العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

قبسٌ من كرامات سيّدنا الاُستاذ 117

قبسٌ من كرامات سيّدنا الاُستاذ

 

قال الله تعالى  :

(وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ )[1] .

 

لا شکّ أنّ لأولياء الله سبحانه وعباده الصالحين والمقرّبين المكرّمين ، كرامات تظهر في حياتهم وبعد مماتهم . وهذه سنّة من سنن الله في الأرض ؛ ليكون وليّ الله النجم الساطع والكوكب الدرّي الذي يهتدي به الناس في مدلهمّات الدنيا الدنيّة ، فهو الهادي والمرشد إلى الخير والإحسان والسعادة ، وهو الذي يديم خطّ الأنبياء ويحفظ رسالتهم .

فإنّ العلماء الأولياء ورثة الأنبياء في علومهم وفضائلهم ، وهم اُمناء الرسل في الأرض ، وإذا كان الشهيد شاهدآ على المجتمع في رعايتهم المبادئ القيّمة والعقائد السامية التي من أجلها تجرّع كأس الشهادة ، وإذا كانت دماء الشهداء هي التي تديم حياة المجتمع ، والشهيد شمعة الاُمّة وقلبها النابض والعقل المفكّر، فإنّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء. ومن سنّة الله القادر العليم ، أن يظهر
النبل والكرامة ، وتظهر آثار الأمانة والثقة والمسؤوليّة من الكرامات على أمين

الرسول والرسالة ، ليهتدي من يهتدي على بيّنةٍ وبصيرة نافذة ، ولله الحجّة البالغة .

ومن اُولئک الصالحين والأولياء المكرّمين سيّدنا الاُستاذ  1.

وقد حدّثني ببعض كراماته من باب (أمّا بنعمة ربّک فحدّث )، وليذكّرني بلطف الله الخالص على عبده ، إذا توجّه العبد إليه حقّآ، وأخلص في نيّته وعمله . وقد كتبت بعضها في حياته وقرأتها عليه .

أذكر نبذة على سبيل الإشارة . وكان يقول : ما كلّ ما يُعلم يُكتب ويقال . ولهذا اُحجم عن كتابة البعض ، وأذكر ما اشتهر بين الناس .

 

الكرامة الاُولى ـ اليد الغيبيّة

 

حدّثني أنّه في عصر البهلوي رضا خان عليه اللعنة والعذاب ، حينما أمر بكشف الحجاب وترويج السفور في بلاد إيران باسم (تحرير المرأة ) بأمرٍ من أسياده المستعمرين لإشاعة الفحشاء والمنكر، ومن ثمّ سلب ثروات الاُمّة الإسلاميّة ، واستهداف قيمها الأخلاقيّة ، وتحطيم المثل الإنسانيّة ، ونزع الروح الدينيّة من بين الشعوب المؤمنة ، للهيمنة عليهم واستثمار جهودهم واستعبادهم .

في ذلک العصر المكفهرّ، كان رئيس شرطة قم من الأنذال المجرمين ، وكان طويل القامة ضخم الجثّة . فسمعت يومآ بعد صلاة الجماعة في حرم السيّدة المعصومة  3 عويل وصراخ النساء، فاستفسرت عن ذلک ، فقالوا: إنّ فلان رئيس الشرطة دخل قسم النساء بقصد كشف حجابهن . فأسرعت إليه فوجدته
يكشف القناع عن الرؤوس ، والنساء يبكين خوفآ وفزعآ، فانتفخت أوداجي غيظآ، ومن حيث لا أدري رفعت يدي وصفعت وجهه صفعة داخ منها، وقلت له  : ويحک يا قبيح ، في حرم السيّدة وتتجاسر.

فنظر إليّ بغيظ وقال : أنا لک يا سيّد!! وعلمت منه أنّه قصد قتلي .

ومن لطف الله سبحانه في اليوم الثاني ، اُخبرت أنّه دخل السوق وسقط عليه بعض السقف فمات من حينه ، فإلى جهنّم وبئس المصير.

فرأيت لطف الله وعناية السيّدة المعصومة ، ويد الله الغيبيّة هي التي ضربت . إذ كنت ضعيف البنية لا اُقاوم مثل ذلک الهيكل ، ولكن لا أدري كيف ضربته تلک الضربة المبرّحة ، التي كادت أن تقلع عينه من مكانها. وقالت الناس آنذاک  : إنّما هلک فلان من كرامة السيّد.

 

الكرامة الثانية ـ رؤيا صالحة في حساب العلماء

 

حدّثني  1 أنّه رأى في أيّام شبابه ـلم يبلغ الثلاثين من عمره المبارک ـ في عالم الرؤيا أنّه قد قامت القيامة ونُفخ في الصور في منظرٍ رهيب ، كما ورد ذلک في الآيات الكريمة والروايات الشريفة ، تصفرّ منه الأنامل وتذهل كلّ مرضعةٍ عمّا أرضعت ، وجوهٌ مصفرّة عليها غبرة ، والناس أفواج واقفون في وَلَهٍ وحيرة ، كأنّ على رؤوسهم الطير.

وقد ساقوني إلى مكان آخر للحساب غير ما كان الناس فيه ، وأخبروني أنّ هذا من تعظيم أهل العلم أن لا يحاسبونهم أمام الناس . فكأنّي دخلت في
سرادق ، فوجدت رسول الله هو المحاسب ، وكان جالسآ على منبر، وعن يمينه ويساره جلس علمان عليهما هيبة الصالحين ومسحة المتّقين ، وأمام كلّ واحدٍ منهما كتب ، ولكنّ أحدهما أكثر من الآخر، وأهل العلم في صفوف ، وقالوا لي  : كلّ صفّ عبارة عن قرن واحد من القرون . وأوقفوني في الصفّ الرابع عشر، أنتظر حسابي وقلبي مضطرب ، ورأيت النبيّ الأكرم يدقّق في الحساب ، وإذا احتاج العالم إلى شفاعة عند الرسول الأكرم كان العلمان يشفعان له ، فسألت من كان بجنبي : مَن هما؟ وأنا اُحدّث نفسي على أنّي حبّذا أن أعرفهما حتّى لو افتقرت إلى شفاعتهما اُناديهما باسمهما المبارک . فقال : هما الشيخ المفيد والعلّامة المجلسي
 0. فقلت : وما هذه الكتب أمامهما؟ فقال : تصانيفهما، وهي وسيلة الشفاعة . ورأيت العلّامة المجلسي أمامه أكثر وكان يشفع أكثر. فاستيقظت شاكرآ ربّي .

 

الكرامة الثالثة ـ رؤيا صالحة فيها منقبة للسيّدة المعصومة  3

 

حدّثني سيّدنا الاُستاذ عن والده آية الله السيّد محمود المرعشي  1 أنّه كان يبحث عن قبر سيّدة النساء فاطمة الزهراء، فرأى في المنام مولانا الصادق جعفر بن محمّد  8 فقال له : عليک بكريمة أهل البيت .

قال والده : توهّمت أنّه يريد فاطمة الزهراء  3، فقال  7 ـدفعآ للتوهّم والخيال ـ: فاطمة بنت موسى بن جعفر  8 المدفونة في قم .

ثمّ قال سيّدنا الاُستاذ: فى أيّام الشباب حينما حفّت بي المشاكل
والصعاب وأردت تزويج ابنتي ، ولم أملک من المال شيئآ، ولا يسوغ لي أن أسأل أحدآ سوى الله سبحانه وتعالى . فأتيت حرم السيّدة المعصومة كريمة أهل البيت
 : معاتبآ ـودموعي تسيل على الوجنات وقلبي مفجوع ـ وقلت مخاطبآ سيّدتي ومولاتي : كأنّما لا تهتمّين بي ولا تبالين بأمري ، فكيف اُزوّج ابنتي ولا شيء عندي ؟ ثمّ أتيت الدار محزونآ، فأخذتني الغفوة ، فرأيت في عالم الرؤيا قد دُقّ الباب ، ولمّا فتحته رأيت شخصآ قال : السيّدة تريدک . فسرعان ما تشرّفت بزيارتها  3، وحين الدخول في الصحن الشريف رأيت ثلاث إماء يكنسن الرواق الذهبي ، فسألتهنّ عن السبب فأجبن : الآن تأتي السيّدة . وبعد برهة رأيت مولاتي السيّدة المعصومة ـوكانت نحيفة الجسم صفراء اللون ، شمائلها شمائل سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء  3 كما رأيتها من قبل ثلاث مرّات ـ فتقدّمت وقبّلت يدها ـإذ هي عمّتي في النسب ـ فقالت سلام الله عليها: يا شهاب ، متى لم نبالِ بأمرک حتّى تعاتبنا وتشكونا؟ فمنذ دخلت قم فأنت في رعايتنا. فتفطّنت وعلمت أنّي أسأت الأدب . فاعتذرت منها. ثمّ استيقظت فأتيت الحرم الشريف زائرآ معتذرآ، وسرعان ما انقضت حاجتي وسهّل الله أمري[2] .

   


ثمّ حدّثني عن مقام السيّدة المعصومة الشامخ وعظمتها ومنزلتها الرفيعة

عند أهل البيت  :، وأنّه من زارها عارفآ حقّها وجبت له الجنّة . ثمّ قال  : دخلت قم عشّ آل محمّد  9 ولا أملک إلّا القباء والرداء، واليوم كلّ ما لديّ هو من بركات وجود وكرم هذه السيّدة الطاهرة أرواحنا فداها.

          4 صفر الخير 1400 ه

 

الكرامة الرابعة

 

وقد نقلها سماحة العلّامة والدي  1 في كتابه (الرافد)[3]  الذي طُبع في

حياة سيّدنا الاُستاذ.

حدّثني سيّدي ومولاي ، اُستاذي المعظّم ، الآية العظمى والحجّة الكبرى ، الإمام المرعشي النجفي أدام الله تعالى ظلّه الوارف على رؤوس الأنام ، وذلک صبيحة يوم الاثنين 15 شوّال المكرّم سنة 1398 ه ، الساعة 20/9 صباحآ.

تفضّل سماحته قائلا :

في عام 1339 ه  كنت من طلبة (مدرسة قوام ) في النجف الأشرف .

ولا أنسى أنّي كنت اُدرّس حاشية المولى عبد الله اليزدي في المنطق .

ولكنّي كنت في ضيق دائم ، أرى نفسي لا منجى منه ولا مهرب ، صرت أعيش عيشآ ضنكآ، حيث أشعر بغلق جميع أبواب الرجاء ونوافذ الاُمنيات ، فاجتمعت على قلبي المكاره والآلام والأسقام ، فأوشكت أن أتيه في وادي
الخيبة ، وأبقى في عزلة الظنون والخيال إلى ما شاء الله تعالى .

وكان ما كان من جرّاء اُمور هاجمتني وأنا في مهد العلم وحوزة التقى ، فإن كنت سائلا عنها (فدونكها مخطومة مرحولة )[4] .

 

أوّلها: كنت في ضيق من أخلاق بعض المعمّمين الذين يتكلّمون انتقاصآ بالمراجع الكرام . فحصل لي سوء الظنّ بهم وبكافّة الأنام ، واعترتني حالة عدم الانسجام مع الخاصّ والعامّ ، حيث تركت صلاة الجماعة خلف العدول ، وما هو بالمأمول ، فلم اُصدّق أحدآ أبدآ.

ثانيها: كان أحد المنسوبين لي يمنعني من الدراسة بكلّ شدّة ، حتّى تصل النوبة إلى أن يذهب لاستاذي ويمنعه من تعليمي وتدريسي ، فلا يمكنني التتلمذ عند الأساتذة والحالة هذه .

ثالثها: ابتليت بمرض الحصبة ، وبعد الشفاء أصابني الخمول الذهني ، فنسيت كلّ شيء ولم أحفظ شيئآ أبدآ.

رابعها: ضعفت عيناي إلى أبعد الحدود، بحيث لا يمكنني الاستفادة من قراءة أو كتابة حسب ما يرام .

خامسها: عجزت عن الكتابة السريعة إلى أبعد الحدود.

سادسها: الفقر المفرط بحيث لا أحصل على أكل في بعض الليالي ، وكان معي آنذاک ـفي الحجرة ـ حجّتا الإسلام العلّامة الحاجّ الميرزا حسن الشيرازي والعلّامة الميرزا حسين أحفاد الميرزا الشيرازي  1، ولم يعلما بحالي وفقري وفاقتي ، وكانا يسألاني عن اصفرار وجهي فلم أبح لهم بسرّي .


سابعها: كنت أشعر بمرض دائم في قلبي ، ولم أسترح ساعة واحدة .

ثامنها: كانت تتزلزل عقيدتي رويدآ رويدآ بالنسبة لبعض الاُمور المعنويّة .

تاسعها: كان بودّي أن لا أصدع قلب أحد بلساني ، سيّما في الدرس .

عاشرها: كانت حاجتي أن يخرج حبّ الدنيا من قلبي بكلّ أنواعه ، بالأخصّ حبّ الدينار والدرهم .

الحادي عشر: أتمنّى حجّ بيت الله الحرام بشرط أن أموت فيه أو في المدينة المنوّرة ، واُدفن في أحد البلدين الطاهرين .

الثاني عشر: اُريد التوفيق من الله تعالى للعلم والعمل الصالح من كلّ وجوه البرّ والآثار الخيريّة ما دمت حيّآ.

كلّ ذلک جعلني أن اُفكّر بالتوسّل إلى الله تعالى بجاه الحسين  7.

فشددت الرحال وتحرّكت من المدرسة متوجّهآ إلى كربلاء المقدّسة ، وأنا أملک روبية واحدة آنذاک ، فاشتريت قرصين من الخبز وكوز ماء، وكان ذلک في أواسط أيّام الدراسة ، وأظنّ أنّه كان في شهر شوّال المكرّم ، وأنا حافٍ باکٍ قاصدآ مشهد الإمام الحسين المظلوم صلوات الله وسلامه عليه من طريق (خان الحماد) ولم أتوجّه لتعب وإضناء وعناء أبدآ.

دخلت كربلاء وأنا متوجّه نحو نهر الحسينيّة للاغتسال ، فاغتسلت غسل الزيارة ، وجئت إلى الحرم الشريف . وبعد الزيارة والدعاء قرب الغروب ، ذهبت إلى غرفة السادن المرحوم السيّد عبد الحسين صاحب كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) وهو ـأي السيّد عبد الحسين ـ كان من أصدقاء العلّامة
والدي قدّس سرّه وطاب رمسه ، فاستدعيت منه أن يسمح لي بالبقاء في الحضرة الشريفة ليلا، وكان البقاء ممنوعآ منعآ باتّآ، ولكنّه
؛ لاحظ صداقته مع المغفور له والدي رضوان الله تعالى عليه ، فأذن لي بالبيتوتة عند قبر سيّدي ومولاي أبي عبد الله  7.

وعند ذلک جدّدت الوضوء وتشرّفت بدخول الحرم المقدّس الشريف في الساعة التي أرادوا غلق الأبواب . وهنا صرت اُفكّر في أيّ مكان من الحرم أجلس ، والمعمول أنّ الناس يجلسون في طرف الرأس الشريف ، ولكنّي فكّرت بأنّ الإمام روحي فداه كان في حياته (الظاهريّة ) متوجّهآ دومآ إلى ولده عليّ الأكبر  7، وقلت في نفسي : لا بدّ أن ينظر إليه في ما بعد أيضآ.

فلذا جلست ممّا يلي رجلَي الإمام صلوات الله عليه بجنب قبر عليّ بن الحسين  8.

وبعد هنيئة من جلوسي هناک سمعت صوتآ للقرآن الكريم ، وذلک من جهة خلف الحضرة المقدّسة ، وكانت القراءة بصوت حزين ، حيث جلبني ، فتوجّهت إلى هناک ، وإذا بأبي رحمه الله تعالى جالس وبجنبه 13 رحل للقرآن الكريم ، وأمامه رحل أيضآ وعليه قرآن وكان يتلوه هو، قدمت إليه وقبّلت يده ، وسألت حاله ، فأجابني مستبشرآ بأنّه في أتمّ راحة واستقرار ونعيم . فسألته : ماذا تعملون هنا؟ أجاب  1: نحن هنا 14 نفرآ مشغولون بتلاوة القرآن المجيد في الحرم المطهّر دائمآ. فسألته : أين هم ؟ فقال : ذهبوا إلى خارج الحرم لبعض حوائجهم ، وهذا الرحل الذي بجبني هو للعلّامة الشيخ الميرزا محمّد تقي الشيرازي ـأحد رجال الثورة العراقيّة وزعماء الشيعة آنذاک ـ والرحل الذي
بعده للعلّامة المرحوم الشيخ زين العابدين المرندي من أوتاد علماء النجف

الأشرف ، والذي بجنبه للعلّامة الشيخ زين العابدين المازندراني الشهير صاحب كتاب ذخيرة العباد، فعدّ جميع اُولئک العظماء، ولكن مع الأسف لم يحضرني أسماء الباقين .

ثمّ سألني والدي المغفور له : لماذا أتيت إلى هنا والأيّام أيّام دراسة وتحصيل ؟ فعرضت بخدمته حوائجي التي ذكرتها أعلاه متوسّلا بالإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام ، فأمرني بالذهاب وعرض حاجاتي على سيّدي ومولاي .

فسألت : أين هو روحي فداه ؟ فأشار قائلا: هو هذا فوق الضريح الطاهر، فعجّل لأنّ الإمام  7 يريد الذهاب إلى زيارة مريض في إحدى (الخانات ).

فقمت وذهبت إلى قرب الضريح الشريف ، فرأيت وإذا بي لا يمكنني النظر إلى وجهه الشريف ، حيث علت عليه هالة من نور يغشى البصر، فكانت عيني تغشى لنور وجهه المبارک ، فكنت أراه من بين النور المحيط به بكلّ جهد.

سلّمت عليه وهو في أعلى الضريح ، فأجابني السلام .

ثمّ قال  7: اصعد إلى فوق ! فعرضت بخدمته إنّي لست جديرآ بذلک . فأمر ثانيآ بصعودي ، فتوقّيت أيضآ وامتنعت استحياءً. فأذن لي بالبقاء في مكاني ، أي بجنب الضريح .

ثمّ توجّهت بقوّة البصر الذي لا يتمكّن من رؤيته ، فنظرت إليه بكلّ جهد، وإذا به  7 يبتسم بملاحة ما فوقها ملاحة .

ثمّ سألني : ماذا تريد؟... فقرأت بالفارسيّة  :

آن جا كه عيان است         چه حاجت به بيان است


يعني إنّک تعلم ما اُكنّه في ضميري . فأدلى بقطعة من النبات (السكّر) قائلا: أنت ضيفنا فاحلولي[5]  فمک .

 

ثمّ أخذ يقول صلوات الله وسلامه عليه  :

ماذا رأيت من عباد الله لتسيء بهم الظنّ ؟!

فصرت أحسّ بتغيير جذري في نفسي ، ولا شکّ أنّ هذا من تصرّف الإمام  7 بي بالولايه .

فمنها ما رأيت في نفسي من سوء الظنّ بأحد أبدآ.

ورأيت أنّي منسجم مع الخاصّ والعامّ بحيث صرت اُسلّم على كلّ من أراه واُعانقه واُصافحه . وكان هناک رجل ظاهر الصلاح فصلّيت خلفه بعد أذان الصبح ، وما كنت أظنّ أنّي اُصلّي خلف هذا يومآ ما.

هذا، وقال لي  7: توجّه لدراستک ، فإنّ الذي يعارضک لا يتمكّن من إيذائک وإيقاف درسک .

ولمّا رجعت إلى النجف الأشرف أتاني القرابة قائلا: يا فلان ، فكّرت ورأيت أنّه لا يمكنک إلّا الدراسة ، فادرس بشرط أن تستغني عنّا مادّيّآ.

والثالثة : أنّه قال  7: طلبنا شفاءک من الله تعالى . فأحسست في نفسي ـمن ساعتي ـ أنّه لا يعتريني أيّ مرض ، وذهب عنّي ذاک الخمول الذهني فصرت حفّاظآ عجيبآ وإلى اليوم والحمد لله.

والرابعة : إنّه   7 قال : طلبنا من الله تعالى لعينک النور القوى . ومنه صرت اُطالع كلّ الخطوط مهما نعمت ، وإلى اليوم الذي أنا في العقد التاسع من
عمري ، أطال الله عمره الشريف .

والخامسة : إنّه  7 أكرمني قلمآ، وقال : خذه واكتب بكلّ سرعة . فسرع قلمي من ذلک الوقت بشكلٍ عجيب .

والسادسة : تكلّم صلوات الله عليه في ما يخصّ الفقر والفاقة ، ممّا لم تحضرني الكلمات .

والسابعة : طلبنا راحة قلبک . فشعرت بالراحة التامّة في قلبي .

والثامنة : دعا صلوات الله وسلامه عليه لي بثبات العقيدة بالنسبة للاُمور المعنويّة .

والتاسعة : قال  7: طلبنا لک من الله تعالى أن يصبّرک على أتعابک مع أهل العلم ، ولا يصدع قلب أحدهم منک ، سيّما في التدريس .

والعاشرة : دعاؤه سلام الله عليه بخروج حبّ الدنيا من قلبي ، سيّما الدرهم والدينار.

والحادي عشر: قال  7: كما دعونا لتوفيقک للخدمات الدينيّة وقبول الأعمال .

 

الخلاصة  :

إنّه عليه أفضل الصلاة والسلام أجاب جميع ما أردت سوى الحجّ ، فلم يتعرّض إليه أبدآ. وما سألته عنه . وأظنّ أنّ هذا كان لأجل القيد الذي قيّدته به .

ثمّ استودعته ـروحي فداه ـ ورجعت إلى المرحوم والدي  1، وسألته  : هل لكم أمر أو حاجة بالنسبة لي ؟ فقال طاب رمسه : جِد واجتهد في تحصيل
علوم أجدادک الطاهرين واعطف على أخيک وإخواتک .

ثمّ سألته ثانيآ: أليس لكم أمر خاصّ يخصّكم ؟ فقال رحمه الله تعالى  : أنا في أتمّ الراحة ، إلّا أنّه يقلقنى شيء وهو دين قليل لعبد الرضا البقّال البهبهاني ، فتركته مستودعآ.

وفي هذا الحين رأيت أبواب الحضرة المقدّسة قد فتحت ، وكان عند أذان الصبح ، فخرجت لتجديد الوضوء، ورجعت فصلّيت خلف ـمن سبق ذكره ـ فعندئذٍ عرفت أنّ كلّ شيء قد تمّ ، والحوائج اُخذت .

ثمّ توجّهت إلى النجف الأشرف ماشيآ على قدمي ، فدخلت ذلک البلد الطاهر متجّهآ إلى مدرسة قوام ، وكنت أرى الطلّاب فاُسلّم عليهم وكأنّهم إخواني من ذي قبل . وكان هذا بعد ذلک الظنّ السيّء بهم ، فكنت اُعانقهم واُصافحهم على أحسن ما يرام ، وصرت دائم الجماعة في الصلاة ، وذهبت إلى عبد الرضا لأسأله عن دين أبي  1، ومَن يتسمّى بهذا الاسم هم ثلاثة ، فذهبت إليهم جميعآ، وإذا بثالثهم هو الدائن .

سألته عن طلبه فقال : هذه الدفاتر عندک ، فتّشها. وكانت متربة جدّآ، فأخذت أتصفّحها إلى أن رأيت اسم والدي طاب ثراه ، وهو مدين مبلغ  10 ورقات من النقود فى حينه ثمن اللبن ، فأعطيتها إيّاه وزدته على ذلک لإرضاء خاطره .

وبهذا تمّ الحديث الشيّق ، وهو من كرامات سيّد الشهداء الحسين بن عليّ صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبويه وجدّه وبنيه وذرّيّته الطيّبين ، واللعن على معانديهم ومخالفيهم ومَن لا يعتقد بكراماتهم ومعاجزهم إلى يوم الدين ، آمين آمين .


 

الكرامة الخامسة ـ تشرّفات سيّدنا الاُستاذ ولقاء صاحب العصر والزمان  7

وهي ثلاث حكايات بقلم سيّدنا الاُستاذ  1

 

الحكاية الاُولى  :

أيّام تحصيلي للعلوم الدينيّة وفقه أهل البيت  : في النجف الأشرف ، اشتقت كثيرآ لرؤية جمال مولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله شرفه الشريف ، وتعاهدت مع نفسي أنّي أذهب ماشيآ في كلّ ليلة أربعاء إلى مسجد السهلة ، وذلک لمدّة أربعين مرّة ، قاصدآ زيارة مولانا صاحب الأمر  7؛ لأفوز بذلک الفوز العظيم .

أدَمْت هذا العمل إلى36 أو 35 ليلة أربعاء، ومن الصدقة أنّي تأخّرت في هذه الليلة في خروجي من النجف الأشرف ، وكان الهواء سحابيّآ ممطرآ، وكان بقرب مسجد السهلة خندق ، وحين وصولي إليه في الليل المدلهمّ مع وحشة وخوف قطّاع الطريق ، وكانوا كثيرين آنذاک ، سمعت صوت قدم من خلفي ممّا زاد في وحشتي ورعبي ، فنظرت إلى الخلف ، فرأيت سيّدآ عربيّآ بزيّ أهل البادية ، اقترب منّي وبلسان فصيح قال : يا سيّد، سلام عليكم ، فشعرت بزوال الوحشة كلّاً من نفسي واطمأنّت وسكنت النفس . والعجيب كيف التفت إلى أنّي سيّد في مثل تلک الليلة المظلمة ؟ وغفلت عن هذا، إنّه كيف يمكن التمييز في سواد الليل .

على كلٍّ تحدّثنا وسرنا، فسألني : أين تقصد؟ قلت : مسجد السهلة .
فقال : بأيّ قصد؟ قلت : بقصد التشرّف بزيارة وليّ العصر
 7.

بعد أقدام وصلنا إلى مسجد زيد بن صوحان ، وهو مسجد صغير يقرب عن مسجد السهلة ، فقال السيّد العربي : حبّذا أن ندخل هذا المسجد ونصلّي فيه ونؤدّي تحيّة المسجد. فدخلنا وصلّى ، وبعد دعاء قرأه السيّد وكأنّه كانت تقرأ معه الجدران والأحجار، فشعرت وأحسست بثورة عجيبة في نفسي ، أعجز عن وصفها. ثمّ بعد الدعاء قال السيّد العربي : يا سيّد أنت جوعان ، حبّذا لو تعشّيت . فأخرج مائدة من تحت عباءته ، وكان فيها ثلاثة أقراص من الخبز واثنتان أو ثلاثة خيارات خضراء طريّة وكأنّها توّآ قُطفت من البستان ، وكانت ـآنذاک ـ أربعينيّة الشتاء ذلک البرد القارص ، ولم أنتقل إلى هذا المعنى أنّه من أين أتى بهذا الخيار الطري في هذا الفصل الشتوي ؟ فتعشّينا كما أمر السيّد، ثمّ قال  : قم لنذهب إلى مسجد السهلة . فدخلنا المسجد، وكان السيّد العربي يأتي بالأعمال الواردة في المقامات ، وأنا اُتابعه ، وصلّى المغرب والعشاء وكأنّي من دون اختيار اقتديت به ، ولم ألتفت أنّه من هو هذا السيّد؟ وبعد الفراغ من الأعمال قال السيّد العربي : يا سيّد، هل تذهب مثل الآخرين بعد الأعمال إلى مسجد الكوفة ، أو تبقى في مسجد السهلة ؟ فقلت : أبيت في المسجد. فجلسنا في وسط المسجد في مقام الإمام الصادق  7.

قلت للسيّد: هل تشتهي الشاي أو القهوة أو الدخّانيّات حتّى اُعدّه لكم ؟ فأجاب بكلمة جامعة : «هذه الاُمور من فضول المعاش ، ونحن نتجنّب عن فضول المعاش ». أثّرت هذه الكلمة في أعماق وجودي ، كنت متى ما أشرب الشاي وأتذكّر ذلک الموقف وتلک الكلمة ترتعد فرائصي .


وعلى كلّ حال ، طال المجلس بنا ما يقارب الساعتين ، وفي هذه البرهة

جرت وذُكرت بيننا مطالب اُشير إلى بعضها :

1 ـ جرى حديث حول الاستخارة . فقال السيّد العربي : يا سيّد، كيف عملک للاستخارة بالسبحة ؟ فقلت : ثلاث مرّات صلوات وثلاث مرّات (أستخير الله برحمته خيرة في عافية ) ثمّ آخذ قبضة من السبحة ، وأعدّها، فإن بقي زوجٌ فغير جيّدة ، وإن بقي فردٌ فجيّدة . فقال السيّد: لهذه الاستخارة تتمّة لم تصل إليكم ، وهي عندما يبقى الفرد لا يحكم فورآ أنّها جيّدة بل يتوقّف ، ويؤخذ مرّة اُخرى على ترک العمل فإن بقي زوج فيكشف أنّ الاستخارة الاُولى كانت جيّدة ، وإن بقي فرد فيكشف أنّ الاستخارة الاُولى وسط . وفي نفسي قلت : حسب القواعد العلميّة عليّ أن اُطالبه بالدليل ، فأجاب : وصلنا من مكانٍ رفيع . فوجدت بمجرّد هذا القول التسليم والانقياد في نفسي ، ومع هذا لم أتوجّه أنّه مَن هو هذا السيّد؟

2 ـ ومن مطالب تلک الجلسة تأكيد السيّد العربي على تلاوة هذه السور بعد الفرائض الخمس . فبعد صلاة الصبح (سورة يس )، وبعد الظهر (سورة عمّ )، وبعد العصر (نوح )، وبعد المغرب (الواقعة )، وبعد العشاء (الملک ).

3 ـ ومن المطالب تأكيده على ركعتين بين المغرب والعشاء، في الاُولى تقرأ أيّ سورة شئت بعد الحمد، وفي الثانية تقرأ الواقعة . وقال : تكفي هذه عن قراءة سورة الواقعة بعد صلاة المغرب ، كما مرّ.

4 ـ ومن المطالب : تأكيده على هذا الدعاء بعد الفرائض الخمس : «اللهمّ سرّحني من (عن ) الهموم والغموم ووحشة الصدر ووسوسة الشيطان ، برحمتک يا أرحم الراحمين ».


5 ـ ومن المطالب : التأكيد على قراءة هذا الدعاء بعد الركوع في الفرائض الخمس ، سيّما الركعة الأخيرة : «اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، وترحّم على عجزنا، وأغثنا بحقّهم ».

6 ـ لقد مجّد (شرائع الإسلام ) للمحقّق الحلّي وقال : كلّها مطابقة للواقع إلّا عدّة مسائل .

7 ـ التأكيد على تلاوة القرآن وهديّة ثوابها للشيعة الذين ليس لهم وارث ، أو لهم ولكن لم يذكروا أمواتهم .

8 ـ في الصلاة يوضع تحت الحنک كما عند علماء العرب ، فإنّه يدار تحت الحنک ويوضع رأسه في العمامة ، وقال : هكذا ورد في الشرع .

9 ـ التأكيد على زيارة سيّد الشهداء  7.

10 ـ دعا في حقّي ، فقال : جعلک الله من خَدَمة الشرع .

11 ـ قلت له : لا أدري هل عاقبة أمري بخير، وهل أنا مبيضّ الوجه عند صاحب الشرع المقدّس ؟ فقال : عاقبتک على خير، وسعيک مشكور، وأنت مبيضّ الوجه .

قلت : لا أدري هل أبواي وأساتذتي وذوي الحقوق راضون عنّي ؟ فقال  : كلّهم راضون عنک ويدعون لک .

فاستدعيته أن يدعو لي أن اُوفق للتأليف والتصنيف ، فدعا لي .

وهناک مطالب اُخرى لا مجال لتفصيلها.

فأردت الخروج من المسجد لحاجة ، فأتيت الحوض وهو في وسط الطريق ، وقبل أن أخرج من المسجد تبادر إلى ذهني أيّ ليلة هذه ؟ ومَن هذا السيّد العربي صاحب الفضائل ؟ ربما هو مقصودي ؟ فما أن خطر هذا على بالي
إلّا ورجعت مضطربآ، فلم أجد أثرآ لذلک السيّد، ولم يكن شخص في المسجد، فعلمت أنّي وجدت من أتحسّس عنه ، ولكن أصابتني الغفلة ، فبكيت ناحبآ كالمجنون ، ورحت أطوف أطراف المسجد حتّى الصباح كالعاشق الولهان الذي ابتلي بالهجران بعد الوصال ، وكلّما تذكّرت تلک الليلة ذهلت عن نفسي . وهذا إجمال من تفصيل .

 

الحكاية الثانية  :

في زيارتي للعسكريّين  8، وفي طريقي إلى حرم السيّد محمّد، ضللت الطريق ، وعلى أثر العطش الشديد والجوع وهبوب الرياح في قلب الأسد، يئست من حياتي ، فغشي عليّ وسقطت على الأرض صريعآ مغمىً ، وإذا بي أفتح عيني فأجد رأسي في حضن شخص جليل القدر، فسقاني ماءً عذبآ لم أذق مثله طيلة عمري لحلاوته وعذوبته ، وبعد الارتواء فتح المائدة وإذا فيها اثنتان أو ثلاثة أقراص من الخبز، فأكلت . ثمّ قال ذلک الشخص العربي : يا سيّد، اغتسل في هذا النهر. فقلت : يا أخي لم يكن هنا نهر، وكدت أن أموت عطشآ، وأنت الذي نجّيتني . فقال العربي : هذا ماء عذب ومعين . وما أن قال هذا إلّا ورأيت نهرآ بكلّ صفاء وعذوبة ، فتعجّبت وقلت في نفسي : نهر بهذا القرب منّي وأنا وصلت إلى الموت من العطش .

على كلّ حال ، قال العربي : يا سيّد، أين تقصد؟ قلت : الحرم المطهّر للسيّد محمّد  7. فقال العربي : هذا حرم السيّد محمّد. فوجدت نفسي في ظلّ بقعة السيّد محمّد، والحال أنّني تهت عن الطريق في (الجادسيّة / القادسيّة ) ومسافة بعيدة بينها وبين السيّد محمّد  7.


على كلّ حال ، من الفوائد التي ذكرها ذلک العربي خلال البرهة التي كنت بخدمته : التأكيد على تلاوة القرآن الشريف ، والإنكار الشديد على من يقول بتحريف القرآن ؛ حتّى دعا على من جعل أحاديث التحريف .

ومن الفوائد: تأكيده على وضع عقيق حکّ عليه الأسماء المقدّسة للمعصومين الأربعة عشر  : تحت لسان الميّت .

وتأكيده على برّ الوالدين حيّين وميّتين ، وتأكيده على زيارة البقاع المشرّفة للأئمّة  : وأولادهم وتعظيمها، والتأكيد على احترام الذرّيّة العلويّة . وقال : يا سيّد، اعرف قدر انتسابک إلى أهل البيت  :، واشكر هذه النعمة التي توجب السعادة والافتخار كثيرآ.

وأكّد أيضآ على تلاوة القرآن ، وعلى صلاة الليل ، وقال : يا سيّد، أسفآ على أهل العلم إنّهم يعتقدون انتسابهم إلينا ولا يديمون هذا العمل .

وأكّد على تسبيح السيّدة فاطمة الزهراء  3، وعلى زيارة سيّد الشهداء من بعيد وقريب ، وزيارة أولاد الأئمّة والصالحين والعلماء، والتأكيد على حفظ خطبة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء  3 في المسجد النبوي ، وكذلک حفظ الخطبة الشقشقيّة لأمير المؤمنين  7، وخطبة العلياء المخدّرة زينب الكبرى في مجلس يزيد، إلى غير ذلک من الوصايا والفوائد، وما أن خطر على ذهنى مَن هذا العربي ، إلّا وقد غاب عن بصري .

 

الحكاية الثالثة  :

عند إقامتي في سرّ من رأى (سامرّاء) بتّ ليالٍ في السرداب المقدّس من ليالي الشتاء، وفي آخر الليل سمعت صوت أقدام مع أنّ باب السرداب كان
مغلقآ، فاضطربت ، إذ ربما كان من المخالفين من أعداء أهل البيت
 : يقصد قتلي ، وقد ذابت الشمعة التي كانت معي . وإذا بصوت جميل يقول : سلام عليكم يا سيّد ـوذكر اسمي ـ فأجبته وقلت : من أنتم ؟ قال : نفر من بني أعمامک . فقلت : لقد كان الباب مغلقآ فمن أين أتيتم ؟ فقال : الله على كلّ شيءٍ قدير. فقلت : من أيّ بلد؟ فقال : من الحجاز.

ثمّ قال السيّد الحجازي : لماذا تشرّفتم في هذا الوقت ؟ فقلت : لحوائج . فقال : إنّها تقضى . ثمّ أكّد على صلاة الجماعة والمطالعة في الفقه والحديث والتفسير، والتأكيد على صلة الرحم ، ورعاية حقوق الأساتذة والمعلّمين ، والتأكيد على مطالعة وحفظ نهج البلاغة ، وحفظ أدعية الصحيفة السجّاديّة . فسألته أن يدعو لي ، فرفع يده ودعا لي قائلا: إلهي بحقّ النبيّ وآله وفّق هذا السيّد لخدمة الشرع ، وأذِقه حلاوة مناجاتک ، واجعل حبّه في قلوب الناس ، واحفظه من شرّ وكيد الشياطين ، سيّما الحسد.

في أثناء الحديث والكلام قال السيّد الحجازي : معي تربة سيّد الشهداء  7، وهي أصيلة من دون خليط ، فأكرمني ببعض المثاقيل منها، ولا زال معي بعضها. كما أعطاني خاتم عقيق لا زال معي ، وشوهدت أثار عظيمة له . ثمّ غاب السيّد الحجازي بعد ذلک .

هذا. ولا يخفى على ذوي النهى أنّ هذه الحكايات الثلاث قد كتبها سيّدنا الاُستاذ  1 باللغة الفارسيّة في رسالتين ، أرسلها إلى المؤلّف القدير الاُستاذ حسين عماد زادة لتطبع في كتابه القيّم (المنتقم الحقيقي ) الذي يتحدّث فيه عن صاحب الأمر عليه السلام وعجّل الله فرجه الشريف ، المنتقم الحقيقي لغاصبي حقوق آل محمّد  :.


وقد نقلها سيّدنا الاُستاذ بقوله : سيّد جليل من أهل العلم ، يقطع بصدقه وسداده وتقواه ، من أهل بيت الرسالة وآل المرتضى  7، ينقل أنّه لمّا كنت في النجف الأشرف لتحصيل العلوم الدينيّة وفقه أهل البيت  :.... إلى آخر ما ذكرت لک من القصّة الاُولى ، وإنّما أسندت القصص الثلاثة إليه مباشرةً ، ليقيني أنّه هو صاحب التشرّف ؛ إذ قبل رحلته إلى جوار ربّه بأشهر أخبرني أحد فضلاء إصفهان ، أنّ السيّد الاُستاذ هو صاحب التشرّف ، ولمزيد من التأكيد أتيته وهو على سجّادة الصلاة في الصحن الشريف فسألته : سيّدي ، هل أنتم صاحب التشرّف في الحكايات الثلاثة المذكورة في كتاب (منتقم حقيقي )؟ فقال  1: لا تنقل ذلک للشباب لعدم تحمّلهم . فقلت : سيّدي ، إنّما أنقله للخواصّ من إخواني وتلامذتي . فسكت حينئذٍ وشعرت برضاه .

كما سمعت أنّه قال لبعض الخواصّ : لا تنقل الحكايات عنّي إلّا بعد مماتي .

وإنّما أسندها إلى سيّد جليل لأنّ الكتاب طبع سنة 1332 ه  ش ، والآن عام 1369 ه  ش الموافق 1411 ه  ق ، فالحكايات كتبت قبل 37 سنة ، أي كان عمر سيّدنا الاُستاذ آنذاک 59 سنة ، وهذا يعني في بداية زعامته ومرجعيّته وأوج حسّاده وأعدائه الذين ابتلاهم الله بحجاب المعاصريّة ، فكان من الصعب على سيّدنا الاُستاذ أن ينقل القصص عن نفسه حذرآ من الأعداء والحسّاد.

وهناک قرائن في نفس الحكايات تدلّ بكلّ وضوح أنّه هو صاحب التشرّف . كما جاء في وصيّته أن توضع تربة حسينيّة على صدره احتفظ بها في كفنه وكان يعتزّ بها، كما يوضع عقيق فيه الأسماء المقدّسة الخمسة أصحاب الكساء  :، وآخر فيه أسماء الأربعة عشر معصوم  :. وقد أهدى
لي تربة خاصّة وخاتم من صاحب الزمان
 7 كما ذكره سابقآ.

كما جاء في وصيّته الاُولى : واُوصيه بتهذيب النفس والمجاهدات الشرعيّة ، فإنّي نلت به ما نلت ، ورزقني ربّي الكريم ما لم تره عين أبناء العصر، ولا طرقت أسماعهم ولا سمعت آذانهم ، فالحمد له تعالى على هذه الموهبة العظيمة والفضل الجسيم ، وقد أودعت بعض هذه الأسرار في كتابٍ مخصوص سمّيته بـ(سلوه الحزين )...

نسأل الله أن يوفّق الأولاد وتلامذة سيّدنا الاُستاذ لنشر مؤلّفات الوالد العظيم ، سيّما هذا الكتاب القيّم الذي خصّه بالذكر في وصاياه .



[1] ()  يس (36): 27.

[2] ()  هذا ما حدّثني الاُستاذ. وقد حدّث والدي القصّة من قبل أيضآ، وأضاف أنّه حينما دخل الحرمليشكر السيّدة ويعتذر، فبعد خروجه في الإيوان جاءه رجل فقبّل يده ووضع تحت قدمه ظرفآ فيهنقود، وقال : هذه هديّة خالصة لكم . وذهب ، فجاء زوجته وقال لها: اشترِ ما شئتِ من جهاز العرسلبنتکِ ، وقد وضع النقود في جيبه من دون أن يعدّها، فاشتروا حاجياتهم وقالوا للوالد: اشترينا ما كانضروريّآ، فأخرج الظرف من جيبه فلم يجد فيه شيئآ. هكذا نقلي لي ، والله العالم .

[3] ()  الرافد :1 304.

[4] ()  خطبة الزهراء سلام الله عليها.

[5] ()  قال في لسان العرب : وهذا البناء للمبالغة في الأمر.