العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
عناوین المحاضرات احدث ملفات العشوائیة الاکثر مشاهدة

■ الدروس الحوزوية (١٠)
■ المحاضرات الثقافیّة
■ المحاضرات الأخلاقیة
■ المحاضرات العرفانیة
٨٦- نسمة السحر - رمضان ١٤٣٤ هـ (٥٨)
٨٧- خیر من ألف شهر (٤)
٨٩- شرح حدیث عنوان البصري (١١)
٩١- مناجاة الأرواح (٣٠)
٩٢- المعرفة الإلیهیة في لیلة القدر (١٤)
٦٥ - الطرق الی الله (٥)
٦٦ - الشباب في ضیافة الله (١)
٦٧ - یا رفیق من لا رفیق له (٧)
٦٨ - الدعاء في مدرسة الامام الحسین (١٠)
٦٩ - أسرار الحج والزیارة (٨)
٧٠ - الثبات (٢)
٧١ - مع الراغبین (٩)
٧٢ - شوقاَ إلیک (٣٠)
٧٣ - تلک آثارهم (٩)
٧٤ - شرح مناجات الشعبانیّة (٢٦)
٧٥ - في رحاب الزّیارة الرجبیّة (٢)
٧٦ - في رحاب شهر شعبان
٧٧ - العلم الالهامي (٦)
٧٨ - زیارة الامام الحسین (ع) في یوم العرفة (٥)
٧٩ - قد أفلح من زکّاها (٧)
٨٠ - أقرب الطرق الی الله (١)
٨١ - العرفان في مدرسة فاطمة الزهراء(س) (٢)
٨٢ - الصلح مع الله (٤)
٨٣ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ١ (٢٦)
٨٤ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ٢ (١٩)
٨٥ - تفسیر سورة یوسف (ع) - ٣ (٢٧)
٨٨ - مقاطع - لطائف وفوائد (٢١٥)
٩٤- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٦هـ (١٤)
٩٥- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٧هـ (٣٠)
٩٦- ضیاء العاشقین (٢٥)
١٢٢ - شهود عاشوراء (٢)
١٢٣- نسمات رحمانیة - رمضان ١٤٣٨هـ (١٥)
١٢٤- القلب و ما أدرک ما القلب! رمضان ١٤٣٨ هـ (١٦)
١٢٨- في رحاب عاشوراء - قناة الفرات (٥)
١٢٩- کيف أکون عبداً لأمير المؤمنين علیه السلام (٣)
■ المحاضرات العقائدیة
٠١- علي المیزان و الصراط المستقیم (٣)
٠٢- الحیاة عقیدة وجهاد (٥)
٠٣- شرح نهج البلاغة (٢٠)
٠٤- في رحاب المعاد (١٠)
٠٥- علي حبه جنة (٣)
٠٦- الإمام و الإمامة (٦)
٠٧- علم الإمام في ليلة القدر (٤)
٠٨- لیلة القدر، لیلة التقادیر الإلهیة (٣)
٠٩- عظمة لیلة القدر وما یستحب من الأعمال فیها (٣)
١٠- الحج قرآئة قرآنية (٢)
١١- الشوق الهائم في سیرة القائم عج (٢)
١٢- طاووسية الإمام المهدي عج (٢)
١٣- عصر الظهور و الدولة الكريمة (٢)
١٤- إزالة الشبهات عن فضائل الزيارات (١)
١٥- الغلو و الغلاة (٢)
١٦- تثبيت العقيدة و ردّ الشبهات (١)
١٧- الولاية التكوينيّة و التشريعيّة (٥)
١٨- ردّ شبهات الوهابيّة ١ (٢٥)
١٩- رد شبهات الوهابيّة ٢ (٢١)
٢٠- أجوبة الشبهات ١ (١٢)
٢١- أجوبة الشبهات ٢ (١٣)
٢٢- أجوبة الشبهات ٣ (١٠)
٢٣- تفسير زيارة عاشوراء ١- محرم ١٤٣١ هـ (١٥)
٢٤- تفسير زيارة عاشوراء ٢- محرم ١٤٣٢ هـ (٣٠)
٢٥- تفسير زيارة عاشوراء ٣- محرم ١٤٣٣ هـ (٢٧)
٢٦- تفسير زيارة عاشوراء ٤ - محرم ١٤٣٤ هـ (٢٨)
٢٧- تفسير زيارة عاشوراء ٥ - محرم ١٤٣٥ هـ (١٠)
٢٩- شرح وتفسیر زیارة عاشوراء ٦ - محرم ١٤٣٦ هـ (٢٣)
٣٠- الرحلة الحسینیة بهدایته ومصباحه وسفینته (١٤)
٣١- شمة من العرفان الإسلامي علی ضوء الثقلین (١٧)
٣٢- کمال المرأة ادواته ووسائله (٩)
١٢١ - وارث الانبیاء (٣)
■ المحاضرات التفسیریة
■ محرم الحرام
■ رمضان الکریم
■ القنوات الفضائیة و المراکز الإسلامیة (٧)
■ القصص الصوتیة (١٠٠)
■ أدعیة و زیارات (٢٣)
■ النعي و اللطمیات (٥)
■ المتفرقات (١٢)
■ مسجد علوی
■ محاضرات في أستراليا (٤)

احدث ملفات

العشوائیة

رمضان الکریم » رمضان عام 1434 هـ » إیقاظ النائم في رؤیة الإمام القائم عج - 3 (10)

المدة 00:45
13 شهر رمضان عام 1434 هـ شهر رمضان شهر الصيام حرم السیدة المعصومة (سلام الله علیها) محاضرات عقائدیة وأخلاقیة وبحوث في العرفان الإسلامي علی ضوء القرآن الکریم و مدرسة أهل البیت علیهم السلام لسماحة آية الله الأستاذ السيد عادل العلوي

عطفاً على ما سبق:

خلاصة ما ذكر: إن هناك من الأعلام من يرى التعارض بين الخبر والتوقيع الشريف وبين الأخبار والقصص المتواتر القطعيّة الدّالة على وقوع الرؤية البصرية وتشرف اللقاء ومعرفة صاحب الزمان×.

وبطبيعة الحال مع وجود التعارض، أمّا أن يقال بالجمع بينهما، كما هو المعروف، أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، فيجمع بجمع عرفي إذا كان من العام والخاص والمطلق والمقيّد، بحمل العام على الخاص والمطلق على المقيّد، أو بجمع تبرعي من قبل الفقيه نفسه، إذا كان له شاهد من الكتاب أو السنة أو العقل، وإن لم يمكن الجمع فيرجع أولاً إلى الأخبار العلاجيّة من الأخذ بالمرجحات الداخلية والخارجية، فيؤخذ بما هو الأرجح، وإن كان التكافئ والتساوي بين الخبرين المتعارضين فيقال حينئذ إمّا بالتساقط والرجوع إلى العموم الفوقاني أو الأصل العملي، أو يقال بالتخيير الابتدائي، على إختلاف المباني في أصول الفقه.

وفي المقام من قال بالتّعارض، فإنه قدّم الأخبار المتواترة، وذلك للمناقشة في سند التوقيع الشريف، بكونه مرسلاً وضعيفاً وأعراض الأصحاب عنه، أو المناقشة في الدّلالة، بأنّ المراد من المشاهدة إدّعاء السّفارة والوكالة الخاصة بقرينة سياق الكلام أو الإنصراف، وليس مطلق المشاهدة.

وقد ذكروا وجوهاً أخرى لدفع التعارض منها:

ما ذكره المحدث النوري+ في جنّة المأوى([1]).

الثالث: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء: قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني: فقلت للسيد شمس الدين... يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث عن صاحب الأمر× إنّه قال: لمّا أمر بالغيبة الكبرى: من رأني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟ فقال: صدقت إنّه× إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته، وغيرهم من فراعنة بني العبّاس، حتى أن الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدث بذكره، وفي هذا الزمان تطاولت المدة وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعنائهم الحكاية (البحار: 52: 151 باب من أدّعى الرؤية في الغيبة الكبرى) قال المحدث النوري: وهذا الوجه كما تى يجري في كثير من بلاد أوليائه^.

أقول: وعبارته هذه أشار إلى إمكان وقوع رؤيته في البلاد الشيعية الموالية لأهل البيت^، وأمّا جزيرة الخضراء وما فيها وإحتمال أن تكون هي جزيرة برمودا، فأقول فيها ما قال الشيخ الرئيس ابن سينا: (كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتى تجد له دليلاً) فلا استحالة في ذلك، وأذره حينئذ في بقعة الإمكان، فيمكن أن تكون مثل هذه الجزيرة، إلا انه ليس له دليل يعتمد عليه حتى أقرّ بها، والله العالم، ولكن توجيه الرؤية مع ما ذكره من الأحاديث المرويّة عن صاحب الزمان×، ولا يخفى ان المروي فعلاً هو حديث واحد وهو التوقيع الشريف الذي علمت ما فيه من المناقشات في السند والدلالة، كما فيه ذلك إدعى المشاهدة فهو كذّاب مفتر وليس فيه (من رآني بعد غيبتي فقد كذب)  فربما نقل ذلك بالمعنى، وأي كان فالمقصود أنه إنّما وصف من يدعي المشاهدة بالكذب والإفتراء في زمان خاص، كزمان التقية والخوف من كثرة الأعداء، ولكن عند إرتفاع التّقية وتحققّ الأمن والأمان، فلا مانع من الرؤية، فيكون حكم المنع تابع لموضوع خاص ، وإذا ارتفع الموضوع ارتفع الحكم ، فتأمل.

منها: ما ذكره المحدث النوري أيضاً فقال:

الرابع: ما ذكره العلامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد ذكر التوقيعات (البحار: 53: 174 ـ 178) المشهورة الصادرة منه × في حقّه ـ أي في حق الشيخ المفيد وهي ثلاث توقيعات ـ ما لفظه: وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المبلّغ ـ أي البريد والساعي. أو الذي بلّغ التوقيع من الناحية المقدسة ـ ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى.

ويمكن دفعه: بإحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، وإشتمال التوقيع على الملاحم والأخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأنّ المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام×، ويعلم أنه الحجة × حال مشاهدته له ولم يعلم من المبّلغ أدّعاؤه لذلك.

أقول: فهذا يعني أنّه رأى الإمام × وأخذ منه التوقيع لإيصاله إلى أهله، وكان يعرف انه إمام زمانه وحجة الله. إلّا أنه في بلاغه لم يدّعِ ذلك، أو لم يعلم منه ادعاؤه لذلك، فلا منافاة حينئذٍ بين وقوع الرؤية البصرية في زمن الغيبة الكبرى. وبين التوقيع الدال على أن مدّعي المشاهدة كذّاب مفتر.

ثم قال المحدث النوري: وقال & ـ أي العلامة الطباطبائي+ ـ في فوائده في مسألة الإجماع، بعد إشتراط دخول كلّ من لا نعرفه ـ ولو كان من نفرين نعرف أحدهما ونجهل الآخر فهذا ما يسمى بالإجماع التعبدي الكاشف من قول المعصوم× بالحدس أو اللطف أو الوجوه الأخرى المذكورة في علم أصول الفقه ـ وربما يحصل هذا الإجماع التعبّدي لبعض حفظة الأسرار من العلماء الابرار العلم بقول الإمام× بعينه على وجه لا ينافي إمتناع الرؤية في مدة الغيبة الكبرى، فلا يسعه التّصريح من جهة هذا المتشرف بلقاءه, كما ينقل ذلك عن السيد مهدي بحر العلوم، وإنّه لو إدّعى الاجماع يقبل منة بنسبة القول إليه× مباشرة ـ فيبرزه في صورة الإجماع، جمعاً بين الأمر باظهار الحقّ، والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق. انتهى كلامه ـ

أقول: ورد من الناحية المقدسة توقيعات لشيخنا المفيد + منها:  ما ورد في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمأة، ذكر موصله أنه تحمله من ناحية متصلة بالحجاز نسخته: (للأخ السديد والولي الرشيد ، الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستوع العهد المأخوذ على العباد. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا نبينا محمد وآله الطاهرين، ونعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصدق، أنّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة وتكليفك ما تؤديه عنّا إلى موالينا قبلك، أعزّهم الله بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته ... إلى أن يقول×: إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللاداء ـ أي الشدّة ـ واصطلكم الأعداء، فاتقوا الله جلّ جلاله...) ([2]).

ومنها:  ـ من الوجوه في دفع المعارضة بين التوقيع والأخبار الدالة على الرؤية ـ كما ذكره المحدث النوري في جنّته فقال:

الخامس: ما ذكره العلامة الطباطبائي & في الفوائد أيضاً بقوله: وقد يمنع أيضاً، امتناعه في شأن ـ أي إنما يقال بامتناع الرؤية لا للخواص، فإن هناك من الخواص من يتشرّف بلقاءه فيمنع امتناع الرؤية في شأن الخواص ـ وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار ودلالة بعض الآثار.

ولعل مراده بالآثار الوقائع المذكورة هنا وفي البحار ـ أي القصص والحكايات المتواترة والقطعية الدالة على الرؤية في زمن الغيبة الكبرى ـ أو خصوص ما رواه الكليني في الكافي والنعماني في غيبته والشيخ الطوسي في غيبته بأسانيدهم المعتبرة ـ كما مرّ بالتفصيل في بيان طوائف من الاخبار المعارضة للتوقيع الشريف، فورد عن الإمام الصادق أبي عبد الله× ـ أنه قال: لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبته، ولابدّ له في غيبته من عُزلة، ما بثلاثين من وحشة (الكافي: 1: 340 وغيبة النعماني: 99 وغيبة الشيخ: 111) وقد ذكره المجلسي رضوان الله عليه في ج52 ص153 و157 وقال: يدل على كونه× غالباً في المدينة وحواليها، وعلى أن معه ثلاثين من مواليه وخواصّه، إن مات أحدهم قام آخر مقامه).

وظاهر الخبر كما صرّح به شّراح الحديث: أنه× يستأنس بثلاثين من أوليائه في غيبته.

وقيل: إن المراد من الثلاثين ـ أنه على هيئة من سنّه ثلاثون أبداً، وما في هذا السن وحشة، وهذا المعنى بمكان من البعد والغرابة.

وهذه الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام× في غيبته، لابدّ أن يتبادلوا في كل قرن، إذ لم يقدّر لهم من العمر ما قدر لسيّدهم×، ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً وليّاً يتشرفون بلقائه.

ثم المحدث + يستشهد بأخبار اخرى فيقول: وفي خبر علي بن إبراهيم بن مهزيار الاهوازي المروي في إكمال الدين وغيبة الشيخ ـ ونقله المجلسي+ في ج2، ص9 و32 فراجع ـ ومسند فاطمة’ لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري وفي لفظ الأخير أنه قال له الفتى الذي لقيه عند باب الكعبة وأوصله إلى الإمام×: ما الذي تريد يا أبا الحسن: قال: الإمام المحجوب عن القائم، قال: ما هو محجوب عنكم ، ولكن حجبه سوء أعمالكم، الخبر.

وفيه اشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه×، وهو من الأوتاد أو من الأبدال في الكلام المتقدّم عن الكفعمي&.

ثم يشير المحدث مرة أخرى إلى مسألة الإجماع الكاشف عن قول المعصوم× فقال: وقال المحقق الكاظمي في أقسام الإجماع المصطلح المعروف ـ وهو الكاشف من قول المعصوم ×:

وثالثها: أن يحصل لأحد من سفراء الإمام الغائب # والعلم بقوله اما بنقل مثله له سرّاً، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسّماع منه شفاهاً، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التضرع بما اطلع عليه والإعلان بمناسبة القول إليه، والإتّكال في إبراز المدعّى على غير الاجماع من الأدلة الشرعية لفقدها.

وحينئذٍ فيجوز له إذا لم يكن مأموراً بالإخفاء، أو كان مأموراً بالإظهار لا على وجه الإنشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع، خوفاً من الضياع ـ لو لم يقل ذلك ـ وجمعاً بين إمتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الإمكان، وإمتثال النّهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجة أمّا لنفسه فلعلمه بقول الإمام× ـ أي من جهة القطع والقطع حجّة، وأمّا لغيره فللكشف عن قول الإمام × ـ ولو بالظن الكاشف ـ غاية ما هناك أنّه يستكشف قول الإمام× بطريق غير ثابت، ولا ضير فيه، بعد حصول الوصول عَلى ما أنيط به حجية الإجماع، ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدل عليه:

فيذكر المحدث جملة من الشواهد: منها: كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الوافين على آثار الأئمة^ وأسرارهم، ولا أمارة تشهد بان منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه إعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء بجمعها وتدوينها كما هو الظاهر من جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الاخبار في بعضها... ثم يشير المحدث إلى مقولة السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء في جواب من قال: فإذا كان الإمام× غائباً بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه ـ إلى آخر ما يقال من الاشكال.

قلنا: الجواب أوّل ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الإمام لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم ، ولا سبيل إلى القطع عليه ـ إلى آخره ـ

وقال أيضاً في جواب من قال: إذا كانت العلّة في إستتار الإمام خوفه من الظالمين، واتّقاءه من المعاندين، فهذه العلة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم، فأجاب عن ذلك ثم بعد كلام له قال: وقلنا أيضاً إنه غير ممتنع أن يكون الإمام يظهر لبعض أوليائه ممّن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، وإنّ هذا ممّا لا يمكن القطع على إرتفاعه وإمتناعه، وإنما يعلم كلّ واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بحال غيره.

وقال الشيخ الطوسي رضوان الله عليه في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له: والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنّا أولاً لا نقطع عن إستتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يبرز لأكثرهم، ولا يعلم كلّ إنسان إلّا حال نفسه، فإن كان ظاهراً له فعلّته مزاحة ـ أي أُزيحت علّته ـ وإن لم يكن ظاهراً علم أنه إنما لم يظهر لأمر يرجع إليه.

وإن لم يعلمه مفصّلاً لتقصير من جهته ـ إلى آخرة وقد ذكر العلامة المجلسي في بحاره ج51 ص196 مستوفي عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي قدس سرهما  ص:75 فراجع.

ثم قال المحدث النوري+: وتقدم كلمات للسيد علي بن طاووس تناسب المقام خصوصاً قوله: مع أنه× حاضر مع الله جل جلاله على اليقين، وإنما غاب من لم يلقه عنهم، لغيبته عن حضرة المتابعة له ولرب العالمين.

ثم قال المحدث عليه الرحمة في نهاية الوجوه الخمسة: وفيما نقلناه من كلماتهم وغيرها مما يطول بنقله الكتاب كفاية لرفع الاستعباد ـ أي يستبعد رؤية الإمام في غيبته الكبرى أخذاً بالتوقيع ـ وعدم حملهم الخبر على ظاهره ـ بل لابد من التصرف بالظاهر كحمله على إدّعاء السفارة الخاصة ـ وصرفه إلى أحد الوجوه التي ذكرناها ـ جمعاً بين الأخبار في مقام التعارض.

أقول: فثبت إلى هنا أن من ينكر رؤية الحجة بالبصر في أيام غيبته الكبرى أو يستبعد ذلك تمسكاً بالخبر التوقيعي يُعدّ قوله من القول الشاذ الذي لا يعبأ به لقوة ما يستدل به المشهور كما مرّ.

ومن الوجوه المذكورة لرفع التعارض بين التوقيع الشريف والأخبار القطعية ما ذكره المحدث النوري أيضاً في جنة مأواه فقال:

السادس: أن يكون المخفي عن الأنام والمحجوب عنهم مكانه × ومستقره الذي يقيم فيه فلا يصل إليه أحد، ولا يعرفه غيره حتى ولده ـ بناء على القول بأن له أولاد ـ فلا ينافي في لقاءه ومشاهدته في الأماكن والمقامات التي قد مرّ ذكر بعضها، وظهوره عند المضطّر المستغيث به، الملتجئ إليه التي انقطعت عنه الأسباب، وأغلقت دونه الأبواب.

أقول: والاستغاثة بالرسول الأكرم والعترة الطاهرة من الثوابت في مذهب أهل البيت^، وأن صاحب الزمان عليه يستغاث به، فهو المغيث باذن الله لمن ناداه، وإستغاثه في الشدائد والمحن والمصائب كما في قصة الرّمانة وغيرها التي لا تحصى لكثرتها، وما غاب عنا أكثر لمّا وصل إلينا.

فأولياءه ومواليه وشيعته عند استغاثتهم به يغثهم بنفسه. أو برجال الغيب من الأوتاد والأبدال والصالحين، وهذا لا يتنافى مع عظمة إمامته وشموخها، حتى يقال من باب الإستهزاء هل  الإمام مؤسسة خيرية يرشد الضائعين في الصحراء، بل يدل على لطف الإمام وعنايته بشيعته، كما ورد هذا المعنى في كثير من أحاديث أهل البيت^ وان الرسول الأعظم‘ قال: أنا مسكين وأحبّ المساكين، وأجالس المساكين فهذا لا يتنافى مع عظمة الإمامة والنبوة كما تصوره بعض المعاصرين هداههم الله، وكذلك ما ورد في توقيعاته الشريفة× وأنه (إنا غير مهملين لكم ولا ناسين لذكركم)([3]).

فلا ضير أن يلتقي بالإمام المهدي× جمع من خواص شيعته، كما ورد في الروايات الشريفة روي الكليني بسنده عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله×: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة: الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه الا خاصة شيعته ، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلى خاصة مواليه...

وليس في تلك القصص المتواترة والقطعية ممّا يدل على أنّ أحداً لقيه × في مقرّ سلطنته ومحلّ إقامته.

ثم لا يخفى على الجائس في خلال ديار الأخبار: أنّه × ظهر في الغيبة الصغرى لغير خاصتّه ومواليه أيضاً، فالذّي إنفرد به الخواص في الصغرى هو العلم بمستقره وعرض حوائجهم عليه السلام فيه، فهو المنفي عنهم في الكبرى، فحالهم وحال غيرهم فيها كغير الخواص في الصغرى، والله العالم([4]). انتهى كلامه رفع الله مقامه.

أقول وهذا الوجه ما أشار إليه أيضاً الشهيد الصدر الثاني+ في كتابه الشريف (تاريخ الغيبة الصغرى) إلا انه باسلوب آخر كما سياتي.

ثم ما ذكرناه من الوجوه إنّما كان لمن قال بالتّعارض بين التوقيع الشريف وبين الاخبار والقصص المتواترة، ولكن الشهيد الصدر الثاني + يذهب إلى عدم التعارض بينهما وأجاد فيها أفاد، ولا بأس بالإشارة إلى ما قاله في هذا المقام لتعمّ الفائدة ويكمل البحث.

مع مقولة الشهيد الصدر الثاني+ في كتابه (تاريخ الغيبة الصغرى):

لقد ذكر+ إبتداء الخبر والتوقيع الشريف، ثم يذكر ما يستفاد من الخبر من أُمور جديدة فقال: فترى الإمام المهدي × قد أكد في هذا البيان على أمور:

الأول: إخباره بموت الشيخ السمري في غضون ستة أيام، وهو من الأخبار بالغيب الذي نقول بإمكانه للإمام×.

الثاني: نهيه عن أن يوصي إلى أحد، ليقوم مقامه، ويضطلع بمهام السفارة بعد وفاته، وبذلك يكون هو آخر السفراء، ولا سفير بعده، ويكون خط السّفارة قد انقطع، وعهد الغيبة الصغرى قد إنتهى.

الثالث: أنه لا ظهور الّا بأذن الله تعالى ذكره، وهذا معناه الإغماض في تاريخ الظهور، وإيكال علمه إلى الله وحده وإرتباطه بإذنه عز وجل.

ولهذا الإغماض عدّة فوائد، أهمها إثنان:

الأولى: بقاء قواعده الشعبية منتظره في كل حين ، متوقفة ظهوره في أيّ يوم، وهذا الشعور الإيجابي إذا وجد لدى الفرد فإنه يحمله على السّلوك الصالح وتقويم النفس ودراسة واقعه المعاش، ومعرفة تفاصيل دينه جهد الإمكان، ليحظى ويفوز في لحظة الظهور بالزلّفى لدى المهدي× والقرب منه، ولا يكون من المغضوب عليهم لديه، أو المبعدين عن شرف ساحته...

الثانية: حماية الإمام المهدي× من أعدائه بعد ظهوره ، فإنّ الإغماض في التاريخ يوفّر محض المفاجئة والمباغتة للعدو على حين غُرّة منه، وهو من أقوى عناصر النّصر وأسبابه...

الرابع: الإشارة إلى أن أمد الغيبة التّامة الكبرى سوف يكون طويلاً مديداً.

وإنما ينصّ الإمام المهدي × على ذلك ليجعل الفرد المؤمن من قواعده الشعبية، مسبوقاً ذهنهاً بطول الغيبة ومتوقعاً لتماديها، فلا يأخذه الياس بل يعيش الأمل دائماً ـ أو يتلبسه الشك مهما طالت أو تمادت، وان أصبحت الآف السنين ـ وطول الأمد لا ينافي الانتظار اليومي أن يتوقع الظهور في كل يوم وكل شهر وكل عام، فإنه لفظ عام ينطبق على السنين القليلة وعلى السنين الطويلة...

الخامس: الإشارة إلى قسوة القلوب، والمراد به ضعف الدافع الإيماني، والشعور بالمسؤولية والمشارفة على الإنحراف، بل سقوط أغلب أفراد المجتمع المسلم به...

السادس: الإشارة إلى إمتلاء الأرض جوراً، وهذا ما يدل عليه الحديث المستفيض عن رسول الله‘ عند جميع المسلمين أنّه يظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، كما يدّل على فشل أكثر البشر في الامتحان الإلهي خلال الغيبة الكبرى، وسيطرة المادة وإشباع الشهوات عليهم، وضعف الوازع الديني والأخلاقي إلى حدّ كبير جداً في المسلمين وأمّا غيرهم فحدث ولا حرج من حيث إنكارهم لأصل الدين الإسلامي وأساس التوحيد، ومن حيث عدائهم وموقفهم المخرّب تجاه الإسلام والمسلمين...

السابع: أشار× إلى إثبات حدوث السفياني والصيحة فانهما من العلائم الحتمية، وأنه أمر حق لا محيص عنه. قبيل خروج الإمام المهدي × وظهوره، وهذا ما دل عليه كثير من الاخبار عند الفريقين.

الثامن: إنّ من أدعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو مفتر كذاب، وهذا واضح في مدلوله، وأنّ المراد منه إحتجاب الإمام المهدي× عن الناس حتى زمان هاتين العلامتين، فمن الواجب تكذيب كل من أدّعى رؤية المهدي× قبل تحقق ذلك.

ثم يتعرض إلى ما تعرض غيره إليه، من وقوع الاصطدام والتعارض بين هذا التوقيع الشريف وبين الاخبار القطعية المتواترة الدالة على اللّقاء والتّشرف والرؤية في زمن الغيبة الكبرى، ولا يمكن الطعن فيها، فلابد من قبولها وتصديقها في الجملة، مع أن التوقيع المهدوي يوجب علينا تكذيبه، فكيف يتمّ ذلك، وما هو الجمع بينه وبين تلك الأخبار.

ثم يذكر ما قيل أو يمكن أن يقال من وجوه الجمع ـ لو حصلت المعارضة ـ إذ أنه يذهب إلى عدم المعارضة بينهما، ولكن لو قيل بالتعارض وحصلت المعارضة، فإنه يقال في دفعها عدة وجوه:

الوجه الأول: الطعن في سند التوقيع الشريف ورواته، وإسقاطه عن الإعتبار فيؤخذ بالطائفة الثانية من الاخبار وهذا ما تعرّضنا إليه سابقاً فلا نعيد.

الوجه الثاني: الطعن في الأخبار الناقلة لمشاهدة الإمام المهدي× في غيبته الكبرى سنداً، حتى يبقى التوقيع بلا معارض ويتم الحكم على ضوءه، فيقال بضعف السند من ناحية رواتها والشطب عليهما جملة وتفصيلاً كما قد يميل إليه المفكرين المحدثين ـ أي كأصحاب العقول العلمانية وإن كانوا من الحوزويين لتأثرهم بالثقافة والحضارة الغربيّة، أو منفعلاً بأفكار والقاءات ممن يحتوشوه من الشباب المتجدد من أمريكا وأوربا، فيدعى أن هذه كلها قصص وحكايات ضعيفة الإسناد ينقلها المحدث النوري في جنّة المأوى، وأنّه شغوف بالقصص الوهميّة أو الخيالية  ـ ثم قال الشهيد الصدر الثاني +: إلّا إن هذا ممّا لا سبيل إلى تصديقه، فإنّها طائفة ضخمة من الأخبار قد يصل عددها إلى عدة مئات، على أن بعضها مروي بطرق معتبرة وقريبة الاسناد، فلا يمكن رفضها بحال، وهذا كلّه واضح لمن استقرأ تلك الأخبار وعاش أجواءها، وسيأتي الكلام عنها في التاريخ المقادم عن الغيبة الكبرى إن شاء الله تعالى.

الوجه الثالث: الطعن في الأخبار الناقلة للمشاهدة بحسب الدلالة والمضمون ـ لا من جهة السند، أي المناقشة في الدلالة وذلك بأحد نحوين:

الأول: أن تحمل هذه الاخبار على الوهم، وأن هؤلاء الذين زعموا أنهم رأوا وسمعوا... لم يرو لم يسمعوا وإنّما كان كلامهم كذباً متعمداً أو أضغاث أحلام، ولو من قبيل أحلام اليقظة، وهذا هو الوجه الذي قد يميل إليه المفكرون المتأثرون بالمبادئ المادية الحديثة ـ أو قل أصحاب العقول الليبرالية والعلمانية ـ إلّا أن هذا أيضاً مما لا يمكن الإعتراف به، فإن كثرتها مانعة عن كلا الأمرين: إما تعمد الكذب فهو لما ينفيه التواتر، فضلاً عما زاد عن ذلك بكثير، مضافاً إلى وثاقة وتقوى عدد مهم من الناقلين ـ كالسيد مهدي بحر العلوم ـ وعدم إحتمال تعمّد هم للكذب أساساً.

وأما كونها من قبيل الأوهام والأحلام ، فهو مما ينفيه تكاثر النقل أيضاً ، بل يجعل الاعتراف في عداد المستحيل، وتستطيع أن تجد أثر ذلك في نفسك، فلو أخبرك واحد لكان إحتمال الوهم موجوداً، وإن كان موهوناً، إلّا أنه لو أخبرك ثلاثة أو أربعة بحادثة معينة لحصل لك الاطمئنان أو العلم بصدق الخبر وحصول الحادثة، فضلاً عما إذا أخبرك بها عشرة، فكيف إذا أخبرك به العشرات بل المئات، وهل تستطيع أن تحملهم كلّهم على الوهم أو أحلام اليقظة، إلا إذا كنت أنت تعيش الوهم أو أحلام اليقظة.

الثاني: أن يقول قائل: إن الناقلين للمشاهدة، وإن كانوا صادقين وغير واهمين، فإنه قد عاشوا حادثة حسيّة معينة، إلا أنهم في الحقيقة لم يشاهدوا الإمام المهدي×، بل شاهدوا غيره، وتوهموا أنه هو على غير الواقع.

إلا أن هذا غير صحيح أيضاً لأمرين:

أوّلاً: إنه مما ينفيه التواتر، فضلاً عمّا زاد عليه من أعداد الروايات والنقول أن يحصل القطع بأنّ المجموع لم يكونوا مغفّلين بهذا الشكل ، بل أن بعضهم ـ ان لم يكن كلّهم ـ قد شاهدوا المهدي× نفسه.

ثانياً: إنّه ممّا تنفيه الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة التي يقيمها المهدي× أثناء المقابلة، وينقله هؤلاء الناقلون مما لا يمكن صدورها من أحد سواه، فيتعين أن يكون هو الإمام المهدي× دون غيره، وسيأتي التعرض إلى هذه الدلائل في التاريخ القادم.

أقول: ولا بأس أن أشير إلى بعضها إجمالاً كنموذج وشاهد، فإنّ الذي تشّرف بخدمته عرف أنّه إمام زمانه×، لصدورها صدر منه، ما لم يصدر إلّا من الإمام المعصوم× كما كان يحدث ذلك في عصر حضورهم ، فكثير ممّن إسبتصر وآمن بولايتهم عندما رأى منهم ما يدلّ على إمامتهم وولايتهم كإخبارهم بالغيب.

فمعكم في رحاب العلمين الجليلين والمحدثين الكبيرين:

أوّلاً: مع العلامة المجلسي+ في بحار أنواره:

البحار: 52: 174 باب نادر فيمن رآه × قريباً من زماننا:

قال+: ولنلحق بتلك الحكاية بعض الحكايات التي سمعتها عمَن قرب من زماننا.

فمنها: ما أخبرني جماعة عن السيّد الفاضل أمير علّام قال: كنت في بعض اللّيالي في صحن الرَّوضة المقدَّسة بالغريّ على مشرَّفها السّلام وقد ذهب كثير من اللّيل، فبينا أنا أجول فيها، إذ رأيت شخصاً مقبلاً نحو الرَّوضة المقدَّسة فأقبلت إليه، فلمّا قربت منه عرفت أنّه أُستاذنا الفاضل العالم التقيُّ الذكيُّ مولانا أحمد الأردبيلي قدَّس الله روحه.

فأخفيت نفسي عنه، حتى أتى الباب، وكان مغلقاً، فإنفتح له عند وصوله إليه، ودخل الرَّوضة، فسمعته يكلّم كأنّه يناجي أحداً ثمَّ خرج، وأُغلق الباب فمشيت خلفه حتّى خرج من الغريّ وتوجّه نحو مسجد الكوفة.

فكنت خلفه بحيث لا يراني حتّى دخل المسجد وصار إلى المحراب الّذي استشهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه عنده، ومكث طويلاً ثمَّ رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغريِّ.

فكنت خلفه حتّى قرب من الحنّانة، فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فإلتفت إليَّ فعرفني، وقال: أنت مير علّام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع ههنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الرَّوضة المقدَّسة إلى الآن، وأُقسم عليك بحقِّ صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك اللّيلة. من البداية إلى النّهاية.

قال: اُخبرك على أن لا تخبر به أحداً مادمت حيّاً، فلمّا توثّق ذلك منّي، قال: كنت أُفكّر في بعض المسائل وقد أُغلقت عليَّ، فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين× وأسأله عن ذلك، فلمّا وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت، فدخلت الرَّوضة، وإبتهلت إلى الله تعالي في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من القبر: أن ائت مسجد الكوفة وسل عن القائم× فانّه إمام زمانك فأتيت عند المحراب، وسألته عنها واُجبت وها أنا أرجع إلى بيتي.

ومنها: ما أخبرني به والدي & قال: كان في زماننا رجل شريف صالح كان يقال له: أمير إسحاق الاستراباديُّ، وكان قد حجَّ أربعين حجّة ماشياً، وكان قد اشتهر بين النّاس أنّه تطوى له الأرض.

فورد في بعض السّنين بلدة إصفهان، فأتيته وسألته عمّا اشتهر فيه، فقال: كان سبب ذلك أنّي كنت في بعض السّنين مع الحاجِّ متوجّهين إلى بيت الله الحرام، فلمّا وصلنا إلى موضع كان بيننا وبين مكّة سبعة منازل أو تسعة تأخّرت عن القافلة لبعض الأسباب حتّى غابت عنّي، وضللت عن الطريق، وتحيّرت وغلبني العطش حتّى أيست من الحياة.

فناديت: يا صالح يا أبا صالح أشدونا إلى الطريق يرحمكم الله فتراءى لي في منتهى البادية شبح، فلمّا تأمّلته حضر عندي في زمان يسير فرأيته شابّاً حسن الوجه نقيَّ الثياب، أسمر، على هيئة الشُّرفاء، راكباً على جمل، ومعه أداوة، فسلّمت عليه فردَّ عليَّ السّلام وقال: أنت عطشان؟ فقلت: نعم فأعطاني الأداوة فشربت، ثمَّ قال: تريدأن تلحق القافلة؟ قلت: نعم، فأردفني خلفه، وتوجّه نحو مكّة.

وكان من عادتي قراءة الحرز اليمانيِّ في كلّ يوم، فأخذت في قراءته فقال× في بعض المواضع: اقرأ هكذا، قال: فما مضى إلّا زمان يسير حتّى قال لي: تعرف هذا الموضع؟ فنظرت فإذا أنا بالأبطح فقال: انزل، فلمّا نزلت رجعت وغاب عنّي.

فعند ذلك عرفت أنّه القائم× فندمت وتأسّفت على مفارقته، وعدم معرفته فلمّا كان بعد سبعة أيّام أتت القافلة، فرأوني في مكّة بعد ما أيسوا من حياتي، فلذا اشتهرت بطيّ الأرض.

قال الوالد... رحمه الله ـ : فقرأت عنده الحرز اليمانيَّ وصحّحته وأجازني والحمد لله.

ومنها: ما أخبرني به جماعة عن جماعة عن السيّد السّند الفاضل الكامل ميرزا محمد الاستراباديِّ نوَّر الله مرقده أنّه قال: إنّي كنت ذات ليلة أطوف حول بيت الله الحرام إذ أتى شابٌّ حسن الوجه، فأخذ في الطواف، فلمّا قرب منّي أعطاني طاقة ورد أحمر في غير أوانه، فأخذت منه وشممته، وقلت له: من أين يا سيّدي، قال: من الخرابات ثمَّ غاب عنّي فلم أره.

ومنها: ما أخبرني به جماعة من أهل الغريِّ على مشرَّفه السّلام أنَّ رجلاً من أهل قاشان أتى إلى الغريّ متوجّها إلى بيت الله الحرام، فاعتلَّ علّة شديدة حتّى يبست رجلاه، ولم يقدر على المشي، فخلّفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصّلحاء كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالرَّوضة المقدَّسة، وذهبوا إلى الحجِّ.

فكان هذا الرّجل يغلق عليه الباب كلّ يوم، ويذهب إلى الصحاري للتنزّه ولطلب الدَّراري الّتي تؤخذ منها، فقال له في بعض الأيّام: إنّي قد ضاق صدري واستوحشت من هذا المكان، فإذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث شئت.

قال: فأجابني إلى ذلك، وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف فأجلسني هناك. وغسّل قميصه في الحوض وطرحها على شجرة كانت هناك، وذهب إلى الصحراء، وبقيت وحدي مغموماً أفكّر فيما يؤول إليه أمري.

فإذا أنا بشابٌ صبيح الوجه ، أسمر اللّون، دخل الصّحن وسلّم عليّ وذهب إلى بيت المقام، وصلّى عند المحراب ركعات، بخضوع وخشوع لم أر مثله قطُّ، فلمّا فرغ من الصّلاة خرج وأتاني وسألني عن حالي فقلت له: ابتليت ببليّة ضقت بها لا يشفيني الله فأسلم منها، ولا يذهب بي فأستريح، فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما، وذهب.

فلمّا خرج رأيت القميص وقع على الأرض، فقمت وأخذت القميص وغسّلتها وطرحتها على الشجر، فتفكّرت في أمري وقلت: أنا كنت لا أقدر على القيام والحركة، فكيف صرت هكذا؟ فنظرت إلى نفسي فلم أجد شيئاً ممّا كان بي فعلمت أنّه كان القائم صلوات الله عليه، فخرجت فنظرت في الصّحراء، فلم أر أحداً فندمت ندامة شديدة.

فلمّا أتاني صاحب الحجرة ، سألني عن حالي وتحيّر في أمري، فأخبرته بما جرى فتحسّر على ما فات منه ومنّي، ومشيت معه إلى الحجرة.

قالوا: فكان هكذا سليماً حتّى أتى الحاجُّ ورفقاؤه، فلمّا رآهم وكان معهم قليلاً، مرض ومات، ودفن في الصحن، فظهر صحّة ما أخبره× من وقوع الأمرين معاً.

وهذه القصّة من المشهورات عند أهل المشهد، وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم.

ومنها: ما أخبرني به بعض الأفاضل الكرام، والثقات الأعلام، قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمّن يثق به، ويطريه أنّه قال: لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الافرنج، جعلوا واليها رجلاً من المسلمين، ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب وله وزير أشدُّ نصباً منه يظهر العداوة لأهل البحرين لحبّهم لأهل البيت^ ويحتال في إهلاكهم وإضرارهم بكلّ حيلة.

فلمّا كان في بعض الأيّام دخل الوزير على الوالي وبيده رمّانة فأعطاها الوالي فإذا كان مكتوباً عليها (لاإله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ خلفاء رسول الله) فتأمّل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمّانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون من صناعة بشر، فتعجّب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بيّنة، وحجّة قويّة ، على إبطال مذهب الرافضة، فما رأيك في أهل البحرين.

فقال له: أصلحك الله إنّ هؤلاء جماعة متعصّبون، ينكرون البراهين، وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمّانة، فان قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك ، وإن أبوا إلّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبى نساءهم وأولادهم، وتأخذ بالغنيمة أموالهم.

فاستحسن الوالي رأيه، وأرسل إلى العلماء والأفاضل الأخيار، والنجباء والسّادة الأبرار، من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم للرمّانة، وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف: من القتل والأسر وأخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصّغار كالكفّار، فتحيّروا في أمرها، ولم يقدروا على جواب، وتغيّرت وجوههم وارتعدت فرائصهم.

فقال كبراؤهم: أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام، لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه، وإلّا فاحكم فينا ما شئت، فأملهم، فخرجوا من عنده خائفين مرعوبين متحيّرين.

فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتّفق رأيهم على أن يختاروا  من صلحاء البحرين وزهّادهم عشرة، ففعلوا، ثمَّ اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج اللّيلة إلى الصّحراء وأُعبد الله فيها، وإستغث بإمام زماننا، وحجّة الله علينا، لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدّهماء.

فخرج وبات طول ليلته متعبّداً خاشعاً داعياً باكياً يدعو الله، ويستغيث بالإمام ×، حتّى أصبح ولم ير شيئاً، فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم.

فأحضروا الثالث وكان تقيّاً فاضلاً إسمه محمد بن عيسى، فخرج اللّيلة الثالثة حافياً حاسر الرأس إلى الصحراء، وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى، وتوسّل إلى الله تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البليّة عنهم وإستغاث بصاحب الزّمان×.

فلمّا كان آخر اللّيل، إذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسى مالي أراك على هذه الحالة، ولماذا خرجت إلى هذه البريّة؟ فقال له: أيّها الرَّجل دعني فاني خرجت لأمر عظيم وخطب جسيم، لا أذكره إلّا لإمامي ولا أشكوه إلّا إلى من يقدر على كشفه عنّي.

فقال: يا محمّد بن عيسى، أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصّتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك، فقال له: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرّمانة، وما كتب عليها وما أوعدكم الأمير به، قال: فلمّا سمعت ذلك توجّهت إليه وقلت له: نعم يا مولاي، قد تعلم ما أصابنا، وأنت إمامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنّا.

فقال صلوات الله عليه: يا محمد بن عيسى إنّ الوزير لعنه الله في داره شجرة رمّان، فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئاً من الطين على هيئة الرمّانة، وجعلها نصفين وكتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثمّ وضعهما على الرمّانة، وشدّهما عليها وهي صغيرة فأثّر فيها، وصارت هكذا.

فإذا مضيتم غداً إلى الوالي، فقل له: جئتك بالجواب، ولكنّي لا أُبديه إلّا في دار الوزير، فإذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك، ترى فيها غرفة، فقل للوالي: لا اُجيبك إلا في تلك الغرفة، وسينهى الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك ولاترض إلّا بصعودها، فإذا صعد فإصعد معه، ولا تتركه وحده يتقدَّم عليك، فإذادخلت الغرفة رايت كوّة فيها كيس أبيض، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة الّتي عملها لهذه الحيلة، ثمَّ ضعها أمام الوالي وضع الرُّمانة فيها لينكشف له جليّة الحال.

وأيضاً يا محمد بن عيسى قل للوالي: إنَّ لنا معجزة اُخرى، وهي أنَّ هذه الرُّمانة ليس فيها إلّا الرَّماد والدُّخان، وإن أردت صحّة ذلك فأمر الوزير بكسرها، فإذا كسرها طار الرَّماد والدُّخان على وجهه ولحيته.

فلمّا سمع محمّد بن عيسى ذلك من الإمام، فرح فرحاً شديداً وقبّل بين يدي الإمام صلوات الله عليه، وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور.

فلمّا أصبحوا مضوا إلى الوالي ففعل محمد بن عيسى كلّ ما أمره الإمام وظهر كلّ ما أخبره، فالتفت الوالي إلى محمّد بن عيسى وقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: إمام زماننا، وحجّة الله علينا، فقال: ومن إمامكم؟ فأخبره بالأئمّة واحداً بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الأمر صلوات الله عليهم.

فقال الوالي: مدَّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين عليّ× ثمَّ أقرَّ بالأئمّة إلى آخرهم ^ وحسن إيمانه، وأمر بقتل الوزير واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن إليهم وأكرمهم.

قال: وهذه القصّة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمّد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس.

ثانياً: ـ مع المحدث النوري+ في جنّة مآواه:

البحار: 53 : 230 في ذكر من فاز بلقاء الحجة في الغيبة الكبرى ـ يذكر (59) حكاية:

الحكاية الثامنة:

(مسجد جمكران)

في تاريخ قم تأليف الشيخ الفاضل الحسن بن محمد بن الحسن القمّي من كتاب مونس الحزين في معرفة الحقّ واليقين، من مصنّفات أبي جعفر محمد بن بابويه القمّي ما لفظه بالعربيّة:

باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الإمام المهديّ عليه صلوات الله الرّحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدَّس في جمكران بأمر الإمام× على ماأخبر به الشيخ العفيف الصّالح حسن بن مثلة الجمكراني قال: كنت ليلة الثلاثاء السّابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وتسعين  وثلاثمائة نائماً في بيتي فلمّا مضى نصف من اللّيل، فإذا بجماعة من النّاس على باب بيتي فأيقظوني، وقالوا: قم وأجب الإمام المهديَّ صاحب الزّمان×، فانّه يدعوك.

قال: فقمت وتعبأت وتهيّأت، فقلت: دعوني حتّى ألبس قميصي، فإذا بنداء من جانب الباب: (هو ما كان قميصك) فتركته وأخذت سراول، فنودي: (ليس ذلك منك، فخذ سراويلك) فألقيته وأخذت سراويلي ولبسته، فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي (الباب مفتوح).

فلمّا جئت إلى الباب، رأيت قوماً من الأكابر، فسلّمت عليهم، فردّوا ورحّبوا بي، وذهبوا بي إلى موضع هو المسجد الآن، فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فراش حسان، وعليها وسائد حسان، ورأيت فتى في زيّ ابن ثلاثين متّكئاً عليها، وبين يديه شيخ، وبيده كتاب يقرؤه عليه، وحوله أكثر من ستّين رجلاً يصلّون في تلك البقعة، وعلى بعضهم ثياب بيض، وعلى بعضهم ثياب خضر.

وكان ذلك الشيخ هو الخضر× فأجلسني ذلك الشيخ×، ودعاني الإمام× بإسمي، وقال: إذهب إلى حسن بن مسلم، وقل له : إنّك تعمر هذه الأرض منذ سنين وتزرعها، ونحن نخرِّبها، زرعت خمس سنين، والعام أيضاً أنت على حالك من الزراعة والعمارة؟ ولا رخصة لك في العود إليها، وعليك ردُّ ما إنتفعت به من غلّات هذه الأرض ليبنى فيها مسجد، وقل لحسن بن مسلم إنَّ هذه أرض شريفة قد اختارها الله تعالى من غيرها من الأراضي وشرّفها ، وأنت قد أضفتها إلى أرضك، وقد جزاك الله بموت ولدين لك شابيّن، فلم تنتبه عن غفلتك ، فإن لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة الله من حيث لا تشعر.

قال حسن بن مثلة: [قلت] يا سيّدي لابدَّ لي في ذلك من علامة، فانَّ القوم لا يقبلون ما لا علامة ولا حجّة عليه، ولا يصدِّقون قولي، قال: إنّا سنعلم هناك فاذهب وبلّغ رسالتنا، واذهب إلى السيد أبي الحسن وقل له: يجيئ ويحضره ويطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين، ويعطيه الناس حتّى يبنوا المسجد، ويتمُّ ما نقص منه من غلّة رهق ملكاً بناحية أردهال ويتمَّ المسجد، وقد وقّفنا نصف رهق على هذا المسجد، ليجلب غلّته كلَّ عام، ويصرف إلى عمارته.

وقل للناس: ليرغبوا إلى هذا الموضع ويعزّروه، ويصلّوا هنا أربع ركعات للتحيّة في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرَّة، وسورة الاخلاص سبع مرّات، ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرّات، وركعتان للإمام صاحب الزَّمان× هكذا: يقرأ الفاتحة فإذا وصل إلى (إيّاك نعبد وأيّاك نستعين)كرّره مائة مرَّة (ثمَّ يقرؤها إلى آخرها) وهكذا يصنع في الركعة الثانية، ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرَّات، فإذا أتمَّ الصلاة يهلّل ويسبّح تسبيح فاطمة الزهراء’ فإذا فرغ من التسبيح يسجد ويصلّي على النبيّ وآله مائة مرّة، ثمّ قال×: ما هذه حكاية لفظه: (فمن صلّاها فكأنّما صلّى في البيت العتيق).

قال حسن بن مثلة: قلت في نفسي كأنَّ هذا موضع أنت تزعم أنّما هذا المسجد للإمام صاحب الزَّمان مشيراً إلى ذلك الفتى المتكئ على الوسائد فأشار ذلك الفتى إليَّ أن اذهب.

فرجعت فلمّا سرت بعض الطريق دعاني ثانية، وقال: إنَّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزاً يجب أن تشتريه، فإن أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه، وإلّا فتعطي من مالك، وتجيئ به إلى هذا الموضع، وتذبحه اللّيلة الآتية. ثمَّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى، ومن به علّة شديدة، فانَّ الله يشفي جميعهم، وذلك المعز أبلق، كثير الشعر، وعليه سبع علامات سود وبيض: ثلاث على جانب وأربع على جانب، سود وبيض كالدَّراهم.

فذهبت فأرجعوني ثالثة، وقال×: تقيم بهذا المكان سبعين يوماً أو سبعاً، فان حملت على السبع انطبق على ليلة القدر، وهو الثالث والعشرون وإن حملت على السبعين انطبق على الخامس والعشرين من ذي القعدة،  وكلاهما يوم مبارك.

قال حسن بن مثلة: فعُدت حتّى وصلت إلى داري ولم أزل اللّيل متفكّراً حتّى أسفرَّ الصبح فأدَّيت الفريضة، وجئت إلى عليّ بن المنذر، فقصصت عليه الحال، فجاء معي حتّى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة، فقال: والله إنّ العلامة التي قال لي الإمام× واحد منها أنَّ هذه السلاسل والأوتاد ههنا.

فذهبنا إلى السيّد الشريف أبي الحسن الرضا فلمّا وصلنا إلى باب داره رأينا خدّامه وغلمانه يقولون إنَّ السيد أبا الحسن الرّضا ينتظرك من سحر، أنت من جمكران؟ قلت: نعم، فدخلت عليه الساعة، وسلّمت عليه وخضعت فأحسن في الجواب وأكرمني ومكّن لي في مجلسه، وسبقني قبل أن أحدِّثه وقال: يا حسن بن مثلة إنّي كنت نائماً فرأيت شخصاً يقول لي: إنَّ رجلاً من جمكران يقال له: حسن بن مثلة يأتيك بالغدوّ ، ولتصدّقن ما يقول، وإعتمد على قوله، فانَّ قوله قولنا، فلا تردَّن عليه قوله، فإنتبهت من رقدتي، وكنت أنتظرك الآن.

فقصَّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحاً فأمر بالخيول لتسرج، وتخرَّجوا فركبوا فلمّا قربوا من القرية. رأوا جعفر الراعي وله قطيع على جانب الطريق، فدخل حسن بين مثلة بين القطيع، وكان ذلك المعز خلف القطيع، فأقبل المعز عادياً إلى الحسن بن مثلة، فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي ويأتي به، فأقسم جعفر الراعي أنّي ما رأيت هذا المعز قطُّ ، ولم يكن في قطيعي إلّا أنّي رأيته وكلّما أُريد أن آخذه  لا يمكنني، والآن جاء إليكم، فأتوا بالمعز كما أمر به السيّد إلى ذلك الموضع وذبحوه.

وجاء السيّد أبو الحسن الرِّضا رضي الله عنه إلى ذلك الموضع، وأحضروا الحسن بن مسلم واستردُّوا منه الغلات، وجاؤا بغلات رهق، وسقّفوا المسجد بالجزوع، وذهب السيّد أبو الحسن الرِّضا رضي الله عنه بالسلاسل والأوتاد وأودعها في بيته، فكان يأتي المرضى والأعلّاء ويسمُّون أبدانهم بالسلاسل، فيشفيهم الله تعالى عاجلاً ويصحّون.

قال أبو الحسن محمّد بن حيدر: سمعت بالإستفاضة أنَّ السيد أبا الحسن الرّضا في المحلّة المدعوّة بموسويان من بلدة قم، فمرض بعد وفاته ولد له، فدخل بيته وفتح الصندوق الذي فيه السلاسل والأوتاد، فلم يجدها.

إنتهت حكاية بناء هذا المسجد الشريف، المشتملة على المعجزات الباهرة والآثار الظاهرة، التي منها وجود مثل بقرة بني إسرائيل في معز من معزى هذه الأمّة.

قال المؤلّف: لا يخفى أنَّ مؤلّف تاريخ قم، هو الشيخ الفاضل حسن بن محمّد القميُّ وهو من معاصري الصدوق رضوان الله عليه، وروى في ذلك الكتاب، عن أخيه حسين بن عليّ بن بابويه رضوان الله عليهم، وأصل الكتاب على اللّغة العربيّة ولكن في السنة الخامسة والستّين بعد ثمان مائة نقله إلى الفارسيّة حسن بن عليّ ابن حسن بن عبد الملك لأمّ الخاجا فخرالدين إبراهيم بن الوزير الكبير الخاجا عماد الدِّين محمود بن الصاحب الخاجا شمس الدِّين محمد بن علي الصفي.

قال العلامة المجلسيُّ في أوّل البحار: إنّه كتاب معتبر ، ولكن لم يتيسّر لنا أصله، وما بأيدينا إنّما هو ترجمته، وهذا كلام عجيب، لأنّ الفاضل الألمعي الآميرزا محمّد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات كان معاصرا له ومقيماً بإصفهان، وهو ينقل من النسخة العربيّة بل ونقل عنه الفاضل المحقّق الآغا محمّد عليّ الكرمانشهاني في حواشيه على نقد الرّجال، في باب الحاء في اسم الحسن، حيث ذكر الحسن بن مثلة، ونقل ملخّص الخبر المذكور من النسخة العربيّة، وأعجب منه أنَّ أصل الكتاب كان مشتملاً على عشرين باباً.

وذكر العالم الخبير الآميرزا عبد الله الإصفهانيُّ تلميذ العلّامة المجلسيّ في كتابه الموسوم برياض العلماء في ترجمة صاحب هذا التاريخ، إنّه ظفر على ترجمة هذا التاريخ في قم، وهو كتاب كبير حسن كثيرة الفوائد في مجلّدات عديدة.

ولكنّي لم أظفر على أكثر من مجلّد واحد، مشتمل على ثمانية أبواب بعد الفحص الشائع.

وقد نقلنا الخبر السابق من خطّ السيّد المحدِّث الجليل السيّد نعمة الله الجزائريّ عن مجموعة نقله منه، ولكنّه كان بالفارسيّة، فنقلناه ثانياً إلى العربيّة. ليلائم نظم هذا المجموع، ولا يخفى أنّ كلمة (التسعين) الواقعة في صدر الخبر بالمثناة فوق ثمَّ السين المهملة، كانت في الأصل سبعين مقدَّم المهملة على الموحّدة واشتبه على الناسخ. لأنّ وفاة الشيخ الصدوق كانت قبل التسعين، ولذا نرى جمعاً من العلماء يكتبون في لفظ السبع أو السبعين بتقديم السين أو التاء حذراً عن التصحيف والتحريف والله تعالى هو العالم.

الحكاية التاسعة

لقاء السيد بحر العلوم في مسجد السّهلة

ما حدّثني به العالم العامل، والعارف الكامل غوَّاص غمرات الخوف والرجاء، وسيّاح فيافي الزُّهد والتّقى، صاحبنا المفيد وصديقنا السديد، الآغا علي رضا ابن العالم الجليل الحاج المولى محمّد النائيني، رحمهما الله تعالى، عن العالم البدل الورع التقيِّ صاحب الكرامات، والمقامات العاليات، المولى زين العابدين العالم الجليل المولى محمّد السلماسي& تلميذ آية الله السيد السند، والعالم المسدَّد فخر الشيعة وزينة الشريعة العلّامة الطباطبائي السيد محمّد مهدي المدعوُّ ببحر العلوم أعلى الله درجته، وكان المولى المزبور من خاصّته في السرِّ والعلانية.

قال: كنت حاضراً في مجلس السّيد في المشهد الغرويّ، إذ دخل عليه لزيارته المحقّق القميّ صاحب القوانين في السّنة الّتي رجع من العجم إلى العراق زائراً لقبور الأئمّة^ وحاجاً لبيت الله الحرام، فتفرَّق من كان في المجلس وحضر للإستفادة منه، وكانوا أزيد من مائة، وبقيت ثلاثة من أصحابه أرباب الورع والسداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد.

فتوجّه المحقّق القمي إلى جناب السيّد وقال: إنكم فزتم وحزتم مرتبة الولادة الرُّوحانية والجسمانيّة، وقرب المكان الظاهري والباطنيّ، فتصدَّقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان، وثمرة من الثمار الّتي جنيتم من هذه الجنان، كي ينشرح به الصدور، ويطمئنَّ به القلوب.

فأجاب السّيد من غير تأمّل، وقال: إنّي كنت في اللّيلة الماضية قبل ليلتين أو أقلَّ ـ والترديد من الراوي ـ في المسجد الأعظم بالكوفة، لأداء نافلة اللّيل عازماً على الرّجوع إلى النجف في أوّل الصبح، لئلا يتعطّل أمر البحث والمذاكرة وهكذا كان دأبه في سنين عديدة.

فلمّا  خرجت من المسجد ألقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة، فصرفت خيالي عنه، خوفاً من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح، فيفوت البحث في اليوم، ولكن كان الشوق يزيد في كلّ آن ، ويميل القلب إلى ذلك المكان، فبينا أقدم رجلاً وأؤخّر اُخرى، إذا بريح فيها غبار كثير، فهاجت بي وأمالتني عن الطريق، فكأنها التوفيق الّذي هو خير رفيق، إلى أن ألقتني إلى باب المسجد.

فدخلت فإذا به خالياً عن العبّاد والزُّوار، إلّا شخصاً جليلاً مشغولاً بالمناجاة مع الجبّار، بكلمات ترقّ القلوب القاسية، وتسح الدُّموع من العيون الجامدة، فطار بالي، وتغيّرت حالي، ورجفت ركبتي، وهملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها اُذني، ولم ترها عيني، ممّا وصلت إليه من الأدعية المأثورة، وعرفت أنَّ الناجي ينشئها في الحال، لا أنّه ينشد ما أودعه في البال.

فوقفت في مكاني مستمعاً متلذذاً إلى أن فرغ من مناجاته، فالتفت إليّ وصاح بلسان العجم: (مهدي بيا) أي : هلمَّ يا مهديّ، فتقدَّمت إليه بخطوات فوقفت، فأمرني بالتقدّم فمشيت قليلاً ثمّ وقفت، فأمرني بالتقدّم وقال: إنّ الأدب في الامتثال، فتقدَّمت إليه بحيث تصل يدي إليه، ويده الشريفة إليّ وتكلم بكلمة.

قال المولى السلماسيّ & : ولمّا بلغ كلام السيّد السند إلى هنا أضرب عنه صحفاً، وطوى عنه كشحاً، وشرع في الجواب عمّا سأله المحقّق المذكور قبل ذلك عن سرّ قلّة تصانيفه، مع طول باعه في العلوم، فذكر له وجوهاً، فعاد المحقّق القميّ فسأل عن هذا الكلام الخفيّ فأشار بيده شبه المنكر بأنّ هذا سرُّ لا يذكر.

الحكاية العاشرة

(ضمّني إلى صدره×)

حدّثني الأخ الصفيُّ المذكور عن المولى السلماسيّ رحمة الله تعالى، قال: كنت حاضراً في محفل إفادته، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغرَّاء في الغيبة الكبرى، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدُّخان المسمّى عند العجم بغليان، فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه، وخاطب نفسه بكلام خفّي أسمعه فقال ما معناه: (ما أقول في جوابه؟ وقد ضمّني صلوات الله عليه إلى صدره) وورد أيضاً في الخبر تكذيب مدَّعي الرؤية ، في أيّام الغيبة، فكرّر هذا الكلام.

ثمَّ قال في جواب السائل: إنّه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من ادَّعى رؤية الحجّة#، واقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه.

الحكاية الحادية عشرة

(سلام الحجة× على أبيه ×)

وبهذا السند عن المولى المذكور قال: صلّينا مع جنابه في داخل حرم العسكريّين÷ فلما أراد النهوض من التشهد إلى الركعة الثالثة، عرضته حالة فوقف هنيئة ثم قام.

ولما فرغنا تعجّبنا كلّنا، ولم نفهم ما كان وجهه، ولم يجتره أحد منّا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل، وأحضرت المائدة، فأشار إليَّ بعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه، فقلت: لا وأنت أقرب منّا فالتفت رحمه الله إليَّ وقال: فبم تقاولون؟ قلت وكنت أجسر الناس عليه: إنهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلاة، فقال : إنَّ الحجَّة عجّل الله تعالى فرجه، دخل الروضة للسلام على أبيه× فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها.

الحكاية الثانية عشر

(وقبّل يده وأركبه جمله)

بهذا السند عن ناظر اُموره في أيّام مجاورته بمكّة قال: كان & مع كونه في بلد الغربة منقطعاً عن الأهل والأخوة، قويّ القلب في البذل والعطاء، غير مكترث بكثرة المصارف، فاتّفق في بعض الأيّام أن لم نجد إلى درهم سبيلاً فعرَّفته الحال، وكثرة المؤنة، وإنعدام المال، فلم يقل شيئاً، وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدّار، فيجلس في القبّة المختصّة به، ونأتي إليه بغليان فيشربه، ثمَّ يخرج إلى قبّة اُخرى تجتمع فيها تلامذته، من كلّ المذاهب فيدّرس لكل على مذهبه.

فلمّا رجع من الطواف في اليوم الّذي شكوته في أمسه نفود النفقة، وأحضرت الغليان على العادة، فإذا بالباب يدقّه أحد فاضطرب أشدَّ الاضطراب، وقال لي: خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان، وقام مسرعاً خارجاً عن الوقار والسكينة والآداب، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الأعراب، وجلس في تلك القبّة وقعد السيّد عند بابها، في نهاية الذلّة والمسكنة، وأشار إليّ أن لا أقرِّب إليه الغليان.

فقعدا ساعة يتحدّثنان، ثم قام فقام السيّد مسرعاً وفتح الباب، وقبّل يده وأركبه على جمله الّذي أناخه عنده، ومضى لشأنه، ورجع السيّد متغيّر اللّون وناولني براة، وقال: هذه حوالة على رجل صرّاف، قاعد في جبل الصفا واذهب إليه وخذ منه ما اُحيل عليه.

قال: فأخذتها وأتيت بها إلى الرَّجل الموصوف، فلمّا نظر إليها قبّلها وقال: عليَّ بالحماميل فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدَّراهم من الصنف الّذي يقال له: ريال فرانسه، يزيد كلّ واحد على خمسة قرانات العجم، وما كانوا يقدرون على حمله، فحملوها على أكتافهم، وأتينا بها إلى الدّار.

ولمّا كان في بعض الأيّام، ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله، وممّن كانت تلك الحوالة فلم أر صرّافاً ولا دكاناً فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف، فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرّافاً أبداً، وإنّما يقعد فيه فلان، فعرفت أنه من أسرار الملك المنّان، وألطاف وليّ الرَّحمان.

وحدّثني بهذه الحكاية الشيخ العالم الفقيه النحرير المحقّق الوجيه، صاحب التصانيف الرائقة، والمناقب الفائقة، الشيخ محمد حسين الكاظميُّ المجاور بالغريّ أطال الله بقاه، عمّن حدّثه من الثقات عن الشخص المذكور.


 

الحكاية الثالثة عشرة

لقاءه × في السّرداب

حدّثني السيد السند، والعالم المعتمد، المحقّق الخبير، والمضطلع البصير السيّد علي سبط السيد أعلى الله مقامه، وكان عالماً مبرّزاً له شرح النافع، حسن نافع جداً، وغيره عن الورع النقيّ التقيّ الوفي الصفيّ السيد مرتضى صهر السيّد أعلى الله مقامه على بنت أُخته، وكان مصاحباً له في السفر والحضر، مواظباً لخدماته في السّر والعلانية، قال: كنت معه في سرّ من رأى في بعض أسفار زيارته، وكان السيّد ينام في حجرة وحده، وكان لي حجرة بجنب حجرته، وكنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته باللّيل والنهار، وكان يجتمع إليه الناس في أوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر اللّيالي.

فاتّفق أنّه في بعض اللّيالي قعد على عادته، والناس مجتمعون حوله، فرأيته كأنّه يكره الإجتماع، ويحبّ الخلوة، ويتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه إشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده، فتفرّق الناس ولم يبق غيري، فأمرني بالخروج، فخرجت إلى حجرتي متفكّراً في حالته في تلك اللّيلة، فمنعني الرقاد، فصبرت زماناً فخرجت متخفيّاً لأتفقد حاله، فرأيت باب حجرته مغلقاً، فنظرت من شقّ الباب وإذا السراج بحاله وليس فيه أحد، فدخلت الحجرة، فعرفت من وضعها أنه ما نام في تلك اللّيلة.

فخرجت حافياً متخفيّاً أطلب خبره، مقتفياً أثره، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبّة العسكريين مُغلقة، فتفقدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثراً، فدخلت الصحن الأخير الّذي فيه السرداب، فرأيته مفتّح الأبواب.

فنزلت من الدَّرج حافياً منخفيّاً متأنيّاً بحيث لا يسمع منّي حس ولا حركة فسمعت همهمة من صفة السرداب، كأنّ أحداً يتكلّم مع الآخر، ولم أميز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها، وكان دبيبي أخفى من دبيب النملة في اللّيلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، فإذا بالسيّد قد نادى في مكانه هناك: يا سيّد مرتضى ما تصنع؟ ولِمَ خرجت من المنزل؟

فبقيت متحيّراً ساكناً كالخشب المسنّدة، فعزمت على الرّجوع قبل الجواب، ثمَّ قلت في نفسي كيف تخفى حالك على من عرفك من غير طريق الحواس فأجبته معتذراً نادماً، ونزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفّة، فرأيته وحده واقفاً تجاه القبلة، ليس لغيره هناك أثر، فعرفت أنّه يناجي الغائب عن أبصار البشر× وليّ الله الملك الأكبر، فرجعت حرياً لكل ملامة، غريقاً في بحار الندامة إلى يوم القيامة.

الحكاية الرابعة عشرة

(صلاة الجماعة في مسجد السّهلة)

حدَّث الشيخ الصالح الصفيّ الشيخ أحمد الصدتوماني،  وكان ثقة تقيّاً ورعاً. قال: قد إستفاض عن جدّنا المولى محمّد سعيد الصّدتوماني وكان من تلامذة السيّد & أنه جرى في مجلسه ذكر قضايا مصادفة رؤية المهدي×، حتّى تكلّم هو في جملة من تكلّم في ذلك فقال: أحببت ذات يوم أن أصل إلى مسجد السهلة في وقت ظننته فيه فارغا من الناس، فلّما انتهيت إليه وجدته غاصّاً بالناس، ولهم دويُّ ،لا أعهد أن يكون في ذلك الوقت فيه أحد.

فدخلت فوجدت صفوفاً صافين للصلاة جامعة، فوقفت غلى جنب الحائط على موضع  فيه رمل، فعلوته لأنظر هل أجد خللاً في الصفوف فأسدّه، فرأيت موضع رجل واحد في صف من تلك الصفوف، فذهبت إليه ووقفت فيه.

فقال رجل من الحاضرين: هل رأيت المهدي×؟! فعند ذلك سكت السيّد، وكأنّه كان نائماً ثمّ إنتبه، فكلّما طلب منه إتمام المطلب لم يتمّه.

الحكاية الخامسة عشرة

(الشيخ محمد حسين ومسجد الكوفة)

حدّث الشيخ الفاضل العالم الثقة الشيخ باقر الكاظميّ المجاور في النجف الأشرف آل الشيخ طالب نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي قال: كان في النجف الأشرف رجل مؤمن يسمّى الشيخ محمّد حسن السريرة، وكان في سلك أهل العلم ذا نيّة صادقة، وكان معه مرض السُّعال إذا سعل يخرج من صدره مع الأخلاط دم، وكان مع ذلك في غاية الفقر والاحتياج، لا يملك قوت يومه، وكان يخرج في أغلب أوقاته إلى البادية إلى الأعراب الذين في أطراف  النجف الأشرف، ليحصل له قوت ولو شعير، وما كان يتيسّر ذلك على وجه يكفيه، مع شدَّة رجائه، وكان مع ذلك قد تعلّق قلبه بتزويج امرأة من أهل النجف، وكان يطلبها من أهلها وما أجابوه إلى ذلك لقلّة ذات يده، وكان في همّ وغم شديد من جهة ابتلائه بذلك.

فلمّا اشتدَّ به الفقر والمرض، وأيس من تزويج البنت، عزم على ما هو معروف عند أهل النجف من أنّه من أصابه أمرٌ فواظب الرَّواح إلى مسجد الكوفة أربعين ليلة الأربعاء، فلابدَّ أن يرى صاحب الأمر عجّل الله فرجه من حيث لا يعلم ويقضي له مراده.

قال الشيخ باقر +: قال الشيخ محمد: فواظبت على ذلك أربعين ليلة بالأربعاء فلمّا كانت اللّيلة الأخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة، وقد هبّت ريح عاصفة ، فيها قليل من المطر، وأنا جالس في الدكة الّتي هي داخل في باب المسجد وكانت الدكّة الشرقيّة المقابلة للباب الأوّل تكون على الطرف الأيسر، عند دخول المسجد، ولا أتمكّن الدّخول في المسجد من جهة سعال الدّم، ولا يمكن قذفه في المسجد وليس معي شيء أتّقي فيه عن البرد، وقد ضاق صدري، واشتدَّ عليّ همّي وغمّي، وضاقت الدُّنيا في عيني، واُفكّر أنَّ اللّيالي قد إنقضت، وهذه آخرها، وما رأيت أحداً ولا ظهر لي شيء، وقد تعبت هذا التعب العظيم، وتحمّلت المشاقَّ والخوف في أربعين ليلة، أجيئ فيها من النجف إلى مسجد الكوفة، ويكون لي الإياس من ذلك.

فبينما أنا أفكّر في ذلك، وليس في المسجد أحد أبداً، وقد أوقدت ناراً لأسخن عليها قهوة جئت بها من النجف، لا أتمكّن من تركها لتعوُّدي بها، وكانت قليلة جدّا، إذا بشخص من جهة الباب الاوّل متوجّهاً إليّ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي: هذا أعرابي من أطراف المسجد، قد جاء إليّ ليشرب من القهوة  وأبقى بلا قهوة في هذا اللّيل المظلم، ويزيد عليَّ همّي وغمّي.

فبينما أنا أفكّر إذا به قد وصل إليَّ وسلّم عليَّ بإسمي، وجلس في مقابلي، فتعجبّت من معرفته بإسمي، وظننته من الّذين أخرج إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف، فصرت أسأله من أيِّ العرب يكون؟ قال: من بعض العرب، فصرت أذكر له الطوائف الّتي في أطراف النجف، فيقول: لا، لا، وكلّما ذكرت له طائفة قال: لا، لست منها.

فأغضبني وقلت له: أجل أنت من طُريطرة مستهزءاً، وهو لفظ بلا معنى، فتبسّم من قولي ذلك، وقال: لا عليك من أينما كنت، ما الّذي جاء بك إلى هنا فقلت: وأنت ما عليك السؤال عن هذه الاُمور؟ فقال: ما ضرَّك لو أخبرتني، فتعجّبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه، فمال قلبي إليه، وصار كلّما تكلّم إزداد حبّي له، فعملت له السبيل من التتن، وأعطيته، فقال: أنت اشرب، فأنا ما أشرب، وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته، فأخذه وشرب شيئاً قليلاً منه، ثمَّ ناولني الباقي وقال: أنت اشربه فأخذته وشربته، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان، ولكن يزداد حبّي له آناً فآناً.

فقلت له: يا أخي أنت قد أرسلك الله إليّ في هذه اللّيلة تأنسني، أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم ×، ونتحدَّث ؟ فقال: أروح معك، فحدّث حديثك.

فقلت له: أحكي لك الواقع، أنا في غاية الفقر والحاجة، مذ شعرت على نفسي ومع ذلك، معي سعال أتنخّع الدّم. وأقذفه من صدري منذ سنين، ولا أعرف علاجه وما عندي زوجة، وقد علق قلبي بإمرأة من أهل محلّتنا في النجف الأشرف، ومن جهة قلّة ما في اليد ما تيسّر لي أخذها.

وقد غرَّني هؤلاء المُلائيّة وقالوا لي: اُقصد في حوائجك صاحب الزمّان× وبت أربعين ليلة الاربعاء في مسجد الكوفة، فانّك تراه، ويقضي لك حاجتك، وهذه آخر ليلة من الأربعين، وما رأيت فيها شيئاً، وقد تحمّلت هذه المشاقَّ في هذه اللّيالي، فهذا الّذي جاءني هنا، وهذه حوائجي.

فقال لي، وأنا غافل غير ملتفت: أمّا صدرك فقد بُرأ ، وأمّا الإمرأة فتأخذها عن قريب، وأمّا فقرك فيبقى على حاله حتّى تموت، وأنا غير ملتفت إلى هذا البيان أبداً.

فقلت: ألا تروح إلى حضرة مسلم؟ قال: قم، فقمت وتوجّه أمامي، فلمّا وردنا أرض المسجد فقال: ألا تصلّي صلاة تحيّة المسجد، فقلت: أفعل، فوقف هو قريباً من الشاخص الموضوع في المسجد، وأنا خلفه بفاصلة، فأحرمت الصلاة وصرت أقرأ الفاتحة.

فبينما أنا أقرء وإذا يقرأ الفاتحة قراءة ما سمعت أحداً يقرأ مثلها أبداً، فمن حسن قراءته قلت في نفسي: لعلّه هذا هو صاحب الزَّمان وذكرت بعض كلمات له تدلُّ على ذلك، ثمَّ نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك، وهو في الصلاة، وإذا به قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف، وهو مع ذلك يصلّي وأنا أسمع قراءته، وقد ارتعدت فرائصي، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفاً منه، فأكملتها على أيّ وجه كان، وقد علا النور من وجه الأرض، فصرت أندبه وأبكي وأتضجّر وأعتذر من سوء أدبي معه في باب المسجد، وقلت له: أنت صادق الوعد، وقد وعدتني الرّواح معي إلى مسلم.

فبينما أنا اُكلّم النور، وإذا بالنور قد توجّه إلى جهة المسلم، فتبعته فدخل النور الحضرة، وصار في جوّ القبّة، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتّى إذا طلع الفجر، عرج النور.

فلمّا كان الصباح التفتُّ إلى قوله: أمّا صدرك فقد برأ، وإذا أنا صحيح الصدر، وليس معي سعال أبداً، وما مضى اُسبوع إلّا وسهّل الله عليّ أخذ البنت من حيث لا أحتسب، وبقي فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين

عودٌ على بدء: قال الشهيد الصدر الثاني+:            الوجه الرابع: أن نعترف بصدقها ـ أي الاخبار المتواترة الدالة على الرؤية .. ومطابقتها للواقع ، لكن يلتزم بوجوب تكذيبها تعبداً، إطاعة للأمر الوارد في التوقيع، وقد احتمل هذا الوجه بعضهم.

أقول: كما جاء هذا المعنى في قصة الميرزا القمي والسيد مهدي بحر العلوم قدس سرّهما كما أشار إليها المحقق التنكابني في كتابه (قصص العلماء: 188) قال: (ومن كراماته ـ السيد مهدي ـ ما ذكره بحر العلوم للميرزا القمي (ره): أني كنت مشغولاً بالعبادة في إحدى الليالي في مسجد السهلة، وفجأة سمعت صوت مناجاة إضطرب له القلب، وذهبت نحو مصدر الصدق فقال: إجلس سيد مهدي فجلست ثم وضع بحر العلوم يده على كتف الميرزا القمي.

وقال له: إذا قلت لك أنني رأيت القائم فكذّبني، لأن هذا هو تكليفك، وقطع بحر العلوم كلامه).

ثم السيّد الصدر الثاني+، ناقش هذا الوجه كذلك، بأنّه: ممّا لا يكاد يصح..فإنه خلاف ظاهر الحديث، بل صريحه حيث يقول فهو كذاب مفتر، الدّال على عدم مطابقة قوله للواقع، ولم يقل فكذّبوه، ليكون من قبيل الأمر الصادر من الإمام ليطاع تعبّداً، على أنّه لا يمكن للإمام المهدي× أن يأمر بالتكذيب مع علمه بوقوع المشاهدة الثابتة عندنا بالتواتر.

أقول: وربما تناقش هذه المناقشة، بأنّ الحديث وإن دلّ على أن من يدّعى المشاهدة فهو كذاب مفتر، فهذا بالنسبة إليه، وأمّا بالنسبة إلى غيره، فتكليفه أن يكذبّه، أي لا يأخذ بقوله، فالتكذيب إنما دل عليه بالدلالة الإلتزامية ، لا بالدلالة بالمطابقية حتى نحتاج إلى أمر صادر منه×، بل لما كان لازم الكذّاب أن يُكذّب قوله. وهذا تارة يكون عقلياً، أي بحكم العقل يكذّب، وأُخرى تعبّدياً، فيما كان في الأمر التعبّدي الشرعي كما في المقام، ولا نحتاج إلى أمر من مولانا الإمام المهدي × إلى تكذيبه مع علمه بوقوع المشاهدة الثابتة عندنا بالتواتر، بل يكفي أن يقال بذلك ولو من جهة الدلالة الالتزامية، فتأمّل.

الخامس: من الوجوه التي يقال في رفع التعارض أن يحمل التوقيع الشريف على دعوى المشاهدة مع إدعاء الوكالة أو السفارة عنه× وهذا ما ذهب إلى جمع من الأعلام كالعلامة المجلسي والشيخ لطف الله الصافي كما مرّ، وإنّه من أقرب الوجوه في رفع التعارض ـ إلا أن الشهيد ناقش هذا الوجه أيضاً، وقد مرّ الكلام فيه فلا نعيد، وفي نهاية المطاف قال+: إذن فلا يتم شيء من هذه الوجوه الخمسة، للجمع بين التوقيع الشريف وأخبار المشاهدة على تقدير صحة التعارض بينهما.

ثم من هنا يبدء السيد في بيان مختاره من القول بالتفصيل، إلا أنّه لا من جهة التعارض والجمع العرفي بينهما كما هو المختار بحمل المطلق على المقيد، وأنّ المراد من المشاهدة ليس مطلقها، وإنما هي مع دعوى السفارة أو ما شابه ذلك، كالبالية المنحرفة وغيرها كما نسمع في الآونة الأخيرة بعد سقوط الطاغية صدام من يدعي المشاهدة الخاصة، فهذا كذّاب مفتر كما هو المختار، ولابد من بيان زيفه وبطلانه وان لا يعبد التاريخ نفسه ونبتلي ببابية وبهائية أُخرى.

فيقول السيد الشهيد+: الّا أن الصحيح عو عدم وجود التعارض بينهما بالمقدار الذي يثبت الحق ، وتقتنص منه النتيجة الإسلامية المطلوبة على ما سنرى، من مقابلات الإمام المهدي× من حيث مطابقتها للواقع وعدمها، ومن حيث الاعراب عن المقابلة أو السكوت عنها ... تنقسم إلى عدة أقسام فيقع الكلام فيها على سبعة مستويات:

الأولى: إننا سبق أن عرفنا أن الامام المهدي× ليس مختفياً بشخصه عن الناس، وإنّما يراهم ويرونه، ولكنّه يعرفهم ولا يعرفونه، فما  هو الواقع خارجاً هو الجهل بعنوانه، كأمام مهدي ، لا إختفاء جسمه، كما تقول به بعض الأفكار غير المبرهنة.

وقد عرفت أنّ جهالة عنوانه كافية في نجاته من السلطات الظالمة خاصة بعد أن تنمو أجيال جديدة لا تعرف شكله وسحنته، إذن فالمهدي× يستطيع أن يعيش في المجتمع كأي فرد من أفراده لا يلفت النظر، ولا يثير الانتباه، بصفته عاملاً أو تاجراً أو رجل دين، وهكذا، كما سنتعرّض له مفصلاً في التاريخ القادم.

وعلى ذلك فرؤية الناس للإمام المهدي× ثابتة في كل يوم وعلى الدوام، كلّما مشى في الطريق، أو ذهب إلى السوق، أو إلى الحج، أو إلى زيارة أحد أجداد الأئمة الطاهرين ^، غاية الأمر أن النّاس يرون فيه شخصاً عادياً، ويجهلون بالكلية كونه هو المهدي المنتظر × بل من المتعذر حتى مجرد الإلتفات إلى ذلك، أو احتماله كما هو واضح.

ومثل هذه الرؤية أو المقابلة للمهدي × لا ينفيها التوقيع الشريف بحال من الأحوال، فإنها لا تقترن أبداً بإدّعاء المشاهدة، بسبب جهل المشاهد بحقيقة من رآه وكونه هو المهدي ×، فهو لا يدّعي أنّه رأى المهدي× ليلزم تكذيبه ، وإذا أعرب عن ذلك، فإنما يقول: رأيت فلاناً... ويذكر العنوان الظاهر الذي إتخذه المهدي× في ذلك المجتمع، لا العنوان الواقعي للمهدي البتة.

وظاهر بيان إنتهاء السفارة أن ما هو كاذب أو ما يجب تكذيبه هو إدعاء مشاهدة المهدي بصفته إماماً مهدياً، أو الالتفات إلى ذلك ولو بالنتيجة، أي بعد انتهاء المقابلة، وهو ممّا لا يمكن أن يحدث في المقابلات الاعتيادية للمهدي×.

إذن فخبر التكذيب يعتمد من تكذيب هذا النوع من المشاهدة، كما أن الاخبار الدّالة على مشاهدة الإمام المهدي× بعيدة عنه أيضاً... إذن فهذا المستوى من المقابلة، خارج عن نطاق كلا الطرفين المدّعي تعارضهما، لا ينفيه التوقيع ولا تثبته الاخبار الأخرى، ومعه فلو معارضة على هذا المستوى.

الثاني: إنّ الفرد ليرى المهدي بصفته مهدياً، ولكنه لا يعرب عن ذلك إلى الأبد.

وهذا المستوى مما لا يمكن الإستدلال على بطلانه أو نفيه ان لم ندع أنه هو الأغلب في مقابلات المهدي×، وان المقابلات التي أعرب عنها الناس ووصلنا خبرها على كثرتها ـ أقل بكثير من المقابلات التي لم يعرب عنها أصحابها ولم يصلنا خبرها، خاصة بعد أن نعرف أنّ العلماء والصالحين من سلفنا الصالح، كانوا يرون عدم جواز الاعراب عن المقاصد لأحد، بدوافع مختلفة، إمّا أن الإعراب عن المقابلة بما فيها من ملابسات قد تؤدي إلى خطر على المهدي نفسه، وأما لكونهم تخيّلوا أن مقتضى الاخلاق والتواضع هو السكوت، وأمّا لأنّهم تلقوا أمراً من المهدي × حين المقابلة بالكتمان.

أو بغير ذلك من الدوافع ، وبذلك ضاعت على التاريخ أكثر مقابلات الإمام المهدي× في غيبته الكبرى.

وهذا المستوى من المقابلات مما لا يمكن الاستدلال على بطلانه، إلّا برفض التصور الإمامي للمهدي× وغيبته، وهو خلاف المفروض من هذا التاريخ، حيث بنيناه على التسليم بصحة هذا التصور ... ومع هذا التصور تكون مقابلته على هذا المستوى محتملة على أقل تقدير، ولا يدل التوقيع الشريف على نفيه وبطلانه، لغرض عدم إقترانها بدعوى المشاهدة، كل لا عفي لتكذيبها، بعد أن سكت عنها أصحابها.. وهذا المستوى أيضاً خارج عن أخبار المشاهدة، لكونها جميعاً من المشاهدات المنقولة كما هو الواضح، ومعه يكون هذا المستوى خارجاً عن طرفي النفي والإثبات للطرفين من الاخبار المدعي تعارضهما، إذن فلا تعارض على هذا المستوى أيضاً.

الثالث: إن الفرد يرى الإمام المهدي × بصفته مهدياً ولو بحسب النتيجة ، ولكنّه لا يخبر بالصراحة والوضوح ، بكونه قد شاهد المهدي × ، وإنما ينقل ما وقع له من الحادثة، ويكون استنتج له ولغيره، من مجموع ما حدثت من دلائل هو أن ذلك الشخص الذي أقام هو المهدي عليه الصلاة والسلام، والمخبر من ناحيته يجعل المجال للمتفلسف والاستنتاج للسامع مفتوحاً ، وإن كان يعتقد بنفسه ان من رآه هو الإمام المهدي× بعينه.

ففي مثل ذلك، إذا استظهرنا من التوقيع الشريف، كما هو غير بعيد من قوله (إدّعى المشاهدة) ما إذا أدَعى المتكلم رأساً انّه رأى المهدي× وتعهد بذلك للسّامع، فهذا هو المنفي بلسان التوقيع وأما إذا لم يخبر بذلك صراحة وأنّما أوكل الجزم بذلك إلى وجدان السامع، فهو ممّا لا ينفيه التوقيع الشريف.

ومن المعلوم لمن إستعرض أخبار المشاهدة التي أدى معارضتها مع التوقيع، أن أكثرها يتضمن نقلاً للحادث مع إيكال الجزم بكون المرئي هو الإمام المهدي× إلى وجدان السامع، وعدم تعّهد المتكلم بذلك، وإن كان معتقداً به، إذن فمثل هذه الأخبار تكون مداليلها ثابتة بدون أن ينفيها التوقيع بحال .

الرابع: كون الفرد يرى الإمام المهدي ×، ويخبر صراحة أنه رأى المهدي× متعهداً بإثبات ذلك، إلا أنّه يذكره مدعماً بالبراهين والأدلة التي تورث القطع للسامع بأن الشخص المرئي هو المهدي نفسه، لإستحالة أن يقوم بذلك شخص سواه عادة، كما لو صدرت منه المعاجز كأجداده الطاهرين × كالإخبار بالغيب ففي مثل ذلك، وان إقتضى الفهم الابتدائي للتوقيع نفي المشاهدة على هذا المستوى، إلا أنّه بحسب الدّقة، يستحيل دلالة التوقيع على ذلك، لفرض كوننا قاطعين بكون المرئي هو الإمام المهدي×، والقاطع يستحيل عقلاً أن يحتمل الخلاف أو يكلف بالنكذيب ـ وان القطع حجيته ذاتية ليس بيد جعل جاعل لا نفياً ولا إثباتاً كما هو ثابت عند المحققين في علم أصول الفقه ـ ومعه يكون الحكم بكون مذعي المشاهدة مفتر كذّاب، مختصاً بصورة الشك بما إذا كان المرئي هو المهدي × أو غيره ولا يشمل صورة العلم بكونه هو المهدي ×، فكان الامام المهدي× من توقيعه الشريف يريد أن يقول: إنه إذا أخبرك شخص بأنّه رأى المهدي. وشككت بقوله، فإحمله على أنّه كاذب، بمعنى أن القاعدة العامة والاولية في دعوى المشاهدة هو الكذب وعدم المطابقة مع الواقع. إلا مع القطع بالثبوت والمطابقة، والمفروض على هذا المستوى القطع بذلك، فلا يكون منفيّاً بالتوقيع كما هو واضح.

أقول: من الاعلام من يرى حجية القطع ليس بإعتبار القطع نفسه، بل من جهة الاطمئنان القلبي، وحينئذ يلحق به كل ما يوجب الإطمئنان القلبي ولو كان من جهة الظن المعتبر ويسمى بالعلم العادي، كما هو حجة عند المشهور، فيلحق حكماً بالقطع المنجّز والمعذّر، فتأمل.

ثم قال الشهيد الصدر الثاني+: ونحن إذا استعرضنا أخبار المشاهدة نجدها جميعاً مدعمة بالشواهد  الدالة على كون الشخص المرئي هو الإمام المهدي× وهذا خلاف ما يقوله بعض المعاصرين بانها مجرد قصص وحكايات لا سند لها ، فإن هذه الشواهد هي السبيل الوحيد إلى معرفة ذلك، إلا أننّا الآن حيث لم نعش هذه الشواهد ولم نعاصرها ، وكان كل خبر مستقلاً، ظنياً بالنسبة إلينا، فما عندنا من العلم فعلاً ، هو العلم الناشي من التّواتر، حيث قلنا بان هذه الاخبار تفوق التواترـ والتواتر من العلم والنص المفيد للقطع ولا يقاومه في مقام المعارضة مثل الظنون والظواهر، ومثل التوقيع الشريف الدال باطلاقه على نفي المشاهدة والرؤية، فتدبّر. إذن فنحن نعلم أن أشخاصاً أخبروا عن مشاهدة الإمام المهدي× وعاشوا شواهد قطعية عن ذلك، ومعه لا يمكن أن تكون مثل هذه الاخبارات مشمولة للتوقيع الشريف بحال.

فعلى هذه المستويات الأربعة، التي تنتظم فيها سائر الأخبار، ولا يكاد يشذ منها شيء ترتفع المعارضة المتخيّلة بين التوقيع الشريف وأخبار المشاهدة، ولا يكاد يكون التوقيع نافياً لها بحال.

الخامس: إن الفرد يخبر عن مشاهدة الإمام المهدي ×، من دون أن يقترن خبره بدليل يوجب القطع أو الاطمئنان بأن المرئي هو المهدي× نفسه.

وهذا المستوى لا يكاد يوجد في أخبار المشاهدة، فإنها كلّها أو الأعم الأغلب منها على الأقل، تحتوي على الدلائل القطعية على ذلك كما قلنا، وسترى ذلك حين نعرض لها بالتفصيل في التاريخ القادم (تاريخ الغيبة الكبرى).

نعم لو فرض وجود مثل هذا الخبر أو سمعت شيئاً من ذلك من أحدً بدون أن يقترن بدليل واضح ـ وقاطع مما يقرّبه العقلاء والشرع المقدس، فاعرف أنه كذاب مفتر ـ وهذا ما يحدث أخيراً في عراقنا الحبيب وكذلك في إيران الحبيبة من دعوات بعض الدجالين والكذّابين وإلقائهم بالحجة المنتظر × وأخذ تعاليم معه مباشرة. وايصالها إلى مردتهم والمغرورين بهم. فالحذار الحذار من هؤلاء، ولابد من بيان زيفهم وملاحقتهم من قبل الحكومات، لافسادهم في الأرض وخلق مذهب جديد كالبابية والبهائية، ولا سيما الاستعمار والاستكبار يمدّهم بالمال ويدعمهم اقتصادياً وسياسياً واقليمياً ودولياً فهؤلاء يصدق عليهم كذاب مفتر ـ فإنه يكون مشمولاً للتوقيع الشريف ، لو اقتصرنا على قسم من عبارته، ولا ضير في ذلك، فإن المنفى حينئذ هو أقل القليل، وهو يحملنا على التنّزه عن الدعاوي الفارغة والمنحرفة، والاستغلالات الخرافيّة المتعهدة ـ الذي يسرق بها قلوب البسطاء والسذج من الموالين والمحبين لأهل البيت^ .

نعم لو أخذنا بقوله×: (وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة) وفهمنا منه التنبيه على الدعوات المنحرفة بالخصوص على ما سيأتي على المستوى الآتي.. كان ذلك قرينة على أنّ دعوى المشاهدة المقترنة بالدعوة المنحرفة هي الكاذبة دائماً ـ وهذا ما ذهبنا إليه من القول بتقيد اطلاق المشاهدة بالسّفارة أو الوكالة أو ما شابه ذلك، كالدّعوة المنحرفة، وعلمنا بذلك من خلال سياق الكلام أو الإنصراف، فكان من القيد الحالي فتدبر ومعه يكون إدّعاء المشاهدة المجرد عن الدعوة المنحرفة، غير منصوص على كذبه في التوقيع، وإن تجرّد عن الدليل الواضح ، بل يبقى محتمل الصدق على أقل تقدير، فيكون حكمه حكم كل خبر يحتمل الصدق والكذب، ونذره في بقعة الامكان الوقوعي حتى نجد له دليلاً فتدبّر.

السادس: أن يدعي شخص مشاهدة الإمام المهدي× بدون برهان واضح، كالمستوى السابق ولكنه يدعي أن المهدي× قد قال له أموراً، أو أمره بتبليغ أشياء نعرفها بكونها باطلة ومنحرفة ـ كالكلام على المراجع الصالحين والمرجعية الصالحة ـ فيحاول هذا الفرد أن يتزعم باسم الإمام المهدي× مسلكاً منحرفاً أو حركة ضالة ومضلّة في داخل نطاق القواعد الشعبية المؤمنة بالمهدي×.. من أي نوع من أنواع الإنحراف كان ـ وهذا ما حدث أخيراً في إيران والعراق من بعض الدّجالين...

والادعاء على هذا المستوى كاذب ومزوّر جزماً  للعلم بعدم صدور ما هو باطل من الإمام الحق المذخور لدولة الحق ـ العالمية يملأ الأرض قسطاً وعدلاً....

والمطمأن به هو أن هذا المستوى في الادعاء هو المقصود من التكذيب في التوقيع الشريف.

فإن المستظهر من قوله×: (وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة) كون المراد منه الإشارة إلى حدوث دعوات منحرفة وحركات غير محمودة في داخل القواعد الشعبية الإماميّة، تقوم على دعوى المشاهدة  خلال الغيبة الكبرى . مع إلفات نظر المؤمنين وتحذيرهم من تلك الدّعوات، وتنبيههم على خطرها على الإسلام والمجتمع الإسلامي.

إذن فمدعي المشاهدة كاذب مزور في خصوص ما إذا كان منحرفاً ينقل أموراً باطلة عن الإمام المهدي×، وأما فيما سوى ذلك فلا يكون التوقيع الشريف دالاً على بطلانه، سواء نقل الفرد عن المهدي× أموراً صحيحة بحسب القواعد الإسلامية، أو محتملة الصحة على أقل تقدير، أو لم ينقل شيئاً على الإطلاق.

السابع: أن يؤمن شخص بإنسان أنه هو المهدي المنتظر، كما حدث في التاريخ خلال الدعوات المهدوية المتعددة ـ عند السنة والشيعة ـ فيخبر ـ إذا رآه ـ أنه رأى المهدي.

وهذا يكون كاذباً جزماً، لأنه وان كان رأى مدعي المهدويّة، إلّا أنه لم ير المهدي الحقيقي المعّين من قبل الله تعالى لانقاذ العالم من الظلم في اليوم الموعود، فإخباره برؤية المهدي× لا يكون مطابقاً للواقع، وإن إعتقد المخبر صدقه. فيكون المراد من التوقيع الشريف هو التحذير من هذه الدعوات المهدوية الباطلة.

والمعارضة ـ على هذا المستوى ـ غير موجودة بين التوقيع الشريف وأخبار المشاهدة، فإن التوقيع وإن كان مكذباً لهذه المشاهدة ، إلّا أن أخبار المشاهدة المقصودة لا تثبتها، فإنها جميعاً تدور حول مشاهدة المهدي الغائب الحجة بن الحسن العسكري÷ دون غيره، وهو المهدي الحقيقي بالفهم الإمامي، وعند من يعترف بصحة هذا التوقيع الشريف ونفوذه، ومعه لا معنى لهذه المعارضة المدعاة...

وفي نهاية المطاف قال+: إذن فقد تحصل من كلّ ذلك: أن الإشكال الذي ذكروه غير وارد على التوقيع ولا على أخبار المشاهدة، وإنه بالإمكان الأخذ به وبأخبار المشاهدة، ولا يجب تكذيبها إلّا ما كان قائماً على الإنحراف والخروج عن الحق ـ  كأدعاء الوكالة الخاصة والبابية وما شابه ذلك ـ وهذا إنما القول بالتفصيل بنحو آخر بلا إفراط ولا تفريط، كما نقول بالتفصيل إلّا أنه من باب المعارضة وحمل المطلق على المقيّد كما مرّ، والحمد لله رب العالمين...

وختامه مسك:

وفي الختام لا شك أن أُمنية كل مؤمن ومؤمنة أن يتشرف بلقاء مولاه وإمام زمانه×، ولو بلحظة واحدة. ويرى ذلك الجمال اليوسفي الإلهي، وتلك العلقة البهيّة الربانية عارفاً بإمامته ووجوب طاعته المطلقة، ولكن العمدة ان يراه بالبصيرة وبرؤية قلبية، يسكن ذكره الجميل في قلبه، في حرم الله وفي عرشه، فإن قلب المؤمن عرش الرحمن، ومن أولى بعرش الله من خليفته ووليه الأعظم وحجته الكبرى على الخلائق، والإنسان الكامل. ومظهر إسمه الأعظم، والذكر حضور المذكور عند الذاكر، فمن يذكر مولاه في الليل والنهار، وفي كل زمان ومكان، ولا يغفل عنه طرفة عين، ويذكره بالصدّقات والزيارات وغير ذلك، فإنه لا شك ولا ريب يراه بعين قلبه وبصيرته، ولا قياس بين هذه النظرة والمشاهدة والرؤية، وبين أن يراه ببصره، ولكن لا يعرف مقامه وإمامته ووجوب طاعته ومودّته والفناء في إرادته، فكم من صحابة النبي محمد‘ كانوا معه ليلاً ونهاراً، إلّا أنهم آذوه في نفسه، وفي أهل بيته الأطهار؟! ومن يؤذي الرسول الأعظم يؤذي الله، ومن يوذيهما فعليه لعنة الله أبد الأبدين:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً ﴾ (الأحزاب: 57)

فالمفروض من كل موالٍ وشيعي مخلص، أن ينتظر ظهور مولاه وإمام زمانه، ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً، فإنّه من أفضل الأعمال إنتظار الفرج والدعاء لتعجيله: وإن اشتاق إلى لقاءه ورؤيته فإنّه يزوره بما ورد من زياراته العامة والخاصة، ومن أهمها زيارة (آل يس) الوارد عن الناحية المقدسة، وكذلك دعاء العهد في كل يوم، ودعاء الندبة في أيام الجمع، وغير ذلك وهذا ما ورد في الاخبار:

عن (بحار الأنوار: 53: 174) بسنده عن أحمد بن إبراهيم قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن عثمان ـ السفير الأول في زمن الغيبة الصغرى ـ شوقي إلى رؤية مولانا × فقال لي مع الشوق تشتهي أن تراه؟ فقلت له: نعم ـ أي مقصودك فقط لقاءه لاشتياق إليه وليس مقصودك إلى أن أطلب منه حاجةً أو تسأل سؤال أو ما شابه ذلك ـ فقال لي شكر الله لك شوقك ـ فإن هذا الشوق من العبادة التي يشكرها الله سبحانه ـ وأراك وجهه في يسر وعافية، ولا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه ـ أي لا تطلب رؤيته بالبّصر. لإنك أنت الآن في أيام الغيبة، والوظيفة في أيام الغيبة أن تشتاق إلى لقاءه. إلّا أنه لا يسأل أن يجتمع معه، فلا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه ـ فإن أيام الغيبة يشتاق إليه ولا يسأل الاجتماع معه، وحكمة ذلك وسرّه أنّ هذا من عزائم الله ومما أوجبه الله، والمفروض من العبد الرضا والتسليم كما قال السفير محمد بن عثمان العمري ـ إنه عزائم الله، والتسليم لها أولى.

ثم علّمه ويعلّمنا أنّه ماذا نفعل في أيام غيبته×، وذلك أن نزوره، ولا سيما عندما نشتاق إلى لقاءه، وهناك من يشتاق إليه في كل يوم فيزوره في كل يوم، بل هناك من يزوره بعد كل صلاة مفروضة ولو بزيارة مختصرة، شوقاً إلى لقاءه والتشرف بخدمته، فقال: ـ ولكن توجه إليه بالزيارة ـ ثم أشار إلى زيارة آل يس والصلاة قبلها بأثني عشر ركعة، وإليك نص الزيارة كما في مفاتيح الجنان لشيخنا القمي+:

عن البحار: 53: 171 بسنده عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج توقيع من الناحية المقدسة ـ حرسها الله تعالى ـ بعد مسائل: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة، فما تغني النذر عن قوم لا يؤمن) السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا أراد ثم التوجه بنا إلى الله تعالى والينا ، تقولوا كما قال الله تعالى:

سَلامٌ عَلى آلِ يس، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا داعِيَ اللهِ وَرَبّانِيَ آياتِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا بابَ اللهِ وَدَيّانَ دينِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خَليفَةَ اللهِ وَناصِرَ حَقِّهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ وَدَليلَ اِرادَتِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا تالِيَ كِتابِ اللهِ وَتَرْجُمانَهُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ في آناءِ لَيْلِكَ وَاَطْرافِ نَهارِكَ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا بَقِيَّةَ اللهِ في اَرْضِهِ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا ميثاقَ اللهِ الَّذي اَخَذَهُ وَوَكَّدَهُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا وَعْدَ اللهِ الَّذي ضَمِنَهُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ وَالْعِلْمُ الْمَصْبُوبُ وَالْغَوْثُ وَالرَّحْمَةُ الْواسِعَةُ، وَعْداً غَيْرَ مَكْذوُب، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقوُمُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْعُدُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَقْرَأُ وَتُبَيِّنُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُصَلّي وَتَقْنُتُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُهَلِّلُ وَتُكَبِّرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تَحْمَدُ وَتَسْتَغْفِرُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ حينَ تُصْبِحُ وَتُمْسي، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ فِي اللَّيْلِ اِذا يَغْشى وَالنَّهارِ اِذا تَجَلّى، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الاِمامُ الْمَأمُونِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْمُقَدَّمُ الْمَأمُولُ، اَلسَّلامُ عَلَيْكَ بِجَوامِعِ السَّلام اُشْهِدُكَ يا مَوْلاىَ اَنّى اَشْهَدُ اَنْ لا اِلـهَ اِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَاَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسوُلُهُ لا حَبيبَ اِلا هُوَ وَاَهْلُهُ، وَاُشْهِدُكَ يا مَوْلايَ اَنَّ عَلِيّاً اَميرَ الْمُؤْمِنينَ حُجَّتُهُ وَالْحَسَنَ حُجَّتُهُ وَالْحُسَيْنَ حُجَّتُهُ وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حُجَّتُهُ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍّ حُجَّتُهُ، وَموُسَى بْنَ جَعْفَر حُجَّتُهُ، وَعَلِيَّ بْنَ موُسى حُجَّتُهُ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ، وَعَلِيَّ بْنَ مُحَمَّد حُجَّتُهُ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حُجَّتُهُ، وَاَشْهَدُ اَنَّكَ حُجَّةُ اللهِ، اَنْتُمُ الاَوَّلُ وَالاْخِرُ وَاَنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لا رَيْبَ فيها يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْساً ايمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ اَوْ كَسَبَتْ في ايمانِها خَيْراً، وَاَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَاَنَّ ناكِراً وَنَكيراً حَقٌّ، وَاَشْهَدُ اَنَّ النَّشْرَ حَقٌّ، وَالْبَعَثَ حَقٌّ، وَاَنَّ الصِّراطَ حَقٌّ، وَالْمِرْصادَ حَقٌّ، وَالْميزانَ حَقٌّ، وَالْحَشْرَ حَقٌّ، وَالْحِسابَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ وَالنّارَ حَقٌّ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعيدَ بِهِما حَّق، يا مَوْلايَ شَقِيَ مَنْ خالَفَكُمْ وَسَعِدَ مَنْ اَطاعَكُمْ، فَاَشْهَدْ عَلى ما اَشْهَدْتُكَ عَلَيْهِ، وَاَنَا وَلِيٌّ لَكَ بَريٌ مِنْ عَدُوِّكَ، فَالْحَقُّ ما رَضيتُمُوهُ، وَالْباطِلُ ما اَسْخَطْتُمُوهُ، وَالْمَعْرُوفُ ما اَمَرْتُمْ بِهِ، وَالْمُنْكَرُ ما نَهَيْتُمْ عَنْهُ، فَنَفْسي مُؤْمِنَةٌ بِاللهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ وَبِرَسُولِهِ وَبِاَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَبِكُمْ يا مَوْلايَ اَوَّلِكُمْ وَآخِرِكُمْ، وَنُصْرَتي مُعَدَّةٌ لَكُمْ وَمَوَدَّتى خالِصَةٌ لَكُمْ آمينَ آمينَ.

الدّعآء عقيب هذا القول:اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد نَبِيِّ رَحْمَتِكَ وَكَلِمَةِ نُورِكَ، وَاَنْ تَمْلاََ قَلْبى نُورَ الْيَقينِ وَصَدْري نوُرَ الاْيمانِ وَفِكْري نُورَ النِّيّاتِ، وَعَزْمي نُورَ الْعِلْمِ، وَقُوَّتي نُورَ الْعَمَلِ، وَلِساني نُورَ الصِّدْقِ، وَديني نُورَ الْبَصائِرِ مِنْ عِنْدِكَ، وَبَصَري نُورَ الضِّياءِ، وَسَمْعي نُورَ الْحِكْمَةِ، وَمَوَدَّتي نُورَ الْمُوالاةِ لُِمحَمَّد وَآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَتّى اَلْقاكَ وَقَدْ وَفَيْتُ بِعَهْدِكَ وَميثاقِكَ فَتُغَشّيَنى رَحْمَتَكَ يا وَلِىُّ يا حَميدُ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد حُجَّتِكَ في اَرْضِكَ، وَخَليفَتِكَ في بِلادِكَ، وَالدّاعي اِلى سَبيلِكَ، وَالْقائِمِ بِقِسْطِكَ، وَالثّائِرِ بِاَمْرِكَ، وَلِيِّ الْمُؤْمِنينَ وَبَوارِ الْكافِرينَ، وَمُجَلِّي الظُّلْمَةِ، وَمُنيرِ الْحَقِّ، وَالنّاطِقِ بِالْحِكْمَةِ وَالصِّدْقِ، وَكَلِمَتِكَ التّآمَّةِ في اَرْضِكَ، الْمُرْتَقِبِ الْخآئِفِ وَالْوَلِيِّ النّاصِحِ، سَفينَةِ النَّجاةِ وَعَلَمِ الْهُدى وَنُورِ اَبْصارِ الْوَرى، وَخَيْرِ مَنْ تَقَمَّصَ وَارْتَدى، وَمُجَلِّي الْعَمَى الَّذي يَمْلاَُ الاَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَما مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، اِنَّكَ عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ، اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى وَلِيِّكَ وَابْنِ اَوْلِيائِكَ الَّذينَ فَرَضْتَ طاعَتَهُمْ، وَاَوْجَبْتَ حَقَّهُمْ، وَاَذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهيراً، اَللّـهُمَّ انْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ لِدينِكَ وَانْصُرْ بِهِ اَوْلِياءِكَ وَاَوْلِياءِهِ وَشيعَتَهُ وَاَنْصارَهُ وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ، اَللّـهُمَّ اَعِذْهُ مِنْ شَرِّ كُلِّ باغ وَطاغ وَمِنْ شَرِّ جَميعِ خَلْقِكَ، وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمينِهِ وَعَنْ شَمالِهِ، وَاحْرُسْهُ وَامْنَعْهُ مِنْ اَنْ يوُصَلَ اِلَيْهِ بِسُوء وَاحْفَظْ فيهِ رَسُولَكَ، وَآلِ رَسوُلِكَ وَاَظْهِرْ بِهِ الْعَدْلَ وَاَيِّدْهُ بِالنَّصْرِ، وَانْصُرْ ناصِريهِ، وَاخْذُلْ خاذِليهِ، وَاقْصِمْ قاصِميهِ، وَاقْصِمْ بِهِ جَبابِرَةَ الْكُفْرِ، وَاقْتُلْ بِهِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقينَ وَجَميعَ الْمُلْحِدينَ حَيْثُ كانُوا مِنْ مَشارِقِ الاَرْضِ وَمَغارِبِها بَرِّها وَبَحْرِها، وَامْلاَْ بِهِ الاَرْضَ عَدْلاً وَاَظْهِرْ بِهِ دينَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَاجْعَلْنِي اللّهُمَّ مِنْ اَنْصارِهِ وَاَعْوانِهِ وَاَتْباعِهِ وَشيعَتِهِ، وَاَرِني في آلِ مُحَمَّد عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما يَأمُلُونَ وَفي عَدُوِّهِمْ ما يَحْذَرُونَ، اِلـهَ الْحَقِّ آمينَ، يا ذَا الْجَلالِ وَالاِكْرامِ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

أقول: لا شك أنّ من يذكر مولانا صاحب الزمان# بالزيارة والدعاء والصلاة والأعمال الصالحة، كالصدقة عنه لسلامته وتعجيل ظهوره، فإنه يدعو هو كذلك لمن يذكره، لأنه هو مظهر قوله تعالى: ﴿ اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ فمن يذكر الحجة× وينصره، فإنه كذلك يتعامل معه مولاه وإمام زمانه، وهل جزاء الإحسان إلّا الإحسان.

ومن الأعمال التي يزوالها كل مؤمن ومؤمنة في حياتهما، هو دعاء العهد الأول والثاني كما هو مذكور في مفاتيح الجنان، وإليكم العهد الثاني:

روي عن الإمام الصادق عليه أنه قال: من دعا إلى الله تعالى أربعين صباحاً بهذا الدعاء كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره، وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، وهو هذا (اَللّـهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفيعِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَمُنْزِلَ التَّوْراةِ وَالاِْنْجيلِ وَالزَّبُورِ، وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظيمِ، وَرَبَّ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبينَ وَالاَْنْبِياءِ وَالْمُرْسَلينَ، اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ بِاِسْمِكَ الْكَريمِ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُنيرِ وَمُلْكِكَ الْقَديمِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ اَسْاَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذي اَشْرَقَتْ بِهِ السَّماواتُ وَالاَْرَضُونَ، وَبِاسْمِكَ الَّذي يَصْلَحُ بِهِ الاَْوَّلُونَ وَالاْخِرُونَ، يا حَيّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ وَيا حَيّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ وَيا حَيّاً حينَ لا حَيَّ يا مُحْيِيَ الْمَوْتى وَمُميتَ الاَْحْياءِ، يا حَيُّ لا اِلـهَ اِلّا اَنْتَ، اَللّـهُمَّ بَلِّغْ مَوْلانَا الاِْمامَ الْهادِيَ الْمَهْدِيَّ الْقائِمَ بِاَمْرِكَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ و عَلى آبائِهِ الطّاهِرينَ عَنْ جَميعِ الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ في مَشارِقِ الاَْرْضِ وَمَغارِبِها سَهْلِها وَجَبَلِها وَبَرِّها وَبَحْرِها، وَعَنّي وَعَنْ والِدَيَّ مِنَ الصَّلَواتِ زِنَةَ عَرْشِ اللهِ وَمِدادَ كَلِماتِهِ، وَما اَحْصاهُ عِلْمُهُ وَاَحاطَ بِهِ كِتابُهُ، اَللّـهُمَّ اِنّي اُجَدِّدُ لَهُ في صَبيحَةِ يَوْمي هذا وَما عِشْتُ مِنْ اَيّامي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ في عُنُقي، لا اَحُولُ عَنْها وَلا اَزُولُ اَبَداً، اَللّـهُمَّ اجْعَلْني مِنْ اَنْصارِهِ وَاَعْوانِهِ وَالذّابّينَ عَنْهُ وَالْمُسارِعينَ اِلَيْهِ في قَضاءِ حَوائِجِهِ، وَالْمُمْتَثِلينَ لاَِوامِرِهِ وَالُْمحامينَ عَنْهُ، وَالسّابِقينَ اِلى اِرادَتِهِ وَالْمُسْتَشْهَدينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، اَللّـهُمَّ اِنْ حالَ بَيْني وَبَيْنَهُ الْمَوْتُ الَّذي جَعَلْتَهُ عَلى عِبادِكَ حَتْماً مَقْضِيّاً فَاَخْرِجْني مِنْ قَبْري مُؤْتَزِراً كَفَنى شاهِراً سَيْفي مُجَرِّداً قَناتي مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدّاعي فِي الْحاضِرِ وَالْبادي، اَللّـهُمَّ اَرِنيِ الطَّلْعَةَ الرَّشيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَميدَةَ، وَاكْحُلْ ناظِري بِنَظْرَة منِّي اِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَاَوْسِعْ مَنْهَجَهُ وَاسْلُكْ بي مَحَجَّتَهُ، وَاَنْفِذْ اَمْرَهُ وَاشْدُدْ اَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللّـهُمَّ بِهِ بِلادَكَ، وَاَحْيِ بِهِ عِبادَكَ، فَاِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ اَيْدِي النّاسِ)، فَاَظْهِرِ الّلهُمَّ لَنا وَلِيَّكَ وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ الْمُسَمّى بِاسْمِ رَسُولِكَ حَتّى لا يَظْفَرَ بِشَيْء مِنَ الْباطِلِ اِالّا مَزَّقَهُ، وَيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُحَقِّقَهُ، وَاجْعَلْهُ اَللّـهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبادِكَ، وَناصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ ناصِراً غَيْرَكَ، وَمُجَدِّداً لِما عُطِّلَ مِنْ اَحْكامِ كِتابِكَ، وَمُشَيِّداً لِما وَرَدَ مِنْ اَعْلامِ دينِكَ وَسُنَنِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَاجْعَلْهُ اَللّـهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِن بَأسِ الْمُعْتَدينَ، اَللّـهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بِرُؤْيَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلى دَعْوَتِهِ، وَارْحَمِ اسْتِكانَتَنا بَعْدَهُ، اَللّـهُمَّ اكْشِفْ هذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هذِهِ الاُْمَّةِ بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنا ظُهُورَهُ، اِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعيداً وَنَراهُ قَريباً، بِرَحْمَتِـكَ يـا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ . ثمّ تضرب على فخذك الايمن بيدك ثلاث مرّات وتقول كلّ مرّة : اَلْعَجَلَ الْعَجَلَ يا مَوْلاىَ يا صاحِبَ الزَّمانِ ).

أقول: لا بأس أن يقرء المقطع الأخير من دعاء الافتتاح الذي يقرء في ليالي شهر رمضان المبارك، ولا بأس أن يكون من دعاء قنوته في صلواته.

اللهم وصل على ولي أمرك ، القائم المؤمل ، والعدل المنتظر ، وحفه بملائكتك المقربين ، وأيده منك بروح القدس يا رب العالمين .

اللهم اجعله الداعيَ إلى كتابك ، والقائمَ بدينك ، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله ، مَكِّنْ له دينه الذي ارتضيته له ، أبدله من بعد خوفه أمناً ، يعبدك لا يشرك بك شيئاً . اللهم أعزه وأعزز به ، وانصره وانتصر به ، وافتح له فتحاً يسيراً ، واجعل له من لدنك سلطاناً نصيراً . اللهم أظهر به دينك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله ، حتى لايستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق .

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة ، تعز بها الإسلام وأهله ، وتذل بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، والقادة إلى سبيلك ، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة .

اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه ، وما قصرنا عنه فبلغناه . اللهم الْمُمْ به شعثنا ، واشعب به صدعنا ، وارتق به فتقنا ، وكثر به قلتنا ، وأعزز به ذلتنا ، وأغن به عائلنا ، واقض به عن مغرمنا ، واجبر به فقرنا ، وسد به خلتنا ، ويسر به عسرنا ، وبيض به وجوهنا ، وفك به أسرنا ، وأنجح به طلبتنا ، وأنجز به مواعيدنا ، واستجب به دعوتنا وأعطنا به سؤلنا ، وبلغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا ، وأعطنا به فوق رغبتنا .

يا خير المسؤولين وأوسع المعطين ، إشف به صدورنا ، وأذهب به غيظ قلوبنا ، واهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، وانصرنا به على عدوك وعدونا إله الحق آمين .

اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله ، وغيبة ولينا ، وكثرة عدونا ، وقلة عددنا ، وشدة الفتن بنا ، وتظاهر الزمان علينا ، فصل على محمد وآل محمد ، وأعنا على ذلك كله بفتح منك تعجله ، وضر تكشفه ونصر تعزه ، وسلطان حق تظهره ، ورحمة منك تجللناها ، وعافية منك تلبسناها ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم صلِّ على محمد وعليهم صلاةً كثيرةً دائمةً طيبة ، لا يحبط بها إلا أنت ، ولا يسعها إلا علمك ، ولا يحصيها أحد غيرك .

اللهم صلى على وليك المحيي سنتك ، القائم بأمرك ، الداعي إليك، الدليل عليك، وحجتك على خلقك ، وخليفتك في أمرك ، وشاهدك على عبادك . اللهم أعزَّ نصره ، ومُدَّ عمره ، وزيِّنْ الأرض بطول بقائه .

اللهم اكفه بغي الحاسدين ، وأعذه من شر الكائدين ، وازجر عنه إرادة الظالمين ، وخلصه من أيدي الجبارين . اللهم أعطه في نفسه وذريته وشيعته ورعيته وخاصته وعامته وعدوه وجميع أهل الدنيا ما تَقَرُّ به عينه ، وتُسَرُّ به نفسه ، وبلغه أفضل أمله في الدنيا والآخرة . إنك على كل شئ قدير .

اللهم جدد به ما محي من دينك ، وأحي به ما بدل من كتابك ، وأظهر به ما غير من حكمك ، حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً خالصاً مخلَصاً ، لاشك فيه ولا شبهة معه ، ولا باطل عنده ولا بدعة لديه .

اللهم نوره بنوره كل ظلمة، وهد بركنه كل بدعة ، واهدم بعزته كل ضلالة واقصم به كل جبار ، وأخمد بسيفه كل نار ، وأهلك بعدله كل جبار ، وأجر حكمه على كل حكم ، وأذل لسلطانه كل سلطان .

اللهم أذن كل من ناواه ، وأهلك كل من عاداه ، وامكر بمن كاده ، واستأصل من جحد حقه واستهان بأمره ، وسعى في إطفاء نوره ، وأراد إخماد ذكره.



([1])  البحار: 53 : 319.

([2])  البحار: 53: 174 ـ 175.

([3])  البحار: 53: 175.

([4])  البحار: 52 : 324ـ 325.

ارسال الأسئلة