العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ تقديم الحسينية النجفية ٣
■ الإهداء ٧
■ المقدّمة ٩
■ الفصل الأوّل
■ الفصل الثاني
■ الفصل الثالث
■ الفصل الرابع
■ الفصل الخامس
■ الفصل السادس
■ الفصل السابع
عوامل ديمومة الزواج الناجح ٢٥١
لقطتان من البيت العلوي الفاطمي ٢٧٢
■ الفصل الثامن
■ الفصل التاسع
■ الفصل العاشر
■ الفصل الحادي عشر
■ مصادر للبحث ٣٥٥
  1. النوران الزهراء والحوراء
  2. الأقوال المختارة في احکام الصلاة سنة 1436هـ
  3. الکافي في اصول الفقه سنة 1436هـ
  4. في رحاب الخير
  5. الغضب والحلم
  6. إیقاظ النائم في رؤیة الامام القائم
  7. الضيافة الإلهيّة وعلم الامام
  8. البداء بين الحقيقة والافتراء
  9. سيماء الرسول الأعظم محمّد (ص) في القرآن الكريم
  10. لمعة من النورین الامام الرضا (ع) والسیدة المعصومة(س)
  11. الدوّحة العلوية في المسائل الافريقيّة
  12. نور الآفاق في معرفة الأرزاق
  13. الوهابية بين المطرقة والسندانه
  14. حلاوة الشهد وأوراق المجدفي فضيلة ليالي القدر
  15. الوليتان التكوينية والتشريعية ماذا تعرف عنها؟
  16. الصّارم البتّار في معرفة النور و النار
  17. بريق السعادة في معرفة الغيب والشهادة
  18. الشخصية النبوية على ضوء القرآن
  19. الزهراء(س) زينة العرش الإلهي
  20. مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
  21. نور العلم والعلم نور
  22. نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل
  23. دروس الیقین فی معرفة أصول الدین
  24. في رحاب اولى الألباب
  25. الله الصمد في فقد الولد
  26. في رواق الاُسوة والقدوة
  27. العلم الإلهامي بنظرة جديدة
  28. أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم
  29. الانسان على ضوء القرآن
  30. إجمال الكلام في النّوم والمنام
  31. العصمة بنظرة جديدة
  32. الشباب عماد البلاد
  33. الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين
  34. النور الباهر بين الخطباء والمنابر
  35. التوبة والتائبون علی ضوء القرآن والسنّة
  36. القصاص علی ضوء القرآن والسّنة الجزء الثاني
  37. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الثالث
  38. القول الرشید فی الإجتهاد و التقلید 2
  39. القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد 1
  40. القصاص على ضوء القرآن والسنّة الجزء الاول
  41. الأقوال المختارة في أحكام الطهارة الجزء الأوّل
  42. أحكام السرقة على ضوء القرآن والسنّة
  43. الهدى والضلال على ضوء الثقلين
  44. في رحاب حديث الثقلين
  45. المأمول في تكريم ذرية الرسول 9
  46. عصمة الحوراء زينب 3
  47. عقائد المؤمنين
  48. النفحات القدسيّة في تراجم أعلام الكاظميّة المقدّسة
  49. قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي
  50. حقيقة الأدب على ضوء المذهب
  51. تربية الاُسرة على ضوء القرآن والعترة
  52. اليقظة الإنسانية في المفاهيم الإسلامية
  53. هذه هی البرائة
  54. من لطائف الحجّ والزيارة
  55. مختصر دليل الحاجّ
  56. حول دائرة المعارف والموسوعة الفقهية
  57. رفض المساومة في نشيد المقاومة
  58. لمحات قراءة في الشعر والشعراء على ضوء القرآن والعترة :
  59. لماذا الشهور القمرية ؟
  60. فنّ الخطابة في سطور
  61. ماذا تعرف عن العلوم الغريبة
  62. منهل الفوائد في تتمّة الرافد
  63. سهام في نحر الوهّابية
  64. السيف الموعود في نحراليهود
  65. لمعة من الأفكار في الجبر والاختيار
  66. ماذا تعرف عن الغلوّ والغلاة ؟
  67. الروضة البهيّة في شؤون حوزة قم العلميّة
  68. النجوم المتناثرة
  69. شهد الأرواح
  70. المفاهيم الإسلامية في اُصول الدين والأخلاق
  71. مختصر دليل الحاجّ
  72. الشهيد عقل التاريخ المفكّر
  73. الأثر الخالد في الولد والوالد
  74. الجنسان الرجل والمرأة في الميزان
  75. الشاهد والمشهود
  76. محاضرات في علم الأخلاق القسم الثاني
  77. مقتل الإمام الحسين 7
  78. من ملكوت النهضة الحسينيّة
  79. في ظلال زيارة الجامعة
  80. محاضرات في علم الأخلاق
  81. دروس في علم الأخلاق
  82. كلمة التقوى في القرآن الكريم
  83. بيوتات الكاظميّة المقدّسة
  84. على أبواب شهر رمضان المبارک
  85. من وحي التربية والتعليم
  86. حبّ الله نماذج وصور
  87. الذكر الإلهي في المفهوم الإسلامي
  88. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  89. شهر رمضان ربيع القرآن
  90. فاطمة الزهراء مشكاة الأنوار
  91. منية الأشراف في كتاب الإنصاف
  92. العين الساهرة في الآيات الباهرة
  93. عيد الغدير بين الثبوت والإثبات
  94. بهجة الخواصّ من هدى سورة الإخلاص
  95. من نسيم المبعث النبويّ
  96. ويسألونک عن الأسماء الحسنى
  97. النبوغ وسرّ النجاح في الحياة
  98. السؤال والذكر في رحاب القرآن والعترة
  99. نسيم الأسحار في ترجمة سليل الأطهار
  100. لمحة من حياة الإمام القائد لمحة من حياة السيّد روح الله الخميني ومقتطفات من أفكاره وثورته الإسلاميّة
  101. قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي «قدّس سرّه الشريف »
  102. طلوع البدرين في ترجمة العلمين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الأمام الخميني 0
  103. رسالة من حياتي
  104. الكوكب السماوي مقدّمة ترجمة الشيخ العوّامي
  105. الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي 1
  106. الشاكري كما عرفته
  107. كيف أكون موفّقآ في الحياة ؟
  108. معالم الصديق والصداقة في رحاب أحاديث أهل البيت
  109. رياض العارفين في زيارة الأربعين
  110. أسرار الحج والزيارة
  111. القرآن الكريم في ميزان الثقلين
  112. الشيطان على ضوء القرآن
  113. الاُنس بالله
  114. الإخلاص في الحجّ
  115. المؤمن مرآة المؤمن
  116. الياقوت الثمين في بيعة العاشقين
  117. حقيقة القلوب في القرآن الكريم
  118. فضيلة العلم والعلماء
  119. سرّ الخليقة وفلسفة الحياة
  120. السرّ في آية الاعتصام
  121. الأنفاس القدسيّة في أسرار الزيارة الرضويّة
  122. الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه الشریف وطول العمر في نظرة جديدة
  123. أثار الصلوات في رحاب الروايات
  124. رسالة أهل البيت علیهم السلام سفينة النجاة
  125. الأنوار القدسيّة نبذة من سيرة المعصومين
  126. السيرة النبوية في السطور العلوية
  127. إشراقات نبويّة قراءة موجزة عن أدب الرسول الأعظم محمّد ص
  128. زينب الكبرى (سلام الله علیها) زينة اللوح المحفوظ
  129. الإمام الحسين (علیه السلام) في عرش الله
  130. رسالة فاطمة الزهراء ليلة القدر
  131. رسالة علي المرتضى (علیه السلام) نقطة باء البسملة
  132. الدرّ الثمين في عظمة أمير المؤمنين - علیه السلام
  133. وميض من قبسات الحقّ
  134. البارقة الحيدريّة في الأسرار العلويّة
  135. رسالة جلوة من ولاية أهل البيت
  136. هذه هي الولاية
  137. رسالتنا
  138. دور الأخلاق المحمّدية في تحكيم مباني الوحدة الإسلاميّة
  139. أخلاق الطبيب في الإسلام
  140. خصائص القائد الإسلامي في القرآن الكريم
  141. طالب العلم والسيرة الأخلاقية
  142. في رحاب وليد الكعبة
  143. التقيّة في رحاب العَلَمَين الشيخ الأعظم الأنصاري والسيّد الإمام الخميني
  144. زبدة الأفكار في طهارة أو نجاسة الكفّار
  145. طالب العلم و السیرة الأخلاقیّة
  146. فاطمة الزهراء سلام الله علیها سرّ الوجود

الاُسرة لغةً واصطلاحآ 29

لقد نهجت في مؤلفاتي في شتّى العلوم والفنون منهج القدماء بالنسبة إلى تعريف الموضوعات التي قصدت بحثها والحديث حولها، فأطرق أوّلا في معرفتها أبواب اللغة ، وذلک من خلال المعاني اللغوية ، ثمّ المصطلحة ، لما يوجد من الارتباط الوثيق بين المعاني اللغوية والمعاني المصطلحة في كلّ علم وفنّ .

فإنّ المصطلح منقول غالبآ بالنقل المألوف من المعنى اللغوي ، إمّا من المعنى العامّ أو المعنى الخاصّ .

وموضوع البحث هو الاُسرة  :

والاُسرة لغةً  : من الأسر، وهو الشدّ بالقيد، من قولهم : أسرت القتب ، وسُمّي الأسير بذلک ، ثمّ قيل لكلّ مأخوذ ومقيّد وإن لم يكن مشدودآ ذلک . ويتجوّز به فيقال : أنا أسير نعمتک ، واُسرة الرجل من يتقوّى به[1] .

 

ويعتقد البعض أنّ نظام الاُسرة إنّما هو نتاج الغريزة الجنسية ومقتضيات الطبيعة الإنسانية ، وأنّه لا يختلف عن نظائره في الفصائل الحيوانية الاُخرى ، فهي وفق ما تمليه الغرائز الفطرية ، وتوحي به الميول الطبيعية ، وشأنه شأن أشباهه في عالم الحيوان .

كما ويعتقد البعض الآخر أنّ الاُسرة يؤسّسها الأفراد من قادة المجتمع ومشرّعيه ، فهو بيد الإنسان المصلح ، وله أن يزيد وينقص في منشآته ، فيغيّر
بما تشاء أهواؤه .

كما ينظر البعض إلى نظام الاُسرة بنظرة مستقلّة عمّـا عداه من النظم الاجتماعية الاُخرى .

والحال أنّ نظام الاُسرة في اُمّةٍ ما يرتبط ارتباطآ وثيقآ بمعتقدات هذه الاُمّة وتقاليدها وثقافتها وتأريخها وعرفها وعقلها الجمعي وما تسير عليه من نظم في شؤون السياسة والاقتصاد والتربية والقضاء، وما يكتنفها من ظروف في شتّى فروع الحياة ، فهو كأيّ جهاز في جسمٍ حيّ، فنظام الاُسرة ليس من صنع الأفراد.

ونطاق الاُسرة في قديم الزمان كان يعني الانتماء إلى عشيرة يرمز لها بتوتم ، وهو عبارة عن نوع من الحيوان أو النبات تتّخذه العشيرة رمزآ لها ولقبآ لجميع أفرادها.

ويلاحظ أنّ معظم التواتم تتألف من أنواع من الحيوان والنبات ، وأنّ الحيواني منها أكثر من النباتي ، ويندر أن يكون التوتم من الجماد أو من مظاهر الطبيعة ، فمن بين التواتم الخمسمائة التي كشفها هويت عند العشائر الجنوبية الشرقية من سكان استراليا الأصليين يرجع أربعمائة وستون منها إلى أنواع حيوانية ونباتية ، وأربعون فقط إلى أنواع اُخرى كالسحاب والمطر والبرد والريح .

وعند اليونان والرومان الاُسرة تعني ما ينتظم فيها جميع الأقارب من ناحية الذكور وهم العصبة ، وتنتظم كذلک الأرقاء والموالي والأدعياء وهم الأفراد الذين يتبنّاهم رئيس الاُسرة ، أو يدّعي قرابتهم له فيصبحون أعضاء في اُسرته ويمنحون اسمها، ويسمح لهم بالاشتراک في شؤونها الدنيوية وطقوسها الدينية . فهي قائمة على الادّعاء لا على صلات الدم . وكان الوالد في الاُسرة اليونانية القديمة يعرض من يولد له من أولاد على مجمع عصبته فإذا قبلهم المجمع التحق نسبهم بأبيهم ،
وعدّوا من عشيرته ، وإذا رفضهم انقطعت صلتهم بأبيهم وبعشيرته .

وكذلک كانت الاُسرة عند العرب في الجاهلية ، حتّى أنّ ثروة الاُسرة كانت ملكآ مشاعآ لجميع أفرادها، أي كانت ملكآ لشخصها المعنوي لا الفردي ، والشريعة المقدّسة الإسلامية قد غيّرت من نظامهم هذا في تحديد نطاق الاُسرة ، وألغت آثاره في ما يتعلّق بالقصاص ، فقرّرت أنّ النفس بالنفس ، وأنّ التبعة في القتل العمدي لا يحتملها إلّا القاتل وحده ، وفي بعض الموارد احتفظت ببعض قواعد هذا النظام الاُسروي عند العرب في ما يتعلّق بالدية في الجناية الخطأية ، فإنّها على عاقلة الرجل ، أي أهله وبني عمامه ، فالقرابة كانت عند العرب قائمة على الادّعاء لا على صلات الدم ، والشريعة الإسلامية قضت على نظام الادعاء والتبنّي بقوله تعالى  :

(وَمَا جَعَلَ أدْعِيَاءَكُمْ أبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَـقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ )[2] .

 

وحرّمت أن يدعى فرد إلى غير أبيه  :

(آدْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ )[3] .

 

وقرّرت أنّ (الولد للفراش ).

ثمّ راح نطاق الاُسرة يضيق يومآ بعد يوم حتّى عصرنا هذا، فهو يعني الزوج والزوجة والأولاد، وتسمّى بالاُسرة الزوجية .


وأمّا وظائف الاُسرة فهي تابعة لنطاقها سعة وضيقآ، فكانت في القديم شاملة لمعظم شؤون الحياة الاجتماعية ، إلّا أنّها تناقصت وتضاءلت شيئآ فشيئآ، إلى أن بقي في عهدتها تربية الاُسرة وتعليمها.

ثمّ إنّ محور القرابة في الاُسرة وتطوّره ونظامه قد اختلفت فيه المجتمعات الإنسانية ، فمنهم من يرى ذلک بالاُمّ ويسمّى بالنظام الاُمّي ، فمحور القرابة هي الاُمّ وحدها، فالولد يلتحق باُمّه ويعتبرون اُسرة الوالد أجانب عنه ، وهذا النظام كان سائدآ في العشائر الاسترالية القديمة ، ومنهم من يرى ذلک بالأب ويسمّى بالنظام الأبوي ، فيعتمد على محورية الأب وحده ، فالولد يلتحق به وباُسرة أبيه ، فالولد يتبع توتم أبيه وعشيرة الأب . ومنهم من يرى أنّ محور القرابة عبارة عن الأبوين معآ مع أرجحية ناحية الأب من ناحية الاُمّ ، ومنهم من يرى االمحور الأبوي من ترجيح جانب الاُمّ ، ومنهم من يراهما معآ من دون ترجيح بينهما كما في الأنظمة الأوربية كما قيل ، والحقّ أنّها تميل في رجحان جانب الأب ، ومنهم من يرى أنّ محور القرابة في الاُسرة قائمة على شيء آخر غير انحدار الفرد من أب معيّن أو من اُمّ معيّنة كاتباعهم للتوتم عند تحرّک الجنين ، فتارةً يلحق بالأب واُخرى بالاُمّ ، أو باعتبار الحمل وتكوّن الجنين كما كان في قديم الزمان . وظهر أنّ أساس المحور لم يكن الدم ، وإلّا فهو سواء بين الأب والاُمّ ، وإنّما هو تابع للنظم الاجتماعية ، ويقرّه العقل الجمعي من قواعد خاصّة .

(ومسألة الاُسرة في خطورتها تحتلّ الرقم الأوّل في قائمة المسائل الاجتماعية المهمّة لأنّها نواة المجتمع وخليّته الاُولى بعد الفرد، وإنّ المجتمع يتكوّن من مجموع الاُسر، والدائرتان لا تنفصل إحداهما عن الاُخرى ،  فالحديث عنها ليس ترفآ وإنّما حاجة اجتماعية ملحّة تفرضها طبيعة المشاكل العائلية التي
تعيشها مجتمعاتنا اليوم نتيجة ابتعادها عن الأخذ بالتشريع الإسلامي وأنظمته أخذآ كاملا يظلّل الاُسرة في كلّ أجهزتها وأطرافها... والحديث عنها من وجهة نظر إسلامية ليس غريبآ، وإنّما واقع الإسلام في ملائمته لطبيعة الحياة وواقع الإسلام في إعداده كلّ ما تتطلّبه شؤون الحياة من تنظيم ومشاكلها من حلّ بالقدر الذي يتناسب وطبيعتها هو الذي يدفع إلى معالجة القضية على ضوء تشريعاته العادلة ... وبخاصّة حينما يهاجم تشريعنا المقدّس فيغيّر باسم توحيد القانون تمشّيآ مع إيديولوجيات الاستعمار الكافر تحت عنوان (قانون الأحوال الشخصية ) فيملي علينا واجب الدفاع المقدّس عن حقوق الإنسان إبداء رأي الإسلام في أمثال هذا القانون .

وسيلمس القارئ العزيز صواب النظرة الإسلامية في معرفة واقع الاُسرة كوحدة اجتماعية ، وعدالة وحكمة التشريع الإسلامي في تنظيم شؤون الاُسرة من خلال بحوث الكتاب )[4] .

 

أجل : إنّ نظام الاُسرة في الإسلام أكمل وأصلح الأنظمة على الإطلاق ، ومن الجريمة والخطأ الفادح الذي لا يغفر لمن أراد في البلاد الإسلامية والمجتمع الإسلامي أن يجعل القوانين الموضوعة في الأحوال الشخصية بديلا عن الشريعة الإسلامية . فمن يبتغِ غير الإسلام دينآ فلن يقبل منه .

والإسلام العظيم لم يغفل عن أبسط الاُمور وأهونها، فإنّه كيف يغفل عن الاُسرة الزوجية التي تعدّ من أهمّ المؤسسات الاجتماعية في حياة الإنسان ، لما فيها من الدوافع النفسية والطبيعية في تكوينها، وما فيها من خطورة الوظائف
والغايات التي تناط بها وتتوقّف عليها في الحياة الفردية والاجتماعية .

فإنّ الاُسرة تعدّ هي الحجر الأساس والخليّة الاُولى في تكوين المجتمع ، فلو سلمت وصلحت لسلم المجتمع وصلح ، فبقاء المجتمع وصيانته وتماسكه إنّما هو ببقاء الاُسرة وصيانتها وتماسكها، فسعادة المجتمع وتقدّمه وازدهاره وحضارته إنّما هو رهين سلامة الاُسرة وسعادتها. وإنّ أكثر مشاكلنا المعاصرة إنّما هي نتائج الأوضاع المتدهورة في الاُسره . فجذور أكثر المشاكل والأزمات في حياة الفرد والجماعة إنّما ترجع إلى الاُسرة .

(فالاُسرة هي التي تمدّ المجتمع وتموّنه بالأفراد، وسلامة هؤلاء الأفراد ـمن ناحية نفسية وعقلية وجسمية وسلوكية ـ رهينة سلامة الاُسرة وخلوّها من المرض والوراثة السيّئة والتلقّيات الرديئة ومن الانحراف الخلقي والانشطار النفسي ومن أجواء الشقاق والبغضاء لأنّها المحيط الأوّل الذي ينشأ به الفرد، ويتفاعل معه نفسيآ وعاطفيآ وفكريآ، وبه تتبلور شخصيّته وعنه يتلقّى قيم ومبادئ وتقاليد مجتمعه الكبير، ومنه يتعرّف على التشريعات ، والقوانين والضوابط الاجتماعية المختلفة التي تقوم في المجتمع وهو أيضآ الذي يقرّر مدى ارتباطه بها، وموقفه منها، واحترامه لها ـغالبآـ في مستقبل أيامه . لهذا كلّه اهتمّت الشرائع الإلهية ـوفي طليعتها الإسلام ـ والقوانين الوضعية اهتمامآ بالغآ بشؤون الاُسرة .

فشرّعت الأنظمة التي يبتني على أساسها الكيان الاُسري ووضعت التشريعات المختلفة التي تحدّد وفقها حقوق وواجبات أفرادها تجاه بعضهم ، ورصدت الحلول لما قد يعترض حياتها ويكتنفها من أزمات ومشاكل )[5] .

 



فالاُسرة ركيزة المجتمع واللبنة الاُولى في بناء الاُمّة وصرح يقام عليه

المجتمع الإنساني الكبير، ودعامة بناء الاُسرة هو زواج موفّق وناجح يربط بين زوجين أوّلا برباط مكين يمنحهما التفاهم والوئام والاحترام المتبادل ، ويعصمهما من الآثام والمنافرة وجرح المشاعر، وثانيآ تشتدّ الأواصر والعلاقة بينهما بأزاهير تنشر أريج الطفولة في أرجاء المنزل فتملأ قلب الزوجين بشرآ وحبّآ وتفاؤلا بمستقبل زاهر وحياة زوجية سعيدة .

والإنسان مدني بالطبع ، فلا يستطيع أن يعيش منفردآ إلّا الشاذّ، فلا بدّ له من اُسرة يسكن إليها، ويفوح منها عطر السعادة .

وجاء الإسلام ليشرّع ما يصون به البيت ويحمي به البيئة وينظّم المجتمع والجماعة ، فأحاط الاُسرة بسياج منيع من قوّة وتقوى ، وبثّ فيها روح التربية والتعليم ، وأحكم دعائمها بالعلم والدين ، وقوّى بنيانها بالأخلاق والفضائل ، وشرّع لها من القوانين والمثل العليا ما يعصمها من التفكّک والزلل ، فجعل لكلّ عضو من الاُسرة حقّ يقابله واجب ينبغي أن يؤدّيه ، فجعل للزوجين حقوقآ وواجبات ، في خلالها تسير سفينة الحياة في هذا المحيط المنزلي نحو ساحل النجاة ترسو سعيدة بعيدة عن أعاصير الشقاق وأرياح النزاعات والاختلافات .

ولو طبّقنا الإسلام في حياتنا تطبيقآ كاملا لسعدنا حقّ السعادة ، ولا بدّ أن نخرج المثل الإسلامية إلى حيّز الواقع والتطبيق ، فنراعي التعاليم حقّ الرعاية ، ونحيلها إلى سلوک وعمل لإقامة حياة سليمة وعيشة راضية ملؤها العاطفة الهانئة ، وتكوين بيئة متماسكة متفاهمة ، وبناء مجتمع واعٍ وحيٍّ أصيل .

والحقّ يقال : إنّ كثيرآ من المشاكل العائلية التي تنتهي إلى المحاكم إنّما هي نتيجة جهل الناس لأحكام الإسلام وقوانينه الرصينة ، وما جاء بالنظام الاُسروي الناجح ، فلو عرفنا الإسلام وما جاء في مصدر تشريعه ـأي القرآن الكريم والسنّة
الشريفة ـ لسعدنا في حياتنا الفردية والاجتماعية ، ولكان لنا البيت السعيد

والاُسرة السعيدة . فلا بدّ أن نعرف التشريع الإسلامي العائلي . فإنّه مطابق للفطرة السليمة وللعقل السليم ، فإنّ العقل الإسلامي لم يكن متحجّرآ ولا مقيّدآ ولا سطحيآ ولا جامدآ. ومنشأ التشريع الإسلامي هو الوحي والسماء لا القوانين الوضعية البشرية . كما أنّ التشريع الإسلامي قد نسخ الشرائع السماوية والأرضيّة[6]  القديمة  

اُمورآ ثمّ زاد عليها اُمورآ اُخرى ، فهو الدين الكامل في كلّ عصر ومصر.

فالإنسان إنّما يعيش السعادة والطمأنينة في ظلّ الاُسرة التي يحكمها الإسلام ، وفي الاُسرة المسلمة يسكن القلب ويطمئن ، وما أجملها تلک اللحظة التي يعود فيها الأب المسلم إلى بيته وسكنه حيث يلتقي بزوجه وأولاده ، فينسى همومه وأحزانه ، ويغرق في أجواء صافية غنيّة بالعلاقات الإنسانية ، ولا يتوفّر هذا إلّا في الاُسرة الإسلامية التي صحّ إسلامها لصحّة العقيدة والتطبيق الكامل ، وإلّا فإنّ الاُسر باتت مهدّدة بمفاهيم الغرب وقوانينه الوضعية الأرضية ، ووقعت البلايا السوداء في الاُسرة الإسلامية من يوم انخداعهم بمظاهر الغرب الفاتنة ، (وإنّ مئات الملايين من المسلمين من نيجيريا إلى الباكستان إلى أندونيسيا إلى سائر أرجاء المعمورة يرزحون تحت قوانين لا تمتّ إلى الإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد، إنّهم لا يعرفون طعم الإسلام ولا سيرة نبيّه ولا قدسيّة قوانينه ، فقوانين الإسلام عندهم لا تتخطّى أبواب المحاكم الشرعية من زواج أو طلاق ، هذا كلّ ما عندهم عن الإسلام ، ولا يكون الخلاص إلّا بنبذ المفاهيم والثقافات الغربية ، والعودة إلى ينابيع الثقافة والمفاهيم الإسلامية ، وقد بات واضحآ عجز
الفكر البشري عن تقديم منهج يوفّر للإنسان سعادته وإنسانيّته ، ولم يبقَ أمام الإنسان سوى المنهج الإلهي طريقآ للخلاص ، فما يتخبّط فيه من بؤس وضياع ، إنّ الفكر الإلهي الذي أنزله الله من خلال الأنبياء والمتمثّل بالشرائع السماوية التي اُريد لها أن تكون حاكمة على القوانين البشرية الوضعية ، ثمّ كان الفكر الإلهي كاملا متكاملا برسالة أعظم الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمّد بن عبد الله
 9 ليكون هو المنهج الأبدي الذي يوفّر للإنسان الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة ، فيفوز بسعادة الدارين  :

(اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينآ)[7] .

 

فلا حدود للفكر الإلهي طاقةً وزمانآ ومكانآ بخلاف العقل البشري المحدود والعاجز، فالفكر الإلهي يعلّم الإنسان أنّه خلق في أحسن تقويم وأنّ حياته ليست محدودة بما يعيشه على الأرض من أيام ، بل هي ممتدّة عبر الزمان والمكان ، ولقد كان له لقاء مع ربّه في عالم الذرّ وآمن به ولبّى لتوحيده ، فكان في فطرته الاتجاه إلى الله ومنذ الطفولة يتساءل عن ربّه ويبحث عن العلّة ، وإنّه لا بدّ لكلّ سبب من مسبّب ولكلّ مصنوع من صانع ، وكلّ مولود يولد على الفطرة ، إلّا أنّ أبويه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه .

فجاء الإسلام ليصلح الاُسرة ، فإنّ المجتمع الصالح يقوم على الاُسرة الصالحة ، فإنّه يتكوّن من مجموع الاُسر، فإنّ الاُسرة تَصُبُّ في المجتمع .

والإنسان إنّما يتحرّک بدافع من أحد منهجين : المنهج البشري والمنهج الإلهي ، فثمّة قانون الأرض وهو القوانين الوضعية البشرية ، وثمّة قانون السماء
وهو قانون الله سبحانه ، وهذا يعني أنّ الفكر البشري من صنع البشر والفكر الإلهي بوحي من السماء، ولا بدّ للناس من منهج يربّيه ويعلّمه كيف يعيش مع ربّه ونفسه ومع اُسرته ومجتمعه والطبيعة التي هو فيها. والفكر البشري ليطغى حتّى ينكر الله سبحانه . فكيف يحدّد علاقة الإنسان بالله؟ والكلّ يعرف المؤامرات التي تحاک لتفكيک الاُسرة وتدميرها، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية التي بنت حضارتها على المادة ولها حضارة مادية متفوّقة حيث أرسلت سفنها إلى الفضاء الفسيح تجوب في أرجائه المختلفة ، إلّا أنّها عاجزة عن بناء اُسرة واحدة يعيش أبناؤها بسعادة واطمئنان في ظلّ حنان الأبوين ورأفتهما، وما أن تبلغ البنت الثانية عشرة أو الرابعة عشرة في الاُسر التي يسمّونها (محافظة ) حتّى يفتح الآباء الباب ويقولون لها: (أنت حرّة الآن فاخرجي وافعلي ما تريدين ، أنت الآن امرأة ناضجة والقانون يعطيک حرّية التصرّف بكلّ ما يخصّک )، فماذا تكون النتيجة ؟ تخرج البنت وهي في عمر الورود فتلقي بنفسها في خضمّ مجتمع نخره الفساد، فذئاب الشهوات والغرائز المنحرفة في انتظارها، ولن يقدّموا لها رغيف خبز إلّا بثمن من عفّتها وكرامتها، وبعد سنة أو سنتين من تشرّدها، تصبح رقمآ من ملايين الشباب والشابات الذين وقعوا ضحايا الحشيشة والماريجوانا والهيرويين وسائر السموم القاتلة التي تقدّمها دهاليز الدعارة ومافيات المخدرات . هذا حال الأبناء فما هي حالة الآباء؟ إنّهم في دور العجزة لا حول لهم ولا طول ، هذه هي أحوال الاُسرة في أميركا وسائر البلدان التي جحدت بالله والدين والأخلاق ، وقد ارتفعت أصوات علماء الاجتماع صارخة : الغوث الغوث ... ساعدونا في ترميم الاُسرة وإعادة بنائها)
[8] .

 



 

 



[1] ()  الراغب : 13.

[2] ()  الأحزاب : 4.

[3] ()  الأحزاب : 5.

[4] ()  من مقدّمة كتاب (الاُسرة المسلمة )، بقلم عدنان البكّاء: 6.

[5] ()  الاُسرة المسلمة : 11.

[6] ()  إذا أردت تفصيل ذلک فراجع (الاُسرة في الشرع الإسلامي مع لمحة من تأريخ التشريعإلى ظهور الإسلام ) بقلم عمر فرّوخ ، الطبعة الاُولى ، 1951.

[7] ()  المائدة : 3.

[8] ()  اقتباس من (اعلموا أنّي فاطمة ) :10 281.