ولو بني للمجهول أي بطل ـ ومن لزمها واعتقد بها لحق ، أي بالأئمة  :، أو أدرک الحقّ .

ويقول الشيخ الصدوق في اعتقاداته : اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفّار باللّه جلّ جلاله وأنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية (الخوارج ) ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة ، وأنّه ما صغّر اللّه جلّ جلاله تصغيرهم شيء، وقال جلّ جلاله : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الكِتابَ وَالحُكْمَ وَالنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلْناسِ كُونُوا عِبادآ لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَبِيِّينَ أرْبابآ أيَأمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ )، وقال اللّه عزّ وجلّ : (لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللّهِ إلّاالحَقَّ ).

قال الشيخ المفيد  1 في شرح هذا الكلام : الغلوّ في اللغة هو تجاوز الحدّ
والخروج عن القصد، قال اللّه تعالى :
(يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللّهِ إلّا الحَقَّ )، فنهى عن تجاوز الحدّ في المسيح ، وحذّر من الخروج عن القصد في القول ، وجعل ما ادّعته النصارى غلوّآ لتعدّيه الحدّ على ما بيّناه . والغلاة من المتظاهرين بالإسلام ، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذرّيته  : إلى الإلهية والنبوّة ، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحدّ وخرجوا عن القصد، وهم ضلّال كفّار، حكم فيهم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه بالقتل والتحريق بالنار في الاُخدود، وقضت الأئمة  : عليهم بالكفر والخروج عن الإسلام . والمفوّضة من الغلاة وقولهم الذي فارقوا به مَن سواهم من الغلاة  : اعتراضهم بحدوث الأئمة وخلقهم ، ونفي القدم عنهم ، وإضافة الخلق والرزق مع ذلک إليهم ، ودعواهم أنّ اللّه تعالى تفرّد بخلقهم خاصّة ، وأنّه فوّض إليهم خلق العالم بمافيه وجميع الأفعال .

هذا، والغلاة والمفوّضة من الكفّار والمشركين ، وعليه الأدلّة الأربعة  : (القرآن الكريم والسنّة الشريفة والإجماع والعقل )، وقد جاء في عيون أخبار الرضا عن يزيد بن عمير، قال : دخلت على علي بن موسى الرضا  7 بمرو، فقلت له  : يابن رسول اللّه ، روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد  8 أنّه قال : «لا جبر ولاتفويض ، بل أمر بين الأمرين »، فما معناه ؟ فقال : مَن زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ يفعل أفعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر، ومَن زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ فوّض أمر الخلق والرزق إلى حججه  : فقد قال بالتفويض ، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرک[3] .

 


بل نقول في أئمّتنا  : كما علّمونا وأخبرونا به ، فقد جاء في كتاب الاحتجاج عن أبي الحسن علي بن أحمد الدلّال القمي ، قال : اختلف جماعة من الشيعة في أنّ اللّه عزّ وجلّ فوّض إلى الأئمة  : أن يخلقوا ويرزقوا؟ فقال قوم  : هذا محال لا يجوز على اللّه عزّ وجلّ ؛ لأنّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير اللّه عزّوجلّ . وقال آخرون : بل اللّه عزّ وجلّ أقدرَ الأئمة على ذلک وفوّض إليهم فخلقوا ورزقوا. وتنازعوا في ذلک تنازعآ شديدآ.

فقال قائل : ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألونه عن ذلک ليوضح لكم الحقّ فيه ؛ فإنّه الطريق إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلّمت وأجابت إلى قوله ، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهته  7 توقيع ، نسخته : إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسّم الأرزاق ، لأنّه ليس بجسم ولا حالّ في جسم ، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فأمّا الأئمة  : فإنّهم يسألون اللّه تعالى فيخلق ، ويسألونه فيرزق ، إيجابآ لمسألتهم وإعظامآ لحقّهم[4] .

 

وفصل الخطاب ما قاله خرّيت هذا الفنّ المحدّث الكبير العلّامة المجلسي عليه الرحمة في بحاره القيّم ، فقال  :

إعلم أنّ الغلوّ في النبيّ والأئمة  : إنّما يكون بالقول باُلوهيّتهم ، أو بكونهم شركاء للّه تعالى في المعبودية ، أو في الخلق والرزق ، أو أنّ اللّه تعالى حلّ فيهم ، أواتّحد بهم ، أو أنّهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من اللّه تعالى ، أو القول في الأئمة  : أنّهم كانوا أنبياء، أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، أو القول
بأنّ معرفتهم تغني عن جميع الطاعات ولا تكليف معها بترک المعاصي .

والقول بكلّ منها إلحاد وكفر وخروج عن الدين ، كما دلّت عليه الأدلّة العقلية والآيات والأخبار السالفة وغيرها، وقد عرفت أنّ الأئمة  : تبرّؤوا منهم ، وحكموا بكفرهم ، وأمروا بقتلهم ، وإن قَرَعَ سمعک شيء من الأخبار الموهمة لشيءٍ من ذلک ، فهي إمّا مأوّلة ، أو هي من مفتريات الغلاة .

ولكن أفرطَ بعض المتكلّمين والمحدّثين في الغلوّ؛ لقصورهم عن معرفة الأئمة  : وعجزهم عن إدراک غرائب أحوالهم وعجائب شؤونهم ، فقدحوا في كثيرٍ من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات ، حتّى قال بعضهم : من الغلوّ نفي السهو عنهم ، أو القول بأنّهم يعلمون ما كان وما يكون وغير ذلک ، مع أنّه قدورد في أخبار كثيرة : «لا تقولوا فينا ربّآ، وقولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا»، وورد: «أنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملک مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان »، وورد: «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله »، وغيرذلک لما مرّ وسيأتي .

فلا بدّ للمؤمن المتديّن أن لا يبادر بردّ ما ورد عنهم من فضائلهم ومعجزاتهم ومعاني اُمورهم إلّا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة ، كما مرّ في باب التسليم وغيره .

ثمّ يذكر العلّامة المجلسي  1 معاني التفويض وأقسامها، وأيّها تصحّ في الأئمة الأطهار  :، فعليكم بالمراجعة .

والمقصود من هذه الرسالة بعد أن وقفنا ولو بنحو الإجمال على معنى الغلوّ في الأئمة الأبرار  : وأنّ الغلاة بحكم الكفّار، أن نعرف الحدّ الجائز في بيان مقام الأئمة  : وفضائلهم ، بلا إفراط ولا تفريط .


فسنشير إلى ذلک من خلال الاُمور التالية[5]  :

 

        

 

«الأوّل »

لقد أمر أئمتنا الأطهار  : أن ننزّههم وننزّلهم عن الربوبية بأنّهم عباد مخلوقون ، كما ورد في أدعيتهم ومناجاتهم ، كما في مناجاة أمير المؤمنين علي  7 أبي الأئمة المعصومين  :: «أنت الربّ وأنا المربوب ، أنت الخالق وأنا المخلوق ، أنت المولى وأنا العبد، أنت الرازق وأنا المرزوق ...»، فمن قال باُلوهيّتهم فهو كافر ملعون كما ورد في أخبارهم الشريفة . وحينئذٍ لو قلنا في علوّ مقامهم وعظمتهم من المكارم والفضائل ما يعجز عنه البيان ويكلّ عنه اللسان ، فإنّا لا زلنا لم نقل شيئآ، وما ذكرناه فهو بحكم الصفر، والدليل على ذلک  :

في علم الحساب والرياضيات يرسم العدد الذي لا نهاية له بهذا الشكل  : (È) (العدد الثامن بالإنگليزية اُفقيآ)، ولو جعلنا ما يساويه من العدد مهما بلغ فإنّه يُعدّ صفرآ (صفر = È)، أي لو كتبنا من الأعداد بالمليارد وما زاد، فإنّه في مقابل اللانهاية يعدّ صفرآ، وحينئذٍ ربّ الأرباب ، خلّاق السماوات والأرضين ، واجب الوجود لذاته ، مستجمع جميع الصفات الكمالية والجمالية بلا نهاية ، فهو الأوّل وهو الآخر، وهو القادر على كلّ شيء والعالم بكلّ شيء، ليس كمثله شيء، وهو الحيّ الأبدي السرمدي ، ولا يقاس به شيء، سبحانه وتعالى فهو الوجود والكمال المطلق ومطلق الوجود والكمال ، فهو اللّه ربّ العالمين ، وكلّ شيء
بالنسبة إليه يعدّ صفرآ ولا شيء، فشيئيّة الشيء من مشيّته ، فلو نزّلنا الأئمة المعصومين
 : عن الربوبية ، فكلّما نقول في حقّهم فإنّه يعدّ صفرآ ولا شيء، وإلى مثل هذا المعنى أشاروا  :: «لا تقولوا فينا ربّآ وقولوا فينا ما شئتم ، ولن تبلغوا».

وإليک جملة من الروايات بهذا المضمون  :

1 ـ بحار الأنوار[6] ، عن الخصال ، بسنده : قال أمير المؤمنين  7: «إيّاكم

والغلوّ فينا، قولوا: إنّا عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم ».

2 ـ قال أمير المؤمنين  7: «لا تتجاوزوا بنا العبودية ، ثمّ قولوا ما شئتم ، ولن تبلغوا، وإيّاكم والغلوّ كغلوّ النصارى ، فإنّي بريء من الغالين »[7] .

 

تبيين ـ قوله  7: «ولن تبلغوا»، أي بعد ما أثبتم لنا العبودية ، كلّ ما قلتم في وصفنا كنتم مقصّرين في حقّنا، ولن تبلغوا ما نستحقّه من التوصيف .

3 ـ البحار، عن بصائر الدرجات ، بسنده ، عن أبي عبد اللّه  7، قال لاسماعيل بن عبد العزيز: يا إسماعيل ، ضع لي في المتوضّأ ماء، قال : فقمت فوضعت له . قال : فدخل . قال : فقلت في نفسي : أنا أقول فيه كذا وكذا، ويدخل المتوضّأ يتوضّأ.

قال : فلم يلبث أن خرج . فقال : يا إسماعيل ، لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم ، اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم ، فلن تبلغوا. فقال إسماعيل : وكنت أقول : إنّه ، وأقول وأقول .

بيان ـ كذا وكذا، أي أنّه ربّ ورازق وخالق ومثل هذا، كما أنّه المراد بقوله  :
كنت أقول : أنّه ، وأقول .

4 ـ البحار[8] ، عن كشف الغمة ، بسنده ، عن مالک الجهني ، قال : كنّا بالمدينة

حين اُجليت الشيعة وصاروا فرقآ، فتنحّينا عن المدينة ناحية ثمّ خلونا، فجعلنا نذكر فضائلهم وما قالت الشيعة إلى أن خطر ببالنا الربوبية ، فما شعرنا بشيء إذا نحن بأبي عبد اللّه  7 واقف على حمار، فلم ندرِ من أين جاء. فقال : يا مالک وياخالد! متى أحدثتما الكلام في الربوبية ؟ فقلنا: ما خطر ببالنا إلّا الساعة . فقال  : اعلما أنّ لنا ربّآ يكلأنا بالليل والنهار نعبده ، يا مالک ويا خالد، قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين ، فكرّرها علينا مرارآ وهو واقف على حماره .

5 ـ بحار الأنوار[9] ، بسنده ، عن أمير المؤمنين  7 في حديث معرفته

بالنورانية ، مخاطبآ سلمان وأبا ذرّ عليهما الرحمة ، فقال  7: إعلم يا أبا ذرّ أنا عبداللّه عزّ وجلّ وخليفته على عباده ، لا تجعلونا أربابآ، وقولوا في فضلنا ما شئتم ، فإنّكم لا تبلغوا كنه ما فينا ولا نهايته ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعطانا أكبر وأعظم ممّايصفه واصفكم أو يخطر على قلب أحدكم ، فإذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون .

ثمّ[10] ، جاء في الحديث ، قال  7: «يا سلمان ويا جندب ، قالا: لبيک

صلوات اللّه عليک ، قال  7: أنا أمير كلّ مؤمن ومؤمنة ممّن مضى وممّن بقي ، واُيّدت بروح العظمة ، وإنّما أنا عبدٌ من عبيد اللّه ، لا تسمّونا أربابآ، وقولا في فضلنا ما شئتم ، فإنّكم لن تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله اللّه لنا ولا معشار العشر».


وبهذا ينفتح لنا اُفقٌ جديد في عبارة ما ورد من الناحية المقدّسة  7 في أدعية رجب : «اللّهم إنّي أسألک بمعاني جميع ما يدعوک به ولاة أمرک ، المأمونون على سرّک ، المستبشرون بأمرک ، الواصفون لقدرتک ، المعلنون لعظمتک ، أسألک بمانطق فيهم من مشيّتک ، فجعلتهم معادن لكلماتک ، وأركانآ لتوحيدک وآياتک ومقاماتک التي لا تعطيل لها في كلّ مكان ، يعرفک بها من عرفک ، لا فرق بينک وبينها إلّا أنّهم عبادک وخلقک ، فَتْقها ورَتْقها بيدک ، بدؤها منک وعَودها إليک ، أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد وحفظة وروّاد، فبهم ملأت سمائک وأرضک ، حتّى ظهر أن لا إله إلّا أنت ، فبذلک أسألک ...»[11] .

 

فهم  : نور السماوات والأرض ، وبهم ملأت السماوات والأرض ، حتّى كان ظهور التوحيد وكلمته بتجلّياتهم وملائهم الكون ، فهم صنائع اللّه والخلق صنائعهم ، ولولاهم لما خلق اللّه الأفلاک وما فيها، ولولاهم لساخت الأرض بأهلها.

فظهور أن لا إله إلّا اللّه إنّما كان بجلواتهم فيما سوى اللّه سبحانه .


 

«الثاني »

إنّما خلق اللّه الجنّة من نور النبيّ المصطفى محمد وآله الطاهرين  :، وهي دار الاستراحة للمؤمنين والمتّقين ، وقد جاء في وصفها عن النبي الأكرم محمد  9 : «فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وما لم يخطر على قلب بشر»، وقد عجّت الروايات النبوية والمروية عن أهل البيت  : والآيات القرآنية بذكر نعيم الجنّة وما فيها من الحور العين ، والولدان المخلّدين ، وأنهار من لبن وعسل لذّة للشاربين ، وكواعب أترابآ وقصور من ذهب وفضّة ولآليء ومرجان وغير ذلک . ولكن مهما قالوا في نعيم الجنّة فإنّ هناک ما لم يخطر على قلب بشر، ولم يمرّ على ذهن إنسان مهما أراد أن يبالغ في وصفها وثنائها، فإذا كانت الجنّة التي هي دار الاستراحة ليس إلّا، هكذا مقامها، فما بالک بسادات الجنّة وأنوارها، والتي خلقت من نورهم الأنور، فإنّ أوّل ما خلق اللّه نور محمد  9، واشتقّ منه أنوار المعصومين  :، فكانوا بعرش اللّه محدقين ـكما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة ـ فهل يمكن لنا أن ندرک حينئذٍ مقام المعصومين  :، أم هناک ما لم يخطر على قلب بشر من الأوّلين والآخرين ، وكما قالوا: «قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا».

وقال أمير المؤمنين علي  7 في حديث طويل : فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعطانا أكبر وأعظم ممّا يصفه واصفكم ، أو يخطر على قلب أحدكم ، فإذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون[12] .

 


 

«الثالث »

اشتهرت عند الفلاسفة والحكماء قاعدة عقلية تسمّى بقاعدة (الأشرف )، وهي تعني أنّ الأشرف لا يصدر منه الخسيس والوضيع والرذيل مباشرة ، بل يصدر منه الشريف ، وحينئذٍ واجب الوجود لذاته ، وعلّة العلل ونور الأنوار يستحيل أن يصدر منه العالم المادي الهيولاني الظلماني مباشرة ، بل لا بدّ من وسائط ومراتب نورية ذات سير نزولي وصعودي ، فمن اللّه سبحانه وإليه عزّ وجلّ .

ولمثل هذا قالوا بالعقول العشرة ، كما عند المشّائين من الفلاسفة ، أو أرباب العقول والمثل الافلاطونية كما عند الاشراقيين ، فلا بدّ عندهم من واسطة بين النور الأتمّ والفيض الأكمل وبين العالم المادي الهيولاني ، وتكون هذه الواسطة ذات جنبتين : جانب ملكوتي نوري روحاني مجرّد، وجانب ناسوتي مادي جسماني ، نظيره وجود الإنسان نفسه ، فإنّه مركّب من روح مجرّدة وجسد جسماني .

فالفلاسفة باعتبار قاعدة الأشرف ، وباعتبار قاعدة (الواحد لا يصدر إلّا من واحد، كما لا يصدر منه إلّا واحد) ـلاستحالة توارد علّتين على معلول واحد، وصدور معلولين من علّة واحدة ـ قالوا: بأنّ اللّه خلق العقل الأوّل ، ومن ثمّ صدرت العقول والأفلاک ، باعتبار الجانب الوجودي والماهوي في مراتب ، وهذا العالم الطبيعي المادي الذي نعيش فيه إنّما هو صادر من العقل العاشر المسمّى بالعقل الفعّال .

هذا إجمال ما عند الفلاسفة ، ويقيمون البراهين العقلية عليه . وأمّا في لسان الروايات النبوية والولوية ، وعند المتشرّعة والفلاسفة الإسلاميين ، فقد جاء في كثيرٍ من الأخبار أنّ أوّل ما خلق اللّه هو العقل ، وأنّ أوّل ما خلق اللّه نور محمد  9.
ولا منافاة بينهما؛ فإنّ العقل نور من نور اللّه سبحانه ، فتجلّى نور محمد
 9 من نور ربّ العالمين ، ثمّ تجلّى من نور محمد أنوار الأئمة الطاهرين  :، فكلّهم نور واحد ـكما جاء في زيارة الجامعة الكبيرة : «أنتم نور الأخيار»ـ ولا يعرف حقيقة هذاالنور إلّا اللّه المحيط به والخالق له ، وأمّا الخلق فإنّه يعجز عن إدراک عظمة وكنه هذا النور، كما ورد في الخبر عن رسول اللّه  9 ـمخاطبآ أمير المؤمنين علي  7ـ : «ما عرفک إلّا اللّه وأنا، وما عرفني إلّا اللّه وأنت ، وما عرف اللّه إلّا أنا وأنت »، فقولوا أيّها الخلائق من المدائح والفضائل والعظمة في النبيّ المصطفى وعليّ المرتضى وأهل بيته الطاهرين ، ولن تبلغوا....


 

«الرابع »

مسألة وجدانية نعيشها كلّ يوم ، فإنّ دورنا ومساجدنا ومدارسنا وأسواقنا في عصرنا التكنولوجي إنّما تُضاء في لياليها بالمصابيح الكهربائية ، بأشكال مختلفة وأحجام متفاوتة وألوان زاهية . ولو كنّا في غرفة ، فلولا نور المصباح لما كنّا نرى في الغرفة شيئآ من أثاثها كالفرش والوسادة والستائر والناس ، فالنور يظهر لنا هذه الأشياء كما أنّ الوجود يظهر لنا الماهيات على قول . ثمّ إنّ مصابيح الدار ـمثلاـ لو أردنا أن نسرجها من منبع الكهرباء في البلد مباشرة ، فإنّها تحترق لامحالة ؛ لعدم تحمّلها تلک الطاقة الكهربائية الهائلة ، فإنّ المصباح ذو مئة واط لايتحمّل الألف واط كما هو واضح . فحينئذٍ لا بدّ من محوّلة ـتنصب في مكانٍ معيّن ـ تنتقل إليها الطاقة الكهربائية من المصدر الأوّل والمنبع الأساسي ، ثمّ توزّع الطاقة الكهربائية إلى المصابيح كلٌّ بحسب استعداده .

نظير هذه المسألة الحسية الوجدانية في عالم الخلق والأنوار، فإنّ اللّه سبحانه هو الفيّاض المطلق ومطلق الفيض ، فخلقه المادي الظلماني لا يتحمّل فيضه الأقدس ، فلا بدّ من ميزانية لهذا العالم العلوي والسفلي ، تقسم الفيض الإلهي كلّ على حسب استعداده وقابليته ، وميزانية العوالم كلّها هو النبيّ الأعظم محمد  9 وأهل بيته الأطهار  :، كما جاء في دعاء العديلة[13] ، في صفات صاحب

الزمان  7: «الحجة الخلف القائم المنتظر المهدي المرجى ، الذي ببقائه بقيت الدنيا، وبيمنه رزق الورى ، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، وبه يملأ اللّه الأرض قسطآ
وعدلا بعدما ملئت ظلمآ وجورآ...».

فإنّ اللّه هو الرزّاق ذو القوّة المتين ، ولكن بيُمن وبركة صاحب الأمر خاتم الأوصياء  : يرزق الخلق ، ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها ـربّما لعدم تحمّلها الفيض الإلهي الأكمل ـ فمهما نقول في فضل هذه الميزانية العظمى والآية الكبرى وعظمتها وكرامتها وشرافتها، وأنّها الواسطة بين الخالق والمخلوق ، فهي فوق المخلوق ودون الخالق ، وإنّ الخالق سبحانه يعرفها دون المخلوق ، ومهما قال المخلوق من فضائلها ومناقبها، فإنّه لم يبلغ المقصود ولن يبلغ «قولوا فينا ما شئتم ، ولن تبلغوا»، و«لن » تفيد التأبيد كما في اللغة ، فلا يخفى لطفه .


 

«الخامس »

قال اللّه سبحانه وتعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه : (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌعَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ لِلْنَّاسِ واللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليم * في بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصالِ * رِجالٌ لاتُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإقامِ الصَّلاةِ وَإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمآ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأبْصارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ )[14] .

 

قال العلّامة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان ) :

قد بيّن سبحانه بأنّ له تعالى نورآ عامآ تستنير به السماوات والأرض فتظهر به في الوجود بعد ما لم تكن ظاهرة فيه ، فمن البيّن أن ظهور شيء بشيء يستدعي كون المُظهر ظاهرآ بنفسه ، والظاهر بذاته المُظهر لغيره هو النور. فهو تعالى نور يُظهر السماوات والأرض بإشراقه عليها، كما إنّ الأنوار الحسية تظهر الأجسام الكثيفة للحسّ بإشراقها عليها، غير أنّ ظهور الأشياء بالنور الإلهي عين وجودها، وظهور الأجسام الكثيفة بالأنوار الحسية غير أصل وجودها.

وهناک نورٌ خاصٌّ يستنير به المؤمنون ويهتدون إليه بأعمالهم الصالحة ، وهونور المعرفة الذي ستستنير به قلوبهم وأبصارهم يوم تقلّب فيه القلوب
والأبصار فيهتدون به إلى سعادتهم الخالدة ، فيشاهدون فيه شهود عيان ما كان في غيبٍ عنهم في الدنيا. مثّل تعالى هذا النور بمصباح في زجاجة في مشكاة يشتعل من زيت في نهاية الصفاء والرقّة ، فتتلالأ الزجاجة كأنّها كوكب درّي ، فتزيد نورآ على نور، والمصباح موضوع في بيوت العبادة التي يسبّح اللّه فيها رجال من المؤمنين ، لا تلهيهم عن ذكر اللّه وعبادته تجارة ولا بيع .

فهذه صفة ما أكرم اللّه به المؤمنين من نور معرفته المتعقّب للسعادة الخالدة وحرّمه على الكافرين وتركهم في ظلمات لا يبصرون ، فخصّ من اشتغل بربّه وأعرض عن عرض الحياة الدنيا بنور من عنده ، واللّه يفعل ما يشاء له الملک وإليه المصير[15] .

 

قوله تعالى : (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ ) إلى آخر الآية . المشكاة على ماذكره الراغب وغيره : كوّة غير نافذة ، وهي ما يتّخذ في جدار البيت من الكوّ لوضع بعض الأثاث كالمصباح وغيره عليه ، وهو غير الفانوس . والدرّي : من الكواكب العظيم الكثير النور، وهو معدود في السماء. والإيقاد: الإشعال . والزيت  : الدهن المتّخذ من الزيتون . والنور: معروف ، وهو الذي يظهر به الأجسام الكثيفة لأبصارنا، فالأشياء ظاهرة به ، وهو ظاهر مكشوف لنا بنفس ذاته ، فهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره من المحسوسات للبصر. هذا باعتبار الوضع اللغوي الأوّل ، ثمّ عمّم لكلّ ما ينكشف به شيء من المحسوسات على نحو الاستعارة أو الحقيقة الثانية ، فعدّ كلّ من الحواسّ الخمسة نورآ أو ذا نور، يظهر به محسوساته كالسمع والشمّ والذوق واللمس ، ثمّ عمّم لغير المحسوس فعدّ العقل نورآ يظهر به المعقولات .
كلّ ذلک بتحليل معنى النور المبصر إلى الظاهر بذاته المظهر لغيره .

وإذ كان وجود الشيء هو الذي يظهر به نفسه لغيره من الأشياء كان مصداقآ تامآ للنور، ثمّ لما كانت الأشياء الممكنة الوجود إنّما هي موجودة بإيجاد اللّه تعالى كان هو المصداق الأتمّ للنور، فهناک وجود ونور تتّصف به الأشياء، وهو وجودها ونورها المستعار المأخوذ منه تعالى ، ووجود ونور قائم بها وهو الوجود الذي يحمل عليها، تعالى اللّه عن ذلک وتقدّس .

ومن ذلک يستفاد أنّه تعالى غير مجهول لشيء من الأشياء، لأنّ ظهور كلّ شيء لنفسه أو لغيره إنّما هو عن إظهاره تعالى ، فهو الظاهر بذاته له قبله ، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى بعد آيتين : (ألَمْ تَرَ أنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ في السَّماواتِ وَالأرْضِ وَالطَيْرُ صافَّاتٌ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ )؛ إذ لا معنى للتسبيح والعلم به وبالصلاة مع الجهل بمن يصلّون له ويسبّحونه ، فهو نظير قوله : (وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )[16] .

 

فقد تحصّل أنّ المراد بالنور في قوله : (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ )، نوره تعالى من حيث يشرق منه النور العام الذي يستنير به كلّ شيء، وهو مساوٍ لوجود كلّ شيء وظهوره في نفسه ولغيره ، وهي الرحمة العامة .

ثمّ أراد اللّه أن يمثّل لنوره الأتمّ المطلق بمثال حسّي ، كما من باب تشبيه المعقول بالمحسوس في الاُمور العقلانية ، فضرب مثالا لنوره بمصباح ولكن بأوصاف خاصة تمتاز عن باقي المصابيح ، كما إنّ نوره الأتمّ يظهر ويتجلّى في الإنسان الكامل الذي هو أشرف المخلوقات وهو النبي المختار محمد المصطفى سيد المرسلين ، وأهل بيته
الأطهار كما جاء في الأخبار، كما سنوافيک بذلک .

قال العلّامة الطباطبائي : وقوله : (مَثَلُ نُورِهِ ) يصف تعالى نوره ، وإضافة النور إلى الضمير الراجع إليه تعالى ـوظاهره الإضافة اللامية ـ دليل على أنّ المراد ليس هو وصف النور الذي هو اللّه ، بل النور المستعار الذي يفيضه ، وليس هو النور العام المستعار الذي يظهر به كلّ شيء، وهو الوجود الذي يستفيضه منه الأشياء وتتّصف به ، والدليل عليه قوله بعد تتميم المثل : (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ)، فإنّه لو كان هو النور العام لم يختصّ به شيء دون شيء، بل هو نوره الخاص بالمؤمنين بحقيقة الإيمان على ما يفيده الكلام .

وقد نسب تعالى في سائر كلامه إلى نفسه نورآ، كما في قوله : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )[17] . وهذا هو النور الذي يجعله اللّه لعباده

المؤمنين ، يستضيئون به في طريقهم إلى ربّهم ، وهو نور الإيمان والمعرفة .

وليس المراد به القرآن كما قال بعضهم ، فإنّ الآية تصف حال عامة المؤمنين قبل نزول القرآن وبعده .

وقوله : (كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ )؛ المشبّه به مجموع ما ذكر من قوله : مشكاة فيها مصباح المصباح ... الخ ، لا مجرّد المشكاة وإلّا فسد المعنى . وهذا كثير في تمثيلات القرآن الكريم .

وقوله : (الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)؛ تشبيه الزجاجة بالكوكب الدرّي من جهة ازدياد لمعان نور المصباح وشروقه بتركيب الزجاجة على المصباح ، فتزيد الشعلة بذلک سكونآ من غير اضطراب بتموّج الأهوية وضرب الرياح ، فهي
كالكوكب الدرّي في تلألؤ نورها وثبات شروقها.

وقوله : (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)؛ خبر بعد خبر المصباح ، أي المصباح يشتعل آخذآ اشتعاله من شجرة مباركة ـوالبَرَكَة في اللغة الخير الثابت والمستمرّـ زيتونة ، أي إنّه يشتعل من دهن زيت مأخوذ منها، والمراد بكون الشجرة لا شرقية ولا غربية أنّها ليست نابتة في الجانب الشرقي ولا في الجانب الغربي حتّى تقع الشمس عليها في أحد طرفي النهار ويفيء عليها في الطرف الآخر، فلا تنضج ثمرتها، فلا يصفو الدهن المأخوذ منها، فلا تجود الإضاءة ، بل هي ضاحية تأخذ من الشمس حظّها طول النهار ـكأنّها في وسط البستان ـ فيجود دهنها لكمال نضج ثمرتها. هذا ما يفهم من سياق الآية الشريفة ، وما ذكر من المعاني الاُخرى لا يفهم من السياق .

وقوله : (نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ خبر لمبتدأ محذوف وهو ضمير راجع إلى نور الزجاجة المفهوم من السياق ، والمعنى نور الزجاجة المذكور نور عظيم على نور كذلک ، أي في كمال التلمّع .

والمراد من كون النور على النور، قيل : هو تضاعف النور لا تعدّده ، فليس المراد به أنّه نور معيّن أو غير معيّن فوق نور آخر مثله ، ولا أنّه مجموع نورين اثنين فقط ، بل إنّه نور متضاعف من غير تحديد لتضاعفه ، وهذا التعبير شائع في الكلام .

وهذا معنى لا يخلو من جودة ، وإن كان إرادة التعدّد أيضآ لا تخلو من لطف ودقّة ، فإنّ للنور الشارق من المصباح نسبة إليه بالأصالة والحقيقة ، ونسبة إلى الزجاجة التي عليه بالاستعارة والمجاز، ويتغاير النور بتغاير النسبتين ويتعدّد بتعدّدهما، وإن لم يكن بحسب الحقيقة إلّا للمصباح .

وهذا الاعتبار جارٍ بعينه في الممثّل له ، فإنّ نور الإيمان والمعرفة نور مستعار
مشرق على قلوب المؤمنين ، مقتبس من نوره تعالى ، قائم به ، مستمدّ منه .

فقد تحصّل أنّ الممثّل له هو نور اللّه المشرق على قلوب المؤمنين ، والمثل هوالمشبّه به النور المشرق من زجاجة على مصباح موقد من زيت جيّد صاف ، وهو موضوع في مشكاة فإنّ نور المصباح المشرق من الزجاجة والمشكاة تجمعه وتعكسه على المستنير به ، يشرق عليهم في نهاية الجودة والقوة والانعكاس .

وقوله : (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاء)؛ استئناف يعلّل به اختصاص المؤمنين بنور الإيمان والمعرفة وحرمان غيرهم ، فمن المعلوم من السياق أنّ المراد بقوله  : (مَنْ يَشاء)؛ القوم الذين ذكرهم بقوله بعد: (رَجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تَجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِاللّهِ )، فالمراد بمن يشاء المؤمنون بوصفه كمال إيمانهم .

وقوله : (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ لِلْنَّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم )؛ إشارة إلى أنّ المثل المضروب تحته طور من العلم ، وإنّما اختير المثل لكونه أسهل الطرق لتبيين الحقائق والدقائق ، ويشترک فيه العالم والعامي ، فيأخذ منه كلّ ما قسم له ، قال تعالى : (وَتِلْکَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلْناسِ وَما يَعْقِلُها إلّا العالِمون )[18] .

 

هذا غيض من فيض تفسير آية النور، والنور الحسّي الذي نراه ونحسّه إنّماهوجلوة من جلوات عالم النور المجرّد، ويمتاز النور الحسّي عن باقي الموجودات المادية والحسّية بخصائص ، كشفافيّته ونفوذه واتّساعه وسرعته ، حتّى اصطلحوا حركة الكواكب والنجوم بالسنة الضوئية ، على أنّ الضوء خلال ثانية واحدة يطوي ثلاثمائة ألف كيلومتر، ويدور الضوء في ثانية حول الأرض سبع مرّات ، ثمّ إنّ أقوى نور حسّي هو نور الشمس ، وهو الذي يربّي الأشياء والموجودات الحيّة السماوية
والأرضية ، فحلاوة الفواكه وحموضتها وألوانها ورشدها ونموّها، إنّما هي ببركة نور الشمس ، بإذن اللّه سبحانه وقدرته وعلمه ، وهذا يعني أنّ كلّ ما في الوجود الحسّي إنّما هو من وجود اللّه عزّ وجلّ . وعرّف النور أنّه الظاهر بنفسه والمظهر لغيره ، وأنّ اللّه سبحانه الوجود الأتمّ الظاهر بنفسه والمظهر لغيره ، فهو النور ونور النور ومنوّر النور ونور الأنوار.

وكلمة النور في القرآن الكريم والروايات الشريفة اُطلقت على سبع معانٍ  :

1 ـ القرآن الكريم ، لقوله تعالى : (وَاتَّبَعُوا النُورَ الذي مَعَهُ )[19] .

 

2 ـ الإيمان باللّه سبحانه ، لقوله تعالى : (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُلُماتِ إلى النُّورِ)[20] .

 

3 ـ الهداية ، لقوله تعالى : (وَجَعَلْناهُ نُورآ يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ )[21] .

 

4 ـ الدين الإسلامي ، لقوله تعالى : (وَيَأبى اللّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ )[22] .

 

5 ـ النبيّ الأكرم محمد  9، لقوله تعالى : (داعِيآ إلى اللّهِ بِإذْنِهِ وَسِراجآ مُنِيرآ)[23] .

 

6 ـ الأئمة الأطهار عترة الرسول المختار  :، كما جاء في زيارة الجامعة الكبيرة : «خلقكم اللّه أنوارآ فجعلكم بعرشه محدقين »، «أنتم نور الأخيار».

7 ـ العلم ، كما جاء في الأخبار: «العلم نور يقذفه اللّه في قلب من شاء»،
و«النظر إلى وجه العالم عبادة »؛ لأنّه مظهر لعلم اللّه ونوره . وسادة العلماء ومعدن العلوم ومنهل الفضائل ومنبع الآداب هو محمد وآله الأطهار
 :، وفي عالم الأنوار خلقهم اللّه أنوارآ، وجعلهم محدقين بعرشه قبل أن يخلق العالم بآلاف السنين كما ورد في الأخبار، ونورهم يحيط بمخلوقات اللّه فهم صنايع اللّه والخلق صنايعهم ، وفي إطار تربيتهم ، وأشعّة أنوارهم القدسية ، فنورهم لا شرقيّ ولا غربيّ، ويعني هذا الإحاطة الكاملة على الموجودات ، كما كانت الشجرة اللاغربية واللاشرقية يحيطها النور من كلّ جانب ، فلهم الاحاطة بإذن اللّه على ما سواه جلّ جلاله ، كنوره الأتمّ الذاتي .

فصاحب الأمر له الاحاطة حتّى على العرش الإلهي ، كإحاطة اللّه سبحانه ، إلّا أنّ الإحاطة الإلهية ذاتية من ذات اللّه سبحانه ، وإنّها أزلية أبدية سرمدية ، وإحاطة الأئمة الأطهار  : إحاطة إمكانية عرضية من اللّه سبحانه ، ويمكن الزوال عنهم ، ولكن سنّة اللّه التكوينية جعلها لهم ، ولن تجد لسنّة اللّه تحويلا ولاتبديلا، ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها، فهم نور الأخيار ـوالجمع المحلّى بالألف واللام يدلّ على العموم ـ فهم نور كلّ الأخيار، ومنهم الملائكة ، حتّى جبرئيل والروح الأمين وما دونهم ، فإنّ الأئمة والنبي الأكرم  : نورهم في كلّ العوالم في الدنيا والآخرة ، وقد ورد في زيارة الجامعة : «بدأ اللّه بكم وبكم يختم »، وأوصى صاحب الزمان  7 مؤكدآ بزيارة الجامعة ؛ لما فيها من المعرفة النورانية والمقام الشامخ لأهل البيت  :.

وأمّا تأويل آية النور، كما جاء في أخبارنا المروية عن أهل البيت عترة النبي المختار  : فقد جاء في اُصول الكافي ، كتاب الحجة ، بسنده ، عن صالح بن سهل الهمداني ، قال : قال أبو عبد اللّه  7 في قول اللّه تعالى : (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ
وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ
) فاطمة  3، (فِيها مِصْباحٌ ) الحسن ، (المِصْباحُ في زُجاجَةٍ ) الحسين ، (الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) فاطمة كوكب درّي بين نساء الدنيا، (تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) إبراهيم  7، (زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) لايهودية ولا نصرانية ، (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ) يكاد العلم ينفجر بها، (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ) إمام منها بعد إمام ، (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاء) يهدي اللّه للأئمة من يشاء، (وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ لِلْنَّاسِ )... وللحديث تتمّة ، فراجع حتّى تعرف تأويل (أو كظلمات يغشاه موج من فوقه موج ظلمات بعضها فوق بعض )....

ويقول العلّامة المجلسي في كتابه القيّم (مرآة العقول[24] )، في شرح وبيان

هذه الرواية الشريفة ، وأنّها صحيحة السند بالسند الثاني ، أنّ معنى : (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ )؛ أي : منوّرهما بنور الوجود والعلم والهداية والأنوار الظاهرة . وقيل : أي ذو نور السماوات والأرض ، والنور: الأئمة  :، فهم نور السماوات حين كانوا محدقين بالعرش ، والأرض بعدما اُنزلوا صلب آدم ، (مَثَلُ نُورِهِ )؛ أي :صفة نور اللّه العجيبة الشأن ، (كَمِشْكاةٍ )؛ أي : مثل مشكاة ، وهي الكوّة الغير النافذة التي يوضع فيها المصباح ، وقيل : المشكاة الاُنبوبة في وسط القنديل ، والمصباح : الفتيلة المشتعلة ، (فِيها مِصْباحٌ )؛ الحسن  7، و(المِصْباحُ )؛ الحسين  7، فالمصباح الثاني غير الأوّل ، ولعلّ فيه إشارة إلى وحدة نوريهما. وقال بعض الأفاضل : مثّل النور الحقيقي الذي هو من عالم الأمر بالنور الظاهري الذي هو من عالم الخلق ، والنور ضياء بنفسه ومضيء لما يطلع عليه ويشرق عليه ،
فمثّل الجوهر الروحاني المناط للانكشافات العقلية بالمصباح ، وحامله بالمشكاة ، والحامل لمادّته والمشتمل عليها التي منها مدده وحفظه عن الانقطاع والنفاذ بالزجاجة ، التي هي وعاء مادة نور المصباح التي هي الزيت ، ففي الأنوار الحقيقية التي هي النفوس القدسية والأرواح الزكية للأئمة من أهل البيت
 :، الحسن  7 مصباح ، وفاطمة  3 مشكاة فيها المصباح ، والحسين  7 الزجاجة فيها مادة نورالمصباح ويجيء منها مدده ، والزجاجة كوكب درّي والمراد به فاطمة  3، فإنّ الزجاجة يعني الحسين  7 مجمع النور الفائض من رسول اللّه  9، الواصل إليه ابتداءً ووساطة ، كما كانت  3 مجمع ذلک ، والمعني عنها بالمشكاة كوكب درّي لاحاطتها بالنور كلّه ، والزجاجة أيضآ لإحاطتها بجميع النور كأنّها كوكب درّي (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ) إبراهيم  7، أي : المشبّه بالشجرة فيماضرب له المثل إبراهيم ، لأنّ ابتداء ظهور ذلک النور منه ، ومواد العلوم من أثمار تلک الشجرة ... فإنّ إبراهيم  7 لكونه أصل عمدة الأنبياء وهم  : أغصانه وتشعّبت منه الغصون المختلفة من الأنبياء والأوصياء من بني إسرائيل وبني إسماعيل ، واستنارت منهم أنوار عظيمة في الفرق الثلاث من أهل الكتب السماوية من اليهود والنصارى والمسلمين ، فكان إبراهيم  7 كالشجرة الزيتونة من جهة تلک الشعب والأنوار، ولما كان تحقيق ثمار تلک الشجرة ، وسريان أنوارهذه الزيتونة في نبيّنا وأهل بيته صلوات اللّه عليهم أكمل وأكثر وأتمّ ، لكونهم من الأئمة الفضلى ، واُمّتهم الاُمّة الوسطى ، وشريعتهم وسيرتهم وطريقتهم أعدل السير وأقومها كما قال تعالى : (وَكَذلِکَ جَعَلْناكُمْ اُمَّةً وَسَطآ)، كما إنّ اليهود كانوا يصلّون إلى المغرب والنصارى إلى المشرق ، فجعل قبلتهم وسط القبلتين ، وكذافي حكم القصاص والديّات وسائر الأحكام جعلوا وسطآ، فشبّه إبراهيم  7
من جهة تشعّب هذه الأنوار العظيمة منه بزيتونة لم تكن شرقية ولا غربية ، أي غيرمنحرفة عن الاعتدال إلى الإفراط والتفريط ، المتحقّقين في الملّتين والشريعتين ، وأومى بالشرقية إلى النصارى وبالغربية إلى اليهود؛ لقبلتيهم ، ويمكن أن يكون المرادبالآية : الزيتونة التي تكون في وسط الشجرة في شرقها؛ فلا تطلع الشمس عليها بعد العصر، ولا غربية ؛ فلا تطلع عليها في أوّل اليوم . فيكون التشبيه أتمّ وأكمل . (يَكادُ زَيْتُها)؛ أي زيت الشجرة أو الزيتونة ، والمراد بالزيتونة في المشبّه  : المادة البعيدة للعلم ، وهي الإمامة والخلافة التي منبعها إبراهيم ، حيث قال سبحانه  : (إنِّيْ جاعِلُکَ لِلْناسِ إمامآ)، وسرى في ذرّيته المقدسة . وبالزيت : الموادّ القريبة من الوحي والإلهام . وإضاءة الزيت : انفجار العلم من تلک المواد. (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)؛ أي وحي أو تعليم من البشر أو سؤال ، فإنّ السؤال ممّا يقدح نار العلم . (نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ كلّ إمام يتلو إمامآ، يزيد في إنارة علم اللّه وحكمته بين الناس ، ويؤيّد هذا التأويل ما رواه ابن بطريق في العمدة والسيد ابن طاووس في الطرائف من مناقب ابن المغازلي الشافعي باسناده عن الحسن البصري أنّه قال  : المشكاة فاطمة ، والمصباح الحسن والحسين  8، والزجاجة كأنّها كوكب درّي فاطمة  3، كوكبآ درّيآ بين نساء العالمين . (تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ )؛ الشجرة المباركة إبراهيم  7. (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ )؛ لا يهودية ولا نصرانية . (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ)؛ قال : يكاد العلم أن ينطق منها. (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ قال : منها إمام بعد إمام . (يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاء)؛ قال : يهدي لولايتهم مَن يشاء.

وذكر الطبرسي  1 في تأويل الآية أقوالا :

أحدها : أنّه مثلٌ يضربه اللّه لنبيّه محمد  9. فالمشكاة صدره ، والزجاجة
قلبه ، والمصباح فيه النبوّة .
(لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ )؛ أي لا يهودية ولا نصرانية .

(تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ )؛ يعني شجرة النبوّة ، وهي إبراهيم  7. (يَكادُ)؛ محمد يتبيّن للناس ولو لم يتكلّم به ، كما إنّ ذلک الزيت يضيء. (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)؛ أي : تصيبه النار.

وقد قيل أيضآ: إنّ المشكاة إبراهيم  7، والزجاجة إسماعيل ، والمصباح محمد، كما سمّي سراجآ في موضع آخر. (مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ )؛ يعني إبراهيم ؛ لأنّ أكثر الأنبياء من صلبه . (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ )؛ لا نصرانية ولا يهودية ؛ لأنّ النصارى تصلّي إلى المشرق واليهود تصلّي إلى المغرب . (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ)؛ أي : تكاد محاسن محمد تظهر قبل أن يوحى إليه . (نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ أي : نبيّ من نسل نبيّ.

وقيل : إنّ المشكاة عبد المطّلب ، والزجاجة عبد اللّه ، والمصباح هو النبيّ 9، لا شرقية ولا غربية ، بل مكّية ؛ لأنّ مكة وسط الدنيا.

وروي عن الرضا  7 أنّه قال : نحن المشكاة ، والمصباح محمد  9، يهدي لولايتنا من أحبّ .

وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق عليه الرحمة ، بالإسناد عن عيسى بن راشد، عن أبي جعفر الإمام الباقر  7 في قوله : (كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ )؛ قال  : نور العلم في صدر النبي  9. (المِصْباحُ في زُجاجَةٍ )؛ الزجاجة صدر علي  7، صار علم النبيّ إلى صدر علي ، علّم النبيّ عليآ. (يُوقَدُ مَنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ )؛ نور العلم . (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ )؛ لا يهودية ولا نصرانية . (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْلَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ)؛ قال : يكاد العالم من آل محمد  9 يتكلّم بالعلم قبل أن يُسأل . (نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ أي إمام مؤيّد بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد، وذلک من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة ، (الخبر).


وثانيها : أنّها مثل ضربه اللّه للمؤمن ، والمشكاة لنفسه ، والزجاجة لصدره ، والمصباح : الإيمان والقرآن في قلبه . (يُوقَدُ مَنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ )؛ هي الإخلاص للّه وحده لا شريک له ، فهي خضراء وناعمة كشجرة التفّت بها الشجرة فلا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت ، وكذلک المؤمن قد اختزن من أين يصيبه شيء من الفتن ، فهو بين أربع خِلال : إن اُعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ الذي يمشي بين قبور الأموات . (نُورٌ عَلى نُورٍ)؛ كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة . عن اُبيّ بن كعب .

وثالثها : أنّه مثل للقرآن في قلب المؤمن ، فكما إنّ هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص ، فكذلک القرآن يهتدي به ويعمل به كالمصباح . فالمصباح هوالقرآن ، والزجاجة قلب المؤمن ، والمشكاة لسانه وفمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي . (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ)؛ تكاد حجج القرآن تتّضح وإن لم يُقرأ، وقيل  : تكادحجج اللّه على خلقه تضيء لمن تفكّر فيها وتدبّرها ولو لم ينزل القرآن . (نُورٌعَلى نُورٍ)؛ يعني أنّ القرآن نور لدينه وإيمانه من يشاء أو لنبوّته وولايته . انتهى ما ذكره العلّامة المجلسي عن المفسّر الكبير المحقق الطبرسي صاحب مجمع البيان  1، ثمّ يتعرّض العلّامة إلى تفسير وتأويل تتمة الآيات الشريفة على أنّ اللّه كما ضرب الأمثال للمؤمنين وأئمتهم  :، كذلک ضرب مثلين للكافرين والمنافقين وأئمتهم ، يذكر ذلک بالتفصيل ، فراجع .

هذا ما وددت بيانه إجمالا في تفسير وتأويل آية النور الكريمة . وخلاصة الكلام أنّ من أظهر مصاديق الأمثلة لنور اللّه وأتمّها هو محمد وأهل بيته الأطهار، فهم نور اللّه في السماوات والأرضين ، خلقهم اللّه أنوارآ، فجعلهم بعرشه حافّين ومحدقين ، فكانوا نور الأخيار والأبرار، حتّى جبرئيل الملک الأمين ، فكان أمير
المؤمنين أسد اللّه الغالب علي بن أبي طالب
 7 معلّمه ، كما ورد في الخبر الشريف .

«روى صاحب بستان الكرامة : أنّ النبيّ  9 كان جالسآ وعنده جبرئيل  7، فدخل علي  7، فقام له جبرئيل .  7 فقال النبي  9: أتقوم لهذاالفتى ؟ فقال له : نعم ، إنّ له عليّ حقّ التعليم . فقال النبي  9: كيف ذلک التعليم يا جبرئيل ؟ فقال : لمّا خلقني اللّه تعالى سألني من أنت وما اسمک ومن أنا ومااسمي ؟ فتحيّرت في الجواب وبقيت ساكتآ، ثمّ حضر هذا الشابّ في عالم الأنوار وعلّمني الجواب ، فقال : قل أنت ربّي الجليل واسمک الجليل ، وأنا العبد الذليل واسمي جبرئيل ، ولهذا قمت له وعظّمته . فقال النبي  9: كم عمرک يا جبرئيل ؟ فقال  : يارسول اللّه ، يطلع نجم من العرش في كلّ ثلاثين ألف سنة مرّة ، وقد شاهدته طالعآ ثلاثين ألف مرّة .

وإلى هذا الحديث نظر محيي الدين بن عربي ، حيث قال في أوّل خطبة فتوحاته : «الحمد للّه الذي جعل الإنسان الكامل معلّم المَلَک وأدار بانقساره طبقات الفَلَک ». فالنبي وأهل بيته صلوات اللّه عليهم قد شاركوا الملائكة في أفضل صفاتهم التي هي النورية الخاصة ، وزاد عليهم في الصفات العالية التي لا تكاد تحصى »[25] .

 

وفي الكافي ، بسنده ، عن أبي الحسن  7، قال : سألته عن قول اللّه تبارک وتعالى : (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأفْواهِهِمْ )؛ قال : يريدون ليطفئوا ولاية أميرالمؤمنين  7 بأفواههم ، قلت : قوله تعالى (وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ )؛ قال : يقول  : واللّه متمّ الإمامة ، والإمامة هي النور، وذلک قوله عزّ وجلّ : (آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الذي أنْزَلْنا)؛ قال : النور هو الإمام .


ولا يخفى أنّه قد ورد في روايات المخلوق الأوّل للّه بأنّه سبحانه أوّل ما خلق

العقل ، وأوّل ما خلق نور محمد  9، وأنّه أوّل ما خلق النور. فقد جاء في كتاب (الأنوار النعمانية )[26]  بأنّ الأخبار الواردة بأوّلية النور ونوري وروحي فهي

واحدة ، وهي عبارة عن نوره  9، وهو أوّل مخلوق على الأوّلية الحقيقية ، ليس فيه للإضافة مدخل بوجه من الوجوه ؛ لأنّه قد استفاض في الأخبار أنّ نوره  9 أفرزه اللّه سبحانه من نوره ، وأفرز من ذلک النور أنوار الأئمة الطاهرين ، وأفرز من ذلک النور الثاني أنوار المؤمنين ... وأمّا حقيقة هذه الأنوار فلا نتحقّقها على حقيقتها، ولكنّ المفهوم من هذه الأخبار هو أنّ المراد بهذه الأنوار أجسام لطيفة نورانية على قالب هذه الأجسام ، وتفارقها في النور واللطافة والصفا، ولمّاخلقها وأدخل الأرواح فيها كانت أجسامآ فيها أرواح في عالم الملكوت تسبّح اللّه وتقدّسه وتمجّده وتعلّم الملائكة بعد أن خلقوا للعبادة والتسبيح ، ومنه قال  9: سبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا، وقدّسنا فقدّست الملائكة بتقديسنا.

وأخيرآ، عقيدتنا في رسول اللّه وأهل بيته الأئمة الأطهار  :: أنّهم أفضل خلق اللّه ، وأنّهم عباد مكرمون مربوبون مرزوقون ، خلقهم اللّه فجعلهم أنوارآ بعرشه محدقين ، وبعد هذا، كلّما يقال في وصفهم ومدحهم وثنائهم وعلوّ مقامهم وشخصيتهم القدسية ومكارمهم وفضائلهم ومناقبهم ، فإنّه لا شيء قبال ذواتهم وكنههم وحقيقتهم ، فهم كما قالوا: «نزّلونا عن الربوبية ، وقولوا فينا ما شئتم ، ولن تبلغوا».

وأمّا من يعتقد باُلوهيّتهم والعياذ باللّه ، كالغلاة من الذين يعدّون في الفرق الإسلامية من الشيعة ، فإنّا براء منهم ، ونلعنهم تقرّبآ إلى اللّه تعالى . وبذلک أمر أئمتنا المعصومون الأطهار  :، وهل بعد الحقّ إلّا الضلال .




[1] ()  بحار الأنوار :25 320.

[2] ()  بحار الأنوار :25 339.

[3] ()  بحار الأنوار :25 328.

[4] ()  المصدر: 329.

[5] ()  ذكرت اُمورآ خمسة تفألا وتبرّكآ بأصحاب الكساء الخمسة  : :لي خمسةٌ اُطفي بهم حرّ الجحيم الحاطمةالمصطفى والمرتضى وابناهما وفاطمة

[6] ()  بحار الأنوار :25 270.

[7] ()  بحار الأنوار :25 273.

[8] ()  بحار الأنوار :25 289.

[9] ()  بحار الأنوار :26 2.

[10] ()  بحار الأنوار :26 6.

[11] ()  مفاتيح الجنان : 134، في أعمال رجب .

[12] ()  بحار الأنوار :26 2.

[13] ()  مفاتيح الجنان : 85.

[14] ()  سورة النور، الآيات 35 ـ 38.

[15] ()  الميزان في تفسير القرآن :15 120.

[16] ()  سورة أسرى ، الآية 44.

[17] ()  سورة الصف ، الآية 8. وفي الأنعام : 122، والحديد: 28، والزمر: 22.

[18] ()  العنكبوت : 13.

[19] ()  سورة الأعراف ، الآية 157، وسورة المائدة ، الآية 15.

[20] ()  سورة البقرة ، الآية 257.

[21] ()  سورة الأنعام ، الآية 122.

[22] ()  سورة التوبة ، الآية 32.

[23] ()  سورة الأحزاب ، الآية 46.

[24] ()  مرآة العقول :2 358.

[25] ()  الأنوار النعمانية :1 15، للسيد نعمة اللّه الجزائري .

[26] ()  الأنوار النعمانية :1 14.