العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
عناوین المحاضرات احدث ملفات العشوائیة الاکثر مشاهدة

■ الدروس الحوزوية (١٠)
■ المحاضرات الثقافیّة
■ المحاضرات الأخلاقیة
■ المحاضرات العرفانیة
٨٦- نسمة السحر - رمضان ١٤٣٤ هـ (٥٨)
٨٧- خیر من ألف شهر (٤)
٨٩- شرح حدیث عنوان البصري (١١)
٩١- مناجاة الأرواح (٣٠)
٩٢- المعرفة الإلیهیة في لیلة القدر (١٤)
٦٥ - الطرق الی الله (٥)
٦٦ - الشباب في ضیافة الله (١)
٦٧ - یا رفیق من لا رفیق له (٧)
٦٨ - الدعاء في مدرسة الامام الحسین (١٠)
٦٩ - أسرار الحج والزیارة (٨)
٧٠ - الثبات (٢)
٧١ - مع الراغبین (٩)
٧٢ - شوقاَ إلیک (٣٠)
٧٣ - تلک آثارهم (٩)
٧٤ - شرح مناجات الشعبانیّة (٢٦)
٧٥ - في رحاب الزّیارة الرجبیّة (٢)
٧٦ - في رحاب شهر شعبان
٧٧ - العلم الالهامي (٦)
٧٨ - زیارة الامام الحسین (ع) في یوم العرفة (٥)
٧٩ - قد أفلح من زکّاها (٧)
٨٠ - أقرب الطرق الی الله (١)
٨١ - العرفان في مدرسة فاطمة الزهراء(س) (٢)
٨٢ - الصلح مع الله (٤)
٨٣ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ١ (٢٦)
٨٤ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ٢ (١٩)
٨٥ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ٣ (٢٧)
٨٨ - مقاطع - لطائف وفوائد (٢١٥)
٩٤- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٦هـ (١٤)
٩٥- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٧هـ (٣٠)
٩٦- ضیاء العاشقین (٢٥)
١٢٢ - شهود عاشوراء (٢)
١٢٣- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٨هـ (١٥)
١٢٤- القلب و ما أدرک ما القلب! رمضان ١٤٣٨ هـ (١٦)
١٢٨- في رحاب عاشوراء - قناة الفرات (٥)
١٢٩- کيف أکون عبداً لأمير المؤمنين علیه السلام (٣)
■ المحاضرات العقائدیة
٠١- علي المیزان و الصراط المستقیم (٣)
٠٢- الحیاة عقیدة وجهاد (٥)
٠٣- شرح نهج البلاغة (٢٠)
٠٤- في رحاب المعاد (١٠)
٠٥- علي حبه جنة (٣)
٠٦- الإمام و الإمامة (٦)
٠٧- علم الإمام في ليلة القدر (٤)
٠٨- لیلة القدر، لیلة التقادیر الإلهیة (٣)
٠٩- عظمة لیلة القدر وما یستحب من الأعمال فیها (٣)
١٠- الحج قرآئة قرآنية (٢)
١١- الشوق الهائم في سیرة القائم عج (٢)
١٢- طاووسية الإمام المهدي عج (٢)
١٣- عصر الظهور و الدولة الكريمة (٢)
١٤- إزالة الشبهات عن فضائل الزيارات (١)
١٥- الغلو و الغلاة (٢)
١٦- تثبيت العقيدة و ردّ الشبهات (١)
١٧- الولاية التكوينيّة و التشريعيّة (٥)
١٨- ردّ شبهات الوهابيّة ١ (٢٥)
١٩- رد شبهات الوهابيّة ٢ (٢١)
٢٠- أجوبة الشبهات ١ (١٢)
٢١- أجوبة الشبهات ٢ (١٣)
٢٢- أجوبة الشبهات ٣ (١٠)
٢٣- تفسير زيارة عاشوراء ١- محرم ١٤٣١ هـ (١٥)
٢٤- تفسير زيارة عاشوراء ٢- محرم ١٤٣٢ هـ (٣٠)
٢٥- تفسير زيارة عاشوراء ٣- محرم ١٤٣٣ هـ (٢٧)
٢٦- تفسير زيارة عاشوراء ٤ - محرم ١٤٣٤ هـ (٢٨)
٢٧- تفسير زيارة عاشوراء ٥ - محرم ١٤٣٥ هـ (١٠)
٢٩- شرح وتفسیر زیارة عاشوراء ٦ - محرم ١٤٣٦ هـ (٢٣)
٣٠- الرحلة الحسینیة بهدایته ومصباحه وسفینته (١٤)
٣١- شمة من العرفان الإسلامي علی ضوء الثقلین (١٧)
٣٢- کمال المرأة ادواته ووسائله (٩)
١٢١ - وارث الانبیاء (٣)
■ المحاضرات التفسیریة
■ محرم الحرام
■ رمضان الکریم
■ القنوات الفضائیة و المراکز الإسلامیة (٧)
■ القصص الصوتیة (١٠٠)
■ أدعیة و زیارات (٢٣)
■ النعي و اللطمیات (٥)
■ المتفرقات (١٢)
■ مسجد علوی
■ محاضرات في أستراليا (٤)

احدث ملفات

رمضان الکریم » رمضان عام 1434 هـ » إیقاظ النائم في رؤیة الإمام القائم عج - 1 (8)

المدة 00:48:52
11 شهر رمضان عام 1434 هـ مرکز الأبحاث العقائدیة: و من جملة المدعویین للندوات العقائدیة في هذا المرکز سماحة الأستاذ في لیالي 11 و 12 رمضان 1434 هـ تحت عنوان (إیقاظ النائم في رؤیة الإمام القائم عجل الله تعالی فرجه الشریف) في الساعة 11 مساءاً بتوقیت ایران علماً بأنه هاتان المحاضرتان ستبث مباشرة علی الإنترنت في برنامج بالتوک غرفة الغدیر.

بسم الله الرحمن الرحیم

 

إيقاظ النائم في رؤية الإمام القائم ×([1]).

الحمد لله السميع البصير، الهادي المهدي الخبير، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله السّراج المنير سيد الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى وعلى آله سادة الخلق أجمعين، لا سيما بقية الله في الأرضين صاحب الزمان، وقطب عالم الامكان، الإمام الثاني عشر، الحجة القائم المهدي المنتظر #.

أمّا بعد:

فقد قال الله الحكيم في محكم كتابه الكريم ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ (الملك: 30).

من دعاء زمن الغيبة الكبرى:

(اللّهم عرّفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرّفني رسولك فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك، اللّهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم لا تمتني ميتة الجاهلية).

ورد في الحديث النبوي الشريف: قال رسول الله ‘: من لم يعرف امام زمانه مات ميتة الجاهلية ـ ميتة كفر وضلال ونفاق ـ .

إنّ من لم يعرف إمام زمانه بمعرفة عقدّية وإيمانية قلبيّة كمعرفة الله ومعرفة رسوله، فيعرفهُ بالإمامة الخلافة والوصاية لرسول الله ‘، فإنّ الإمامة إمتداد للنّبوة في حفظها وصيانتها وضياعها ونشرها وتبليغها وقيامها بين الناس وتطبيقها في المجتمع، كما أن النبوة إمتداد للتوحيد، فمن لم يعرف إمام زمانه بهذه المعرفة، ولم يرتبط معه برابطة الولاء والموّدة، والإمامة والطاعة، فإنه لم يعمل بوصايا الأنبياء والمرسلين، فضلاً من عمله بوصية الله ربّ العالمين، ولا شك من كان كذلك سيكون موته وميتته ميتة الجاهلية، أي يبتني موته على أساس الجهل والظلمات، دون العقل والعلم والنّور.

ولمّا كان الموت عصارة الحياة ونتيجتها، فمن كان موته جاهليّاً، فإنه لا ريب كانت حياته حينئذٍ كلّها حياة جاهليّة، كما ورد في الخبر النبي الشريف (كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تعيشون([2]).

وإذا كانت حياته ومعيشته جاهلية، فإنّ لازمه أن تكون نواحي حياته وشؤونها وجوانبها كلّها في دائرة الجهالة والضلالة.

ولا شك أنّ الجهل من الظلمات.  ـ كما في حديث جنود العقل وجنود الجهل ـ فتكون حياته حينئذ حياة ظلمانية لا نور فيها، فيتخبط في الجهل والظلمات، ولم يكن له نوراً فما له من هادٍ. حتى آخر مرحلة من مراحل حياته، وبطبيعة الحال سيموت جاهلاً ، ولا يمكن أن تكون حياته حياة معقولة، وبطابع نوري ووضوح في التصرفات والحركة والسكون والإقدام والاحجام، فإن العقل خلقه الله من النور.

ومن لم تكن حياته نورية وعقلانية كان موته موت الجاهلية، فإن الموت الجاهلي ثمرة الحياة الجاهلية اللّامعقولة، ومن كانت حياته معقولة ـ والعقل ما عُبد به الرحمن وأُكتسب به الجنان ـ فإنّه لا مجالة تكون ثمرة حياته، أي موته موتاً عقلانياً ونورياً، ويكون قيامته حينئذ ـ وإذا مات المرء قامت قيامته ـ قيامة نورية، فنوره في قبره وبرزخه ويوم الحشر يسعى بين يديه، حتى يأخذه إلى بطنان الجنان، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في ظل عرش الله سبحانه.

فحياة القيامة الأبدية (لدَار الحيوان) ان هي إلّا نتيجة الموت، والموت نتيجة الحياة الدنيوية والميزان  فالمقياس حينئذ في الحياة الجاهلية والعقلانية، إنّما هو الموت، فإنه حلقة وصل بين النشأتين والحياتين، بين الدنيا والآخرة.

ثم من لم يعرف إمام زمانه حقّ المعرفة في عصر الغيبة الكبرى، فإنه لا يكون منتظراً لظهوره وقيامه وإصلاحه، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ومن علائم الحياة الجاهلية أن لا يكون الإنسان بإنتظار المصلح الحقيقي والواقعي للأرض ليملأها قسطاً وعدلاً، فحياة العلم والعقل والإيمان، إنما يتّم بمعرفة إمام الزمان ×.

تنبيه هام جداً:

يمكن أن يكون المرء في ظاهر حياته يعيش أجواء إيمانيّة، كأن يصلّي ويصوم ويتلو القرآن الكريم، ويكون في المسجد النبوي الشريف معتكفاً، وفي محراب الرسول الأعظم مصّلياً، وعلى منبره خطيباً، إلّا أنّ حياته حياة جاهلية وظلال ونفاق وكفر، فإن الظلال والكفر والنفاق كلّه من الجهل، فظاهر حياته في عبادة الله وفي مظاهر إيمانيّة ، إلّا أنّ حياته حياة جاهلية، لعدم معرفة إمام زمانه، كما أشارت إلى ذلك سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء’ في خطبتها الفدكية([3])  في إحتجاجها على القوم الّذين غصبوا الخلافة، وأزاحوا إمام الحق عن مرتبته، وجلسوا في غير مجلسهم ظلماً وجوراً وغصباً، فإحتجّت عليهم بقوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ (المائدة: 50).

إذن: من لم يعرف إمام زمانه ولم ينتظر ظهوره في غيبته الكبرى، كانت حياته حياة جاهلية وظلمانيّة، ونتيجة حياته أن يكون موته موت الجاهلية.

وأما من عرف إمام زمانه، وكان بإنتظار عدله وإصلاحه، وعلم أنّه هو الشاهد على أعماله وسلوكه، وأنه مظهر لقوله تعالى ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ (الرعد: 33) فلا جرم كان منتظراً لقدومه المبارك ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ومعنى إنتظاره الإيجابي أنه يعمل على ضوء إرادته وطاعته، والتي هي العمل بالشريعة الإسلامية المقدّسة في ظل مذهب أهل البيت^.

وبهذا كان مودّته وولاءه لمولاه وإطاعته المطلقة لإمامته وإمام زمانه، فكانت حياته ومماته على ضوء العقلانية، وومسارهُ مسار النور من دون جهل وظلمات.

تمهيد ومقدمات: وقبل الدّخول في صُلب الموضوع لا بأس بذكر مقدمات، لنكون على بصيرة من أمرنا، وهي كما يلي: ـ

1 ـ إنّ أول ما خلق الله العقل،  وإنّه خلقه من نوره ومن يمين عرشه، وجعله مقياساً للثواب والعقاب، وزوّده بلطفه سبعين جندياً، كما خلق ضدّه وهو الجهل، فإنّ الله ليس كمثله شيء، ولا ضد له، ولا ندّ له، وما سواه فله الندّ والضّد، فخلق ضد العقل وندّه الجهل من الظلمات وبعدله زوّده بسبعين جندياً كذلك ، ومنذ خلقتهما وإبتلاء الإنسان بهما، بدء الصراع بينهما في داخل الإنسان، فكان في عقائده وأخلاقه وسلوكه بين غلبة العقل تارة، وغلبة الجهل أخرى، فإنقسم الناس بالنسبة إلى العقل والجهل إلى صنفين، فمنهم عاقل ومنهم الجاهل، كما كانت الحياة الدنيويّة حلبة الصّراع بين الحياة الجاهلية والحياة العقلانيّة.

ومن جنود العقل العلم، ويقابله الجهل بمعناه الخاص الذي هو ضد العلم، فالجهل يطلق تارة ويراد منه ما يقابله العلم، وأخرى ما يقابل العقل، ورب عالم يكون جاهلاً بالمعنى الثاني لغلبة جنود الجهل عليه، كأن يكون متكبّراً ومغروراً بعلمه، فإن الكبر والتكبّر من جنود الجهل، كما إنّ التواضع من جنود العقل، أو يكون مرائياً في عمله، والرّياء من جنود الجهل، كما أن الإخلاص من جنود العقل؟ أو يكون عالماً خائناً، فيكون جاهلاً، فإنّ الخيانة من جنود الجهل، والأمانة من جنود العقل، وهكذا الأمر في باقي الموارد.

2 ـ قال أمير المؤمنين× في نهجه البليغ: (الجاهل أما مفرط أو مفرّط)، فإنّه من العقل السليم أخذ الحدّ الوسط والفضيلة بين طرفيها من الافراط والتفريط، فإنّهما من الجهل المذموم عقلاً وشرعاً وعقلائياً، فالجاهل أما أن يكون مقصراً، وهذا من التفريط، وأما أن يكون مغالياً، وهذا من الإفراط، وعن أئمتنا الأطهار^: نحن النمرقة الوسطى بنا يلحق التالي وإلينا يرجع الغالي.

وفي الصلوات الشعبانية: (اللهم صل على محمد وآل محمد الفُلك الجارية في اللّجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق([4])كما ورد هذا المعنى في زيارة الجامعة الكبرى (فالراغب عنكم مارق، والّلازم لكم لاحق، والمقصّر في حقكم زاهق،والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم، وأنتم أهله ومعدنه...).

3 ـ ربّ عالم قتله جلُكم، فإنّه يدعي بما ليس فيه، وروي عن أمير المؤمنين× قال: (من قال أنا عالم فهو جاهل) وانّه من قال أنا أعلم فهو أجهل بما يعلم، والإنسان مهما بلغ من العلم، فإنه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وألحقني بالصالحين، وكما قال بعض العلماء الأعلام وأساتذتنا العظام، لو وضعت جهلي تحت قدمي. أي لوضعت مجهولاتي وما أجهله تحت قدمي لنطح رأسي السّحاب، كناية عن كثرة جهله، وأقول: بل لنطح رؤوسنا السّماء السابعة وما فوقها، إلا إن العلم لو بقي الإنسان فيه، ولم يخرق حجابه النوري، لكان الحجاب الأكبر، فإنّ السالك إلى الله لابّد له من العلم أولاً، إلّا أنه العلم حجاب نوري، فلابّد أن يخترقه إلى حجاب نوري آخر، كالإيمان القلبي بعقد العلم فيه، ثم يخترق هذا الحجاب كذلك إلى اليقين والأطمئنان القلبي ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ثم يخرق ذلك ليصل إلى مقام الشهود وقرب النوافل (حتى أكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به) وهكذا يخرق الحجب النورية التي ورد في الحديث الشريف: انها سبعين ألف حجاب، وتسعين ألف حجاب، وذلك بعد أن يخرق حجب الظلمات من حبّ الدنيا، فإنها رأس كل خطيئة، ومن الأنانية وحبّ النفس الأمارة بالسّوء، فربّ عالم بالمصطلحات العلمية محّباً لدنياه ومغلوباً لهواه، فإنه يعيش الحياة الجاهلية وفي الظلمات ، فضلاً عن أنه يخرق حجب النور حتى يصل إلى معدن العظمة.

ومثال خرق الحجب النّورية: كمن ينظر إلى حوض فيه صورة القمر، ونوره المنعكسة من المرآة التي وقع فيها صورة القمر ونوره، المنعكس من نور الشمس عليه، فمن نور القمر في الحوض يصل إلى نور القمر في المرآة، ثم إلى نور القمر في القمر ، ثم إلى نور الشمس التي نورها من ذاتها، وكذلك الحجب النورية في أسماء الله وصفاته، إلى أن يصل إلى نور الأنوار، وغيب الغيب، ومقام الأحدية واللّاهوتية، بعد خرق الحجب في العالم الملكوتي، وهو في عالم أفعال الله، والعالم الجبروتي وهو في عالم الصفات الإلهية،و مقام الواحدية.

وفي المناجاة الشعبانية لأئمتنا الأطهار^: (إلهي هب لي كمال الإنقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حُجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك) ([5]).

فمن العلماء من يبتلى بعلمه، ويبقى مدهوشاً بمعلوماته كما يندهش بصورة القمر في الحوض ولا ينتقل إلى مصدر ذلك، كالمرآة المنطبعة فيها صورة القمر. فهذا من يقتله جهله بالمقامات النورية الأخرى، التي هي الأعلى، فتدبّر.

ثم لا يخفى إنّ من علماء الدّنيا في عصرنا هذا، من تغلّبت عليه العقلائية العلمانية، لتأثره بأفكار العلمانيين ومن يدور من حوله من المثقفين، أي المتغرّبين المتأثرين بالحضارة والمدنيّة الأمريكية والأوروبية، فتنعدم أو تضعف عنده العقلانية الدينيّة، والحوزويّة ، فينكر الثوابت الدينية أو المذهبيّة ظنّاً منه،  أنّه بهذا نصر الدين والمذهب .

4 ـ إنّ العقل هو الحجة الباطنية لله سبحانه، فإنّ الله سبحانه يحتّج على الإنسان بعقله، الذي قد تميّز به عن جميع المخلوقات، كما شُرّف به عنها، كما يحتّج عليه بعضيد العقل، وبالحجة الظاهرية، أي بالوحي وبكتبه وأنبياءه ورسله وأوصيائهم، وورثتهم من العلماء الصالحين، ولله الحجّة البالغة.

فما يدلك على صحة الدّعوى وبطلانها، في مقام إثبات الدّعوى وإنكارها هو العقل، والذي يسمى بالدليل أو البرهان العقلي.

ويستدل بالعقل في إثبات الدعوى ونفيها في مقامين:

الأول: في مقام الثبوت: ويتعلّق  بالإمكان الذاتي في تحقق ووقوع الممكن وعدمه، من حيث إمكانه الذّاتي، فإنّ الممكن ما كان متساوي الطرفين في الوجود والعدم، ويقابله واجب الوجود لذاته كالباري سبحانه، وممتنع الوجود لذاته كشريك الباري.

فالباحث في أيّ موضوع وقضية ودعوى، يبحث أولاً عن إمكانة الذاتي، بأنّه هل هو ممكن وقوعه وتحققه في الخارج ذاتاً، من جهة وجود المقتضي وعدم المانع أو غير ممكن؟ والحُّجة العقلية في هذا المقام تسمى بالعقل الميزاني ، والذي يكون بين الوجود والعدم، ككفتي الميزان.

الثاني: في مقام الإثبات: ويترتب هذا على المقام الأول، بعد ثبوت الإمكان الذاتي، بأنّه لو كان ممكناً ذاتاً فهل وقع في الخارج كذلك أو لم يقع ، فيقع الكلام في إمكانة الوقوعي بعد إمكانه الذاتي، والعقل في هذا المقام يسمّى بالعقل الآلي والطريقي.

وإنما يُستدل على الإمكان الوقوعي أولاً، بوقوعه وتحققه في الخارج، كما يقال: أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، وأُخرى بالأدلة الظاهرة، من النّقليات كالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة بالنسبة لعقائد المسلمين.

5 ـ النظر والرؤية والمشاهدة من المعاني الإضافية، وإنّ كلّ منها رابط بين فاعل ومفعول، فالنّظر بين الناظر والمنظور، والرؤية بين الرائي والموئي، والشهود بين الشاهد والمشهود، وكل منها في الإنسان تارة يتعلق بجسده، وأُخرى بروحه، فالرّؤية تكون بالجسد، وبالعين والبصر، فهذه نظرة ومشاهدة ورؤية بصيريّة، تتعلق بالظواهر والمحسوسات البصريّة، يشترك فيها الإنسان والحيوان.

وأما الرؤية والمشاهدة التي تتعلق بالروح الإنسانية وبقلبه المعنوي، فإنّ في قلب المؤمن عينان يبصران بهما ملكوت الدنيا والآخرة، وتسمى بالرؤية القلبية، كما سمى بالبصيرة النافذة ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق : 22).

والرؤية البصريّة تتوقف إلى سلامة البصر، فإنّ العين من أدوات والآت العلوم والمعرفة، كما أنّ الرؤية البصيرتيّة والقلبية متوقفة على سلامة الروح والقلب من الذنوب والرذائل ومذام الأفعال، وربّ ذي بصر لا بصيرة له فهو أعمى القلب، ورب بصير القلب لا بصر له فهو أعمى العين، فبينهما عموم من وجه ، فرُبّ مبصر بصير، ورب أعمى العين وأعمى القلب، ورب أعمى القلب دون البصر، وربما أعمى البصر دون القلب.

ورب ذي بصر لا بصيرة له، فيكون كالأنعام بل أضل، فإنه يرى الظاهر كما ترى الأنعام، ذلك إلّا أنه لا يرى الحقائق فكان غافلاً، فيعيش الظلال والجهالة حياةً وموتاً ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾(الاعراف: 179).

والرؤية القلبية توجب المعرفة والنّجاة والتّكامل ورفع الدرجات في الدنيا والآخرة.

6 ـ إن أصحاب النبي الأعظم‘ منهم من كان يرى النبي برؤية البصر دون البصيرة، ومنهم من رآه بالبصيرة دون البصر، كأويس القرني (رضوان الله تعالى عليه) فإنّه لم ير النبي ببصره كما في قصته المعروفة وقدومه للمدينة المنورة شوقاً لرؤية حبيبه المصطفى‘، إلّا أنه لم يتوفق لذلك، وقال رسول الله‘ إني أشم رائحة الجنة من اليمين عند دخول المدينة، وقد خرج أويس القرني منها.

وهذه الرؤية القلبية هي التي توجب رؤية الحقيقة وان الوصي من بعد رسول الله بلا فصل هو أمير المؤمنين×، فإنّ علي مع الحق والحق مع علي أينما دار ويدور، فعرف أُويس القرني نبيه وإمام زمانه ، فكان معه في ركابه في حرب صفين حتى فاز بالشهادة بين يدي إمام زمانه أمير المؤمنين علي×، ولكن غيره ممّن رأى رسول الله‘ ببصره ليلاً ونهاراً إلّا أنه منهم من غصب الخلافة ومنهم من نكث البيعة، وجار في الحكم، ومرق عن الدين، فحاربوا أمير المؤمنين علي× ، وذلك عدم رؤيتهم القلبية لرسول الله محمد‘، فالعمدة في الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، هي الرؤية القلبية، لا المشاهدة البصريّة.

7 ـ إن رؤية ومشاهدة الإمام الغائب× تارة تكون بالبصر وعين الرأس، لمن كان سالماً في حاسّة البصر، وأُخرى تكون بالبصيرة ورؤية القلب، والعمدة في معرفة صاحب الزمان× هو الثاني وإن كان الأول مطلوباً في ذاته أيضاً، ويعدّ شرفاً إلّا أن الفوز والنجاة بالثاني دون الأول، كما مثلّنا بأويس القرني، وصحابة النبي’ ، وقال الإمام الكاظم في ولده المهدي×: (غائب عن الأبصار، وذكره في القلوب).

8ـ لقد ورد في أحاديث أهل البيت^ : أن القلب حرم الله وعرش الرحمن، وإنما يستخلف الله في حرمه وعرشه هو خليفته ووليّه الأعظم، بقية الله وصاحب العصر والزمان×.

فمن كان ذكر خليفة الله وإمام زمانه في قلبه، كان يراه دائماً حاضراً برؤية قلبية ولا يغفل عنه، ولا ينساه. كما يرى الله سبحانه بقلبه بحقية الإيمان، كما ورد عن أمير المؤمنين ×: (أنّه تراه القلوب التي في الصدور وبحقائق الإيمان).

والذكر حضور المذكور عند الذاكر، فمن كان قلبه حرم الله وعرشه، فإنّه لا محالة كان ذكر وليّه وحجته حاضراً في قلبه.

9ـ لإمام زماننا# غيبتان : الصغرى : ومدّتها سبعون سنة تقريباً ، وكان الرابط آنذاك بين الإمام وبين شيعته والموالين هم السفراء الأربعة،  وكانت بداية الغيبة الصغرى سنة 260 هـ وعمر الإمام × آنذاك خمس سنوات، وأما السفراء الأربعة فهم:

1ـ الشيخ الثقة الجليل عثمان بن سعيد العمري: تولّى السفارة خمس سنوات ، كما تولّى إبنه محمد أربعين سنة ([6])، فكان وفاة الوالد 265 هـ  والولد سنة 305 هـ .

2 ـ الشيخ الثقة الجليل محمد بن عثمان العمري: قال الإمام العسكري× لبعض أصحابه: العمري وإبنه ثقتان، فما أدّيا فعني يؤديان([7])...

3ـ الشيخ الثقة الجليل الحسين بن روح النوبختي: مدّة سفارته واحدة وعشرون سنة، توفي 326 هـ.

4 ـ الشيخ الثقة الجليل  علي بن محمد السّمرُي([8]): مدة سفارته ثلاثة أعوام، فتكون مدة الغيبة الصغرى على التحديد تسعاً وستين عاماً وستة أشهر خمسة وعشرون يوماً.

وتوفي السمري سنة 3029 هجرية في علم الله سبحانه، وقد غاب شخصه ولم يغب وجوده وشخصيته، ومن هنا بدءت الغيبة الكبرى إلى ما ولامامته وحجّيته على الخلائق فهو كالشمس وراء السّحاب، وهو حجة الله على الخلائق والأمم، وإمام المسلمين. وشيعة أمير المؤمنين علي×، بيمنه رُزق الورى وبوجوده ثبت الأرض والسّماء، يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

زبدة المخاض:

هل يمكن في زمن الغيبة الكبرى أن يُرى صاحب العصر والزمان× برؤية ومشاهدة بصريّة، وبعين الرأس ؟ من الناس من أنكر ذلك مطلقاً، وهو من الشاذ النادر كاد أن يكون كالمعدوم كالمتأثر بالعقلانية العلمانية والحضارة الغربيّة ، وأمّا المشهور وممّا أجمع عليه الأصحاب وعلمائنا الأعلام، منذ بداية زمن الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا، فقد أثبتوا ذلك بالحجج والبراهين  القاطعة؛ كما هو المختار، فدع الشاذ النادر وخذ ما اشتهر بين أصحابك.

وحان الوقت أن ندخل في صلب الموضوع لإيقاظ النائم وإثبات رؤية الإمام القائم # ومن الله التوفيق والتسديد.



[1]  . مادة أوّلية لمحاظرات عقائدية ألقاها الكاتب في مركز الأبحاث العقائدية في قم المقدسة في ليلة الحادي عشرة والثانية عشرة وفي صحن صاحب الزمان  السيدة المعصومة  ليلة الثالث عشرفي  شهر رمضان المبارك سنة 1434 هـ ق.

[2]  . عوالي اللألئي 4:72.

[3]  . البحار: 29: 220.

[4]  . مفاتيح الجنان: أعمال شهر شعبان: 261.

[5]  . مفاتيح الجنان: أعمال شهر شعبان: 261.

[6]  . الغيبة: 219.

[7]  . تاريخ الغيبة الصغرى: 404.

[8]  . أبو الحسن علي بن محمد السّمري أو السيمري أو الصيمري، والمهشور جداً هو الأوّل مضبوطاً بفتح السين والميم معاً، والآخرين مضبطوين بفتح أوّلهما وسكون الياء وفتح الميم، وربّما قيل بالضم أيضاً. (تاريخ الغيبة الصغرى: 412).

ارسال الأسئلة