العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
السیرة الذاتیة ◄

السیرة الذاتیة

النشاطات الثقافیّة و المشاریع الإجتماعیّة

ولادته

.بسم اللّه الرحمن الرحيم.

ولادته .

لقد أنعم الله عليّ بالوجود ، وكنت في علمه حين من الدهر مذكور ، فوطأت قدماي عرصة الحياة الدنيوية في اليوم السادس بين الطلوعين من شهر رمضان المبارك سنة ألف وثلاثمائة وخمسة وسبعين من الهجرة النبويّة الشريفة ، في مدينة الكاظمية المقدّسة بجوار الإمامين الكاظمين موسى بن جعفر الكاظم ومحمّد بن عليّ الجواد (عليهم السلام) ، فتلاقفتني أيدي الاُمومة والاُبوّة والأحبّة ، فإنّي الولد الأوّل للاُسرة بعد بنتين وولد المسمّى بعزيز ، وقد ارتحل إلى جوار ربّه ليكون ذخراً لأبويه . واحتضنتني الوالدة الحنونة بنت السيّد محمّد الحسيني النجفي من السادة الأفاضل المعروفين في النجف الأشرف ، وسهرت الليالي وتحمّلت مرارة العيش والفقر من أجل سعادة أولاده ، ولا سيّما وقد كانت تكنّ لي المحبّة البالغة حتّى صارت مضرب المثل في ذلك بين الاُسرة ، ووالدي العلاّمة آية الله السيّد علي بن الحسين العلوي الذي كان يكنّ لي عناية خاصّة ، جزاهما الله خير الجزاء وأحسن العطاء وأجمل الثناء ، وأسعدهما في الدارين ، وجعلني بارّاً بهما في حياتهما وبعد مماتهم ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغير ، وجازِهما بالإحسان إحسان ، وبالسيّئات غفران ، آمين يا ربّ العالمين .

ولي في عالم الطفولة قصص وحكايات وحوادث طريفة ، وأشعر أنّ أجمل لحظات العمر وأطهرها إنّما هي أيام الطفولة ، للبرائة والعصمة والقداسة التي يحملها الطفل ; فإنّه بريء من كلّ شين ، ومعصوم من كلّ ذنب ، فحياته آنذاك حياة العصمة ، فما ألذّها وأسعده .

وممّا أذكر كنت طفلا في الثالثة من عمري ، اصطحبتني عمّتي لزيارة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) ، وكنّا في ( فضوة الشيوخ ) ، فلمّا توجّهنا إلى الحرم الشريف بقرب حانوت ، أخرجت من جيبي ( عانة ) من نقود أيام الملكيّة في العراق لأشتري ما يشتريه الأطفال ، فقالت عمّتي : لا تنفع هذه ، وأعطتني ( خمس فلوس ) وقالت : بهذا اشترِ ، فقد بطلت تلك النقود ( وكان ذلك في أوّل ثورة عبد الكريم قاسم 14 تموز 1958 ) .

وفي يوم من الأيام كان الشباب يلعبون في ساحة المحلّة كرة القدم ، وكنت متفرّجاً فأتتني الكرة في بطني فوقعت على الأرض صارخاً من شدّة الألم .

ولمّا كان المقصود من هذه الوجيزة هو سرد السير الدراسي ، فالأولى أن اُعرض عن الحوادث أيام الصب ، وعمّا جرى عليّ أيام المراهقة ، وسأضرب صفحاً عن معالم الشباب وحياتي الاجتماعية ، وما جرى في عالم الصداقة والقرابة والزواج من الذكريات الجميلة ، أو الخواطر المرّة ، وأكتفي بذكر نبذة يسيرة من أيامي الدراسية ، ومن الله التوفيق .

عندما بلغت السادسة من العمر ، وكان والدي في سجن الطاغية عبد الكريم قاسم ـ لقصيدة شعبية ألقاها في صحن مولانا الكاظم (عليه السلام) ضدّ الطغمة الحاكمة والفساد الذي عمّ البلاد ، لا سيّما لما فعله عبد الكريم من جلب راقصات يابانيات في ليلة السابع من محرّم الحرام ـ دخلت مع أخي السيّد عماد الذي يصغرني في السنّ بسنة وأشهر تقريب ، الصفّ الأوّل من مدرسة الاُخوّة الإيرانية في الكاظمية المقدّسة ، وكنّا نحمل ـ آنذاك ـ الجنسية الإيرانية لظروف خاصّة ، وما أتممنا الصفّ الرابع بنجاح حتّى وقعنا في ( القضية الخالصيّة ) التي سجّلها التأريخ الكاظمي ، وقد سقط القتلى من الجانبين ( جماعة الخالصي وآل تميم ) وكان سماحة الوالد ـ آنذاك ـ إمام جماعة الجامع الهاشمي ومدرّسها والنائب لسماحة آية الله السيّد اسماعيل الصدر (قدس سرهما) ، وآل الأمر إلى هجرتهما إلى النجف الأشرف ، فسكنّا داراً أمام مدرسة الآخند عليه الرحمة في محلّة ( الحويش ) ودخلنا الصفّ الخامس في مدرسة العلوي الإيرانية أيض ، كما شرعت ـ سنة 1387 ـ مع أخي بأمر من الوالد بأخذ العلوم الدينية الحوزوية ، فقرأنا النحو الواضح ـ الجزء الأوّل ـ ولأوّل مرّة عند فضيلة السيّد حسين الصدر ابن السيّد اسماعيل الصدر ، وكان يدرس عند والدي ، وكنّا ندرس عنده في بيت السعيد الشهيد آية الله العظمى السيّد محمد باقر الصدر (قدس سره) ، وشاء الله أن تكون بداية دراساتي الحوزوية في حوزة النجف الأشرف وفي بيت العلم والسيادة والجهاد والشهادة والحمد لله ربّ العالمين .

وبعد مضيّ تسعة أشهر من استيطاننا النجف الأشرف ، أمر سماحة آية الله العظمى السيّد محسن الحكيم (قدس سره) والدي العزيز أن ينوبه في العبيدية ـ حي طارق ـ في بغداد الجديدة ، فامتثل الوالد أمره المطاع ، وأقام صلاة الجماعة في جامع العبيدي ، وفتح مدرسة علمية ، فوفدت إليه الطلاب ، وبنى مسجداً باسم ( الجامع العلوي ) في وسط البلد ، ونلت وأخي شرف التتلمذ عند الوالد ، وبدأنا من النحو الواضح الجزء الأوّل والثاني مرّة اُخرى إلى الجزء السادس ، وكنت آنذاك في سنّ المراهقة ، وما أن أتممت مرحلة المقدّمات ودخلت في اليوم الأوّل في السادسة عشرة من العمر ، ولأوّل يوم من بلوغي بالسنة الهلالية في السادس من رمضان المبارك سنة 1391 هجري توّجني الوالد بالعمّة المباركة ، وزيّ الطلبة في احتفال ضخم في الجامع العلوي ، بعد أن راسل سماحة آية الله العظمى السيّد الخوئي (قدس سره) ليدعو لي بالتوفيق والتسديد ، وكان لدعائه المقدّس أثر بالغ في حياتي العلمية والدراسية .

كما أذكر جيّداً كان عمري بين الثانية عشر والثالثة عشر ذهبت مع الوالدة إلى كربلاء المعلّى لزيارة مولانا سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) وقد سمعت من الوالد أنّ الدعاء يستجاب تحت قبّته الكريمة ، فبقرب الضريح المقدّس وتحت القبّة وبدموع بريئة رفعت يدي للدعاء وقلت : « اللّهم اجعلني من العلماء » ، ولم أدرِ آنذاك ما معنى هذا الدعاء ، إنّما كان ذلك من إلهامات وتربية الوالد .

كما أذكر كان عمري عشر سنوات سمعت من الوالد أنّ الشيخ الرئيس ابن سينا نبغ في كلّ العلوم وكتب فيه ، حتّى كتب كتاب القانون وعمره أحد عشر سنة ، فسألني عمّي السيّد رضا يوم ، ماذا تريد أن تكون في المستقبل ؟ وهذا ممّا يسأله الكبار من الصغار ، فأجبته بالحرف الواحد : « أريد أن أصير ابن سين » ، وك نّما هذا المعنى في الضمير اللاشعوري جعلني أكتب في كثير من العلوم والمواضيع المختلفة .

وهذا وأمثاله إنّما هو من أثر تربية الوالد (قدس سره) ، كما أنّ معظم توفيقاتي كان من أثر برّ الوالدين ودعائهما لا سيّما دعاء الوالدة حفظها الله تعالى ، وأذكر يوماً كان الوالد ودموع الشوق تجري من عينيه يدعو لي بالتوفيق ، كما إنّ الوالدة في قصّة كتبت لصاحب الزمان (عليه السلام) رسالة ( عريضة ) ـ كما هو مذكور في آخر مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمّي (قدس سره) ـ وكان ذلك في أيام مراهقتي وبداية دخول الحوزة ، تطلب منه (عليه السلام) توفيقي في الحياة . وبعد أن لبست العمّة أمرني الوالد (قدس سره) من ليلتها الاُولى أن أصعد المنبر ، وأخذت اُدرّس الرسالة العمليّة للجمهور ، واليوم علمت أنّ مقصود الوالد عليه رحمة الله الواسعة من وراء ذلك ، إنّما هو تنمية قابلية الخطابة والتدريس والجرأة الأدبية والجماهيرية في وجودي ، فجزاه الله خير الجزاء وأسكنه فسيح جنانه وحشره مع مواليه الأطهار محمد وآله الأبرار .

وبعد أشهر حلّت أزمة تهجير المؤمنين إلى إيران ، فسفّرت الزمرة البعثية الحاقدة عشرات الآلاف من الشيعة بعنوان الإيرانيين القاطنين في العراق ، لا سيّما العتبات المقدّسة حتّى من كان ولادته وولادة أبيه وجدّه في العراق ، فكنّا في زمرة المهجّرين ، فودّعنا عراقنا الجريح والمظلوم والأهل والأقرباء والأصدقاء والدموع تسيل على الوجنات ، والقلوب التهبت بنيران الفراق .

وبعد اللتيا واللتي سكنا مدينة قم المقدّسة عشّ آل محمد (عليهم السلام) ، وما أروع هذه المدينة الطيّبة والبقعة المباركة بجوار سيّدتنا ومولاتنا فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) ، التي من زارها عارفاً بحقّها وجبت له الجنّة ـ كما جاء في الأخبار الموثّقة ـ فدخلت مع أخي مدرسة آية الله العظمى السيّد الگلپايگاني (قدس سره) برعاية العلاّمة السيّد أحمد الحسيني القمي دامت بركاته ، وتخرّجت من المدرسة بعد ستّة سنوات مع مجموعة من الطلاب نعدّ بالأصابع ، بعد أن كنّا في البداية سبعمائة طالب تقريب ، ولكن كانوا ـ في الغالب ـ يتركون المدرسة في الصفّ الرابع أو الخامس ، لصعوبة الدروس والبرامج والنظام الحاكم على المدرسة آنذاك ، ولكن صبرت على ذلك ، والحمد لله كما هو أهله ومستحقّه ، كما خرجت من دار الوالد وسكنت مدرسة الستّية ، وكانت حجرتي بجوار ( بيت النور ) وهي الحجرة التي كانت فيها سيّدتنا فاطمة المعصومة (عليها السلام) تعبد ربّه ، بعد أن حلّت بقم خلال ثمانية عشر يوم ، والبقعة من الأماكن المقدّسة التي يزورها المخلصون من محبّي أهل البيت (عليهم السلام) .

ثمّ بعد عام سكنت مدرسة حاج ملاّ صادق ، ثمّ مدرسة الخان ، أمام صحن السيّدة المعصومة (عليها السلام) ، ثمّ مدرسة العلوي ، ومن أجمل سنيّ عمري هذه السنين التي كنت في حجرات المدارس ، فما أروع تلك الأيام والشهور والسنين ؟ وإن كانت من حيث المعيشة في صعوبة وضيق ، فإنّي كنت أعيش على خمسين تومان في كلّ شهر أقبضه من المدرسة ، ولم أمدّ يدي إلى والديّ ، بل كنت أصوم النهار وأفطر على وجبة غذاء واحدة ( قرص من الخبز مع لبن أو جبن أو « أرد شيره » كنت اُحبّها كثير ) ، وقد نقص من وزني آنذاك أكثر من عشرين كيلوغرام ، حتّى إنّ بعض الأقارب كان يمرّ بجنبي وهو لا يعرفني ، وكلّ هذا وأنا مستبشر مطمئنّ ، واليوم اُدرك تلك المقولة المشهورة ( إنّ العلم لا يأتي إلاّ بالفقر والغربة ) ، وكأنّ الله يريد الفقر لأهل العلم في بداية حياتهم حتّى يدركوا في المستقبل آلام الفقراء ويحسّوا بفقر المحرومين والبؤساء .

أجل ، أذكر يوماً كنت في زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) ، في دار اُستاذي في الأخلاق ، فنفدت نقودي ، ولم أتجاسر للأكل من دار اُستاذي ، كما لم أقترض مالا من أحد ، فبقيت ثلاثة أيّام اُكابد الجوع ، حتّى آل الأمر نّي عندما كنت أصعد الدرج لا تقوى رجلاي على النهوض والصعود ، وبعد ذلك التقيت بأحد الإخوان ( الشيخ گنجي ) ، فقال لي : لقد أقرضتني من قبل أربعمائة تومان ، هل تريد قرضك ؟ وكنت لا أتذكّر القرض ، فضحكت في نفسي وقلت : ولِمَ لا ؟ وهذا رزق من حيث لا يُحتسب في تلك اللحظة .

وإنّما ذكرت هذا الحادث من حياتي ليكون عبرةً لإخوتي الطلبة ، فلا يحزنوا لفقرهم في بداية مسيرتهم الحوزوية ، بل ليفرحوا بذلك ، فإنّ هذا يعدّ من العنايات الإلهية الخاصّة .

وكنت في تلك الفترة من بركاتها مشتغلا بأربعة عشر درساً في كلّ يوم بين أن أحضر دروساً وبين أن اُدرّس وبين أن أتباحث مع زميلي في الدروس ، حتّى نّي أذكر جيّداً كان لي مباحثة في اللمعة قبل أذان الصبح في حرم السيّدة المعصومة (عليها السلام) ، ثمّ كنّا نصلّي الجماعة بإمامة سيّدنا الاُستاذ آية الله العظمى السيّد النجفي المرعشي (قدس سره) ، ثمّ لنا مباحثة اُخرى ، وهكذا بين درس وتدريس ومباحثة ، فما أجمل تلك الأيّام وك نّها وريقات خضراء تساقطت من شجرة العمر ولن تعود الحياة إليها ثانيةً ... فواشوقاه لتلك الأيام والسنين الحلوة ...

ثمّ رجعت بعد خمس سنوات من سكني في المدارس إلى الدار ثانية ، لأملأ الفراغ الذي أصاب الاُسرة بفقد أربعة من إخوتي ـ حجّة الإسلام السيّد عامر والسيّد عقيل وبنت العلى صاحبة كتاب ( پيرامون زن ـ مطبوع ) وبنت الإيمان عليهم رضوان الله الكريم ـ في حادثة اصطدام سيارة ليلة انتصار الثورة الإسلامية في إيران ( 22 بهمن 1357 ) في طريق جمكران عندما قصدوا مسجد صاحب الزمان (عليه السلام) للدعاء بانتصار الثورة .

وبعد أربعة سنوات من الحادث المؤلم والقاسي ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، إرتحل والدي ـ في يوم الاثنين 28 شعبان سنة 1403 بعد أن اُصيب بنوبة قلبية أثناء أداءه للعمل الجهادي الإسلامي ـ إلى جوار ربّه ، بعد أن قضى من عمره خمسة وخمسين عام ، لينال البشرى والرضوان بما صبر ، فإنّه كان اُمثولة الصبر والعمل في سبيل الله قدّس الله نفسه الزكية وأسكنه فسيح الجنان في زمرة محمد وآل محمد (عليهم السلام) ، وأنزل على رمسه شآبيب رحمته الواسعة .

وجاءت ترجمته في كتاب ( گنجينه دانشمندان ) المجلّد الثاني لسماحة الشيخ محمّد الرازي دامت بركاته ، كما جاءت باللغة الفارسیة في كتاب ( ستاره درخشان ) ، وباللغة العربية في كتاب ( الكوكب الدرّي في حياة السيّد العلوي ) ومواضع اُخرى .